- وقفة على أسباب هزيمة حركة فتح

 
علي الظفيري: أهلاً بكم، نحاول في حلقة اليوم التعرّف على التداعيات التي تحملها الهزيمة على حركة فتح في الانتخابات الفلسطينية ونطرح في الحلقة تساؤلين اثنين، ما هي الأسباب التي دفعت باتجاه خسارة فتح للانتخابات؟ وأي جهد يمكن أن يُساهم في عودتها لدائرة الفعل؟ بالذهول استقبل الكثيرون نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، من بين هؤلاء أنصار حركة فتح الذين جعلتهم صناديق الاقتراع في موقع دون ماضي فصيلهم كرائد للعمل الوطني الفلسطيني في أدوار كثيرة منه.

وقفة على أسباب هزيمة حركة فتح

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: النتيجة كانت أكبر من أن يتوقعها أحد، أمُّ الفصائل الفلسطينية وواحدة من كبريات مؤسسات منظمة التحرير تُمنى بهزيمة انتخابية دوى صداها في الأرض المحتلة وفي دوائر القرار الأميركي والأوروبي والإسرائيلي على حد سواء، حماس نفسها لم تكن تنتظر أن تكون أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني من نصيبها وها هي تستعد لتشكيل الحكومة الفلسطينية المقبِلة، وضعت صناديق الاقتراع الجميع أمام الأمر الواقع بما في ذلك الفتحاويون الذين لم يتصورا أن يصل التدهور بحركتهم العريقة إلى هذه الحال، حان الوقت لاستخلاص الدروس إذ ليس بعد الاستفاقة من صدمة النتائج سوى الوقوف عند أسباب الهزيمة، أسباب صنعتها عوامل متشابكة لعل أهمها غياب شخصية من حجم الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي كان يَجمع شتات الحركة ويُسيطر إلى حد ما على تناقضاتها، بروز الانقسامات بين أجنحة الحركة وتفشي الفساد المالي والإداري في أوصالها، احتباس عملية السلام وسعي إسرائيل الدؤوب لإضعاف السلطة الفلسطينية وضرب مكونها الرئيسي حركة فتح، لم تؤتي هذه العوامل مفعولها بمعزل عن صعود نجم حماس الراجع أساساً لضريبة الدم الغالي التي دفعتها في شخص أرفع قياداتها دون أن يمس ذلك من وحدتها وثباتها، تغيرت الخريطة إذاً وعلى الكل تعديل أجندته على حقيقة أن حماس توشك أن تصبح السلطة وأن فتح باتت المعارضة التي يتعين عليها مراجعة كثيراً من حساباتها علها تعود من جديد.

علي الظفيري: ومعي في هذه الحلقة من لندن عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي ومن غزة الكاتب والمحلل السياسي حسن الكاشف، مرحباً بكم جميعاً، نبدأ مع عبد الباري عطوان في لندن وأسألك سيدي ربّما صعود حماس.. يعني كان أمراً متوقَّعاً لكن أن تأتي النتائج بربّما هذه المسافة الفاصلة بشكل كبير بين الحركتين هو الأمر غير المتوقَّع، كيف قرأت نتائج اليوم الأولية حتى الآن؟

