- مستقبل الحوار الوطني اللبناني
- لبنان الجديد في ضوء اتفاق الطائف

لونه الشبل: أهلا بكم، نحاول في حلقة اليوم التعرف على ملامح المشهد اللبناني في ضوء المستجدات السياسية التي أعقبت الحرب ونطرح فيها تساؤلين اثنين، كيف يبدو مستقبل الحوار الوطني في لبنان بعد نهاية الحرب؟ وهل يقوِّض التراشق الإعلامي بين الفُرقاء أسس هذا الحوار؟ لم تنقضِ سوى أيام على انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان حتى اندلعت حرب من نوع آخر، حرب كلامية بدأت من دمشق وتردد صداها في بيروت وبدأت معها المخاوف من تعمق الأزمة السياسية في لبنان.

[تقرير مسجل]

بسام بونني: الحوار ثم الحوار ولا شيء غير الحوار، ذلك هو السبيل الوحيد لإخراج لبنان من عنق الزجاجة بإجماع كل الفرقاء، بيد أن الفُرقة زادت بسبب اختلافات عميقة واستئناف جلسات الحوار الوطني التي تعثرت عند مسألة سلاح حزب الله يبدو الآن مستبعَدا، إذ منذ الخامس والعشرين من يونيو تاريخ آخر جلسة زعزعت لبنان حرب ليست ككل الحروب، حرب اعتبر البعض أن التشاور قبل نشوبها كان من شأنه أن يجنب البلاد ويلاتها.

[شريط مسجل]

وليد جنبلاط – رئيس كتلة اللقاء الديمقراطي: طيب أين نحن؟ طيب أين تلك الغالبية من اللبنانيين وأين الدولة إذا كنت تريد أن تتصرف كما تريد باسم الأمة وباسم الشعب؟

بسام بونني: أطراف أخرى انتقدت تغييب الدولة في اتخاذ قرار الحرب.

[شريط مسجل]

سعد الحريري – رئيس كتلة المستقبل: ولن يسمح اللبنانيون لأحد بعد اليوم أن يجعل من الدولة الطرف الأضعف في المعادلة الوطنية أو الجهة المكسورة التي لا حول لها ولا قوة.

بسام بونني: الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان ولَّدت نتيجة معاكسة للأهداف الإسرائيلية إذ وحدت كل الطبقات الاجتماعية والسياسية حول المقاومة، لكن يبدو أن هذه الوحدة لم تكن سوى مجرد موقف فرضته الحرب، فبعد الحرب الميدانية وما أوقعته من ضحايا فُتحت جبهة لحرب كلامية قد تكون عواقبها أقسى من مخلفات المواجهة العسكرية، الشرارة انطلقت من دمشق حيث وجَّه الرئيس السوري بشار الأسد انتقادات حادة لمن اعتبرهم أعداء المقاومة.

[شريط مسجل]

بشار الأسد: هذه الحرب أسقطت أصحاب أنصاف المواقف أو أنصاف الرجال وأسقطت كل المواقف المتأخرة يعني مَن كان ينتظر ميزان القوى ليرى أين تميل الكفة أو أين ترجح سقط وسقطت معه مواقفه.

بسام بونني: لبنان يبقى في مهب رياح عاتية ويبدو أنه لن يسلم من عواقبها إلا عبر وفاق وطني وفي انتظار وفاق قد يتحقق وقد لا يتحقق يأمل اللبنانيون في غدٍ أفضل يقيهم شر حرب داخلية.

مستقبل الحوار الوطني اللبناني

لونه الشبل: ومعنا في هذه الحلقة من بيروت الكاتبان الصحفيان اللبنانيان السيد قاسم قصير وأنطوان قسطنطين ومن القاهرة نرحب بنائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية الدكتور محمد السيد سعيد، أبدأ معك سيد أنطوان هذه الاستحقاقات التي بات الآن اللبنانيون يواجهونها وهي استحقاقات ربما من نوع جديد، كيف يبدو مستقبل الحوار الوطني في ظلها؟

"
التحدي المطروح على اللبنانيين من الآن فصاعداً هو نجاح الطوائف اللبنانية في صيغة نظام سياسي قابل للحياة بعيدا عن التكاذب وعن تأجير الذات لصراعات الآخرين
"
    أنطوان قسطنطين

