رحلة بحث أكاديمي ميداني في مصر السيسي، قادت الشاب جورجيو ريجيني إلى نهاية مروعة. جثة ملقاة قريبا من القاهرة تحمل آثار تعذيب شديد. وكثير من الأسئلة المشروعة عن الملابسات الحقيقية لمقتل الطالب الإيطالي.

وفي انتظار أن تميط التحقيقات لثام الغموض عن هذه الحادثة، ظهر الفرق جليا مرة أخرى في التعامل مع الدماء الأجنبية قياسا إلى المصرية، ففي الأولى اهتمام محلي ودولي ومطالبات ملحة بتحقيقات تفضي إلى تحديد المسؤوليات وفرض العقوبات إن لزم الأمر، وفي الثانية آلاف حالات الاختفاء القسري، وقتل على وجه الشبهة، وحفلات تعذيب لا تنتهي، في غياب شبه تام للقانون والعدالة، فضلا عن المحاسبة التي يـُفترض بها في نظر كثيرين أن تشمل نظاما برمته، يحكم مصر هذه الأيام.

حلقة (5/2/2016) من برنامج "الواقع العربي" تناولت كيل النظام المصري بمكيالين في التعامل مع سفك الدماء المصرية والأجنبية في البلاد، على ضوء مصرع الطالب الإيطالي قرب القاهرة.

الكاتب الصحفي المصري وائل قنديل قال إن الحادثة حلقة في سلسلة طويلة جدا من حوادث الاختفاء القسري الذي ينتهي أحيانا بظهور المختفي مقتولا أو مُعذّبا، أو أن يظل مختفيا ولا يعلم عنه أحد شيئا.

وأضاف أن مصر باتت تعرف الآن بأنها بلد الاختفاء القسري، وظهر هذا وتفاقم كثيرا بعد 30 يونيو/حزيران 2013، وهو ما رصدته المنظمات الحقوقية المصرية والدولية.

وأضاف أن المناخ في مصر الآن رسميا أو شعبيا لدى مؤيدي عبد الفتاح السيسي مُعاد للأجانب، حتى أن كل أجنبي هناك الآن يصنف كجاسوس، إضافة إلى أن الإعلام يتحدث طوال الوقت عن مؤامرة خارجية ضد مصر.

وقال "نحن بصدد حادث لا نستطيع القول إنه جنائي، بل هو سياسي لا ينفصل عن سياق سابق طويل من قتل للسياح المكسيكيين وقتل للسياح الروس وغيرهما، وهذا يكشف إما أن السلطة متورطة في قتل الشاب، أو أن النظام منهار أمنيا، لدرجة خطف سائح وتعذيبه ثم قتله".

من جهته، قال المحامي والباحث الحقوقي المصري أيمن سرور إن ما أضفى أهمية لهذه الحادثة هو استدعاء الخارجية الإيطالية للسفير المصري في روما، وقطع وزيرة إيطالية زيارتها لمصر، وهذا يعني ببساطة أن المسألة ليست جنائية أبدا، وأن لدى إيطاليا معلومات أن للحادث أبعادا أخرى.

وأشار سرور إلى أنه رغم أن إيطاليا من أكثر الدول الداعمة لنظام السيسي وسبق أن استقبلته، فإن الأمر عندما يتعلق بمقتل مواطن إيطالي، فإن رد الفعل يختلف تماما.

وأضاف أن هناك ما يمكن تسميته بالصراع المكتوم بين الأجهزة الأمنية في مصر، مشيرا إلى أنه منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 فإن من يتم القبض عليه بأي شبهة سياسية فإنه يصبح مسلوب الحقوق.

video

رواية رسمية مختلقة
من جهة أخرى، شبّه قنديل التعامل الرسمي المصري مع هذه الحادثة بما حدث عقب سقوط الطائرة الروسية من غياب للمهنية والأمانة في عرض الوقائع، مشيرا إلى أن أكثر ما يشغل النظام المصري في أعقاب حادثة كتلك هو صياغة سيناريو أو تأليف رواية لمخاطبة الدولة المعنية.

وأرجع قرار إيطاليا بإرسال محققين إلى مصر إلى أنها قرأت جيدا تعامل السلطات المصرية في حادثتي السياح المكسيكيين والطائرة الروسية عندما خرجت روايات مصرية رسمية ليس لها علاقة إطلاقا بما حدث.

وعاد سرور للإشارة إلى أن النظام المصري الحالي يمتلك سجلا أسود في حقوق الإنسان، قائلا "إن نظام مبارك أصبح ملائكيا مقارنة بنظام السيسي". وأضاف أن حقوق الإنسان ليست رفاهية، وإنما هي جزء من بناء أي دولة.

وهنا قال قنديل إن هناك تباينا كبيرا بين تعامل السلطات المصرية إذا كان الضحية أجنبيا وبين تعاملها إذا كان مصريا، وأضاف أنه في نفس يوم الإعلان عن وفاة الشاب الإيطالي، أُعلن عن وفاة شاب مصري كان مختفيا قسريا في سيناء، لكن أحدا لم يتحدث عنه.