عبد الباري عطوان- رئيس تحرير صحيفة القدس العربي: يعني قرأت أولاً هذه النتائج بأنها تعكس مدى الوعي السياسي والتمسّك بالثوابت الوطنية لدى الشعب الفلسطيني، الشعب الفلسطيني هو الفائز الأكبر في هذه الانتخابات لأنه انتقم من مرحلة الفساد بشكل واضح بالضربة القاضية، وجّه ضربة قاضية لكل بارونات الفساد الذين سيطروا على الحياة السياسية الفلسطينية طوال السنوات العشر الماضية، الشعب الفلسطيني ميّز بين مَن هو نظيف اليد واللسان وبين مَن هو متورط في نهب ثروات الشعب الفلسطيني، أنا في تقديري.. يعني هذه علامة فارقه في تاريخ الشعب الفلسطيني وفي تاريخ المنطقة العربية بأثرها، يعني الآن هذا نموذج مصغر لما يمكن عليه أن يكون عليه حال الشعوب العربية إذا ما أتيحت لها فرصة حقيقية للإدلاء برأيها في انتخابات حرة نزيهة.. يعني أنا بس أعطيك مثال بسيط على حجم الفساد في السلطة الفلسطينية، المجلس التشريعي اللي فات.. يعني كان كل عضو في المجلس التشريعي يتقاضى ثلاثة آلاف دولار شهرياً، فور انتخاب العضو 15 ألف دولار لضبط وضعه.. يعني يشتري بدلات جديدة، سيارة أودي، بعدين جواز سفر دبلوماسي له ولأولاده ولنسله المبارك مدى الحياة، بينما الشعب الفلسطيني كله يعيش على أقل من دولارين في اليوم أو 95 % يعيشون على الأقل..

علي الظفيري [مقاطعاً]: طيب أنت تشير هنا.. سيد عبد الباري تشير ربّما لموضوع الفساد ربّما كسبب رئيسي لهذه النتيجة التي تُحققها فتح اليوم والتي تُعتبر نتيجة أذهلت الكثيرين، أسأل السيد حسن الكاشف في غزة، برأيك.. يعني ما هي الأسباب الرئيسية التي أتت بهذه النتيجة لحركة فتح أو الحزب الحاكم أو الحركة التي تصدّرت ربّما المشهد السياسي الفلسطيني طوال أربعة عقود؟

"
فتح بقيت أسيرة لتوازناتها الداخلية فلم تتحرر قوائمها ومرشحوها من الإرث السلبي الثقيل لرموز مسؤولة عن تجربة فاشلة تخللها فساد
"
حسن الكاشف

حسن الكاشف- كاتب ومحلل سياسي: يعني أسباب عديدة، عقم تجربة التفاوض الطويل مع إسرائيل، فشل فتح في تقديم قائمة مرشحين على مستوى نسبي وعلى مستوى الدوائر مقنعة للمواطن، فتح بقيت أسيرة لتوازناتها الداخلية فلم تتحرر قوائمها ومرشحيها من الإرث السلبي الثقيل لرموز مسؤولة عن تجربة فاشلة تخللها فساد بيّن طوال عشرة سنوات وبالتأكيد فتح وضعها الداخلي وعدم تماسكها أدى إلى هذه النتيجة وميل الشارع الفلسطيني للتغيير والمحاسبة كان أيضاً سبباً رئيسياً.

علي الظفيري: طيب سيد عبد الباري.. يعني هنا أكثر ربّما من سبب لمثل هذه النتيجة، مواضيع كثيرة، بُطل العملية التفاوضية كما أشار سيد الكاشف، كما أشرت أنت الفساد الداخلي، انقسامات داخل حركة فتح، أين يمكن أن نُركّز في كل هذه الأمور ونُطلق عليها أنه ربّما كان الضربة القاسمة التي أسقطت فتح بنتائج اليوم؟

