محمد كريشان: أهلاً بكم، نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء غياب جيل القادة المؤسسين لإسرائيل بغياب شارون ونطرح فيها تساؤلاً مركزياً، أي أثر قد يتركه غياب أرييل شارون باعتباره نهاية جيل القادة المؤسسين في إسرائيل؟ ما بين الموت السريري والموت السياسي تتأرجح حالة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، هذه اللحظة الملتبسة دفعت الإسرائيليين وغيرهم من المهتمين بالشرق الأوسط إلى التساؤل عن حجم الفراغ الذي سيتركه رحيل شارون السياسي بوصفه آخِر جيل المؤسسين من العسكر.

شارون وجيل القادة المؤسسين في إسرائيل

[تقرير مسجل]

مكي هلال: هو الموت السياسي إذاً لقائد عسكري وزعيم سياسي احتفل منذ أيام بولادة حزب كاديما وقد جلب إليه عدداً غير قليل من محترفي السياسية في إسرائيل، فهل ترجل آخِر الأباء المؤسسين من جنرالات الجيش؟ وهل آن للبلدوزر أن يتوقف فقط لأسباب صحية؟ أسماء أباطرة السياسة القادمين من ساحة الجيش الإسرائيلي طبعت تاريخ إسرائيل السياسي، فقبل شارون كان رابين وموشيه ديان ومناحم بيغن وشامير وباراك، كلهم استمدوا شرعيتهم وارتكزوا في نجاحاتهم السياسية على ماض عسكري يعتبره الإسرائيليون مُشرّفاً، مغادرة أرييل شارون المعترك السياسي الإسرائيلي ستُخلّف بالتأكيد أسئلة تقليدية عن الدور الذي كانت تلعبه الزعامات التاريخية من ذوي العقيدة العسكرية في إسرائيل وقدرة الجيل الجديد من القادة البرجماتيين على سد أي فراغ محتمل أم أنّ جيلاً جديداً من الزعامات قد يقطع مع الأبوة السياسية بالنظر إلى ما يعيشه حزب كاديما اليوم من يُتم سياسي ومخاطر موت محقق تُهدد الحزب وزعيمه وتنذر بإعادة تشكيل الخارطة السياسية في إسرائيل.

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من القدس الدكتور مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية ومن تل أبيب الدكتور دان شيفتان نائب رئيس مركز دراسات الأمن القومي بجامعة حيفا ومعنا أيضاً من بيروت نافذ أبو حسنة المؤلف لسلسة من الكُتب تعنى بالتاريخ الفلسطيني والإسرائيلي، أهلاً بضيوفنا الثلاثة، نبدأ من تل أبيب والدكتور دان شيفتان، دكتور شيفتان ليس الحديث في هذه الحلقة على الصعيد السياسي اليومي وإنما عن المدى الاستراتيجي وعن طبيعة الدولة في إسرائيل وتاريخها، هل غياب شارون يعني نهاية جيل كامل من الأباء المؤسسين العسكر في القيادة الإسرائيلية؟

دان شيفتان- مركز دراسات الأمن القومي بجامعة حيفا: لا أعتقد أنها قضية جيل من الأباء المؤسسين، هذا الشخص بعينه شارون استطاع أن يعكس في سياساته تركيبة مثيرة للاهتمام للإسرائيليين الذين من جهة قالوا أنه لا يجب أن لا تثق بالفلسطينيين أو بالعرب ومن جانب آخَر عليك أن تُقدّم تنازلات كبيرة، هذه الشخصية.. شخصية شارون وقيادته بماضيه وبالمصداقية التي يتمتع بها هو الذي يُغادر المسرح السياسي ولكنها ليست مسألة قادة شباب لديهم نظرة مختلفة وآراء مختلفة لكن هي مسألة قيادة، هل تستطيع إسرائيل أن تُولّد قائداً جديداً يستطيع أن يمتلك كل هذه القدرة؟ لكن على أي حال الأثر على المدى القصير سيكون من الصعب اتخاذ القرارات الكبيرة الصعبة التي اتخذها شارون من دون شارون، على سبيل المثال إسرائيل هل كانت ستفك الارتباط عن أجزاء كبيرة من الضفة الغربية مع شارون؟ ربّما ولكن هل سيكون هناك قائد لديه مثل هذه الشعبية التي يستطيع بها أن يُنجز مثل هذا الانسحاب؟ هذا هو السؤال.

