- أبعاد مشروع القرار ودوافعه
- الحقيقة التاريخية ومصادرها الموضوعية

ليلى الشيخلي: أهلا بكم نحاول في هذه الحلقة التعرّف على ما وراء طرح واشنطن مشروع قرار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين أي إنكار للمحرقة التي تعرّض لها اليهود على أيدي النازيين الألمان باعتبارها حدثا تاريخيا ونطرح في الحلقة تساؤلين اثنين؛ ما هي الفوائد التي يجنيها المجتمع الدولي من التذكير المستمر بقضية محرقة اليهود على أيدي النازيين الألمان؟ وهل تمثل الأمم المتحدة الجهة الأمثل لإصدار الأحكام على حوادث التاريخ أم يجب تركها للمؤرخين؟

أبعاد مشروع القرار ودوافعه

ليلى الشيخلي: إذاً الجمعية العامة للأمم المتحدة تقترع الجمعة على مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة يدين أي إنكار كلي أو جزئي لمحرقة اليهود باعتبارها حدثاً تاريخياً.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: ضحايا ما يعرف بالمحرقة النازية أو ما اصطلح على تسميته بالهولوكوست عديدة هي الأماكن التي اقترف فيها النازيون جرائمهم غير أن معتقل أوجفيتس كان فيما يبدو الأكبر والأكثر بشاعة طيلة الحرب العالمية الثانية، يقال أن أكثر من مليون يهودي ومئات الآلاف من البولنديين ومن الغجر ومن الروس قضوا فيه إما مرضاً أو تعذيباً أو في غرف الغاز، جريمة من فظائع حرب أورثت زمن السلم جدلاً في تفاصيلها لم تتوقف معاركه عند البحوث التاريخية..

ليلى الشيخلي: نعتذر يبدو هناك مشكلة تقنية في الصورة، سنتابع معكم التقرير بعد قليل ولكن ننوه أولاً بضيوفنا في هذه الحلقة معنا من القاهرة الدكتور عبد الوهاب المسيري خبير الدراسات الصهيونية ومؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، من القدس الدكتور روبرت فيستريخ أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية في القدس، أولاً دكتور عبد الوهاب المسيري يعني ما هو المغزى وما هي أهمية استصدار مشروع قرار مثل هذا؟

عبد الوهاب المسيري - خبير الدراسات الصهيونية: الصوت راح.

ليلى الشيخلي: دكتور عبد الوهاب هل تسمعني؟

عبد الوهاب المسيري: الصوت راح.. الآن سمعتكِ تفضلي كرري السؤال من فضلك.

ليلى الشيخلي: طيب كنت أسألك.. نعم كنت أسألك عن أهمية استصدار قرار مثل هذا من قبل الجمعية العامة؟

"
الحضارة الغربية تحاول أن تخبئ فضيحتها،
وهي حضارة إبادية بدأت بإبادة الهنود الحمر واستمرت في عمليات الإبادة ولكن كل عمليات الإبادة التي تمت كانت
خارج أوروبا وضد السود والحمر والصفر
"
عبد الوهاب المسيري
عبد الوهاب المسيري: أنا بأعتقد إن الحضارة الغربية فيها أزمة حقيقية أولاً غياب المقدسات فيها وبالتالي الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون مقدس فبالتالي خلعوا القداسة على الهولوكوست خاصة وإنه كما أقول في بعض كتاباتي إنهم يبحثون عن ميتافيزيقا بلا أعباء أخلاقية فحينما يقدس الهولوكوست هذا لا يكلفه شيئاً دي رقم واحد، رقم اثنين أنا بأعتقد إن الحضارة الغربية تحاول أن تخبئ فضيحتها، الحضارة الغربية الحديثة حضارة إبادية بدأت بإبادة الهنود الحمر واستمرت في عمليات الإبادة لكن كل عمليات الإبادة التي تمت في الماضي على يد الحضارة الغربية كانت خارج أوروبا وضد بشر من السود والحمر والصفر، مشكلة الهولوكوست أنها تمت داخل أوروبا وضد بعض المواطنين الألمان البيض فبالتالي يعني كما لو كانت الحضارة الغربية رأت نفسها في المرآة فقررت أن تحول النمط العام الإبادي إلى قضية خاصة باليهود واليهود وحدهم وأن النازيين هم وحدهم المسؤولون مما يعفي الحضارة الغربية من ماهيتها وهويتها الإبادية التي أشرت إليها.