عبد الباري عطوان: الضربة القاسمة أيضاً برنامج فتح.. يعني فتح في العشر سنوات الأخيرة ومنذ أوسلو على وجه التحديد تخلَّت عن ثوابتها اللي هي ثوابت المقاومة على وجه التحديد، ثوابت النظافة.. نظافة اليد واللسان، الرهان على الشارع الفلسطيني، كانت هناك فجوة كبيرة جداً أولاً بين القيادة الفتحاوية الهرمة وبين القاعدة الفتحاوية الشابة، أنا أتحدث عن الشباب الحقيقي وليس الشباب المزوَّر، ثانياً وجود فجوة كبيرة بين فتح وبين الشارع الفلسطيني.. يعني أنت لمَّا يكون الشارع الفلسطيني والشارع الفتحاوي على وجه التحديد يشوف القيادة المتنفذة راكبين سيارات مرسيدس و(BMW) وأودي ويمروا من على المعابر (VIB) بينما الناس أربعة أيام على المعابر تنتظر ولا مياه ولا احترام ولا مظلة ولا شيء.. يعني ومرضى يموتوا، هذا طبعاً بيعمل أثر كبير عند الشارع الفلسطيني، النقطة الأخرى أنه فتح راهنت بشكل كامل على الولايات المتحدة الأميركية وعلى إسرائيل، أصبحت تنتظر فتاة السلام من إسرائيل ومن الولايات المتحدة الأميركية ونحن نعرف أن الشعب الفلسطيني.. وليس فقط الشعب الفلسطيني بل حتى كل الشعوب الإسلامية أي أحد يقف مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن هذه الشعوب تقف ضده.. يعني لا تقف معه بشكل كامل، لأنهم يعرفون أن الولايات المتحدة الأميركية تضع إسرائيل فوق القانون الدولي ولا تُقدِّم أي شيء وتمارس الضغوط على الطرف الضعيف وليس على الطرف القوي، فهذه من الأسباب الرئيسية، أيضاً ياسر عرفات هذا الرجل العظيم كان يستر عورات فتح وكان يُغطي على كل مسالبها وكل أخطائها، فعندما ذهب الرئيس ياسر عرفات للقاء ربه مسموماً ومغتالاً ودون أن تُحقق حركة فتح في هذا الاغتيال عندما ذهب للقاء ربه.. يعني انكشف الغطاء عن الحركة وكل عيوبها وشاهدنا الانقسامات، حركة للشباب وكل اللي فيها ليسوا شباب وحركة أخرى للهرمين أو الشيوخ وليس كل مَن فيها شيوخ وهكذا.. يعني هذا الانقسام البشع، حركة.. يعني عمرك شوفت في التاريخ حزب سياسي يؤجل اجتماعه العام.. مؤتمره العام إلى ما بعد الانتخابات؟ كل الأحزاب تعقد مؤتمراتها قبل الانتخابات حتى تُعِد قوائمها وتصلِّح أوضاعها وترتب بيتها على أساس أن تخوض الانتخابات بشكل سليم وبشكل علمي إلا حركة فتح، أجلت مؤتمرها العام إلى ما بعد الانتخابات، أي عملية سياسية هذه.

علي الظفيري: طيب سيد عبد الباري دعنا نسمع للسيد حسن الكاشف وربّما هنا.. يعني نُدرك أن مجموعة عوامل اجتمعت وأدت إلى هذه النتيجة لكن أيضاً نحن نحاول أن نقرأ في الأسباب الرئيسية أو كما ذكرت أنت الضربة القاسمة التي أسقطت بفتح اليوم.. بهذه الحركة أو بهذا الحزب الحاكم، سيد حسن ماذا تقول؟

حسن الكاشف: يعني هناك احتقان، هناك انغلق الأفق السياسي ولم.. يعني يَعُد يبدو أي بصيص أمل في حل نتيجة تفاوض، إسرائيل سارت خطوات في اتجاه حل من طرف واحد تفرضه على الشعب الفلسطيني بدأ في غزه ويُستَكمل في الضفة بالجدار، ليس هناك أي تدخُّل دولي مُنصف وفاعل على إسرائيل وعلى المستوى الداخلي تجربة العشر سنوات لم تُقدِّم حلولاً لحياة الشعب الفلسطيني، لم تستطع قيادة حركة فتح أن تبني حُكماً صالحاً مقنعاً للمواطن، رغم كل ما نادينا به من تغيير وإصلاح ومحاسبة منذ العام 1997 لم تتم الاستجابة لأي مطلَب في التغيير والمُسألة والمُحاسَبة رغم وضوح رموز فاسدة بما ليس بدليل واحد بل أكثر من أربع شهود، أبداً بقيت الأمور تراوح في مكانها مأزومة وهذا أدى إلى احتقان في الشارع، رغبة جارفة في التغيير وبالتالي المواطن يعتقد الآن أنه أمام أفق جديد رغم صعوبة الأسئلة السياسية المطروحة، لكن أيضاً ومن باب الإنصاف نشعر أن تاريخ فتح النضالي ظُلِم، أغلبية قاعدة فتح المناضلِة التي ساهمت في مقاومة الاحتلال ولم تُشارك في الفساد تشعر بظلم حقيقي وأنها كانت ضحية حفنة كان يمكن أن يتم تغييرهم ومحاسبتهم وأنها أيضاً ضحية وضع تنظيمي..