محمد كريشان: سيد شيفتان في التاريخ الإسرائيلي هناك أحد عشر رئيس وزراء، الأول هو أكثرهم بقاءً ديفد بن غوريون بقي ثلاثة عشر عاماً على رأس رئاسة الحكومة، هناك شخصيات تاريخية مثل غولدا مائير، مثل مناحم بيغن، مثل إسحاق شامير، مثل إسحاق رابين، ربّما الغياب السياسي أو الغياب الفعلي لشارون يجعل أي شخصية قادمة في رئاسة الوزراء لا علاقة لها بهذا الجيل من المؤسسة العسكرية والمؤسسة التي لعبت دوراً كبيراً في تأسيس وقيام إسرائيل هذا هو المقصود يعني؟

دان شيفتان: لا أعتقد أنّ الخلفية العسكرية مهمة للغاية، بن غوريون لم تكن لديه خلفية عسكرية ولا ليفي أشكول ولا غولدا مائير لم تكن لهم خلفية عسكرية ولكن كان لهم تأثير كبير على إسرائيل خاصة بن غوريون، لا أعتقد أننا يجب أن ننظر إلى الخلفية العسكرية ولكن إلى صفات القيادة، لو أن شخص مثل بن غوريون من دون خلفية عسكرية كان له قدرة قيادية عظيمة واستطاع أن يوجِد كل ما تقوم به إسرائيل اليوم أو فيها تدين بالفضل له، لذلك كان له هذا الأثر على مستقبلها.

محمد كريشان: الدكتور مهدي عبد الهادي من القدس ضيفنا في تل أبيب يفرق بين أمرين؛ بين الخلفية العسكرية وهي ليست بالضرورة متوفرة لدي الجميع وبين الصفات القيادية، هل غياب شارون هو غياب للأمرين معاً أم لأمر منهما ربّما يكون أهم من الآخر؟

"
نظرية شارون تختلف عن القادة السابقين إذ إنه لم يبحث عن شرعية دولية بل تحالف دولي مع واشنطن، لم يبحث عن اعتراف عربي واستخف بكل الطروحات العربية
"
مهدي عبد الهادي

