اقترح الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي على مجلس الوزراء القيام بمبادرة تشريعية تقضي بإبرام مصالحة مع رجال الأعمال الذين تحوم حولهم شبهات فساد في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، عبر سن قانون للمصالحة يقضي أهم بنوده بتشكيل لجنة حكومية تتولى النظر في مطالب الصلح المقدمة من قبل رجال الأعمال، وتسترجع الدولة الأموال التي ثبتت سرقتها مع استخلاص أداءات إضافية في حدود 5%، مقابل إسقاط كل التبعات القضائية في حقهم.

وأثار القانون جدلا واسعا، حيث طالب معارضوه بمحاسبة المسؤولين قبل أي مسار تصالحي، بينما يقول مؤيدوه إن الأولوية في الوقت الحالي لاسترداد الأموال المنهوبة.

ويفتح النموذج التونسي الباب أمام مسارات مماثلة في دول الربيع العربي، التي تشير بعض التقديرات إلى أن الأموال المنهوبة والمهربة منها تصل إلى حوالي خمسمئة مليار دولار.

وبالطبع ينطبق الأمر على رجال الأعمال المتهمين بالفساد والتهرب الضريبي، وكذلك موظفي الدولة المتهمين بإهدار المال العام والفساد.

لكن الشارع التونسي ومؤسسات المجتمع المدني رفضت القانون، وشارك الكثير من التونسيين في مظاهرات حاشدة ضده.

وحاولت حلقة 13/9/2015 من "الواقع العربي" تسليط الضوء على البدائل المتاحة أمام الدول العربية لمواجهة الفساد، في ضوء مشروع قانون المصالحة المثير للجدل المقترح في تونس.

ظاهرة وتحفظات
ومن وجهة نظر فتحي الجراي وزير التربية السابق أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، فإن المصالحة ممكنة لأن الجميع يؤيدها من حيث المبدأ لكن هناك خلاف حول الكيفية.

وأشار الجراي إلى أن هناك تحفظات على مشروع القانون حتى من أطراف في الحزب الحاكم، متوقعا أن تعيد الحكومة النظر في الموضوع.

ويرى أن الآليات السحرية تتمثل في التوافق على تسريع المحاسبة وإنجاز العدالة الانتقالية مع رجال الأعمال وبعض الموظفين المتورطين في قضايا فساد.

من جانبه، اعتبر محمد أبو هديب نائب رئيس جمعية الشفافية الأردنية عضو منظمة "برلمانيون عرب ضد الفساد"، أن ظاهرة الفساد كبيرة ومقلقة ومرعبة ومعقدة في دول الربيع العربي بسبب طول فترة الأنظمة الفاسدة وتحالفها مع رجال الأعمال الذين سيطروا على الاقتصاد الوطني في تلك البلدان.

وقال إن رجال الأعمال الفاسدين عطلوا الاقتصاد أثناء ثورات الربيع العربي لوقف طموحات المتظاهرين ضد الفساد ومحاسبة الفاسدين.

ويرى أن هناك فارقا بين الشرعية الثورية وشعاراتها وبين الواقع، مشيرا إلى أن الشرعية الثورية اصطدمت بواقع مر لأن رجال الأعمال الفاسدين يملكون مفاتيح تحريك العجلة الاقتصادية.

طريق الحل
ويعتقد الجراي أن المصالحة بالصيغة الحالية لن تمر مرور الكرام. ومضى يقول إن السلطة لا يمكنها أن تتجاهل هذا الاحتجاج الشعبي المتنامي، وسوف تراجع بنود القانون وصولا إلى صيغة لا تتعارض مع مبادئ العدالة الانتقالية وترضي إلى حد ما تطلعات الجماهير.

وتوقع أن تُجرى تعديلات على مشروع القانون وأن يصل التونسيون في النهاية إلى صيغة توافقية لأن كل الأطراف أبدت موافقتها على إدخال تعديلات عليه.

أما أبو هديب فيقترح أن تكون هناك شرعية قانونية بالتوازي مع استرداد الأموال، مستبعدا أن يكون هناك عفو شامل عن الفاسدين. وأعرب عن اعتقاده أن المصالحة بهذه الصيغة غير مقبولة بالمطلق.