علي الظفيري [مقاطعاً]: طيب يعني أسأل..

حسن الكاشف [متابعاً]: بعيد عن التماسك وامتلاك الرؤية والبنية الصحيحة، تفضل.

علي الظفيري: طيب أسأل السيد عبد الباري في لندن.. يعني القوى الدولية كلها.. يعني كان لها موقف واضح ومحدد من حماس ومجيء حماس إلى السلطة أو إلى الساحة السياسية بمثل هذه القوة، كان هناك دعم وقيل عن دعم حتى مالي للحملات الانتخابية، هل.. يعني نستطيع القول أن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا أو الاتحاد الأوروبي بشكل عام لم يستطع بالفعل أن يُقدِّم لفتح ما يمكن أن تعوِّل عليه اليوم وهي تقف أو بعدما وقفت ربّما أمام صناديق الاقتراع الفلسطينية؟

عبد الباري عطوان: يعني أنا في تقديري الموقف الأميركي والموقف الإسرائيلي والموقف الأوروبي.. يعني هم في النهاية صبّوا في مصلحة حماس وفوز حماس، مثلما قلت إنه الشعب الفلسطيني شعب حي، شعب عظيم، شعب صاحب ضمير، لمَّا.. يعني تُعلِن التنمية الأميركية عن دعم مرشحين معينين في حركة فتح أو تُعلِن الاتحاد الأوروبي بأنها ستوقف مساعداتها في حال فوز حماس في الانتخابات هذا الشعب الفلسطيني العظيم يواجه هذا التحدي ويقول لا لأوروبا ولا للولايات المتحدة الأميركية، سأنتخب مَن تكرهون، لأن مَن تكرهون هم يجسدون الوطنية الحقيقية، يجسدون رفض التطبيع، يجسدون رفض التخلي عن حق العودة، يجسدون رفض الجدار، رفض بقاء المستوطنات، عودة القدس كاملة، هذا هو رد الفعل للشعب الفلسطيني.. يعني أوروبا خدمت حماس دون أن تدري أو دون أن تريد وأيضاً الولايات المتحدة الأميركية خدمت حماس وساعدت على فوزها وهزمت فتح وهزمت حزب السلطة لأن.. يعني هذا التدخُّل الأميركي المباشر البشع في الانتخابات هو الذي أدى إلى ذلك، لأن الشعب الفلسطيني لا يريد أن يَنتخب فاسدين مثلما حصل مثلاً في الانتخابات العراقية، ناس.. يعني معروفون ملوَّثون.. يعني بالفساد، هذا ما حدث فعلاً والشعب الفلسطيني.. يعني لابد أن تدرك يريد أن يقول لأوروبا نحن كنا شعب موجود في الأرض المحتلة قبل السلطة وقبل الدول المانحة أوقفوا فلوسكم، حتى لو أوقفتم هذه الفلوس.. يعني سنعيش بشكل أفضل.

علي الظفيري: يعني دعني أسألك سيد عبد الباري هنا إذا كانت.. يعني فتح هي مَن أدار ربّما الملف بشكل عام.. الملف الفلسطيني طوال هذه الفترة ووصلت إلى حالة من العجز وإذا افترضنا ربّما أو قرأنا تصويت اليوم أنه نوع من الانتقام ربّما تجاه المشروع السياسي الذي تعمله فتح، لا يوجد أفق حتى للآخرين أن يُقدِّموا مشروع آخر اليوم فبالتالي لماذا لا نلوم فتح على هذه الحالة؟

