"يترشح لفترة رئاسة ثالثة أم لا يترشح؟" هذا هو السؤال المطروح في موريتانيا منذ عدة أشهر بشأن مستقبل الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي تنتهي فترته الرئاسية الثانية الأخيرة مبدئيا منتصف العام 2019. ومع أن هذا الموعد ما زال بعيدا نسبيا، فإنه يكاد يهيمن على الحياة السياسية في البلاد لا سيما منذ طرح وزراء له داخل البرلمان، مما أثار زوبعة أخرى لم يُوقفها تدخّل الرئيس نفسه.

حلقة الأحد (22/5/2016) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على الجدل الدائر في موريتانيا بشأن احتمال تعديل الدستور لتمكين الرئيس من الترشح لفترة رئاسية ثالثة.

وقال أستاذ الأخلاق السياسية ومقارنة الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية الدكتور محمد المختار الشنقيطي إن انقلاب ولد عبد العزيز على أول رئيس مدني منتخب في انتخابات رئاسية نزيهة وديمقراطية يعد كارثة سياسية في التاريخ السياسي الموريتاني.

وأضاف أنه لولا انقلاب ولد عبد العزيز لكانت موريتانيا اليوم من الدول العربية التي تعيش في ظل نظام ديمقراطي، ولكانت من الدول الرائدة في مجال التحول السياسي مع النموذج التونسي، "وللأسف فإن هذا الانقلاب زاد من عمر الحكم العسكري الذي يحكم موريتانيا منذ عام 1978، وهو حكم أجدبت معه البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا".

واعتبر الشنقيطي أن من حق الناس في موريتانيا أن تخشى وأن تخاف بشأن احتمال تعديل الدستور لتمكين ولد عبد العزيز من الترشح لفترة رئاسية ثالثة. 

وقال إن من واجب القوى السياسية والحية في البلاد أن تسعى إلى وأد مشروع التمديد للرئيس، وأن تركز على المواد التي تعتبر مكسبا نظريا حقيقيا في البلاد لا ينبغي التفريط فيه بأي حال من الأحوال.

وأعرب الشنقيطي عن تعجبه، وقال "إذا كان الرئيس الموريتاني لا يريد أن يترشح فما الذي يضره وما الذي يمنعه من أن يصرح بذلك" طبقا لمواد صريحة في الدستور تمنعه من الترشح؟ وما الذي يمنعه من أن يصرح بشكل لا لبس فيه بأنه ملتزم بتلك المواد وأنه لن يترشح لولاية رئاسية قادمة؟

وعن مطالبة بعض الوزراء في حكومة ولد عبد العزيز ببقائه إلى ما بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية عام 2019، قال الشنقيطي "من الذي جعل للوزراء في موريتانيا استقلالية إلى درجة أن يتحدثوا في أمور دستورية بعيدا عن الرئيس؟ ونحن نعلم أن كل شيء يرجع إلى شخص الرئيس في نهاية المطاف، وليس من المنطق أن نقول إن هؤلاء الوزراء يتحدثون اجتهادا منهم أو تعبيرا عن آرائهم الشخصية".

تخمينات غير قانونية
في المقابل قال أستاذ القانون الدستوري في جامعة نواكشوط وعضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم الدكتور سيدي محمد ولد سيد آبَّه إن مسألة ترشح الرئيس ولد عبد العزيز لولاية ثالثة لم تطرح بعد، وهو لم يرشح نفسه ولم يتحدث عن ذلك.

وأضاف أن كل ما يثار في هذا الصدد مجرد تخمينات لا تستند إلى أي أساس قانوني، مشيرا إلى أن تصريحات بعض الوزراء في هذا الصدد تعبر عن آرائهم الشخصية ولا تعبر عن رأي الرئيس.

وأوضح ولد سيد آبّه أن الرئيس غير ملزم بتحديد موقفه، فهو أدى اليمين الدستورية المنصوص عليها ولم يقم حتى الآن بأي إجراء يخالف ذلك، أما محاولة تفسير النوايا فغير واردة، وفترته الرئاسية الثانية ما زالت مستمرة.