أنطوان قسطنطين – كاتب صحفي - بيروت: مستقبل الحوار الوطني لا يمكن فصله عن الأحداث التي شهدها لبنان على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً، كما لا يمكن فصلها عما سبق من تداعيات ومواقف منذ أكثر يعني من سنة ونصف بدءا من يوم التمديد للرئيس إميل لحود وما تلاه من أحداث يعني كان أبرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب سوريا، أظن أن ما شهدناه من مقتطفات من كلام السيد وليد جنبلاط ومن الرئيس السوري بشار الأسد ومن مواقف أخرى كان أبرزها للسيد حسن نصر الله، كل ذلك يؤشر إلى أن الصراع في لبنان ذو وجهين، أولا هو صراع بين اللبنانيين حول حسم الصيغة النهائية لهذا الوطن صيغة أي نظام سياسي يركن إليه اللبنانيون ويمكن أن يؤمِّن الاستقرار وصيغة العلاقة مع محيط هذا الوطن ومدى قدرة اللبنانيين على إبعاد وطنهم أو عدم تأجير ذاتهم لصراعات الآخرين، إن التحدي المطروح على اللبنانيين من الآن فصاعداً هو.. يعني أن تنجح الطوائف اللبنانية وأقول الطوائف لأن ربما كلمة الشعب اللبناني لا تعبر عن واقع الحال فنحن أمام مجموعة طوائف، المطروح عليها هو أن تنجح في صيغة نظام سياسي قابل للحياة بعيدا عن التكاذب وعن تأجير الذات لصراعات الآخرين كما قلت.

لونه الشبل: عدم تأجير الذات لصراعات الآخرين، سيد قاسم سمعنا هذه الجمل أو ما معناها منذ بدء هذه الحرب وحتى قبل أن تضع رحاها كنا نسمع بأن لحظة الحساب يجب أن تحين وبالتالي برأيك سيد قاسم هل نحن أمام لحظة الحساب وما بعدها كما طالبت بعض القوى اللبنانية؟

قاسم قصير – كاتب صحفي - بيروت: أولا أنا لا أوافق على مصطلح تأجير الذات يعني، برأيي كل طرف لبناني لديه وجهة نظر داخلية وهو يتعاطى مع الأمور من هذا المنطلق، موضوع الحساب هو طبعا مطلوب للجميع يعني، الجميع مطلوب لهم أن يقدموا حسابا للشعب اللبناني، ما قدموه لهذا الشعب، ماذا فعلوا من أجل هذا الشعب؟ أنا برأيي ما حصل في لبنان خلال الأيام الماضية سيدفع اللبنانيين أكثر لمزيد من الحوار ولمزيد من النقاش الجاد ولطرح القضايا الأساسية وقد شاهدنا اليوم يعني تطورا مهما على المستوى الأمني والسياسي وهو دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب.. كامل الجنوب اللبناني وهذه خطوة ستساعد أولا في تركيز دعائم الدولة اللبنانية، في دفع الأمور نحو مرحلة جديدة بعكس ما يخاف منه..

لونه الشبل [مقاطعةً]: ولكن شاهدنا بالمقابل، سيد قاسم شاهدنا ظهورا لوليد جنبلاط يتحدث بالفاصلة والنقطة إذا صح التعبير عما.. عن خطابات السيد نصر الله وكان يجيب عن كل جملة قالها السيد نصر الله بِرَد سياسي.

قاسم قصير [متابعاً]: نعم، هذا طبيعي في لبنان، من حق رئيس حزب التقدم الاشتراكي وليد جنبلاط أن يطرح وجهة نظره، أن يناقش ما سبق أن طرحه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وهذا المشهد موجود في لبنان منذ حوالي خمسين سنة يعني ليس مشهدا جديدا في لبنان وهذه طبيعة لبنان الديمقراطية، طبيعة لبنان التعددية، طبيعة لبنان التنوع يعني، أنا برأيي ما يحصل اليوم هو أمر طبيعي وهذا هو الأمر الذي يجب أن يحصل، كل إنسان يُدلي بوجهة نظره، يعبر عما لديه من هواجس ولكن في الختام يجب أن يصب هذه المواقف في إطار دعم الدولة اللبنانية وهناك ملاحظة أنا لاحظتها في الأيام الأخيرة، جميع الأطراف يؤكدون على خيار الدولة اللبنانية القوية والعدالة والتي تحتضن جميع أبنائها، هذا أنا برأيي مشهد مهم جدا، أن الجميع يريد بناء الدولة اللبنانية القوية والعادلة، هذا سمعناه من الرئيس نبيه بري، من الرئيس فؤاد السنيورة، من الشيخ سعد الحريري ومن الأستاذ وليد جنبلاط ومن السيد حسن نصر الله، يعني هناك قاسم مشترك يمكن للبنانيين أن يلتفوا حوله ويستفيدوا من العدوان الذي حصل من أجل توحيد كلمتهم وتعزيز مؤسسات الدولة.