وقال إنه لا يمكن للناس أن يتخلوا عن المطالبة بحقوقهم وأموالهم، مقترحا إعادة النظر في بعض نصوص الدستور وإدخال تعديلات عليها.

ويرى أن الحل يجب أن يكون بالمحاسبة المتسمة بنوع من المرونة، مشددا على أنه ضد المصالحة المطلقة مع الفاسدين.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: مصالحة الفاسدين بتونس.. البدائل والتحديات

مقدمة الحلقة: خديجة بن قنة 

ضيفا الحلقة:

-   فتحي الجراي/ وزير التربية التونسي السابق

-   محمد أبو هديب/ نائب رئيس جمعية الشفافية الأردنية

تاريخ الحلقة: 13/9/2015

المحاور:

-   معادلة سحرية بين المحاسبة والمصالحة

-   شرعية قانونية تضمن المحاسبة

-   منظومة النزاهة الوطنية

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلاً وسهلاً بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسط خلالها الضوء على البدائل المتاحة أمام الدول العربية لمواجهة الفساد خاصةً بعد الجدل الدائر حول مشروع قانون المصالحة المقترح في تونس.

تظاهر إذن نحو ألف شخصٍ في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة تونس ضد مشروع قانون المصالحة مع رجال أعمال ومع موظفين كبار فاسدين وذلك رغم حظر السلطات للتظاهر بموجب حالة الطوارئ المفروضة منذ شهر يوليو الماضي، أثار هذا القانون أثار جدلاً واسعاً حيث طالب معارضوه بمحاسبة المسؤولين قبل أي مسارٍ تصالحي بينما يقول مؤيدوه إن الأولوية في الوقت الحالي لاسترداد الأموال المنهوبة ويفتح النموذج التونسي مساراتٍ أو يفتح الباب أمام مساراتٍ مماثلة في دول الربيع العربي أيضاً والتي تشير بعض التقديرات أيضاً إن الأموال المنهوبة والمهربة منها تصل إلى نحو خمسمائة مليار دولار.

[تقرير مسجل]

حافظ مريبح: بدأ كل شيءٍ هنا في قصر الرئاسة عندما اقترح رئيس الجمهورية على مجلس الوزراء القيام بمبادرةٍ تشريعية تقضي بإبرام مصالحةٍ مع رجال الأعمال التي تحوم حولهم شبهات فسادٍ في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

الباجي قائد السبسي: نطوي الصفحة أنا هذا رأيي سياسياً منذ خمسة سنوات ونحن نقاسى في هذه الحكاية.

