"الفرانكفونية آلة سياسية ووسيلة استعمار جديدة تؤبّد استلابنا؛ لكن استخدام اللغة الفرنسية لا يعني أن نكون عملاء لقوة أجنبية". هكذا قال الشاعر والأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، صاحب مقولة إن الفرنسية غنيمة حرب.

وبعد خمسين عاما من تصريحه هذا، يثور من جديد جدل حاد بشأن توجه يقول منتقدوه إنه يرمي إلى ترسيخ الفرانكفونية على حساب هوية الجزائر، من خلال تغيير للمناهج التعليمية يحمله إصلاح تربوي لا يُعرف من ملامحه الكثير حتى الآن، إلا أنه يُقابل بقدر كبير من التحفظ والتوجس.

حلقة (8/4/2016) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على واقع التعليم في الجزائر في ظل الاستعداد لمرحلة جديدة من إصلاح تربوي ترى فيها بعض النقابات تعزيزا للاتجاه الفرانكفوني.

في البداية، قال المدير الفرعي السابق المكلف بالتعاون والعلاقات الدولية بوزارة التربية الوطنية حمزة بلحاج صالح إن الاهتمام بقضية المناهج التربوية نبعت من صميم الانشغال العام بوصفها شأنا يخص كل الجزائريين، مؤكدا أهمية أن تلتزم المناهج بالإطار القيمي العام للشعب الجزائري وهو ما يحدده القانون التوجيهي.

وأضاف أن "الخبرة الفرنسية تحولت من خبرة تقنية إلى أن أصبحت مصممة ومهندسة للمناهج".

من جهته، قال أستاذ الإعلام في جامعة قطر محمد قيراط إن وزيرة التربية والتعليم بالجزائر لا تعرف العربية ابتداء، لافتا إلى حديث ثار مطلع العام الدراسي الحالي عن التدريس بالعامية، ووصف قيراط الوضع الحالي "بأزمة الهوية" في الجزائر.

ولفت قيراط إلى أن فرنسا ليست ضمن الدول العشرين الأفضل من الناحية التعليمية في العالم، بل إن الطبقة الثرية الفرنسية ترسل أبناءها للدراسة في أميركا، كما أن علماء فرنسا ينشرون بحوثهم بالإنجليزية حتى تصل إلى العالم.

وأكد قيراط أن تعديل المناهج ينبغي أن يخضع لمؤسسة عبر وسائل علمية، وليس لشخص بعينه حتى لو كان وزير التعليم.

أما الخبير في التربية والمناهج الدراسية في الجزائر عبد القادر فضيل فقال إن هناك أربعة أجيال منذ عام 1962 حتى الآن، موضحا أن الجيل الأول كانت لديه مناهج فرنسية بقيت حتى عام 1975، ثم جاء الجيل الثاني حيث تم تغيير كل هذه المناهج وإطلاق النظام التربوي الوطني، واستمر حتى عام ألفين، حيث شكّل رئيس الجمهورية اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم.

وتابع فضيل أن "الغاية من التعديلات المرتقبة ليست تغيير المناهج، وإنما تمهيد لما هو أخطر من ذلك عبر فرنسة التعليم الثانوي".

وعاد قيراط ليشير إلى أن التيار الفرانكفوني يعمل في دول شمال أفريقيا وليس فقط في الجزائر، مستشهدا بإغلاق مراكز تعليم القرآن الكريم للأطفال في تونس مؤخرا، بوصفها تنتج "إرهابيين"، مؤكدا أن هذا التيار في الجزائر يؤمن بأن المدرسة الجزائرية هي التي صنعت الإرهاب.

وقسّم صالح الخبراء الفرنسيين إلى مجموعتين: إحداهما تجهّز خبراء التربية لما يسمى الجيل الثاني، والأخرى تعمل على المناهج التعليمية، مؤكدا أن هذه المجموعة أوشكت على إنهاء عملها في تعديل مناهج التعليم، خاصة المرحلة الثانوية.

وتابع صالح أن المشكلة لا تكمن فقط في التعليم بالفرنسية، وإنما في تدريس الفرنسية من منطلق القيم والثقافة والحضارة الفرنسية، وهو ما يخلخل القيم الأصلية للمتلقي.