مهدي عبد الهادي- رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية: الخلاف الأساسي بالرؤية الإستراتيجية لمستقبل الدولة العبرية على أرض فلسطين، القادة السابقين التي سبق ذكرتموهم إن كان بن غوريون أو غولدا مائير أو بيغن كانوا يبحثوا أيضاً عن حليف دولي للاعتراف بشرعية إسرائيل والتفاوض مع البعد العربي للاعتراف بإسرائيل على حساب فلسطين، بما فيهم شامير.. إنكار كامل الوجود الفلسطيني، الاستثناء اللي تم في عهد رابين عندما أكتشف العجز العربي عن منح هذه الشرعية وهذه المصداقية وأيضاً أراد أن يتعامل مع منظمة التحرير في مرحلة انتقالية وامتحانات محددة في أريحا وغزة ولفترات زمنية محددة جاء شارون بامتياز آخر يختلف كلياً عن ما سبقوه بأن يقول علينا أن نفرض الحل من طرف واحد.. رؤية إسرائيل الآن بأن تفرض الحل من طرف واحد، بمعنى الانسحاب من غزة، فرض تقسيم جديد لمَا تبقى من الضفة الغربية بالجدار، تكثيف الاستيطان بالقدس وفي الضفة الغربية وعزل القدس كلياً، نظرية شارون تختلف عن القادة السابقين بأنه لم يبحث عن شرعية دولية بل تحالُف دولي مع واشنطن، لم يبحث عن اعتراف عربي واستخف بكل الطروحات العربية بما فيها مبادرة السلام للملك عبد الله بن عبد العزيز في بيروت عام ألفين وأيضاً استخف بالطرف الفلسطيني وبالقيادة الفلسطينية وأراد أن يقول للعالم ليس هنالك شريك فلسطيني ونظريته فرض حل من طرف واحد، الآن الأزمة في إسرائيل أزمة رؤية، هل يستطيع حلفاء شارون أن يستمروا بنظرية فرض حل من طرف واحد بمعنى قوة السلاح، السيطرة على الأرض المحتلة، فرض تقسيم جديد، وضع الفلسطينيين في كانتونات.. في سجون مغلقة ومحكمة وتصفية القضية الفلسطينية في البعد العربي بمعنى دعوة إدارة مدنية عسكرية أمنية بمصر في غزة وأخرى اقتصادية تطورية في الضفة الغربية، الأزمة الحقيقية الآن أزمة قيادة وأزمة رؤية وأزمة مهمة، فيه مناخ إسرائيلي منقسم على نفسه، فيه ضعف قيادات عسكرية وأيضاً سياسية وهل يستطيع أولمرت أن يستمر خلف سياسة شارون كما استمر بيريز خلف رابين، بمعنى عجز آخَر، تأخير آخَر، نزيف آخَر، الامتياز الذي حققه شارون بأنه تطاول على النظرية الصهيونية بأن يقول أستطيع أن أتنازل عن أرض وتطاول على البعد الإقليمي لا أريد اعتراف عربي وتطاول على الحق الفلسطيني بأنه أراد اغتيال عرفات، عدم الاعتراف بأبو مازن والتعامل مع القيادة الفلسطينية وفرض حل من طرف واحد، تقسيم الأرض وأخذ ما يريد أخذه، توسيع الاستيطان وأيضاً الاستيلاء الكامل على قضية القدس.

محمد كريشان: نعم سيد نافذ أبو حسنة في بيروت برأيك هذه النقطة هي أبرز ما يميز شارون.. يعني فرض الحل وليس تكريس الوجود الذي كان هم القادة الإسرائيليين السابقين؟

نافذ أبو حسنة- باحث في التاريخ الفلسطيني والإسرائيلي: يعني أود أولاً أن أتحدث بملاحظتين حول سؤالك الأول الذي طرحته؛ هناك حقيقة معروفة وهذه الحقيقة اعترف بها جنرال إسرائيلي هو موشيه ديان كان يقول إنّ الدول تُشكّل لها جيوشاً أما إسرائيل فهو جيش شكّل له دولة وبالتالي الجنرالات كان لهم ولا يزال الدور الأبرز، لنتذكّر دائماً مثلاً أنّ رابين خرج بفضيحة فساد عام 1974 ومن ثم عاد رئيس وزراء قوي ومستر بتاحون أو المستر أمن، شارون أيضاً خرج بفضيحة بعد 1982.. فضيحة تضليل رئيس الوزارة والحكومة في حينه وجريمة صبرا وشاتيلا وعاد أيضاً الجنرال القوي الذي.. يعني حقق التفاف كبير حوله داخل التجمع الاستيطاني، هناك قضية، لماذا يحدث هذا؟ لماذا يتم دائماً اختيار جنرال بهذه القوة وجنرال له هذه السمعة العسكرية القوية؟ لأننا أمام.. يعني تركيبة فريدة من نوعها تشعر بذروة القوة وذروة الضعف في آن، تريد جنرالاً مُجرّباً وبنفس الوقت هذا الجنرال قادر أن يتحدّث دائماً عن معطيات الأمن، فيما يتصل بما أثاره الدكتور مهدي عبد الهادي.. يعني ربّما نتفق مع جزء كبير مما قاله ولكن فيما يتصل بالتحالف مع واشنطن هناك تحالف غير مسبوق، يعني فرض هذا الحل الذي أراده شارون أيضاً مبني على فكرة الأمن، نحن نلاحظ منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الآن النقطة الأساسية التي كانت دائماً تثار هي نقطة الأمن، لم يتحدّث أحد بالمرة عن الحقوق الفلسطينية، لم يتحدّث أحد بالمرة عن كيف يمكن أن تقوم دولة فلسطينية أو سيادة وطنية فلسطينية أو كيف يعيش هذا المجتمع الفلسطيني، كانت المطروحة دوماً هي ضرورات الأمن، ما طبقه شارون كان مبني أيضاً على فكرة الأمن سواءً فيما يتصل بالجدار الفاصل، موضوع الانسحاب من غزة، حتى إقامة المنطقة العازلة قبل أيام في غزة، حتى.. يعني طريقة تعامله مع خارطة الطريق كانت تنطلق أو مؤسسة على البند الأول في هذه الخارطة وهو أنه قبل الشروع في أي خطوة يجب أن تقوم السلطة الفلسطينية بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وهذا أيضاً موضوع أمني بامتياز، إذاً كان هناك دائماً..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن سيد.. ولكن عفواً سيد أبو حسنة.. يعني موضوع البعد الأمني كان دائماً الهاجس الرئيسي لكل القادة الإسرائيليين، هل طينة القيادة التي كرّسها شارون استطاعت أن تجعل من هذا البُعد محل إجماع دولي وهو لم يستطيع أن يوفّره البقية وبالتالي هنا غيابه ما الذي يمثله على الصعيد الإستراتيجي المتعلق بالأمن؟