لونه الشبل: هذه النقطة بالضبط سأعود إليك معها سيد قاسم ولكن قبل ذلك اسمح لي أن استطلع رأي الدكتور سعيد في القاهرة، كل ما سمعناه منذ بداية هذه الحلقة حتى الآن دكتور سعيد هل.. أو كيف سيؤثر حقيقةً على أجواء الحوار الوطني اللبناني؟ في أي اتجاه نحن نتجه برأيك؟

محمد السيد سعيد – مركز الأهرام للدراسات السياسية - القاهرة: طبعا المستأجرات داخل لبنان ينبغي أن نفهمها في السياق الأوسع لحقل الخطابات المتصارعة في الساحة اللبنانية أو في الساحة العالمية، ينبغي أن ننتبه إلى حقيقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل يرغبان في لَبننة الصراع وربما عسكرته داخل لبنان وبالتالي تحقيق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة بصورة.. من خلال المزيد من الدم اللبناني بعدما قام بتدمير لبنان تدميرا شاملا، أعتقد أن نقطة البداية هي يعني رفض فكرة الحروب بالوكالة أو تأجير لبنان أو تأجير النَفْس أو غير ذلك لأن فكرة الحروب بالوكالة ليس لها قوام وليس لها معنى، أعتقد أن حزب الله هو قوة وطنية لبنانية وهي قوة عربية وهي قوة مسلمة وإن كنا نعلم أن لها صلة قوية جدا بإيران وسوريا وهذا لا يضر في شيء طالما أن أهداف الحزب وأهداف لبنان فيهما قدر معقول من التناسق، لاحظ أن فكرة الحروب والوكالة أُطلقت على الصراع العربي الإسرائيلي كله فوُصفنا كما لو كنا عملاء للروس، أتحدث عن العرب بمجملهم وأن إسرائيل ليست إلا مجرد بارجة حربية للولايات المتحدة الأميركية وهذه النظرية ثبت أنها يعني ليس لها أساس من الصحة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي لا نزال نطالب بحقوقنا الوطنية والتاريخية في فلسطين المحتلة وأيضا في لبنان ومختلف البلاد العربية، إذاً حزب الله هو قوة لبنانية مثلها في ذلك مثل بقية الفصائل اللبنانية وينبغي أن نرفض هذه الرواية الفاسدة التي تقول إن حزب الله تصرف بأوامر من إيران أو سوريا، إذا كان الأمر كذلك فهذه الحوارات مفيدة طالما أنها تنتبه لحقيقية أن المطلوب حاليا أميركيا وإسرائيليا هو لَبننة الصراع في لبنان وربما تعريب الصراع عموما وخاصة من خلال التركيز على الصراع المفترض بين والقابل للاشتعال بين السُنة والشيعة، أعتقد هذه رواية أخرى هي فاسدة تاريخيا ولكنها قابلة للاشتعال إذا ما استُثمر إزاءها أموال كبيرة وإرادة سياسية كبيرة وقوة يعني إقليمية ودولية عاتية.

لونه الشبل: إذاً هذه السِجالات هي ظاهرة صحية دون أن تُستثمر، أتوجه إليك سيد أنطوان عند هذه النقطة، في بداية الحلقة قلت بأن هذا الحوار هو حوار بين الطوائف ولا أقول الشعب اللبناني وأنا أستعير منك، قبل هذه الحرب كان هناك شكل للمعادلة السياسية كانت تحكم لبنان منذ القرار 1559، الآن هل سنشهد تغيرا لهذه المعادلة السياسية، لهذه الكتل السياسية، لهذه اللغة واللهجة السياسية التي كانت تحكم لبنان؟