حافظ مريبح: طي صفحة الماضي يتحقق بسن قانونٍ للمصالحة الاقتصادية في نظر قائد السبسي تقضي أهم بنوده بتشكيل لجنةٍ حكوميةٍ تتولى النظر في مطالب الصلح المقدمة من رجال الأعمال حيث تسترجع الدولة الأموال التي ثبتت سرقتها مع استخلاص أداةٍ إضافية في حدود 5% مقابل إسقاط كل التتبعات القضائية لهم، يهم الأمر رجال الأعمال المتهمين بالفساد والتهرب الضريبي وكذلك موظفي الدولة المتهمين بإهدار المال العام وبالفساد، أثار مشروع القانون جدلاً كبيراً كاد أن يتحول إلى أزمةٍ سياسيةٍ في وقتٍ كانت الحكومة تبحث فيه عن وفاقٍ واستقرارٍ سياسيين لمحاربة الإرهاب حسب ما تقول حيث تعالت أصواتٌ تساند مبادرة رئيس الجمهورية تقابلها تحذيرات رافضي مشروع القانون، يقول المساندون وأغلبهم من داخل أحزاب الائتلاف الحاكم التي على رأسها نداء تونس إن مشروع القانون مهم إذا يهدف في نظرهم إلى إرجاع أموال الدولة وتعزيز الاستثمار وذلك بطمأنة رجال الأعمال الخائفين من المحاسبة ناهيك عن التعجيل بمصالحةٍ اقتصاديةٍ يرون أنها ضاعت في ثنايا العدالة الانتقالية التي لم تتحقق رغم مرور خمس سنواتٍ على الثورة، في المقابل خرجت مسيراتٌ شعبيةٌ وحزبية رافضة لمشروع القانون في جهاتٍ مختلفةٍ من البلاد سرعان ما تحول أغلبها إلى صدامٍ مع قوات الأمن التي تدخلت بعنفٍ لتفريق المحتجين، كلف ذلك وزير الداخلية جلسة مساءلةٍ أمام مجلس نواب الشعب بداعي عدم احترام حق التظاهر السلمي الذي يكفله الدستور وقد يكون أيضاً قد أرغم الدولة على حماية المسيرة التي خرجت في الثاني عشر من سبتمبر في شارع الحبيب بورقيبة والتي كانت الداخلية قد أعلنت منعها في وقتٍ سابق استناداً إلى قانون الطوارئ، أحزاب المعارضة كانت في الموعد فنزلت إلى الشارع رغم خلافاتها الأيديولوجية وبدت موحدةً في الشعارات المناهضة لمشروع القانون إذ ترى أنه يهدف إلى العفو عن الفاسدين وحمايتهم من المسائلة والمحاسبة وذهب بعض رافضي  القانون إلى حد اعتبار إنه يشجع على استشراء الفساد، أبرز المآخذ على مشروع القانون أيضاً هو اعتباره تعدياً على منظومة العدالة الانتقالية التي أقرها الدستور إذ تعتبر هيئة الحقيقة والكرامة الجهة الوحيدة المخولة دستورياً بالمحاسبة والمصالحة، في انتظار عرض مشروع القانون على مجلس النواب لمناقشته والتصديق عليه يبدو أنه سيمر وجوباً عبر خانة التعديل في ظل رفضه في صيغته الحالية حتى من قبل حركة النهضة ثاني أكبر قوةٍ سياسيةٍ في المجلس التي دعت إلى تعديله بحيث لا يتعارض مع قانون العدالة الانتقالية ولا يتجاوز أحد شعارات الثورة لا مصالحة دون محاسبة، حافظ مريبح الجزيرة تونس.        

[نهاية التقرير]

خديجة بن قنة: ولمناقشة موضوع هذه الحلقة ينضم إلينا من تونس الدكتور فتحي الجراي وزير التربية السابق وأستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية وينضم إلينا من عمان الدكتور محمد أبو هديب نائب رئيس جمعية الشفافية الأردنية وعضو منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد، أرحب بضيفينا من تونس ومن عمان ونبدأ أستاذ أبو هديب بتقدير حجم هذه المشكلة مشكلة أو ظاهرة الفساد، بعض التقديرات تذهب إلى أن دول الربيع العربي لوحدها تقدر يعني حجم الأموال المنهوبة والمهربة بحوالي 500 مليار دولار نحن إذن أمام ظاهرة خطيرة ومستفحلة أليس كذلك؟ سيد أبو هديب..

محمد أبو هديب: مساء الخير لك وللمشاهدين الكرام، بالتأكيد هي ظاهرة مرعبة كبيرة مقلقة وذلك لعدة أسباب وأهم هذه الأسباب هو طول فترة حكم الأنظمة الغير ديمقراطية المستبدة وتحالفها مع قوى الفساد ورجال الأعمال مما أدى إلى حجم وكبر هذه المشكلة الكبيرة فأنت كما تعلمين سيدتي أن الأنظمة التي بدأت فيها ثورات الربيع العربي عمر هذه الأنظمة كبير جداً بالعمر الزمني وتحالفها مع كل قوى رجال الأعمال الذين سيطروا على الاقتصاد الوطني في تلك الدول وامتلكوا ثروات هائلة كبيرة جداً حتى أنه بعد عملية التحول الديمقراطي وبدأت الشرعية الثورية وشعارات الثورة التي تنادي بالمحاسبة والعدالة قام هؤلاء بتعطيل الاقتصاد في تلك الدول لحجم سيطرتهم الكبرى على اقتصاديات تلك الدول مما أثر سلباً على بعض طموحات الثائرين من الشعب.