نافذ أبو حسنة: يعني حدث نوع من التقاطع.. في هذه النقطة بالتحديد حدث نوع من التقاطع، كانت هناك نوع من الرغبة الأميركية أو نوع من التصور الأميركي الذي استطاع شارون أن يحقق توافقاً كبيراً مع بوش حوله وبالتالي استطاع أن يفرض رؤيته تماماً، الآن غياب شارون أعتقد أنه سيعيد ترسيم الواقع السياسي في إسرائيل، يعني شارون في أيامه الأخيرة عندما شكّل كاديما صادر موقع الوسط من حزب العمل، تمركز في الوسط وأصبح يتحدّث برؤية أمنية تحوز على رضا قطاعات واسعة من اليمين وتُصادر الخطاب السياسي لحزب العمل وبالتالي ذهب.. أصبح يتحدث عن نتنياهو ومن معه بأنهم يمين متطرف، هناك عامير بيريتس هو الذي كان مفترض أن يحتل موقع الوسط، حاول شارون أن يصادره منه، الآن غياب شارون سوف يُعيد هذه الترسيمة السياسية إلى وسط يمثل حزب العمل بزعامة بيريتس لأنه لن يستطيع أن يتوجه يساراً كثيراً بسبب ضغط المؤسسة الأمنية وأيضاً ضغط رجال الأعمال وما بين نتنياهو الذي سوف يمثل قطاعاً يمينياً أكثر تطرفاً، الآن هناك إعادة رسم جديدة لللوحة السياسية في إسرائيل هذه الوحة ربّما..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هناك أيضاً اللوحة الأيديولوجية لو سمحت لي الدكتور دان شفتان في تل أبيب، إذا أخذنا بما كُتِب في بعض الدراسات والكُتُب من أنّ هناك الصهيونية التقليدية والصهيونية الجديدة وما بعد الصهيونية، على الصعيد الأيديولوجي البحت هل غياب شارون يعني نهاية حقبة وبداية حقبة أخرى على الصعيد الأيديولوجي الذي يمكن أن يميز أي قيادة إسرائيلية جديدة؟