أنطوان قسطنطين: اسمحي لي أولا أن أوضح للضيفين العزيزين بأن عبارة تأجير الذات التي ربما أثارت نوعا من الحفيظة ليست موجهة بالتحديد إلى حزب الله كما حاول البعض الإيحاء، أنا أتحدث عن مجمل التاريخ اللبناني في مراحله الأخيرة، هذه المسألة.. وهو يعرف أستاذ قاسم أكثر من سواه ربما بأن الطوائف اللبنانية ارتكبت خطيئة الولاء إلى الخارج أكثر من الولاء إلى يعني.. بدل الولاء إلى الوطن على مراحل ودفعت أثمانا باهظة وهذا لا يقتصر فقط على حزب الله، بفترة من الفترات الموارنة في لبنان دفعوا مثل هذا الثمن وارتكبوا مثل هذه الخطيئة لذلك عندما أقول الطوائف اللبنانية أنا لا أقصد التحقير، أنا أوصِّف واقعا نعرفه جميعا في لبنان..

لونه الشبل: ولكن سيد أنطوان هناك مَن يتهم الآن بعض القوى داخل لبنان أيضا بالتبعية أو الانتماء إلى الخارج.

أنطوان قسطنطين: عظيم، أنا لا أتهم بالتبعية ولا أتهم بالانتماء، أنا أقول بأن الطوائف اللبنانية ونتيجة فشلها أقول منذ العام 1943 وربما قبل نتيجة فشلها في صياغة نظام سياسي مستقر ينقل البلاد من حال التعاقد الطائفي إلى حال الانتماء الوطني نتيجة ذلك لجأت الطوائف وفي فترات يعني متتالية ومتعاقبة وبحسب الظروف كل طائفة إلى دولة من الدول الخارجية أحيانا لتحمي ذاتها وأحيانا لي ربما لترسم مشروعا خاصا بها، حان الوقت لأن.. اسمحي لي عفوا..



لبنان الجديد في ضوء اتفاق الطائف

لونه الشبل: طيب سيد أنطوان كي لا نبقى في التاريخ، لو سمحت لي هذه النظرة التاريخية قد لا يتسع وقت البرنامج لها، أنا سألتك حول الموضوع.. لو سمحت لي قضية أن المعادلة السياسية التي كانت تحكم لبنان منذ 1559 هل ستتغير؟

أنطوان قسطنطين: ما هو المقصود بالمعادلة التي كانت قبل 1559 المعادلة؟

لونه الشبل: منذ 1559، بمعنى هناك أكثرية نيابية، هناك توافق في بعض الجهات وبعض الكتل، الآن نرى جزءا من هذه الكتل انفصل عن أو فُرط عَقده؟

أنطوان قسطنطين: إذا كان المقصود بالمعني البرلماني للكلمة لا تزال هناك أكثرية أعطت شرعيتها لهذه الحكومة، بالمعنى السياسي للكلمة هناك انقسام نعم وطاولة الحوار لم تكن لتوجد لولا هذا الانقسام، المسألة تتعلق بـ 1559 ليس هو الذي يحدد يعني تاريخ الحياة السياسية في لبنان، أريد أن أتوقف عند عبارة عسكرة الصراع داخل لبنان، أنا لا أدافع عن الولايات المتحدة الأميركية ولكن أنا لا أظن مطلقا بأن هناك مشروع إسرائيلي أميركي مشترك لعسكرة الصراع أو لَبننة الصراع الداخلي، ما يعني.. ماذا تستفيد الولايات المتحدة الأميركية من إشعال فتنة طائفية في لبنان؟ أنا أظن على العكس أن التحريض على الفتنة جاء وللأسف من الرئيس السوري بشار الأسد الذي ربما أعطى هدية مجانية لإسرائيل بهذا التحريض الذي قاله أو أنه شعر بأن سوريا ربما أصبحت نوعا ما معزولة إقليميا أو لم يعد لها أي دور بالمطلق، المطلوب وبوضوح أن يعيد اللبنانيون صياغة نظامهم وأن تستعيد طاولة الحوار هذه المرة المواضيع بعمق ولا تتوقف فقط عند القشور أو عند التفاصيل، الأسئلة الكيانية مطروحة على اللبنانيين بقوة، الـ 1559 ليس هو المفصل الحاسم في تاريخ لبنان.. تاريخ لبنان السياسي بدأ قبل ذلك ويستمر بعد ذلك، كل اللبنانيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم مدعوين إلى مرحلة يعني تفكير وعودة إلى الذات ليسألوا أنفسهم السؤال الأساسي، هل نريد أن نبقى معا على هذه الأرض ونشكل دولة فيها مصالح مشتركة وفيها مصير مشترك أم نريد أن نبقى مجموعة طوائف تتناحر أحيانا لأسباب داخلية وأحيانا أخرى لغايات خارجية؟