عبد الباري عطوان: لا أولاً.. يعني دعني أوضح شيء.. يعني أنا لا ألوم فتح أو لا.. أنا أوجه فقط هذا اللوم والنقد للقيادة الفاسدة هذه اللي شوَّهت صورة فتح مثلما شوَّهت صورة الشعب الفلسطيني، القاعدة العامة لفتح قاعدة وطنية.. يعني تُقدِّم الشهداء يومياً، نحن نتحدث عن شهداء الأقصى.. كتائب شهداء الأقصى هذه تابعة لحركة فتح واستطاعت أن تُلقِّن العدو الإسرائيلي دروساً عظيمة في المقاومة وفي التضحية وفي الفداء، أنا أتحدث عن هذه القيادة المتنفذة التي احتقرت الشعب الفلسطيني واستخفت فيه واستخفت بمعاناته وحاولت أن تُطبِّق ثقافة غريبة علينا.. يعني عاشوا في غزة وفي رام الله كما لو أنهم عايشين في سويسرا.. يعني لم يلتفتوا إلى جانبهم حيث الفقر ومخيمات الصفيح والجوع والمعاناة وحيث 12 شخص بينحشروا في غرفة في المخيمات ثلاثة متر في ثلاثة متر، هذا هو اللي لم تدركه هذه القيادة..



جهود فتح للعودة إلى دائرة الفعل

علي الظفيري [مقاطعاً]: طيب هذا واضح إلى حد ما، لكن أسأل السيد الكاشف في غزة.. اليوم بعد هذه النتيجة ما هو موقع حركة فتح في الساحة السياسية.. في المشهد السياسي الفلسطيني؟ يعني هي الآن أتت بالدرجة الثانية ربّما بعد حماس في النتائج الأولية لكن هل لها وجود الآن أو متوقَّع أن يكون لها وجود قريب من وجودها السابق.. قريب من تأثيرها السابق؟

حسن الكاشف: فتح ما تزال قوة رئيسية في الشارع الفلسطيني، جسم السلطة الأساسي.. جسم القيادة للسلطة.. يعني على مستوى المؤسسة المدنية أو الأمنية هو من فتح، فتح لديها كتائب شهداء الأقصى، فتح لم تتبخر في يوم وليلة، نعم انتصرت حماس، لكن هذا النظام السياسي الفلسطيني..

علي الظفيري [مقاطعاً]: لكن مدى التأثير.. سيد الكاشف عندما نتحدث ربّما نشير عن مدى تأثيرها مقارنة بالسابق، كيف تتوقعه يعني؟

حسن الكاشف [متابعاً]: بالتأكيد.. يعني مَن يملك السلطة تأثيره لا يُشبه مَن تحوَّل إلى المعارضة، هل تتعلم فتح المعارضة الفعَّالة؟ عليها أن تتعلم أن تعود إلى شعبها وقبل كل هذا عليها أن تُصلِّب بنيانها، تعيد النظر في بنيتها القيادية، في رؤيتها، تذهب إلى مؤتمرها العام، لم يَعُد هناك ما تخسره، التوازنات الداخلية فلان وأبو فلان انتهت، عليهم أن يذهبوا إلى الحقائق، حُكم الطرف الواحد انتهى، الآن عليهم أن يُسلِّموا بالبديهييات، أن يُنسجوا تحالفات، أن يذهبوا إلى انتخابات ومؤتمر عام صارم وواضح بعد هذه الخسارة القاسية، هذا هو المطلوب، أما ثقل فتح في الشارع فمازال قائماً..

علي الظفيري: دعنا نسأل السيد عبد الباري عطوان إذا كانت فتح..

حسن الكاشف: ولديها كل مقومات البقاء.