دان شيفتان: لا أنا واثق تماماً من أن هذا لن يحدث، دعوني أولاً أشير إلى أن مسألة ما بعد الصهيونية هو على الهامش ولا يمثل أكثر من دعابة وطرفة بالنسبة للكثير من الإسرائيليين وأيضاً رداً على ما قاله زميلي من بيروت والقدس إنّ علينا أن نتذكّر أن تكون رئيس وزراء إسرائيلي هو أكثر مما هو يتعلق بالقضية الفلسطينية فقط، العالم العربي يعتقد أنّ العالم يدور على محور القضية الفلسطينية ولكن هناك قضايا أهم ليس فقط بالنسبة لشارون ولكن للغالبية العظمى من الإسرائيليين تعبوا وملوا تماماً قضية فلسطين ويفهمون أنهم لا يستطيعون التفاوض مع الفلسطينيين والمجتمع الفلسطيني يمر بأزمة خطيرة ويتفكك إلى حد كبير، إذاً ما تناله من الفلسطينيين هو الفوضى والإرهاب وغياب الواقعية السياسية، إذاً الإسرائيليين يصرفون انتباههم عن بحث القضية الفلسطينية وكما قال الدكتور عبد الهادي إسرائيل تقرر من جانب واحد ما هو مهم بالنسبة للإسرائيليين وهذا أمر يفهمه الإسرائيليون والتيار الواسع من المفكرين الإسرائيليين وليس شارون فقط، فهم تجاوزوا مسألة التوصّل إلى حل توافقي أو حل وسط مع الإسرائيليين لعدم وجود شريك في نظامهم والفلسطينيين أيضاً بدؤوا يفهمون ما يفهمه الإسرائيليون والأميركيون وهو أنّ الخطوات الإسرائيلية الإيجابية مهمة ولأنها أهم من غيرها في إرضاء الفلسطينيين لأنك قد لا تستطيع إرضاء الفلسطينيين، لكن التيار الواسع من الإسرائيليين ملتزم من حيث الأثاث بحل تنازلي تاريخي وتقسيم الأرض والأهم من ذلك الاستمرار في بناء نظام ديمقراطي إسرائيلي، دولة إسرائيلية حديثة ورغم الحزن لفقدان قائد مهم لكنة لن يُغيّر من طبيعة المجتمع الإسرائيلي.

محمد كريشان: على كل القضية بالنسبة لنا على الأقل في هذه الحلقة ليست مستقبل التسوية أو غيره وإنما حول طبيعة الدولة في إسرائيل وما يمكن أن يمثله غياب آخِر الجنرالات في إسرائيل من ربّما هزات أو ربّما من تواصل عبر شخصيات أخرى، لنا عودة لمناقشة نفس هذا المحور المركزي بعد وقفة قصيرة نرجو أن تبقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الجيل الجديد من القادة

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد وحلقتنا اليوم تناقش تداعيات غياب شارون باعتباره آخِر الجنرالات في إسرائيل، نسأل الدكتور مهدي عبد الهادي من القدس، دكتور عندما نُراجع قائمة الوزراء الإحدى عشر رؤساء الوزارات في إسرائيل نلاحظ أنه إلى غاية رئيس الوزراء السابع شيمون بيريز كلهم.. ديفد من بولندا (كلمة غير مفهومة) أوكرانيا، ليفي أشكول أوكرانيا، غولدا مائير أوكرانيا، مناحم بيغن من بولندا، إسحاق شامير من بولندا، شيمون بيريز من بيلا روسيا، ابتداء من إسحاق رابين هو من مواليد القدس، ثم نتنياهو تل أبيب، ثم إيهود باراك وشارون أيضاً من مواليد فلسطين، هل هذا على الصعيد الأيديولوجي أو على صعيد ما يمكن أن يوصف بصراع الأجيال له دلالة معينة بالنسبة لغياب شارون وربّما تسلّم آخرين؟