لونه الشبل: نعم، سيد قاسم استمعت إلى هذه الدعوة من السيد أنطوان قسطنطين، لتناسي القضايا التفصيلية والدخول في العمق إلى أي مدى بات ذلك الآن ممكنا بعد الانشقاق السياسي الذي تحدث عنه أيضا السيد أنطوان قسطنطين، هناك انشقاق سياسي في الداخل، إلى أي مدى ممكن الجلوس مرة أخرى على طاولة الحوار والتحدث بعمق عن هذه القضايا؟

"
وجود الخلافات السياسية في لبنان أمر طبيعي وهو جزء من تركيبة لبنان، لكنه الآن أمام محطة جديدة من أجل إعادة بناء الدولة لأن العدوان الذي تعرض له لبنان أدى لتعزَّيز منطق الدولة اللبنانية في حماية السيادة بلبنان
"
          قاسم قصير

قاسم قصير: وجود الخلافات السياسية في لبنان أمر طبيعي وهو جزء من تركيبة لبنان، لكن أنا برأيي الآن أصبح لبنان أمام محطة جديدة من أجل إعادة بناء الدولة وهي فرصة مهمة الآن حصلت في لبنان، يعني صحيح أن هذا العدوان الكبير الذي تعرض له لبنان أدى إلى دمار وإلى سقوط الشهداء والجرحى لكنه عزَّز منطق الدولة اللبنانية وعزَّز دور المؤسسة العسكرية اللبنانية في حماية السيادة واستقرار في لبنان، هناك عدة مؤشرات أنا برأيي إيجابية الآن تحصل رغم كل الخلافات الظاهرية ووجهات نظر مختلفة هو أن لبنان أصبح يعني له قوة الكيان وقوة الحماية، هو الآن يحظى برعاية دولية في تفاصيل وضعه وهذه المسألة مهمة جدا صحيح أن بعض الدول أو جهات تريد التدخل في الشأن اللبناني، لكن لبنان.. يعني هذه الحرب التي تعرض لها لبنان كادت أن تدمره حصل اهتمام دولي بلبنان وأنا برأيي القوة الداخلية حتى الآن أصبحت تشعر أكثر بأهمية حماية لبنان والحفاظ عليه، جميع الأطراف الآن يتمسك بلبنان ويتمسك بأهمية الدولة المركزية في لبنان، صحيح فيه هناك بعض التباينات لكن هناك فرصة جديدة من أجل إعادة بناء هذه الدولة، طبعا نحتاج إلى حوار أو وضوح حول أي دولة نريد في لبنان؟ هذه الإشكالية أنا برأيي الآن مطلوبة، أما الحاجة إلى الدولة، ضرورة الدولة، رفض التقسيم، رفض أي فتنة داخلية، هذا هناك اتفاق كبير بين جميع إن لم نقل كل اللبنانيين على هذا الاتجاه، نحن الآن نجحنا من خلال مواجهة هذا العدوان في تحصين الوضع اللبناني الداخلي، تعزيز التضامن الداخلي رغم الخلافات السياسية التي كانت قائمة أو ما تزال قائمة ولبنان الآن أنا برأيي يولد من جديد والدولة اللبنانية الآن أمام يعني مرحلة جديدة ينبغي العمل لتعزيزها وتعزيز مؤسساتها الرسمية.