وقال إن الرئيس ولد عبد العزيز نفى مرارا نيته تعديل الدستور، وأكد أنه لن يقف عقبة أمام الديمقراطية، وأنه لا ينوي الترشح لولاية ثالثة.

وأوضح أن الدستور الموريتاني في مادته الثامنة والعشرين ينص على أن الترشح للرئاسة لا يمكن أن يتجدد إلا مرة واحدة. ودعا إلى التمييز بين تعديل الدستور والمساس بأحكامه المتعلقة بالمأمورية الرئاسية، حيث إن هناك بعض الأحكام التي ينص الدستور على أنها غير قابلة للتعديل، وما سواها يمكن اقتراح إدخال تعديلات عليها.

وأشار ولد سيد آبّه إلى أن هناك أحكاما جامدة منها مأمورية الرئيس وما سماه الدستور مبدأ التناوب على السلطة والشكل الجمهوري لنظام الحكم والتعددية الديمقراطية والحوزة الترابية، وهي أحكام نص الدستور على أنها لا تقبل التعديل وما سوى ذلك يمكن اقتراح تعديله.

كما أشار إلى أن اقتراح الرئيس ولد عبد العزيز تعديل الدستور لإلغاء غرفة مجلس الشيوخ يجوز له دستوريا، ولا علاقة لهذا الاقتراح بالمأمورية الرئاسية.

مخاوف المعارضة
من جهته أعرب الدكتور سيد آبَّه ولد سيدي عبد الله القيادي في منتدى الديمقراطية والوحدة  المعارض عن تخوف المنتدى من التمديد للرئيس بسبب فلسفة حكمه القائم على عدم احترام الدساتير والقانون ووأده التجربة الديمقراطية حيث لم يستطع الصبر على رئيس منتخب.

وأضاف أن ولد عبد العزيز غير مؤتمن على إنهاء ولايته بطريقة طوعية، وهو يرواغ بعدم الإعلان صراحة عن عدم نيته بالاستمرار في الحكم وأنه لن يترشح، معتبرا أن مطالبة بعض الوزراء ببقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية مؤشر على نية النظام.

وقال إن الرئيس يهاجم المعارضة ولا يحترمها وهو ينوي البقاء في السلطة وإفساد دستور البلاد، مؤكدا أن المعارضة لن تقبل بالتمديد لولد عبد العزيز وإدخال البلاد في ورطة ولاية ثالثة لرئيس يعتبر المعارضة أعداء للوطن.

طعم للمعارضة
أما الإعلامي الموريتاني والباحث في شؤون الساحل الصحراوي سيد عمر شيخنا فقد اعتبر أن موضوع التعديل الدستوري باتجاه الحد من إلغاء المأموريات الرئاسية قد اتخذ وحسم ولم يعد تخرصات وتحليلات.

وأضاف أن خطاب الرئيس ولد عبد العزيز الأخير قطع الشك باليقين، صحيح أنه لم يصرح بموضوع تحديد المأموريات، لكنه أشار إلى فكرة مهمة هي إلغاء مجلس الشيوخ، وهذا يكاد يكون مطلبا لجميع الموريتانيين، وبالتالي فهذا طعم للمعارضة حتى تتقدم بهذا التعديل، كما أعطى طعما آخر مهما وهو المجالس الجهوية.

وقال إن "الرئيس يريد أن يجتمع الساسة في موريتانيا للتعديل الدستوري من دون أن يحدد موضوع المأموريات الرئاسية، وأثناء النقاش تأتي الأغلبية والشخصيات المحسوبة على النظام وتطرح موضوع التعديل الدستوري فلا يكون الرئيس شخصيا هو من يطرح الموضوع".

وأضاف أن المراد ألا يكون الرئيس شخصيا هو من يطالب بتعديل الدستور، لأنه أقسم على الحفاظ عليه، ومن ثم تقوم الأغلبية بوضع التشريعات المساعدة على بقاء الرئيس، وبالتالي يقول الرئيس وتقول الأغلبية إن هذا رأي الشعب الموريتاني وعلينا احترامه.