تحتل الموصل صدارة الأحداث بالنظر إلى المعركة التي أطلقها الجيش العراقي وحلفاؤه وقوات البشمركة والتحالف الدولي، لاستعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر عليها منذ أكثر من عامين. لكنّ للموصل وجها آخر مرتبطا بإسهامها الحضاري والتاريخي، وبتركيبتها السكانية المتنوعة.

حلقة الاثنين (17/10/2016) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على أهمية مدينة الموصل ومكانتها كإحدى أبرز حواضر العراق والمشرق العربي عبر التاريخ.

جغرافيا وديمغرافيا
في محافظة نينوى شمال العراق تقع مدينة الموصل التي تبعد نحو أربعمئة كيلومتر من بغداد، ممتدة على إحدى ضفتي نهر دجلة الذي يحجز سدّ الموصل جزءا من مياهه.

سكانها -وفق بعض التقديرات- مليونان تقريبا، أغلبهم مسلمون من العرب السنة والأكراد، إضافة إلى مسيحيين من عدة طوائف هجّرهم تنظيم الدولة، وفيها أيضا تركمان وإيزيديون وشبَك وغيرهم من الأقليات.

أول استيطان بشري في الموصل كان منذ آلاف السنين قبل الميلاد (آشوريون وكلدانيون.. إلخ).

خضعت للحكم العربي، ثم أصبحت إمارة استقل بها الحمدانيون عن العباسيين في سنة 929 ميلادية، وكانت مركزا حضاريا وطريقا تجاريا لتصدير الحرير عبر إيران وآسيا.

كما سيطر عليها الحكم العثماني بين القرن السادس عشر ونهاية الحرب العالمية الأولى تقريبا، واحتلها الجيش الأميركي مثلما احتل بقية العراق في 2003.

أما أهم التطورات فيها منذ سنين قليلة، فهو هروب الجيش العراقي وتركه المدينة لتنظيم الدولة في يونيو/حزيران 2014 في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي.

استعادت القوات العراقية ووحدات البشمركة سد الموصل من التنظيم في صيف 2014 بفضل ضربات جوية أميركية، ولكن المدينة بقيت تحت سيطرة تنظيم الدولة.

وتثار مخاوف بشأن مصير التركيبة السكانية العامة للمدينة، ولا سيما مع تدخل عدة أطراف ذات ولاءات متناقضة في عملية استعادتها.

video

سرّ الاهتمام

حول هذا الموضوع يقول الكاتب والباحث السياسي العراقي لقاء مكي إن من أسباب الاهتمام الدولي بالموصل حاليا هو ما حظي به تنظيم الدولة من اهتمام عالمي، حيث تعد الموصل النقطة التي بدأ بها تنظيم الدولة توسعه في العراق.

وأضاف أن للمدينة أهمية أيضا على الصعيد الجغرافي والديمغرافي، فمنها يمكن فتح طريق بري بين إيران وسوريا، وربما تكون هذه المعركة من خواتيم المعارك مع تنظيم الدولة في العراق تحديدا، وستفتح الباب واسعا أمام إنهاء وجوده في سوريا، وفي الرقة تحديدا.

لذلك فإن كثيرا من الدول والأطراف تريد أن يكون لها حضور في المعركة، على افتراض أنها ستليها صفقات سياسية لتحديد مستقبل العراق.

وردا على سؤال بشأن عودة الموصل لسابق عهدها بعد المعركة، قال مكي إنه ليس في العراق فرص كبيرة لتحقيق الأمنيات بسرعة ودون مشاكل، وقال إن الموصل تعرضت لويلات كبيرة بعد الاحتلال الأميركي.

تلاقي حضارات
من جهته، أكد أستاذ التاريخ الحديث في جامعة صلاح الدين عماد عبد السلام رؤوف، أن الموصل تتميز بمكانة خاصة ليس في التاريخ فقط وإنما في الجغرافيا أيضا، وربما من النادر أن تلعب الجغرافيا دورا في رسم مدينة كما لعبت في الموصل وجوارها.

وأضاف أن المدينة لعبت دورا مشتقا من أسمها في التواصل بين أقاليم شتى ودول شتى، وكان قدرها أن تكون موصلة بين عدد من الأقاليم ومهمة بالنسبة لكل تلك الأقاليم.

وأكد أن المدينة تشكل مركزا لتلاقي الحضارات وتفاعلها، وليس فقط لصراع دول على الهيمنة على مقدراتها.

أهمية تاريخية
بدوره، رأى أستاذ التاريخ الحديث سيّار الجميل أن المدينة تمر بنكبة تاريخية كما مرت بمحن عديدة، نظرا لأهميتها الجيوستراتيجية، فهي تقع في قلب الشرق الأوسط وهناك تركيز عالمي عليها لموقعها الجغرافي الذي تتساوى فيه المسافات بينها وبين البحار (قزوين والأسود والمتوسط والخليج العربي).

وللمدينة أيضا أهمية تاريخية، فقد كانت نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية، ثم هي أقدم مراكز الديانة المسيحية في الشرق، ثم ثاني أكبر مدينة بعد دمشق في العهد الأموي، ثم ساهمت المدينة في الفتوحات الإسلامية نحو الأناضول القوقاز وأرمينيا والشرق البعيد.

وختم بأن الموصل تحتاج لأن تكون آمنة ومستقرة ومسالمة ومنتجة ومتحفزة للتنمية ولغسل الأفكار التي عاثت بها على مدى سنين طويلة.