ليلى الشيخلي: طيب يعني لم تذكر فيما ذكرت دكتور يعني الجانب السياسي هنا، هناك مَن يقرأ التسييس في الموضوع ويقرأ إيران بين السطور هل توافق؟

عبد الوهاب المسيري: لا القضية تسبق إيران بسنين طويلة الإشكالية..

ليلى الشيخلي [مقاطعةً]: لا أقصد أتحدث الآن عن إثارة.. نعم دكتور أتحدث عن إثارة الموضوع من جديد، يعني عندما تنظر الجمعية العامة في استصدار قرار من هذا النوع يوم الجمعة يعني ما هو المغزى من إثارة الموضوع مجددا برأيك؟

عبد الوهاب المسيري: أنا دائما أقرأ الأحداث بطريقة أكثر عمقاً من الجانب السياسي لعل الجانب السياسي هنا قد أثار القضية من جديد لكن هذا هو الموقف الغربي منذ أواخر الستينيات تقريباً.

ليلى الشيخلي: طيب دكتور روبرت فيستريخ هل توافق على هذا؟ هل ترى أن الجانب السياسي هنا ربما يلعب دور أساسي يعني تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد حركت المياه الراكدة وحمست الجمعية العامة يعني من خلال واشنطن أن تسن مثل هذا أو تصدر مثل هذا القرار؟

روبرت فيستريخ - أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية في القدس: هل أرى المسألة كمحاولة تسييس للأسف الشديد أعتقد أنه كان هناك أكثر مما ينبغي أو يلزم من البعد السياسي للهولوكوست أو المحرقة، أنا بصفتي أستاذ جامعياً الهدف الأساس بالنسبة لي أن يكون تثقيفيا تعليميا وأن نحاول أن نجعل البشر يدركون كيف يمكن لهم أن يتعاملوا مع هذه الأمور من دون خطر مواجهة إبادة أخرى، هذا هو العنصر الأساس كيف يمكن أن نثقف ونعلم الأجيال الجديدة لكي تفهم من أن كارثة مريعة كالمحرقة عندما حدثت قد تحدث مرة أخرى وربما قد حدثت بمستوى أو بحجم أقل، ماذا نعي من دروس وماذا نتعلم من تاريخ قتل شعب بأكمله بإبادته بدم بارد؟ هذه هي القضية بالنسبة إلي.

ليلى الشيخلي: طيب أسمحوا الآن لنا أن نتابع التقرير عن اقتراع الجمعية العامة للأمم المتحدة الجمعة على مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة يدين أي إنكار كلي أو جزئي لمحرقة اليهود باعتبارها حدثا تاريخياً، لنتابع.

[تقرير مسجل]

خالد داوود: مشروع قرار أمريكي معروض على الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين بدون أي تحفظ محاولات إنكار وقوع المحرقة اليهودية المعروفة بالهولوكوست، رسالة لإيران على ما يبدو فالتحرك الأمريكي جاء بعد عدة أسابيع من استضافة طهران لمؤتمر طرح تساؤلات حول الرواية الرسمية الإسرائيلية لتفاصيل ما جرى لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، المشروع الأمريكي يطالب برفض أي إنكار للمحرقة كحدث تاريخي سواء كليا أو جزئيا أو رعاية أي أنشطة تسعى لذلك، القرار الأمريكي الجديد الذي حظي بموافقة الدول الأوروبية وروسيا يأتي بعد عام من تمرير واشنطن لقرار مماثل يحدد في السابع والعشرين من يناير من كل عام كيوم لإحياء ذكرى المحرقة ولذلك رأت بعض الدول في المشروع الأمريكي محاولة واضحة لاستغلال الجمعية العامة لأغراض سياسية بحته في إطار مواجهاتها المتصلة مع إيران.