علي الظفيري: نعم سيد الكاشف نسأل عبد الباري إذا كانت فتح قادرة على.. يعني على ما ذكرته الآن إعادة تنظيم صفوفها في ظل أوضاعها الحالية سيد عبد الباري؟

عبد الباري عطوان: نعم.. يعني أنا في تقديري هذه الهزيمة هي هدية.. يعني وانتصار للقاعدة الفتحاوية الوطنية الشريفة التي لم تتلوث بالفساد، يعني الآن هذه الهزيمة أعطت هذه القاعدة.. يعني فرصة تاريخية لكي تتخلص من كل الفاسدين، من كل الذين صادروا قرار حركة فتح وخطفوا قرارها وخطفوا تاريخها ولوثوا ماضيها العظيم، يعني الآن القيادات الشابة الحقيقية في حركة فتح.. القيادات الداخلية هذه اللي حملت عبئ الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وقدَّمت الشهداء هذا الآن دورها تستغل هذه الهزيمة لتحولها إلى نصر داخلي للحركة، تُجدد شبابها من جديد، تُجدد شرايينها، تُلغي أو يعني تُنهي حالة الفراغ القيادي الموجود حالياً، تُصعِّد قيادات شابة حقيقية غير ملوَّثة غير مرتشية، قيادات تعيش مع الشعب وتعاني معانات الشعب مثلما نعرف في قيادات حماس وتتولى زمام الأمور، أمامها فسحة من الوقت ربّما أربع سنوات لكي تعيد تجديد شباب فتح والعودة إلى ثوابت فتح الأساسية التي جعلتها قيادة الشعب الفلسطيني.

علي الظفيري: إذا أشرنا لمثل هذه النقطة.. إعادة تنظيم الصفوف، أسأل هنا الأستاذ حسن، أول حراك داخلي في فتح.. حراك قوي بمثل.. يعني درجة الحراك التي حدثت في السنوات الأخيرة الماضية أدت إلى هذه النتيجة، سقوط فتح من موقعها في السلطة، من موقعها في الحُكم، فهل تتوقع اليوم بعد هذه النتيجة ربّما الصادمة للفتحاوية أن يحدث مثل هذا الحراك الذي يؤدي بنتائج كما ذكرتها أنت والسيد عبد الباري؟

حسن الكاشف: فتح في العام 2005 بدأت بانتخابات داخلية على مستوى المناطق.. يعني تحضيراً للمؤتمر العام وكانت النتائج لمصلحة تيار الشباب الذي يُحارب الفساد ثم توقفت، ثم ذهبت إلى برايمرز وكان فيه نتائج جيدة جداً في معظم المناطق فتوقف، ثم لجؤوا إلى التوازنات، الفرصة كانت متاحة لم يتم استثمارها ولم يتم.. يعني استغلال اللحظة المناسبة وكان الوقت يمر وفتح عطلَّت انتخاباتها الداخلية، عطلَّت البرايمرز، لجأت إلى توازنات، حصدنا هذه النتيجة، الآن فتح مهمتها الأولى داخلية وعليها أن تستثمرها فوراً دون أية مجاملات أو توازنات، عليها أن تُكمِل الإصلاح في مؤسسات منظمة التحرير التي تعيش موتاً سريرياً، يجب أن لا تقبل فتح على نفسها استمرار تحمُّلها وحدها مسؤولية فشل وعجز، هذه لحظة تاريخية إذا الذي حدث اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية ليس كافياً لصحوة فتح فهذا يعني أن العقل الذي يقود فتح ميت، مش قابل أنه يصحو، الآن هي لحظة الصحوة، هناك فرصة، أولاً عليها أن تَستكمل إصلاح منظمة التحرير فوراً ودون إبطاء، أن تلجأ إلى إصلاح وضعها، تتخلص من كل المعوقات والآن مسؤولية حماس في الحُكم ثقيلة، تحررت فتح من مسؤولية الحُكم وهذا يحررها، هل تستفيد فتح أم أنها ستلجأ إلى أساليب عفا عليها الزمن وبالتالي..

علي الظفيري [مقاطعاً]: دعني هنا سيد..

حسن الكاشف [متابعاً]: تخسر الفرصة الأخيرة.