خديجة بن قنة: طبعاً لأنهم يملكون الأموال وبالتالي يشكلون المحرك الأساسي للاقتصاد، سيد الجراي يعني هذه هي إذن المشكلة بالنسبة لتونس هنا يعني موطن الخلل، هل الأولوية الآن هي أن نحاسب هؤلاء أم نسترد الأموال عن طريق المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال وأصحاب الأموال عن طريق تشجيع الاستثمار ويعني إصلاح العجلة الاقتصادية بأموالهم؟

فتحي الجراي: الحقيقة أن الأمرين ليسا متضاربين يعني يمكن أن تقع مصالحة وأعتقد أن الكل مع المصالحة بما في ذلك حتى الأطراف التي رفضت هذا القانون ولكنها توافق على مبدأ المصالحة إنما الاختلاف هو على الكيفية هنالك احترافات كثيرة..

خديجة بن قنة: يعني هي تكون لنحاسب أولاً..

فتحي الجراي: هنالك تحفظات هنالك خوف من..

خديجة بن قنة: سيد جراي هذه الأطراف تقول لنحاسب أولاً ثم نسترد الأموال.

فتحي الجراي: وهو كذلك نعم يعني هي تقول لنحاسبهم أولاً ثم سنسترد الأموال بطبيعة الحال ونتصالح وحينئذٍ تكون العدالة الانتقالية قد أخذت مجراها ويكون ثمة مصالحة تاريخية بين التونسيين ويكون الجميع تقريباً في نفس المسار ينظرون إلى المستقبل الذي يرجون جميعاً أن يكون واعداً، الآن هذا القانون بصيغته الحالية لم يرضي جميع الأطراف وهنالك تحفظات عليه حتى من داخل الجهات الحاكمة ربما حتى من داخل الحزب الحاكم طبعاً من داخل الائتلاف الحاكم، لا يوجد في ذلك شك ولذلك سوف تتجه الأنظار إلى الأيام القادمة في ضوء تعبير السلطة الحاكمة عن استعدادها لإعادة النظر وللتعديل والتطمينات التي قدمتها للمعارضة بأن الحريات ليست مهددة وبأن مسار العدالة الانتقالية ليس محدداً وبالتالي سيكون هنالك أعتقد حلٌ وسط..

معادلة سحرية بين المحاسبة والمصالحة

خديجة بن قنة: طيب كيف أستاذ جراي نريد أن نفهم كيف يعني هذه المعادلة السحرية سيد جراي هذه المعادلة السحرية بين أن نحاسب ونصالح كيف؟

فتحي الجراي: ربما نعود إلى الآليات السحرية التي اعتمدها التونسيون طوال هذا المسار المعقد للانتقال الديمقراطي والتي من بينها التوافق الكلمة السحرية الشهيرة ولكن أعتقد أن المسألة لا يمكن أن تتجاوز المحاسبة، قد يتم التسريع بالمحاسبة أو التسريع بمسار العدالة الانتقالية أو قد يتم ربما الحديث عن المصالحة مع طيف محدد من أصحاب المال والأعمال ومن الموظفين كبار الموظفين الذين ارتكبوا أخطاءً أو انحرافات وهذا طبعاً في ضوء تقدير حجم هذه الأخطاء إنما يعني العفو الشامل والمصالحة الشاملة بهذه الطريقة التي اقترحت في البداية أعتقد أن هذه الصيغة لن تمر في المدى المنظور.

شرعية قانونية تضمن المحاسبة

خديجة بن قنة: طيب سيد أبو هديب هل هذا ممكن يعني العفو الشامل وعفا الله عما سلف ولنغلق صفحة ونفتح صفحة جديدة وتعالوا بأموالكم واستثمروا هل برأيك هذه الصيغة مقبولة؟

محمد أبو هديب: أنا لا أعتقد أنها مقبولة بالمطلق لأن هناك شرعيتين، هناك الشرعية الثورية التي بدأت في بداية انطلاق الثورات والربيع العربي والتي نادت بشعارات وضحت من اجلها لا يمكن أن تتنازل عنها لذلك أيضاً اصطدمت تلك الشرعية الثورية بالواقع المرير وهو كما قلت قبل قليل أن هؤلاء يمتلكون كل مفاتيح الاقتصاد مما عطل محركات النمو الاقتصادي في الدول التي بدأ فيها الربيع العربي، لذلك تلجأ الدول إلى نوع من المرونة في هذه العملية أي عملية المحاسبة مع استرداد الأموال لكن هذا يجب أن يتم بالتوازي، أي أنه يجب أن يكون هناك شرعية قانونية تضمن المحاسبة مع قوانين أخرى مثل قانون من أين لك هذا، هذه القوانين إذا ما تمت مع بعضها البعض بالتوازي مع استرداد بعض الأموال بالتوازي مع شعور الناس بأن هناك تحسن في أداء الاقتصاد والذين سلبوا هذه الأموال الكبيرة، أنا أعتقد يمكن مرور ذلك لكن دون أن تكون هناك عفواً مطلقا عمن ارتكب الجرائم الكبيرة جداً بحق الشعوب وبحق الدول التي..