بشار الجعفري - السفير السوري لدى الأمم المتحدة: مَن يحاول أن يحاسب البشرية على بعض الصفحات السوداء يجب أن يحاسبها على كل الصفحات السوداء التي ارتكبت، هناك محرقة ارتكبت بغض النظر عن تفاصيلها يجب أن تُدرس وتستقى منها الدروس التاريخية والعبر التاريخية ولكن هناك صفحات سوداء أكثر خطورة من تلك جرت ولم يُحاسَب عليها أحد، المرحلة الاستعمارية مثلا مَن سيحاسِب الدول الاستعمارية على الصفحات السوداء التي كتبتها بدماء الناس في كل القارات؟

خالد داوود: ولكن من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية فإن التصريحات النارية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد والتي تنبأ فيها بزوال إسرائيل وشكك في وقوع المحرقة أمور لم يعد من الممكن السكوت عنها.

بنيى أفني - صحفي إسرائيلي: ينبغي الأخذ في الاعتبار المؤتمر الذي استضافته طهران الشهر الماضي وما يتردد في إيران من دعاوى لإزالة دولة بعينها، هذا بالإضافة إلى أحداث أخرى تثير القلق منها اقتراب إيران من امتلاك أسلحة نووية.

خالد داوود: ونظراً لحساسية قضية المحرقة وعدم رغبة معظم الدول في أن يبدو وكأنها تنكر ما تعرَّض له اليهود من فظائع فإنه من المتوقع أن يتم تمرير القرار في الجمعية العامة بالإجماع ومن دون تصويت علني، بينما تستعد الأمم المتحدة لعقد أنشطة عدة لإحياء ذكرى المحرقة فإن الولايات المتحدة أرادت في هذه المناسبة أن تقدم هدية أخرى إلى أقرب حلفائها إسرائيل والتي يرى كثيرون أنها تستغل ذكرى المحرقة من أجل تبرير استمرار احتلالها لفلسطين، خالد داوود الجزيرة من داخل مقر الجمعية العامة نيويورك.

ليلى الشيخلي: يعني إذا كان الغرض هو الحيول دون معاودة هذه المحرقة مرة ثانية كما ذكر الدكتور روبرت فيستريخ، أريد فقط نذكر بما دعاه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو اليوم دعا إلى محاكمة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد للحيلولة كما قال الدكتور فيستريخ دون وقوع محرقة ثانية لليهود ترتكبها إيران إذا امتلكت أسلحة نووية، قال هذا وهو يزور لندن اليوم لحشد الدعم لهذا التوجه بدعوى أن الرئيس الإيراني انتهك صراحة ميثاق 1948 والذي يحظر أي عمل إبادة والتحريض على الإبادة، عند سؤاله عن السبب الذي يدعو إيران للالتزام بقرارات الأمم المتحدة في الوقت الذي تنتهك إسرائيل فيه القرارات الدولية المتعلقة بالفلسطينيين قال نتنياهو إن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مواثيق دولية ملزمة، دكتور عبد الوهاب المسيري ما الذي يمنع من أن يستخدم هذا القرار الذي سيصدره أو تصدره الجمعية العامة كشماعة للدخول للكونغرس لكي تتبنى قرار ملزم بحيث تصدر عقوبات اقتصادية بحق أي دولة تخرقه؟

عبد الوهاب المسيري: هي الولايات المتحدة عودتنا على أن تتصرف خارج شرعية الأمم المتحدة وخارج شرعية المواثيق الدولية فهي دولة تؤمن بالفلسفة الداروينية فلسفة القوة لكن علينا أن نناهض هذا وأن ندافع عن الإنسان فمثلاً أنا أعتقد إنه ربط الإبادة النازية ليهود أوروبا.. المسألة ليست إنكارها وإنما ربطها تحويلها إلى ظاهرة تاريخية وبالتالي أعتقد إن لابد أن يعدَّل القرار بحيث نقول إن إنكار الهولوكوست كلياً أو جزئياً إن لم يسانده يعني وثائق علمية إذاً فهو خرق لقواعد العلمية ويجب أن يُعاقَب مَن يقوم بذلك شأنه شأن أي مؤرخ يزيف التاريخ، أنا أعتقد بشكل من أشكال أنسنة الهولوكوست.. أنا مثلاً من رأيي إن لابد إن إحنا نبدأ في دراسة الوثائق النازية التي بدأت تكشف عن الهولوكوست ومن الواضح إنه حدثت مذبحة ولا سبيل لإنكارها ويجب إن إحنا ننظر في هذه الوثائق لنعرف مثلاً مدى تعاون الصهاينة مع النازيين وهناك من الوثائق ما صدر يبيَّن إن المنظمة الصهيونية العالمية تعاونت ووقعت على معاهدة تسمى معاهدة أفرا، هناك أسماء كثيرة مثل ألفريد نوتسية، رودلف كاستنر، كل هؤلاء ثبت تعاونهم مع النازيين وتسليمهم يهود أوروبا، أنا أعتقد إن الوثائق الجديدة إن رأينها ستضع حد لمحاولة إنكار الهولوكوست وستبيَّن مدى تعاون النازيين مع الصهاينة ومدى تحالف الطرفين.

