يُشكل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب نموذجا لتجربة تيار اليسار والأدوار التي لعبها هذا التيار منذ استقلال المغرب.

فبعد عقود من المعارضة والصراع، شهدت العلاقات بين حزب الاتحاد الاشتراكي والنظام انفراجا مطلع التسعينيات، حيث تفاوض عدد من قيادات الحزب مع الملك الراحل الحسن الثاني، مما مهد الطريق لتوافق سياسي أسفر عن تعديل الدستور عام 1996 ليتولى الحزب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي رئاسة ما عُرفت بحكومة التناوب عام  1998, وهي أول مرة تقود فيها المعارضة اليسارية حكومة في المغرب.

وفي مقابل تراجع أداء الحزب في الانتخابات المتتالية الأخيرة وتزايد وتيرة التصدع الداخلي، تتبلور جهود عدد من أحزاب اليسار المغربي لإنعاش التيار النضالي وملاءمة خطابه السياسي مع التغيرات الحالية في الحياة السياسية في المغرب بعد دخول أطراف جديدة على خط المواجهة السياسية ممثلة في التيار الإسلامي والتيار الليبرالي الحداثي.

حلقة الثلاثاء 1/9/2015 من برنامج "الواقع العربي" بحثت واقع حزب الاتحاد الاشتراكي وتيار اليسار في المغرب ومدى فاعليته وتأثيره السياسي في المغرب.

تراكمات
ويعتبر محمد الهاشمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن زهر أن الوضع الذي يعيشه الاتحاد الاشتراكي هو نتيجة لإدارته للشأن العام في حكومة عام 1998، حيث لم يكن منسجما مع قيمه ومبادئه اليسارية التي روج لها، وشرع في خصخصة عدد من المؤسسات العمومية مما اعتبر تحولا في أيديولوجية ومبادئ الاتحاد الاشتراكي.

كما أن عدم قدرته على إدارة الخلافات الناجمة من تحوله من حزب يعبئ الجماهير إلى مشارك في الحكومة ساهم بشكل كبير في تراجع شعبيته.

ويعتقد الهاشمي أن تحمل الاتحاد الاشتراكي المسؤولية في 1998 كان نوعا من القبول بأنصاف الحلول في سياق وظروف لا يسمح له فيها بتنفيذ سياسته ومبادئه وبرامجه.

من جانبه، لفت الأستاذ والباحث في العلوم السياسية إدريس قصوري إلى أن الاتحاد الاشتراكي لم يستطع التكيف مع التغييرات التي شهدها المغرب والعالم العربي.

مسارات غريبة
ويرى أن الاتحاد الاشتراكي سواء من حيث التنظيم أو الإستراتيجية لم ينجح بالشكل اللازم وسقط في فخ المشاركة في مسارات غريبة عنه دون إعادة الالتحام بمرجعيته وقاعدته الشعبية، ولهذا تآكلت شرعيته وشرعية قيادته.

وأشار قصوري إلى أن الحزب لم يسع إلى جسر الهوة مع الشارع المغربي، وانشغل بالتنظيم الأفقي ولم يعر التعاون مع الجماهير اهتماما كبيرا.

وأعرب عن اعتقاده بأن الربيع العربي أعطى فرصة لليسار لإعادة بناء ذاته والتصالح مع الواقع المغربي والعربي, لكنه خالف موعده مع التاريخ بسبب عدم وجود قيادات مبدعة.

وقال إن الاتحاد الاشتراكي لم ينصت لنبض الشارع ولم يتبن تحالفات لبناء برامج اقتصادية تستجيب لمطالب وحاجيات المجتمع المغربي، مضيفا أن الحزب ظل يتبنى مفهوما خياليا وغير واقعي للديمقراطية.

ويرى أن اليسار يحتاج إلى زمن طويل للعودة للشارع المغربي من خلال فهم تعقيداته وصياغة برامج واقعية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الاتحاد الاشتراكي المغربي.. شعبية تتآكل وإستراتيجية غائبة

مقدمة الحلقة: إيمان عياد

ضيفا الحلقة:

-   محمد الهاشمي/أستاذ العلوم السياسية في جامعة ابن زهر

-   إدريس قصوري/أستاذ باحث في العلوم السياسية

تاريخ الحلقة: 1/9/2015

المحاور:

-   غياب إستراتيجية طويلة الأمد

-   قبول بأنصاف الحلول

-   فيدرالية اليسار الديمقراطية

إيمان عياد: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على واقع حزب الاتحاد الاشتراكي وتيار اليسار في المغرب.