خديجة بن قنة: طيب كيف يمكن أن نفهم دكتور كيف يمكن أن  نفهم أن هذا لم يحدث على الإطلاق في أي دولة من دول الربيع العربي بل بالعكس الوضع الاقتصادي زاد سوءاً يعني أنت تتحدث عن الشرعية الثورية ولكن هناك من يقول لك لتذهب الشرعية الثورية إلى الجحيم نحن بحاجة إلى خبز إلى أن يعيش الناس.

محمد أبو هديب: وهذا ما قلته أنا أن هناك فارقا بين الشرعية الثورية في بداية الثورة وطموحات الجماهير وبين الاصطدام بالواقع، الواقع هذا هو الواقع المرير الذي حدا بالقيادة السياسية في دول الربيع العربي أن تلجأ إلى مثل هذا الأسلوب من المصالحات لأنه في الواقع لا يمكن الوصول إلى حلول سحرية بهذه السرعة لأن العملية بالغة التعقيد والمشكلة كبيرة وأكبر مما يعتقد الكثيرون الذين هم في الشارع الآن، لكن في نفس الوقت لا يمكن أن يتخلى الناس عن المطالبة بأموالهم وحقوقهم وهم يخافون من أن يكون هناك عملية التفاف على هذه العملية وأن يعود هؤلاء إلى السلطة مجدداً عن طريق المصالحات وعن طريق أموالهم التي نهبوها من هذه البلدان، لذلك أنا أعتقد أن هناك يجب أن يكون هناك توعية كبيرة للرأي العام وشرعية القوننة، الآن نحن نتحدى الدستور الذي تم إعداده في فترة الثورة وأيضاً ما سمي بالعدالة الانتقالية هناك كثير من البنود التي وجدت تلبية لطموحات الجماهير الثائرة، الآن في بعد مرحلة مرور هذه الفترة الزمنية أنا أعتقد أن هناك كثيرا من النصوص بحاجة إلى التروي والمرونة والتعديل في أحيانٍ أخرى للوصول إلى المآلات التي تريد هذه الشعوب الوصول إليها  فلذلك أنا مع المرونة مع المحاسبة واسترداد الأموال، يجب أن يكون هناك مرونة أما المحاسبة الفورية لا أعتقد أنها في هذه المرحلة نستطيع الوصول إلى ما يريده الشعب حتى هؤلاء الذين يتظاهرون في الشارع هؤلاء الفاسدين لديهم إمبراطوريات لا يمكن الوصول إليها بالسهولة التي يعتقدها الناس الموجودون في الشارع.

خديجة بن قنة: طبعاً إمبراطورية نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات وهي ظاهرة خطيرة وسنقف الآن على حجم هذه الأموال من خلال المعلومات الأساسية حول حجم الفساد وحجم الأموال المنهوبة في بعض الدول العربية من خلال ما سنشاهده الآن في الشاشة.

[نص مكتوب]

الأموال المهربة في دول الربيع العربي

المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية

500 مليار دولار: أنظمة مبارك وعلي عبد الله صالح والقذافي وبن علي.

تونس: 32 مليار دولار.

مصر: 143 مليار دولار.

ليبيا: 200 مليار دولار.

اليمن: 70 مليار دولار.

سوريا: 100 مليار دولار.