مهدي عبد الهادي: هو شارون كان متمرداً عليهم جميعاً، تمرد على بن غوريون وعلى ديان وعلى بيغن في لبنان وعلى رابين وتمرد أيضاً على نفسه، شارون طرح.. الوحيد من كل رؤساء الوزراء الإسرائيليين اللي كان واضحاً وصريحاً بأنه هنالك دولة فلسطينية، الخلاف أين هذه الدولة؟ أين حدودها؟ أين عاصمتها؟ أين تواصلها الجغرافي؟ أين سيادتها؟ شارون أراد أن تكون هذه الدولة بلا حدود ومحدودة وفي سجون محددة وبدون طرف فلسطيني يعترف به وإنما يفرض عليه الحل من طرف واحد ضامنا اعتراف واشنطن بهذه السياسة، ضامناً ضعف أوروبا، ضامناً أيضاً تراخي وضعف البُعد العربي والمشكلة الفلسطينية بحقيقتها الآن أين مستقبلها ما بعد عرفات، شارون أتى بشكل واضح وصريح فرض حل من طرف واحد، أيضاً هذا الجدار الذي فرض التقسيم كالسكين الحاد الذي قطّع اللحم الفلسطيني أدى إلى أزمة داخل إسرائيل.. داخل هذا المجتمع الإسرائيلي بين الصهيونية السياسية والصهيونية الدينية والصهيونية العملية، الصهيونية العملية التي تبناها شارون هي فرض الحل الواقعي من طرف واحد شئتم أم أبيتم هذا ما عندي وأنا سأستمر بكم وبدونكم، الصهيونية الدينية أرادت وتريد كل أرض فلسطين، لا تعترف بالفلسطينيين وتتمسك في البُعد الديني وتحوّل هذا الصراع إلى صراع ديني كما نشاهده في الخليل وبيت لحم وأيضاً في القدس يومياً، في حين الصهيونية السياسية تبحث عن بعد إقليمي دولي يروا أنفسهم.. يعني دعني أقول بما يلي هنالك اثنين مليون يهودي متدين يتمسكوا بالصهيونية الدينية بمعنى أنها كلها أرض دولة إسرائيل أو دولة عبرية لا وجود للعرب فيها، الاثنين مليون الآخرين ذوي صهيونية سياسية كأبناء أوروبا يريدوا أن يعيشوا كبقية العالم في شراكة اقتصادية صناعية، في بعد إقليمي، في اعتراف متبادل، لكن الصهيونية العملية التي فرضها شارون بقوة السلاح بأنه نسف كل النظريات القائمة على مفهوم الصهيونية باستيلاء الأرض، بانسحابه من غزة، نسف مفهوم حدود الـ 1976، 242 أو أوسلو أو إلى غيرها بفرض التقسيم الجديد في الضفة الغربية بهذا الجدار الذي أخذ أكثر من 25% مما تبقى من الضفة الغربية وأيضاً لا يعترف بالعمل الفلسطيني، لا يتعامل لا مع عرفات ولا الآن مع أبو مازن ولا أيضاً مع البعد العربي، ضمنها بقوة السلاح..

محمد كريشان: ولكن هل المستقبل.. يعني عفوا دكتور.. يعني هل المستقبل هو للصهيونية العملية مثل ما سميتها؟ أسأل الدكتور السيد نافذ أبو حسنة في بيروت عن ما إذا كان الصهيونية العملية أو البرجماتية هذه يمكن أن تتواصل من خلال شخصية أخرى أم ربّما سنشهد ارتداد عليها رغم كل مآسيها التي عددها الآن الدكتور مهدي؟

"
كل التحليلات تقول إن عمير بيرتس سوف يصطدم بمؤسسة أمنية تصر على المنطلقات الأساسية للصهيونية، وسوف يصطدم برجال أعمال
"
  نافذ أبو حسنة