ليلى الشيخلي: سأترك فرصة للدكتور فيستريخ لكي يعلق على هذا بشكل سريع قبل أن نأخذ فاصل ونكمل الحوار، تفضل دكتور.

"
أعتقد أن الهدف الرئيسي من دراسة المحرقة يجب أن يكون كما هو الحال مع كل الأحداث التاريخية وهو الوصول
إلى الحقيقة
"
روبرت فيستريخ
روبرت فيستريخ: دعوني أقول أولاً إنني أعتقد أن الهدف الرئيسي من دراسة المحرقة يجب أن يكون كما هو الحال مع كل الأحداث التاريخية هو أن يكون الوصول إلى الحقيقة، هذا هو الهدف الذي يجب أن نتوخاه فالمشكلة الأكبر تكمن في الجهل لذلك أنا أتفق مع القول بأننا بحاجة إلى وثائق بشكل موضوعي وغير منحازة قدر الإماكن، بالطبع أنا لا أعتقد أن علينا أن نسعى أياً منا كمؤرخين نسعى لأجندة تحاول إثبات مثلاً نظرية تعاون الصهاينة مع النازيين أو غير ذلك، كان هناك تعاون وتواطأ في كل أنحاء أوروبا مع النازيين الشيوعيين تواطؤوا مع النازيين لفترة ومجموعات كثيرة في المجتمعات الأوروبية وعدة بلدان تعاونت مع النازيين لإبادة اليهود، حتى العالم العربي وصل إلى العالم العربي إلى الجزائر والمغرب وتونس ولما بدأت بفحص ذلك هل أن العرب تواطؤوا مع الألمان في أماكن أخرى أو مع الفرنسيين سنجد وثائق تدعم ذلك ويمكن أن نجد قصص أخرى تتحدث عن عرب ساعدوا أو أنقذوا اليهود، إذاً أرى في المسألة قضية هي مزيج من بواعث مختلفة لكنها تبقى قضية إنسانية وضرورة تاريخية أن نفهم ما حدث وسيكون لها فائدة عظيمة خاصة في الوضع الحاضر للعالم العربي لأن ينفتح على الموضوعية أو إلى تحقيق أكثر موضوعية عما حدث، ليس فقط لإظهار خرافة إنكار المحرقة ولكن أن نعلن ماذا يمكن للإنسان أن يرتكب من أعمال وأيضاً نرى مخاطر ذلك على عالمنا الذي تنتشر فيه الأسلحة النووية التي ببضعة قنابل منها قد تؤدي إلى إبادة البشرية، إذاً علينا أن ندرس هذه الأمور لنرى هل يمكن أن نطور آليات أو تحذيرات بشأنها أن تحول..