يشكل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب نموذج تجربة تيار اليسار والأدوار التي لعبها هذا التيار منذ استقلال المغرب فبعد عقودٍ من المعارضة والصراع شهدت العلاقات بين حزب الاتحاد الاشتراكي والنظام انفراجاً مطلع التسعينيات حيث تفاوض عدد من قيادات الحزب مع الملك الحسن الثاني مما مهد الطريق لتوافقٍ سياسي أسفر عن تعديل الدستور عام 96 ليتولى الحزب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي رئاسة ما عرف بحكومة التناوب عام 98 وهي أول مرةٍ تقود فيها المعارضة اليسارية حكومة في المغرب، وفي مقابل تراجع أداء الحزب في الانتخابات المتتالية الأخيرة وتزايد وتيرة التصدع الداخلي تتبلور جهود عددٍ من أحزاب اليسار المغربي لإنعاش أدائه وملائمة خطابه السياسي مع التغيرات الحالية في الحياة السياسية في المغرب، تقرير أنس بن صالح:

[تقرير مسجل]

أنس بن صالح: هي العودة إلى الجذور والالتحام بالجماهير، تلك وصفةً يدرك الاتحاد الاشتراكي أنها بلسم جراحه ودواء علله وما من مدخلٍ مناسبٍ إلا الانتخابات علها تصلح ما أفسده كرسي الحكم الوثير، فمن حزبٍ ارتبط بالناس وحمل همومهم إلى حزبٍ اكتوى بنار السلطة، لم يكن الانتقال بين هاتين المنزلتين سلساً، رافق هذا المسار مخاضاتٍ وخصوماتٌ عصفت بالحزب فأفقدت خطابه البريق والصدقية، ترتب على ذلك كله انسحاباتٌ وانشقاقاتٌ منذ ثمانينيات القرن الماضي وصار ينظر إليه على نطاقٍ واسعٍ على أنه حزبٌ مدجنٌ وقع في رواية السلطة، هو التيه السياسي إذن في زمن الاصطفافات، في انتخابات 2007 حل الحزب خامساً في ما بدا عقاباً من الناخبين لا يخلو من غلظةٍ وقسوة وقبل ذلك تجرع إهانةً لم يغفرها له أنصاره تصدر الاتحاد الاشتراكي الانتخابات التشريعية لعام 2002 لكن العاهل المغربي عين وزيراً أولاً من التكنوقراط، سمي ذلك خروجاً عن المنهجية الديمقراطية وهو تلطيفٌ لفظيٌ لما يمكن اعتباره تعطيلاً لمسلسل الانتقال الديمقراطي الذي بدأ في أواخر عهد الحسن الثاني، كان منطق الأشياء يقضي بعودة الحزب إلى صفوف المعارضة لكن منطق التهافت على الكراسي أعاده إلى الحكومة فكان إن اعتزل عبد الرحمن اليوسفي أحد قادة الحزب التاريخيين السياسة لكن ليس مسار الحزب كله انزلاقات فقد ساهم في نفخ الروح في السياسة بمعاييرها النبيلة وأثر على نحو لافتٍ في تجربة الانتقال الديمقراطي، ولأن الاتحاد الاشتراكي انحرف عن سيرته الأولى على الأقل من وجهة نظر تياراتٍ داخل الحزب، آثرت فصائل أن تنفرد بتجربتها فنشأت أحزابٌ ذات مرجعيةٍ يسارية سعت إلى صياغة مشروعٍ سياسيٍ ينهل من قيم الفكر الاشتراكي دون أن تنجح جهودها في توحيد قوى اليسار، يعاب على هذه الأحزاب من وجهة نظر خصومها كما من وجهة نظر عموم الناس عقمها الأيدلوجي وعجزها عن طرح بدائل سياسية لتطوير المشروع الديمقراطي في المغرب وزاد من عزلتها مقاطعتها المتواترة للانتخابات ما انعكس بالضرورة على حجم تأثيرها السياسي بتراجع حضورها في المؤسسات والجامعات، تبدى ذلك في عدم قدرة هذه الأحزاب على استثمار لحظةٍ تاريخية كتلك التي شهدها المغرب في فبراير من العام 2011 فيما عرف لاحقاً بحركة 20 فبراير، وفيما يشبه الصحوة المتأخرة أعلنت فيدرالية اليسار وهو تكتلٌ يضم ثلاثة أحزابٍ يسارية هي الاشتراكي الموحد والمؤتمر الوطني الاتحادي وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي أعلنت عزمها المشاركة في الانتخابات المحلية والجهوية، وفهمت هذه الخطوة على أنها توطئة لتوحيد قوى اليسار وإن كان ذلك عبر بوابة الانتخابات التي ظلت هذه الأحزاب تعرض عنها منذ نشأتها.

