تستثمر الدول في عقول أبنائها، وتجعل من المدارس مصانع لأجيال المستقبل، غير أن الحال ليس كذلك في سيناء، فأولوية النظام المصري التي لا تقبل التأجيل هناك هي المضي قدما في عملية عسكرية بذريعة القضاء على الإرهاب، حتى وإن اقتضى الأمر تدمير مدارس وتشريد طلبتها وإغلاق أخرى أو تحويلها لثكنات أو نقاط تفتيش عسكرية.

مشهد أغرق سيناء في مزيد من التهميش الذي اشتكت منه طويلا، فجاءها الرد عسكريا، بعيدا عن مطالب المواطنة الكاملة.

حلقة الأربعاء (1/6/2016) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على إغلاق عشرات المدارس في سيناء وسط اتهامات للسلطات المصرية بالإمعان في تهميش المنطقة وسكانها.

فمنذ أكثر من عامين يعاني أهالي شبه جزيرة سيناء عموما -وأهالي مدن رفح والشيخ زويد والعريش خاصة- ظروفا معيشية وأمنية صعبة تزداد تفاقما مع العمليات العسكرية المستمرة.

وبحسب بيان للائتلاف العالمي للحريات والحقوق، فإن الآلاف من المدنيين في مدن سيناء كان مصيرهم التهجير عنوة، ومئات المنازل والمرافق الحيوية هدمت جراء العمليات العسكرية للجيش المصري منذ أكثر من عامين.

وأشار الائتلاف في تقرير آخر إلى التهجير القسري الجديد الذي تعرض له أهالي منطقة أم عمد جنوب مدينة رفح على يد الأجهزة الأمنية في إطار تنفيذ قرار الجيش بإنشاء منطقة عازلة مع غزة، حيث قامت قوة الأمن بتجريف المنازل لإجبار الأهالي على الرحيل.

بينما أشار ناشطون من سيناء إلى أن قوات الجيش هدمت ما لا يقل عن 5500 منزل، وجرفت مساحات واسعة جدا من الأراضي الزراعية، وتسبب ذلك في تهجير نحو 35 ألف مواطن.

وكان المرصد السيناوي لحقوق الإنسان وثق مقتل عشرين مدنيا في سيناء خلال يناير/كانون الثاني الماضي، من بينهم عشرة أطفال وثلاث سيدات.

كل هذه التطورات دفعت منظمة هيومن رايتس مونيتور للتحذير من أن التهجير القسري لأهالي سيناء يعد جريمة لا تسقط بالتقادم. وقالت المنظمة في تقرير لها إن التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية وفقا لاتفاقية روما للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وكان الرئيس المصري أعلن أمام مؤيديه في صيف العام الماضي أن الوضع في سيناء ليس فقط تحت السيطرة، بل مستقر تماما.

تهميش راسخ
بشأن هذا الموضوع يقول عضو مجلس الشورى المصري السابق عن شمال سيناء يحيى عقيل إن هذه المنطقة تعاني إهمالا قديما في العملية التعليمية، والبيئة التعليمية في هذه المناطق رديئة جدا ولا تتوافر لها أي مقومات النجاح، ولذلك ترتفع نسبة الأمية في هذه المناطق إلى أكثر من 50%.

وشدد عقيل على أن الحالة التعليمية في سيناء لا يمكن فصلها عن حالة الأهالي الذين فجرت منازلهم وهجروا من مناطقهم، وعدد الطلاب لا يقل عن ألفين أو ثلاثة آلاف، فضلا عن عدد كبير من القتلى وصل إلى خمسة آلاف.

وقال البرلماني السابق إن مصر احتلت المركز الأخير في التقرير الدولي لجودة التعليم، محذرا من أن الجيل الحالي من الطلاب أصبح بعيدا عن هويته وبدأ يفقد انتماءه لبلده.

ولفت عقل إلى فشل السياسة التعليمية التي تمارس حالة من التزوير والتأريخ للحدث الذي يختلف عليه الناس ليفقد التعليم مصداقيته وتصبح العملية التعليمية في أسوأ حالاتها على الإطلاق.

المقاربة الأمنية
من جهته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية الزائر في مركز "وودرو ويلسون" عبد الفتاح ماضي أن المقاربة الأمنية للأوضاع ومواجهة الحركات المتشددة قاصرة ولن تصل لأهدافها بمفردها، وبالتالي فإن ما يحدث في القطاع التعليمي والإنساني هو نتيجة أساسية لغياب المنظومة الكاملة لمقاربة الإرهاب والجماعات العنيفة بشكل عام.

وأضاف أن تداعيات هذه الظاهرة متزايدة ووصلت لقطاعات أخرى ومن يعاني هم أهالي سيناء، مشيرا إلى أن القطاع التعليمي في مصر بشكل عام تم إهماله ولم تطله أي عمليات إصلاح، خاصة في المحافظات التي تقع على الهامش.

وبالنسبة لما يحدث في سيناء بشكل عام يقول ماضي إن الدولة فرضت تعتيما إعلاميا شاملا على سيناء ولا أحد يعلم تحديدا ماذا يحدث هناك، مؤكدا أن القضية لن تحل من دون مصالحات داخلية وعودة الحياة السياسية والديمقراطية في مصر، ووضع سياسات عن طريق حكومة مدنية منتخبة من الشعب، سياسات أمنية ينفذها الجيش والجهات الأمنية تحت مراقبة المدنيين.