ليلى الشيخلي [مقاطعةً]: يعني دكتور تتحدث عن دراسة وتحليل والسؤال على خلفية القانون الذي ستصدره الجمعية العامة بإدانة إنكار أو رفض جزئي أو كلي، هل هذا مسموح؟ هل المناخ السياسي والدولي والقانوني متوفر؟ هذا ما سنطرحه بعد الفاصل أرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الحقيقة التاريخية ومصادرها الموضوعية

ليلى الشيخلي: أهلاً بكم من جديد، هي التهمة التي بات يخشاها الباحثون وأهل الرأي لأنها قد تقودهم إلى السجن إنكار المحرقة جزئياًَ أو كلياً، بين الحين والآخر تقوم ضجة مدارها ما تعرض له اليهود من معاناة على يد النازية في الحرب العالمية الثانية حدث تضعه إسرائيل ومَن يناصرها من دول ومنظمات فوق الجدل بينما يراها خصومهم وبكل بساطة داخل التاريخ.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: هذه الصور حقيقية وليست مقطع من فيلم سينمائي هؤلاء هم ضحايا ما يعرف بالمحرقة النازية أو ما اصطلح على تسميته بالهولوكوست، عديدة هي الأماكن التي اقترف فيها النازيون جرائمهم غير أن معتقل أوشفيتز كان فيما يبدو الأكبر والأكثر بشاعة طيلة الحرب العالمية الثانية، يقال إن أكثر من مليون يهودي ومئات الآلاف من البولنديين ومن الغجر ومن الروس قضوا فيه إما مرضاً أو تعذيباًَ أو في غرف الغاز، جريمة من فظائع حرب أورثت زمن السلم جدلاً في تفاصيلها لم تتوقف معاركه عند البحوث التاريخية وإنما تجاوزتها إلى ساحات القضاء، كانت المحرقة واحدة من الأسس المركزية التي بنت الحركة الصهيونية مشروعها ومشروعيتها عليه لتكون رأس الحربة في جبهة ناهضت أي تشكيك فيها جزئياً أو كلياً، إن ذلك لم يمنع ظهور بحوث ومواقف تخالف هذا التوجه بدرجات متفاوتة ومن مواقع مختلفة، البعض أنكر المحرقة اليهودية وآخرون ناقشوا إحصائياتها بينما ندد غيرهم باستثمار الهولوكوست بنحو بعيد وفق نظرتهم عن جوهرها الأخلاقي، على قائمة المتهمين بالتشكيك برزت شخصيات نذكر أهمها، ديفد إيفرينغ مؤرخ بريطاني راجع المحرقة في كتابه حرب هتلر وقال إنه حاول الكشف عن جوانب مجهولة منها، حوكم وسجن قبل أن يطلق سراحه لاحقاً، منظمة الكابالا جماعة دينية يهودية ترى أن اليهود الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية استحقوا مصيرهم بما كسبته أيديهم، داريوش راتجشاك مؤرخ بولندي شكك في أن يكون عدد الضحايا اليهود ستة ملايين مشيرا إلى أنهم عانوا كغيرهم من النازية، نورمان فنلكستاين مؤرخ يهودي أميركي ندد في كتابه صناعة الهولوكوست باستغلال المحرقة لابتزاز بنوك التعويض الألمانية والسويسرية واعتبره أكثر إضراراً بالضحايا من التشكيك في مأساتهم، رجاء غارودي مفكر فرنسي حوكم لما أورده في كتاب الأساطير المؤسسة لإسرائيل من تشكيك في المحرقة وجابه ضغوطاً كبيرة بسبب رأيه فيه، مارتن هوفمان نائب في البرلمان الألماني عن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي يُطرد من صفوف حزبه فقط لأنه قال إن الشعب اليهودي مسؤول عن كثير من جرائم الثورة الروسية، حركة ناطوري كارتا حركة يهودية تعتبر إسرائيل دولة مارقة عن الدين اليهودي منددة باستثمار تل أبيب المحرقة في ارتكاب ما هو أبشع منها في حق الفلسطينيين، واكبت تلك الحركة بفاعلية مؤتمر طهران لدراسة المحرقة والذي عُقد نهاية 2006 بمشاركة 67 باحثا من ثلاثين دولة التقت كلماتهم عند مراجعة الرواية الإسرائيلية الغربية لمعاناة اليهود أبان الحرب العالمية الثانية تحت عنوان الحق في حرية البحث العلمي والجهر بالرأي المخالف.