[نهاية التقرير]

إيمان عياد: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من الرباط  كلاً من محمد الهاشمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن زهر وإدريس قصوري الأستاذ الباحث في العلوم السياسية أهلاً بكما وأبدأ معك سيد محمد الهاشمي أستاذ العلوم السياسية، حزب الاتحاد الاشتراكي وخطابه كان يلقى شعبيةً كبيرة في الأوساط المغربية بدءاً من قدرته في الضغط للإصلاح السياسي أو إصلاح النظام السياسي وليس انتهاءً إلى الوصول إلى سدة الحكومة في التسعينيات في عهد عبد الرحمن اليوسفي، ما أسباب هذا التراجع في العقدين الأخيرين برأيك؟

محمد الهاشمي: مساء الخير سيدتي أعتقد بأن القراءة في تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي في العشريتين الأخيريتين يمكننا الوقوف على عاملين أساسيين، العامل الأول يمكن القول بأن ما يعيشه الاتحاد الاشتراكي والقوات الشعبية في الفترة الراهنة ليس سوى النتائج التي ترتبت عن تدبيره للشأن العام منذ عملياً منذ حكومة التناوب برئاسة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي إلى غاية سنة 2007 يعني هذا التدبير لم يكن منسجما مع المبادئ والأدبيات التي ظل الفكر اليساري يستعملها لتعبئة المواطنين بل كان في جزءٍ كبير منه انقلاباً إذا صح التعبير عن هذه المبادئ فمن حيث القيم اليسارية الاتحاد الاشتراكي نتيجة تدبيره لملف مثلاً خصخصة منشآت القطاع العام منذ بداية حكومة التناوب عرفت هذه المرحلة أوج يعني عملية الخصخصة، هذا شكل تحولاً في قيم اليسار من انحياز لمبادئ العدالة الاجتماعية إلى الطبقات الكادحة مبادئ المساواة وما إلى ذلك وأوقع الحزب في فخ تبرير هذه السياسات التي يفترض أن الهوية اليسارية تقدم بديلاً لها، السبب الثاني أعتقد الذي جعل الاتحاد الاشتراكي يعيش الوضع الذي يعيشه الآن هو عدم قدرته على تدبير الخلافات التي نشأت عن هذا التحول من حزب يعني يعبئ الجماهير إلى حزب يمارس السلطة على مستوى الحكومة وهو ما أدى به إلى الوقوع في فخ الانشقاقات بدايةٍ في المؤتمر السادس لحزب الاتحاد الاشتراكي وما ترتب عن ذلك من خروج مجموعة غاضبة وأسست فيما بعد الحركة التي تسمى جمعية الوفاء للديمقراطية ثم انشقاق التيار النقابي في إطار المؤتمر الوطني الاتحادي ثم الحزب العمالي إلى غير ذلك أعتقد أن هذين العاملين ليس هما الأساسيان، ليس هما كل العوامل لكن تعطينا فكرة أساسية تركيب للأسباب التي أدت إلى الوضع الراهن الذي يعيشه الاتحاد الاشتراكي الذي كان كل أقطاب اليسار تعلق عليه أملاً كبيراً ليشكل قاطرة لتوحيد اليسار.

غياب إستراتيجية طويلة الأمد

إيمان عياد: ليست إذن كل العوامل ليست كل العوامل وإنما عاملان أساسيان، سيد إدريس ذكرهما السيد محمد الهاشمي قد يجد البعض أيضاً بأن يعني من أسباب التراجع الغرق في الآونة الأخيرة في التحضيرات أو التكتيكات الآنية وغياب إستراتيجية واضحة طويلة الأمد أو بعيدة النظر لهذا الحزب ما وجاهة هذا الطرح هل تتفق معه؟ سيد إدريس هل تسمعني؟

إدريس قصوري: أهلاً وسهلاً شكراً على الاستضافة.