خديجة بن قنة: نرحب بضيفينا من جديد من تونس وعمان أتحول إلى الأستاذ جراي في تونس، يعني هذه أموال يعني تستطيع أن تحل المشكلة الاقتصادية لتونس لعشرات السنين القادمة الآن السلطة كي تستعيد هذه الأموال هل ستمضي في مشروعها في قانون المصالحة دون أن تعبر المعارضة والشباب معارضتهم لهذا المشروع أم أنها بالعكس تحاول أن تجد صيغة يعني توافقية ترضي الجميع؟

فتحي الجراي: طبعاً السلطة لا يمكن أن تتجاهل هذا الحراك الشعبي المتنامي ضد قانون المصالحة الاقتصادية المقترح ولكنها تعبر منذ مدة عن عزمها على المضي قدماً في تقديم هذا القانون وعرضه على أنظار مجلس النواب من أجل المصادقة عليه بعد مناقشته، الآن أعتقد أن السلطة سوف تراجع مضامين هذا القانون وربما تشكل لجنة موسعة هذه المرة قد تضم رموزاً من أطياف المعارضة أو خبراء في العدالة الانتقالية وفي الشأن الاقتصادي وفي الشأن القانوني أيضاً من أجل أن يكون القانون المقترح يعني متناغماً تماماً مع مضامين الدستور وغير ماسٍ بالمرة بمبادئ العدالة الانتقالية، طبعاً هذه المسألة معقدة جداً وتتطلب كثيراً من الاجتهاد وكثيراً من الوقت أيضاً وربما يكون ثمة توافق إذاً حصل مثل هذا المسعى حول صيغة وسطى لو صح التعبير قد ترضي الجميع طبعاً ليس ملئ الرضا ولكن قد تحقق نوعاً من التفاهم لو صح التعبير حول صيغة ولو جزئية لأني لا أعتقد أننا سوف نسير إلى مصالحة شاملة في ضوء الاعتبارات التي ذكرناها منذ حين إنما قد يحصل تسامح أو تصالح لو صح التعبير في بعض المسائل التي ربما لا تمس السلامة البدنية والمعنوية للناس والتي لا تتقاطع تماماً مع الشأن السياسي لأنه كما تعرفين الفساد معشش في الأجهزة السياسية والإدارية وهنالك تقاطعات كبيرة بين مصالح الفاسدين والمفسدين على حدٍ سواء والمتواطئين معهم ولذلك نفذ في منتهى الدقة والتعقد.

منظومة النزاهة الوطنية

خديجة بن قنة: إذن القانون نعم القانون إذن سيد أبو هديب بالنسبة لتونس هو عند باب البرلمان سننتظر لنرى ما الذي يقرره البرلمان إذن بالنسبة لقانون المصالحة ولكن المشكلة سيد أبو هديب أن محاربة الفساد تصطدم دائماً بقلة وفقر التشريعات في الدول العربية التشريعات اللازمة التي تواجه وتحارب ظاهرة الفساد أليس كذلك؟

محمد أبو هديب: بالضبط وهذا هو لب المشكلة لذلك الآن هناك ما يسمى بمنظومة النزاهة الوطنية التي تشمل قوانين مكافحة الفساد وقوانين مثل ما قلت قبل قليل قانون من أين لك هذا وقوانين أخرى التي تبحث عن الجرائم الاقتصادية وهناك يعني منظومة تشريعات موجودة عالمياً في المنظمات العالمية وهي المعايير التي تأخذ بها معايير الشفافية ومكافحة الفساد لذلك أنا قلت كما قلت قبل قليل عن الشرعية الثورية والشرعية القانونية التي تلي عملية الثورة لذلك وخصوصاً في عالمنا العربي العملية بالغة التعقيد لأن هؤلاء الفاسدين الذين يمتلكون كل هذه الأموال والذين تحالفوا مع الأنظمة السياسية لعقود طويلة لهم من القواعد الموجودة على الأرض والتي تستطيع تخريب العملية السياسية والعملية التشريعية وبأيديهم الكثير من المفاتيح، لذلك هي بحاجة إلى حنكة، بحاجة إلى تروي بحاجة إلى مرونة والعملية ليست بالبساطة التي يعتقدها الكثيرون، أنا أعتقد انه حتى بالنسبة لأشقائنا في تونس هو المثال الذي نريد تصل إليه جل الثورات العربية ..

