كان سقف الأحلام عاليا على وقع شعارات التحرر والوحدة والتقدم، لكن حصاد التجارب خيب ظن شعوب راهنت على قيادات ودول كدولة الوحدة التي قامت يوما ما بين مصر وسوريا.

دولة عصفت بها سياسات استبدادية أنهت بوادر الحياة الديمقراطية في كل من البلدين، لتكرس في المقابل طيلة عقود هيمنة العسكر والحزب الواحد والزعيم الضرورة.

وما كان للنتيجة سوى أن تكون انقلابا عسكريا في أرض الكنانة حارب رغبة الشعب المصري دون هوادة في الحرية والكرامة، وحربا أهلية في سوريا أسرف فيها النظام البعثي تقتيلا وتدميرا لمنع أي تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد.

حلقة الاثنين (22/2/2016) من برنامج "الواقع العربي" تناولت حال مصر وسوريا في ظل الذكرى الـ58 للوحدة التي استمرت ثلاث سنوات بين البلدين.

الباحث والمؤرخ السياسي المصري محمد الجوادي قال إن الوحدة بين مصر وسوريا جاءت وفق ثلاثة أنساق: النسق الداخلي السوري في البحث عن مُحكّم بين الطوائف المختلفة، ونسق خارجي، فقد كانت سوريا تقع بين حلفين، حلف الناتو الذي يضم تركيا بما لها من حدود مع سوريا، وحلف بغداد. وأخيرا النسق العاطفي، بما تمثله القومية من قيمة عند السوريين.

من جانبه قال الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات شمس الدين الكيلاني إنه عندما طرح الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر نفسه عام 1952 كصاحب مشروع عروبي تجاوبت سوريا مع ذلك، وتنامت مشاعر العرب بشكل عام والسوريين بشكل خاص مع مصر، خصوصا مع العدوان الثلاثي عام 1956 مما أنتج تجربة الوحدة. 

video

فشل التجربة
وعن أسباب فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، أرجعها الجوادي إلى "الاستبداد"، مشيرا إلى أن القائمين بانقلاب عام 1961 في سوريا لم يكونوا يطالبون بالانفصال وإنما بالإصلاح، وأضاف أنه كان من الواجب أن يسعى عبد الناصر للحفاظ على الوحدة، "لكن الأوامر الأميركية صدرت إليه بإعادة القوات المصرية من اللاذقية".

من جانبه قال الكيلاني إن مصر بالنسبة للسوريين كانت تمثل زادا ثقافيا وقلعة سياسية، لكنها لم تكن تمثل نموذجا للحكم، ولفت إلى أن الأغلبية الكبيرة من الشعب السوري كانت مع الوحدة، مرجعا فشل الوحدة إلى رغبة عبد الناصر في تطبيق نظام الحكم المصري بسوريا التي كانت تعيش وقتذاك تجربة ديمقراطية.

وعن الاستفادة من تجربة الوحدة في الوقت الراهن، قال الجوادي إنه لا يمكن أن تكون هناك وحدة في ظل أنظمة دكتاتورية، مؤكدا على ضرورة البدء بذلك من خلال المجالس النيابية.

وأكد الكيلاني أنه من غير الممكن قيام وحدة دون ديمقراطية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدة والاستبداد.

يذكر أن الوحدة بين مصر وسوريا أعلنت يوم 22 فبراير/شباط 1958 بتوقيع ميثاق الجمهورية المتحدة من قبل الرئيسين السوري شكري القوتلي والمصري جمال عبد الناصر.

واختير عبد الناصر رئيسا لما بات يعرف بالجمهورية العربية المتحدة وعاصمتها القاهرة. وفي عام 1960 تم توحيد برلماني البلدين في مجلس للأمة بالعاصمة المصرية، وألغيت الوزارات الإقليمية لصالح وزارة موحدة.

وانتهت الوحدة بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 سبتمبر/أيلول 1961، وأُعلنت الجمهورية العربية السورية. وفي المقابل احتفظت مصر باسم الجمهورية العربية المتحدة حتى عام 1971.