علي الظفيري: سيد حسن أسأل السيد عبد الباري في لندن، إذا تحدثنا عن خيارين عودة فتح بشكل مُطلَق للسلطة للحُكم كما كانت في السابق أو عودتها ربّما كشريك مع حماس أي الخيارين ربّما تُرجِّح في هذه الفترة؟

عبد الباري عطوان: يعني أولاً دعني أركِّز على نقطة مهمة جداً.. يعني في الديمقراطيات الغربية عندما يفشل حزب أو فصيل في الانتخابات ماذا يحدث؟ يحدث أولاً أن قيادة هذا الحزب تستقيل.. يعني هذا أول شيء، أول قرار يتخذه قائد الحزب يُعلِن على الملأ.. يعقد مؤتمراً صحفياً ويقول فشلت في قيادة حزبي إلى النصر فأنا مستقيل ويتراجع كل الذين كانوا معه في هذه المسؤولية في الواجهة، ينسحبوا كلياً وتبدأ إعادة تشكيل القيادة وتُنتَخب قيادة جديدة..

علي الظفيري [مقاطعاً]: يعني طيب تتوقع مثل هذا الشيء سيد عبد الباري.. يعني أنت تحدثت عن سيارات ضخمة وآلاف الدولارات واستثناءات، تتوقع حدوث مثل هذا الشيء في زعامات فتح وقيادات فتح؟

"
يجب على الكوادر الشابة لحركة فتح أن تُحاسِب كل الذين أساؤوا للحركة ونهبوا المال العام وسببوا الفوضى والقتل والاغتيالات
"
عبدالباري عطوان

عبد الباري عطوان [متابعاً]: يا سيدي أنا أتوقع ما هو أكثر من ذلك، أتوقع من قيادة فتح الشابة الحقيقية التي ستأتي من القاعدة.. ستأتي من القرى ومن المخيمات ومن الحواري في المدن أن تأتي هذه الكوادر الشابة وتُحاسِب كل الذين أساؤوا لحركة فتح وللشعب الفلسطيني، أن تُحاسِب الذين نهبوا المال العام، أن تُحاسِب الذين كانوا مسؤولين عن الفوضى وعن القتل وعن الاغتيالات، أن تأتي لكل شخص وتقول له من أين لك هذا؟ يعني هذا أنا أتوقعه من فتح المستقبل، فإذا فعلت فتح ذلك ستستعيد شعبيتها، ستستعيد مكانتها، هذه حركة ثورية، هذه حركة تاريخية قادة الشعب الفلسطيني عن كفاءة وعن جرأة وعبر التضحيات فإذا لم..

علي الظفيري: طيب سيد عبد الباري في ظل..

عبد الباري عطوان: تفعل فتح ذلك أعتقد لا فائدة منها.

علي الظفيري: في ظل التوجس الدولي من حماس ومن التعامل مع حماس والأمر واضح أعتقد تجاه حماس سواء قبل النتائج أو بعد النتائج، أنت اليوم هل تتوقع هذا التوجس يمثل ربّما فرصة أو نافذة وإن كانت ضيقة تعود منها فتح بشكل رئيسي ربّما المشهد السياسي الفلسطيني؟

عبد الباري عطوان: يعني فتح خسرت الشعب الفلسطيني لأنها راهنت على أميركا وإسرائيل، حماس كسبت الانتخابات والشعب الفلسطيني لأنها راهنت على الثوابت الوطنية الفلسطينية، هذا هو الحقيقة، يعني إذا كانت فتح تريد أن تستمر في الرهان على إسرائيل وعلى أميركا وعلى أوروبا وعلى أموال الدول المانحة لن تعيد بناء نفسها بالشكل المطلوب، بالنسبة لأنه أميركا ترفض التعامل مع حماس في ستين داهية بلاش لا تتعامل مع حماس، أوروبا لا تريد أن تُرسل أموال لحماس فلتذهب حماس إلى إيران وتأخذ أموال من إيران، إذا العرب ما عطوهاش، يعني عمليا حماس الآن في موقع قوي جداً.. يعني موقع لا تستند إلى صناديق الاقتراع تستند إلى الشعب الفلسطيني، الغرب وأميركا ستضطر للتعامل مع إيران.. مع حماس مثلما تعاملت مع الثورة الإيرانية، مثلما تعاونت مع كل حركات التحرر، مثلما تعاونت مع فيتنام والحكومة الفيتنامية التي هزمتها وتفاوضت معها من موقع قوة، فحماس يجب أن تتمسك بالثوابت وأن لا ترضخ للشروط الأميركية والشروط الإسرائيلية حول إلقاء سلاح المقاومة ونبذ الإرهاب، فتح نبذت الإرهاب وهذه هي النتيجة.

