أهميتها الاستراتيجية تجعلها محط أنظار كثيرين، وصمودها منذ أكثر من عامين في وجه تنظيم الدولة الإسلامية يجعل السيطرة عليها تحديا كبيرا له, ومعركتها اليوم تُعد امتدادا طبيعيا لمعركة الرمادي التي لم تضع أوزارها بعد.. إنها حديثة، المدينة الكبيرة الوحيدة في محافظة الأنبار التي ظلت عصية على تنظيم الدولة كما كانت من قبله عصية على قوات الاحتلال الأميركي.

وسلطت حلقة (9/1/2016) من برنامج "الواقع العربي" الضوء على أبعاد القتال المحتدم بين تنظيم الدولة الإسلامية وكل من القوات العراقية ومقاتلي العشائر في منطقة حديثة غربي الأنبار.

وقال الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية اللواء المتقاعد عبد الكريم خلف إن المدينة شهدت تعديلات على دفاعاتها العسكرية، كان آخرها إنشاء سواتر ترابية تمتد إلى عمق 15 كلم، وتهدف لإبعاد عناصر تنظيم الدولة، وهو ما أدى لتخفيف حدة المعارك، ولكن بقيت المشكلة في المنطقة الغربية القريبة من الحدود السورية، والمنطقة الشرقية، وهما منطقتان لا تتواجد فيهما القوات العراقية، ولذلك فالمعارك تبدأ عادة عند هذه السواتر.

من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي العراقي لقاء مكي أن عشائر حديثة تختلف عن غيرها، فهي تمتلك دافعا أكبر للقتال ضد تنظيم الدولة لأسباب عدة، منها تلاقي المصلحة مع الحكومة العراقية، بالإضافة لطابع عشيرتي الجغايفة والبو نمر اللتين تأذتا كثيرا من سيطرة تنظيم الدولة على الرمادي.

وأضاف أن حديثة هي المدينة الوحيدة التي فشل تنظيم الدولة في دخولها، وهو ما جعل منها عبئا عليه من الناحية المعنوية.

ويؤكد خلف أن بسالة عشائر حديثة كان لها أثر كبير في منع تنظيم الدولة من السيطرة على المدينة، رغم أنه قد شن نحو مئتي هجوم عليها.

وعزا خلف الرغبة الملحة لتنظيم الدولة في السيطرة على مدينة حديثة إلى أن المدينة تشكل بديلا للطريق الرابط بين الرقة والموصل الذي فقده، والرغبة في السيطرة على سد حديثة الذي يحوي ملياري متر مكعب من المياه، وهو ما يمكنه من تدمير مدن عدة عبر سياسة التعطيش، بالإضافة إلى أن السيطرة على حديثة تمكن التنظيم من بسط نفوذه على منطقة حوض الفرات بالكامل.

لكن الخبير العسكري يرى أن فرص التنظيم للسيطرة على المدينة ضعيفة، رغم هجماته الضخمة المتتالية.

video

فراغ سياسي
ويرى مكي أن موقع حديثة التي تحيط بها الصحراء تُصعّب من وصول الإمدادات لتنظيم الدولة، لكن تبقى مسألة تغيير التنظيم لأساليبه العسكرية بشكل مستمر تشكل خطورة على المدينة.

وأشار مكي إلى أن تنظيم الدولة يستخدم دائما الفراغات السياسية بالإضافة للفراغات العسكرية، وهو ما مكّنه من الحصول على بيئة حاضنة في بعض المناطق، كما حدث في مدينة الموصل في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بسبب السياسة الطائفية للجيش العراقي.

ولفت إلى أن عدم إنجاز المصالحة الوطنية حتى الآن يصب في صالح التنظيم، وعزا ذلك إلى وجود مراكز قوى داخل دوائر الحكم العراقية تعطل هذه المصالحة.

وتساءل مكي عن ماهية الخطوات التي ستقوم بها الحكومة العراقية في مدينة الرمادي إذا استعادت السيطرة عليها، خصوصا أن المدينة بحاجة إلى نحو ثمانية مليارات دولار لإعادة إعمارها، بالإضافة إلى أزمة النازحين بالمدينة. وطالب الحكومة العراقية بالتعاطي مع المسألة بشكل وطني وشفاف.

واتفق خلف مع مكي في عدم توفر البيئة السياسية الملائمة للمصالحة، وهو ما أدى لأن يدفع العراق ثمنا كبيرا حتى الآن.