ليلى الشيخلي: دكتور عبد الوهاب المسيري يعني الدكتور كان يدعوا إلى البحث العلمي ولكن أليس ما يحدث الآن مع المحرقة يتجاوز قضية تذكير يعني يكاد يكون نوع من الحجر على حرية البحث في الواقع بأي موضوع يتعلق بالمحرقة؟

عبد الوهاب المسيري: هو بالفعل كذلك أنا دائما أتحدث عن الأيقنة في مقابل الأنسنة، إن العالم الغربي بيحاول أن يحول الهولوكوست إلى أيقونة، شيء مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو بالتالي في الواقع يهمشها لأنه إذا كانت المحرقة شيء فريد خارج التاريخ إذاً كيف يمكنني أنا كإنسان أن أتواصل معها وأن أعطف على الضحايا؟ ومن ثم أنا أنادي بأنسنة الهولوكوست أي جعلها جزء من نمط أكبر وهذا لن يتأتى إلا من خلال الدراسة المستمرة والاجتهاد المستمر وبالمناسبة هناك كثير من العلماء الإسرائيليين مما يؤيدون هذا الموقف لأنهم يدركون تماما خطورة أيقنة الهولوكوست وجعلها شيء ليس له نظير مما يؤدي إلى إهمال الضحايا البولنديين الغجر مَن كانوا يسمون (Useless eaters) أفواه تأكل ولا تنتج بمعنى إن النازيين لم يكونوا عنصريون بالمعنى السائد وإنما كانوا ماديين بمعنى صارم، أي إنسان كان غير منتج كان يجد طريقه إلى أفران الغاز وهذا لا ينطبق على اليهود وحسب ينطبق على البولنديين وعلى الغجر وعلى بعض العجائز والأطفال المعوقين وعلى الشواذ وبهذه الطريقة تصبح الهولوكوست ظاهرة إنسانية وظاهرة تاريخية لا تختلف عن الهولوكوست التي ارتكبها الأميركيون في أميركا الشمالية عند الاستيطان أو التي ارتكبها البلجيكيين في الكونغو.

ليلى الشيخلي: يعني أنسنة الهولوكوست دكتور فيستريخ يعني هل تعتقد أن هذا واقع يحدث؟ لماذا أيضا مهم جداً أن نعرف لماذا فقط الهولوكوست؟ ماذا عن إبادة حصلت في رواندا؟ ماذا عن الأرمن؟ لماذا هذا التخصيص يعني لماذا يجب أن نتذكر دائما وننسى بقية تلك الأحداث؟

روبرت فيستريخ: أولاً دعوني أقول إنه في البحث الخاص الذي أجريته والكتب التي ألفتها أؤمن بأهمية الدراسات المقارنة ويجب أن لا نبحث مسألة المحرقة بمعزل عن الإبادات الأخرى بل يجب أن نفعل ذلك كما حدثت فأنا مثلاً في كتابي قارنت وبحثت في أوجه التشابه والاختلاف مع الإبادة التركية ضد الأرمنية والغولاغات السوفيتية لكن على آية حال أرى أننا عندما نجري مثل هذه المقارنات ندرك بأن هناك علامات مميزة وجوانب فريدة خاصة فيما يتعلق بالنازيين ومحاولة إبادتهم لليهود، ما كان فريداً من نوعه هنا هو المنهجية والطريقة المخطط لها سلفاً والتي يتم من خلالها جمع أناس متفرقون في أنحاء مختلفة من أوروبا ليتم جمعهم وإعادتهم إلى أماكن أخذهم إلى أماكن لن يظهروا منها ثانية، طبعاً ما حدث ضد المجموعات الأخرى كان عملاً مكثفاً لكنه لم يكن وما حدث مع الروس والبولنديين والطرف الذي عان من مصير مشابه كان الغجر لكنهم كانوا مجموعات أصغر عددياً لكنني لا أعتقد أن علينا أن نأخذ..

ليلى الشيخلي [مقاطعةً]: نعم مضطرة للمقاطعة آسفة للمقاطعة ليس لدينا وقت أكثر للمناقشة، شكراً جزيلاً يعني وربما نختم بسؤال يعني هل من المصلحة أن ننسى أو نتذكر؟ هذا هو السؤال الذي ننهي به هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم كالمعتاد المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات المقبلة بإرسالها على عنواننا indepth@aljazeera.net في أمان الله.