إلى مثواه الأخير شَيّعت جموع غفيرة في الخرطوم المفكر الإسلامي والسياسي السوداني البارز حسن الترابي الذي وافاه الأجل المحتوم يوم السبت بعد ساعات قليلة من وعكة صحية ألمّت به في مكتبه.

وقد كان لرحيل الترابي المفاجئ نسبيا وقع الصدمة على أنصاره والمعجبين بفكره في السودان وخارجه, ربما تضاهي في اتساع نطاقها ما خلّفه إرث الرجل من جدل حول أفكاره ومواقفه السياسية والفتاوى الجريئة التي أفتى بها وضاق بها المنتقدون إلى حد مطالبة بعضهم بإهدار دمه.

حلقة (6/3/2016) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على جدلية الفكر والسياسة في إرث المفكر الإسلامي السوداني الراحل حسن الترابي.

رئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا عبد الوهاب الأفندي يرى أن الترابي يكاد يكون أكثر شخصية أثرّت في السودان في القرن الماضي وهذا القرن، مضيفا أنه أحد رواد ثورة أكتوبر 1964، لكنه أشار إلى أن ممارساته السياسية قضت على مساهماته الفكرية، فقد كانت له رؤية تجديدية، لكن كان هناك تناقض بين الفكر والعمل.

من جانبه قال المفكر والمؤرخ الفلسطيني أسامة جمعة الأشقر إن الترابي شخصية استثنائية ومثيرة للجدل تملأ الدنيا وتشغل الناس كثيرا، وميزته أنه استطاع الخروج بالحركة الإسلامية السودانية من مستويات النخبة إلى مستويات الجماهيرية، وحوّلها إلى حالة، وأدخلها إلى كل بيت، وحوّل الفكر إلى سياسة، وهو ما أعطى نمطا مختلفا عن الحركات الأيديولوجية.

وأضاف الأشقر أن الترابي لم يكن محتارا في تقديم شخصيته، فقد كان يقول عن نفسه "أنا أفكر إذا أنا سياسي"، وهو ما جعل المفكر والسياسي ينصهران في شخصيته، مضيفا أن هذا ما جعل منه شخصية استثنائية، لكن الشخصية السياسية كانت طاغية عليه وأثرت على المستوى الفكري.

وأكد الأشقر أن الترابي قام بمراجعات كبيرة جدا، لأن التجربة التي خاضها كانت تتعاطى مع إشكالات الواقع، بينما التفكير يعطي نظريات مجردة فقط، مؤكدا أن كل قضية شغلت الترابي كان يراجعها، وكان يحسب أنه قد أخطأ فيها، لكن تجربته نضجت جدا في سنواته الأخيرة.

video

وعن خلافه مع جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر، قال الأفندي إن الخلاف الأساسي معهم كان سياسيا حول التنظيم الدولي للجماعة الذي رفض الانضمام له، مضيفا أن تجربة الترابي وإن كانت في السودان إلا أن إرثه باق في تونس بما له من تأثير هناك.

وأضاف أن الترابي تورّط في انقلاب عام 1989، مشيرا إلى أنه لا يمكن إبعاد مسؤولية بعض الانتهاكات التي حدثت عنه، مؤكدا أن الترابي نفسه اعترف بذلك بعد مفاصلته مع الرئيس عمر البشير.

وقال الأشقر إن آخر منتجات فكر الترابي هو ما يعرف بـ"النظام الخالف"، بعد أن وصل إلى حقيقة أن الحركات الإسلامية في مجموعها لا تستطيع منفردة أن تُقدّم أنموذجا للإسلام، ورأى أن على كل الجماعات الإسلامية أن تذوب في منظومة واحدة هي منظومة القيم.