لونه الشبل: على أي شاكلة، دكتور سعيد سيولد لبنان الجديد إذا ما أخذنا وجهة النظر هذه للسيد قاسم، على أي شاكلة سيظهر.. سيولد لبنان الجديد؟ هل هو لبنان الموحد الذي كان يعتبر الوحدة هي خط أحمر أم قد.. أو الوحدة الظاهرية التي كانت أثناء الحرب قد تفرقها السياسة الآن ما بعد الحرب؟

محمد السيد سعيد: أنا أعتقد أنه يعني من الصحيح أن ثمة إجماع داخل لبنان على إعادة بناء الدولة اللبنانية كدولة موحدة كاملة السيادة على جميع الأراضي اللبنانية، أعتقد هذه نقطة انطلاق جيدة للغاية، أعتقد أيضا أنه من الضروري أن نستند على اتفاق الطائف أكثر من القرار 1701 ونفهم أن هناك للدولة الديمقراطية في لبنان وهو مفهوم يختلف بدرجة معينة عن مفهوم الدولة الليبرالية أو شكل الحكم الليبرالي، أعتقد أن هناك حاجة لترجمة الطائف ترجمة دقيقة ويعني.. وإن بصورة تدريجية لأن هناك يعني قضية ضخمة هي إلغاء الطائفية السياسية ويعني ما يرتبط بها من جوانب ثقافية وأنساق حياة يعني مصالح متناقضة والمهمة الآن مزدوجة من ناحية إعادة بناء الدولة الديمقراطية أو إعادة بناء الدولة اللبنانية على أساس ديمقراطي حقيقي وهذا يعني مع الوقت مثلا تغيير قانون الانتخاب، هذا يعني مسح سكاني جديد لكي تظهر الوقائع على الأرض، هذا يعني بالتأكيد قضية الطبقات والفقراء والأغنياء وضرورة أن يشعر المحرومون في لبنان بأن لديهم نظام توزيعي فيه شيء من العدل ولكن على الجانب الآخر هناك قضية الدفاع عن النفس، الدفاع عن الوطن اللبناني الذي تحدث عنه بامتياز الأستاذ أنطوان لأن هذا الدفاع هو أمر ضروري، تقوية الجيش اللبناني ويعني تزويده بأنظمة الدفاع وأنظمة تسليح حديثة هو أمر مهم على الأقل لمنع إسرائيل من استباحة السماء اللبنانية كما فعلت طوال الأربعين عاما الماضية، لم تكن هذه الاستباحة بالضرورة بمناسبة عملية بعينها من جانب الفلسطينيين أو حزب الله وإنما كانت سياسة ثابتة، سياسة الانتقام الثقيل التي تنتهجها إسرائيل تجاه جميع الدول العربية تعني.. أن من الناحية الواقعية أنه لو قام شخص لبناني لأي سبب من الأسباب ولو أسباب شخصية بعملية بسيطة فإن السماء سوف تنفتح ويعني تأتي جهنم إلى لبنان، هذا الأمر ينبغي أن يكون واضحا في أذهان اللبنانيين، أن المشكلة كامنة في أن جارهم إلى الجنوب هو يعني بالغ القسوة، بالغ الضراوة، بالغ الشراسة وأنه لا يرحم فعلا وأن سياساته مجملها سواء كانت الطبيعة العنصرية أو سياسة الانتقام الثقيل أو غيرها تعني أن لبنان قابِل للهدم إن لم تكن فيه دفاعات قوية بما في ذلك الدفاعات التي يقوم بها الشعب مباشرة أو منظمات وطنية مثل حزب الله.

لونه الشبل: ولكن هناك مَن يرى، سيد أنطوان تعليقا على كلام الدكتور سعيد، هناك مَن يرى بأن هذه أو طاقة جهنم التي قد تُفتح على لبنان يتحمل فتحها هذه المرة حزب الله وبالتالي هذا جَزر هذا الانقسام السياسي الآن وبالتالي بعيدا عن الطائفة وبعيدا عن هذا العدو الواحد انقلبت القضية إلى الداخل ومَن تسبب في هذا.. في فتح طاقة جهنم إذا صح التعبير؟

أنطوان قسطنطين: أولا يعني لم تكن إسرائيل ولا مرة بحاجة إلى ذريعة ليعني تقيم عدوانا على لبنان، طبعا الأصابع الدولية أشارت إلى حزب الله على أنه هو البادئ بمعنى أن البادئ أظلم، بمعنى أن يعني اختطاف أو أسْر الجنديين الأسرائيليين هو يعني النقطة التي فاض بها الوعاء، أنا أعتقد بأن اللبنانيين الذين يتساجلون وربما يتجادلون حول ما الذي أصابهم يطرحون سؤالا أبعد من مسألة مَن كان المسؤول عن هذا الخراب الأخير أو مَن كان المسؤول عن هذا الدمار، إنهم يعرفون تماما..