علي الظفيري: سيد الكاشف.. يعني قال لك السيد عبد الباري فتح راهنت على الولايات المتحدة الأميركية.. على المجتمع الدولي وأتت هذه النتيجة، اليوم فتح كقوة ثانية.. هي لم تنتهي تماماً إنما قوة ثانية بعد حماس، على ماذا يمكن أن تراهن للبقاء ربّما بنفس القوة بنفس الحضور وبنفس التأثير السابق لها في الساحة الفلسطينية؟ على ماذا تراهن اليوم؟

حسن الكاشف: يعني ثبت أنه مَن ليس له.. يعني قوة ارتكاز على شعبه سيبقى ضعيفاً مهما كانت القوى الخارجية التي تدَّعي أنها تسانده وهي لم تسند أحد، أنا بدي أختلف مع أخي عبد الباري في أنه الظرف مختلف، التوازنات مختلفة، الفيتناميين كانوا وراءهم الاتحاد السوفيتي والصين، إحنا في وضع يحتاج من الطرف الذي يقود إلى كل الحكمة والجرأة والثبات وعدم الوقوع في الأخطاء والتماسك الداخلي والصلابة، لا يفيد أن نقول للعالم اذهب إلى الجحيم، الوضع.. ثقل المسؤوليات الداخلية كبير وثقل المسؤولية الوطنية كبير جداً، طرف واحد إذا حَكَم ستتكرر تجربة فاشلة، الامتحان أمام حماس كبير والامتحان أمام فتح كبير جداً، إما أن تكون هذه محطة انتقلت فيها قيادة الشعب الفلسطيني إلى طرف آخر كما حدث عام 1967 عندما تحولت فتح إلى قوة رئيسية أو أنها محطة على طريق طويل سيتم فيه تداول السلطة بين ألوان الطيف السياسي الفلسطيني..

علي الظفيري [مقاطعاً]: طيب هذا واضح سيد..

حسن الكاشف [متابعاً]: لم تَعُد هناك إمكانية لحُكم طرف واحد على الإطلاق.

علي الظفيري: سيد عبد الباري فيما تبقى من الوقت أقل من دقيقة.. كيف تتوقع شكل العلاقة التي ستربط فتح بحماس اليوم؟

عبد الباري عطوان: والله.. يعني أولاً.. يعني علينا أن نُسلِّم بأن.. يعني فتح ورغم الهزيمة تصرفت بشكل مسؤول للغاية، قبلت هذه الهزيمة بشكل.. بصدر الرحب وبطريقة ديمقراطية، علينا أن نُسلِّم أيضاً بأن هذه الانتخابات كانت نزيهة لأن السلطة وحركة فتح التزمت بالنزاهة ومعاييرها، لأنه الرئيس الفلسطيني أبو مازن وأنا أختلف معه كثيراً لم يخضع للضغوط الأميركية والإسرائيلية بتأجيل هذه الانتخابات حتى لا تأتي حماس، هذه إيجابيات أعتقد أنها ستكون رصيد لفتح المستقبل وستكون أساس للتعاون بين مختلف ألوان الطيف الفلسطيني في المرحلة القادمة المهمة والتاريخية.

علي الظفيري: عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي من لندن شكراً جزيلاً لك وكذلك سيد حسن الكاشف الكاتب والمحلل السياسي من غزة، نهاية حلقة اليوم من برنامج ما وراء الخبر، بإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع حلقاتنا القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net، غداً إن شاء الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، شكراً لكم وإلى اللقاء.