نافذ أبو حسنة: يعني هذا التقسيم قديم وظل فاعل طوال الوقت، يعني طوال الوقت كان هناك اتجاهات داخل الحركة الصهيونية مثلاً إحنا لو جئنا إلى خطة الفصل.. خطة الفصل هي من مخلفات حزب العمل.. يعني الفصل أول من طرحه كان حزب العمل، من ثمة جاء شارون وبعد وقت حتى أقتنع فيه وبدأ يحاول تنفيذه، عندما نتحدّث نحن عن صهيونيات نحن نقوم بنوع من التقسيم المدرسي لهذا الأمر، أما على صعيد الموقف من القضية الفلسطينية فهناك أمر آخر يعني، المجتمع الفلسطيني موجود يُشكّل معادل موضوعي على هذه الأرض التي هي أرضه وهناك قوة محتلة تحاول أن تطرده وتقوّض وجوده وتقوّض عيشه وتشكّل قوة طاردة له لاقتلاعه من أرضه، هذا هو الواقع ببساطة شديدة، يأخذ تشكيلات مختلفة، يأخذ مكتسبات مختلفة، عندما يأتي لي ليقيم جداراً للفصل بدعوى الأمن هو يقوم بتقويض المجتمع الفلسطيني، الآن أي نظرية.. يعني ما الذي سيطرحه الآن الإسرائيليون على الفلسطينيين؟ كان هناك خطة فرض الأمر الواقع التي يقوم بها شارون عبر جدار الفصل وانسحاب أحادي الجانب من غزة مع منطقة عازلة ووجود على المعبر وتضييق مستمر، أعتقد أن هذه الطاقة العدوانية التي لا تزال كامنة داخل إسرائيل ستستمر تفعل، هذه الطاقة العدوانية ستظل تقول أنها تريد أن تفرض وجودها هنا بالقوة وطموحها النهائي هو تقويض الوجود الفلسطيني بشكل نهائي، هذا الوجود طوال الوقت حافظ على بقاء المعادل الموضوعي في مواجهة الاحتلال والمطلوب هو تقويض هذا الوجود أياً أخذ الشكل.. يعني أياً كان الشكل الذي سيأخذه، الآن مثلا عامير بيريتس يعني يطرح تصور ما.. كل التحليلات تقول إنّ عامير بيريتس سوف يصطدم بمؤسسة أمنية تصر على المنطلقات الأساسية للصهيونية، سوف يصطدم برجال أعمال لا يريدون أي.. يعني أي تصور جديد يطرحه على صعيد المصوتين الذين منحوه أصواتهم أو الذين هم قريبين منه من الهوامش الفقيرة وغير ذلك وحتى من السفارديم أو غيره، نحن أمام.. يعني حالة اعتداء قائمة، هذه الحالة تطرح لها عناوين مختلفة، أنا أعتقد أن التقسيم مدرسي تماماً أما على أرض الواقع فالذي سيستمر هو مزيد من العدوان على الشعب الفلسطيني.

محمد كريشان: نعم، في نهاية الحلقة نسأل الدكتور دان شيفتان.. يعني باختصار دائماً تُقدَّم إسرائيل على أنها دولة مؤسسات هل هذا ينفي أن تطبع شخصيات مثل شارون أو من سيأتي معه مستقبل إسرائيل ومستقبل العلاقة مع الجوار؟

دان شيفتان: أي شخص سيأتي بعد شارون سوف يمثل ما يريده التيار الواسع من الرأي العام الإسرائيلي ودعوني أذكركم مرة أخرى.. إسرائيل ليست موجودة على أساس القضية الفلسطينية أو العرب، إنها من أجل إقامة ثقافة يهودية، نظام ديمقراطي في إسرائيل والحفاظ على دولة حديثة، ليست كل جهودها مكرسة للنزاع مع الفلسطينيين، ثانياً آمل أنه في العالم العربي سيكون هناك فهم أفضل عما يحدث في إسرائيل الآن مما سمعناه حتى الآن حول ما تريده المؤسسة العسكرية أو لا تريده، لا توجد هناك مؤسسة عسكرية إسرائيلية لديها سياسة تختلف عن التيار العريض من الإسرائيليين فهؤلاء يريدون نظاماً ديمقراطياً مفتوحاً، يريدون إن لم يكن سلاماً مع الفلسطينيين بل على الأقل فك ارتباط من جانب واحد..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم شكراً لك دان شيفتان من تل أبيب، شكراً أيضاً لضيفينا من القدس الدكتور مهدي عبد الهادي ومن بيروت السيد نافذ أبو حسنة، غداً بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، في أمان الله.