خديجة بن قنة: هو نحن أخذنا تونس كعينة لسبب ولكن الوضع لا يتعلق فقط بتونس الدول العربية غالباً تأتي دائماً في ذيل قائمة التصنيف لدى منظمة الشفافية الدولية، ونريد هنا أن نسأل إن كان  هناك ربما نماذج يمكن أن يسترشد بها في محاربة الفساد على المستوى العربي ربما لا يكون لكن على المستوى الدولي؟

محمد أبو هديب: صحيح على المستوى العربي صعب جداً لأنه للأسف هناك يعني الدول العربية كلها تقبع في آخر ذيل قائمة الدول التي تكافح الفساد أو الدول التي يوجد فيها فساد أقل لكن على الأقل نحن الآن نتحدث عن تحول في الوطن العربي ونتحدث عن ربيع عربي ونتحدث وإن كان ربيعاً لم يكتمل للأسف هو مخلوط بالدم ناهيك عن المال الذي سرق من ذلك، لذلك العملية بالغة التعقيد، نحن نتمنى أن تسير عملية تعديل القانون في الشقيقة تونس حتى تكون مثالاً يحتذي، في البلدان العربية الأخرى المشكلة أكبر وأعقد لأن هناك مشاكل على الأرض مجبولة بالدم هناك قتال وفساد في العراق، فساد في مصر والآن نسمع أن الفاسدين سيعودون من بوابة الانتخابات، هناك مشاكل كبيرة بالغة التعقيد في الوطن العربي لذلك أنا أعتقد أن المشكلة أعقد وأكبر بكثير من هذه الحلقة التي لا تفيها غرضها لأنه للأسف ما حصل في بلداننا العربية خلال العقود الماضية منذ الاستقلال حتى الآن يعني كانت أغلبها عمليات فساد ونهب للأموال وكيف نستطيع في فترة بسيطة أنا أعتقد بأننا بحاجة إلى أكثر من عقد من الزمان وأكثر من  ذلك حتى نستطيع قوننة منظومة النزاهة ومكافحة الفساد وعملية استرداد الأموال والرقابة الشعبية الحقيقية على المال العام في دولنا العربية.

خديجة بن قنة: سيد جراي يعني الأنظار الآن معلقة نحو أسوار البرلمان لكن برأيك هل تعتقد أن تونس ستنجح في تمرير هذا القانون وفي تقديم مثال أو نموذج عربي يحتذي به على المستوى العربي في محاربة الفساد؟

فتحي الجراي: هو الآن تقريباً تم يعني كل الأطراف قابلة بمبدأ التعديل بما في ذلك السلطة الحاكمة التي صدر عنها هذا المشروع مشروع القانون طبعاً وقد يسحب من البرلمان من أجل تعديله وقد يعدل بطريقةٍ أخرى لو كان ثمة مخرج قانوني لأن السلطة تتجنب سحبه في حين أن المعارضة تطالب بسحبه وإعادة كتابته من جديد على قاعدة حوارٍ وطنيٍ يتم فيه التوافق حول مشروع جديد بالمصالحة يكون في تناغم أو دعينا نقول يعني لا يكون في تصادم مع قانون العدالة الانتقالية، الأيام القليلة القادمة سوف تكشف عن اجتهادات أو عن عبقرية السياسيين إن كان ثمة عبقرية أو بقايا عبقرية، وفي كل الأحوال سيكون ثمة تعديلات لأنه حتى مكونات الائتلاف الحاكم لن تقبل بهذا القانون على صيغته الحالية، تبقى المسألة كيف سيتم التعديل وإلى أي مدى وهل سيصل إلى العمق المطلوب الذي ربما تطالب به الأطراف المعارضة لهذا القانون، أعتقد أنه بالنهاية على الأقل هكذا يعني تنبئنا الأحداث السابقة الأحداث السياسية السابقة في تونس في النهاية يصل التونسيون إلى حل وصيغة توافقية أعتقد ذلك.

خديجة بن قنة: سننتظر ونرى إن شاء الله، شكراً جزيلاً لضيفينا الدكتور فتحي الجراي وزير التربية السابق وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية ونشكر ضيفنا من عمان الدكتور محمد أبو هديب نائب رئيس جمعية الشفافية الأردنية وعضو منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد، بهذا إذن تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، لكم منا أطيب المنى وإلى اللقاء.