لونه الشبل: ولكن اليوم السيد جنبلاط تحدث تلميحا إلى درجة التصريح حول هذه النقطة وكان شبه واضح؟

أنطوان قسطنطسن: نعم.. نعم، طبعا السيد جنبلاط طرح مجموعة أسئلة على السيد حسن نصر الله انطلاقا من مواضيع الحوار التي يعني خاضها الاثنان مع مجموعات أخرى ممثلة للمجموعات السياسية والطائفية في لبنان، طرح عليه أسئلة ذات طابع وجودي وكياني، أبرز هذه الأسئلة هل هناك نية في إقامة دولة خارج دولة لبنان؟ أم أنك مستعد لبناء دولة مع بقية اللبنانيين؟ هذه الأسئلة طُرحت فيما مضى على السيد جنبلاط نفسه وعلى آخرين بفترة من الفترات كلنا.. يعني لا يجب إخفاء يعني مراحل من مراحل تاريخنا، كل الطوائف وهذا ما ذكرته وقصدته، كل الطوائف بمرحلة من المراحل رفضت الكيان اللبناني، منهم مَن أراد تصغيره لمصلحة شخصية، منهم مَن أراد تذويبه لمصلحة شخصية أخرى، كلكم تذكرون حرب العلمين، رفض السيد وليد جنبلاط العلم اللبناني، اليوم هو يعتبر الأكثر دفاعا عن اللبننة، الأسئلة التي طرحها على السيد حسن نصر الله أنا أعتقد أن المقصود منها فتح الحوار بمعناه الحقيقي وإعادة لبننة هذا الحوار بعيدا عن صراعات الآخرين ومصالح الآخرين، لبنان يبقى دولة قابلة للحياة، الشعب اللبناني الذي.. وإن اختلف حول نظامه السياسي وهذه مسؤولية النُخب وليست مسؤولية الناس، هذا الشعب اللبناني لا يزال شعبا قابلا للحياة، أنا أفاجأ بأن يأتيني اليوم أكثر من عشر اتصالات من أوروبا ومن الخليج العربي من الإمارات من قطر أصدقاء يقولون لنا سمعنا بأن المطار قد فتح، أحد الأصدقاء اتصل بي من الإمارات يقول لي هل ممكن أن نأخذ طائرة (Middle east) هذا المساء إلى بيروت؟ هذا المؤشر على أن هذا البلد شعبه يريد أن يعيش فيه ضمن نظام مستقر وعلى النُخب السياسية فيه أن تطرح داخل الجلسات الحوارية المسألة بعمق وأن يتفقوا على صيغة بعيدة عن التكاذب وبعيدة عن المصالح الضيقة.

لونه الشبل: في دقيقة سيد قاسم لأن وقت البرنامج شارف على الانتهاء، إذاً القوى السياسية اللبنانية الآن هي أمام امتحان حقيقي لاستحقاقات ما بعد الحرب، هل ستنجح برأيك؟ وهل ستُصلِّح إذا صح التعبير ما اعتُبر اعوجاجا بين.. من العلاقة بين حزب الله والحكومة والدولة؟

قاسم قصير: نعم، أنا برأيي القوى السياسية اللبنانية ستنجح في تصحيح الإشكالات التي حصلت قبل العدوان وهذا العدوان سيشكل محطة جديدة في دفع الأوضاع اللبنانية نحو الأفضل بغض النظر عن حجم الدمار الكبير وحجم الخسائر الكبيرة، هذه ستشكل رسالة للبنانيين أن لبنان فوق الجميع وأن الدولة اللبنانية فوق الجميع ونحن بدأنا نشهد مؤشرات إيجابية وأهمها اليوم دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب بعد حوالي ثمانية وعشرين سنة على منعه من دخول الجنوب، اليوم يوم يولد فيه لبنان من جديد برأيي والقوى السياسية اللبنانية قادرة على الحوار وعلى بناء لبنان الجديد انطلاقا من التجربة الماضية.

لونه الشبل: شكرا جزيلا لك الكاتب الصحفي قاسم قصير من لبنان كما أشكر أيضا من لبنان بيروت السيد أنطوان قسطنطين أيضا الكاتب الصحفي ومن القاهرة نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية الدكتور محمد السيد سعيد، نهاية حلقة اليوم من برنامج ما وراء الخبر، بإمكانكم كما العادة المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net، غدا إن شاء الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.