إيمان عياد: هل سمعت السؤال؟ نعم تفضل.

إدريس قصوري: تقريباً على العموم بالنسبة للاتحاد الاشتراكي قصته وتجربته التي لا يمكن أن نفصلها عن تجربة اليسار الطويلة وعموم اليسار، يمكن أن أخلصها أنا شخصياً انطلاقاً من سؤالكم في غياب إستراتيجية معينة هي أنه الانتقال المباشر من فوبيا النظام والتعامل والاشتغال من داخل النسق السياسي إلى شجاعة يمكن أن أقول عنها عمياء وهي في مرحلة التسعينيات وما سمي مرحلة الانتقال الديمقراطي وفي غياب حكمة سياسية تعطينا اتحادا اشتراكيا بقيام يسار يشتغل من أجل برنامج سياسي نضالي استراتيجي على المدى البعيد ويمكن أن نلخص هذه الحكمة بأنها تتجلى على مجموعة من المستويات المستوى الأول وهو مستوى المرجعية هذه المرجعية هناك الواقع العربي والواقع المغربي معه عرف صدمة في الفكر وفي الوعي وفي المرجعية وعرف تحولات عميقة وتموجات في تبني المرجعيات في المغرب كان الاتحاد الاشتراكي بعيد عنها وظل منعزلاً عنها كما أن هذه وبالتالي لم يستطع أن يتكيف مع الواقع ولم يعتبر بأن الحزب هو كيان سياسي مثل جميع الكيانات يتعافى في لحظة ويمرض في لحظات وينبغي أن يتكيف وأن يتعالج فلم يتكيف مع الواقع وبالتالي غابت عن الحزب في مراحله ما يسمى حتى بالمنهجية الديالكتيكية غياب ديالكتيكية الحياة أي لم ينصت جيداً إلى نبض الحياة وظل بعيداً..

إيمان عياد: لم يتكيف مع الواقع أو انشغل بتفاصيل تنظيمية عوض الخط السياسي يعني بعدما كانت لعبد الرحيم بو عبيد على سبيل المثال إستراتيجية خاصة للنضال الديمقراطي سيدي ولعبد الرحمن اليوسفي إستراتيجية تعتمد على اختراق المخزن أو النظام الملكي عبر المشاركة في الحكومة الآن غرق الحزب في تفاصيل آنية في تفاصيل بعيدة عن هدف وخط هذا الحزب السياسي ألا تتفق؟

إدريس قصوري: أنا بالنسبة لي فالاتحاد الاشتراكي سواءً من حيث المرجعية أو من حيث التنظيم أو من حيث البرنامج أو من حيث القيادة أو من حيث التحالفات لم ينجح بالشكل المطلوب من أجل الحفاظ على البنية النضالية على إستراتيجية النضال الديمقراطي التي بناها في السبعينات وطرحها لنفسه كبرنامج وكهدف وكإستراتيجية في الثمانينيات لم يفلح فيها وبالتالي سقط مباشرة في اتجاه المشاركة دون أن يتدارس بالفعل تعقيدات الحياة وضغوطات الحياة بما في ذلك ضغوطات الواقع وضغوط النظام وانخرط في مسار جديد غريب عنه كل الغرابة دون أن يكون مستعداً لهذا المسار ودون أن يعرف هذا المسار ولم يحافظ على خطوة للتراجع إلى الوراء من أجل إعادة الالتحام بمرجعيته وبمنهجيته وبالقاعدة الشعبية التي كانت تشكل زاده وخلفيته الأساسية وبالتالي أصبح غريباً عن ذاته ولهذا في نظري تآكلت شرعيته النضالية التاريخية ومعها تآكلت شرعية الأهداف وشرعية المرجعية وشرعية القيادة وبالتالي تآكلت القاعدة أصبح معزولاً في ظل التموجات الشبابية والفئوية الجديدة التي يعتري بها الواقع المغربي ولم تستطع منهجية جدلية الاشتراكية أن تلتقطها وأن تقترب منها في إطار تجسير الفجوة مع نبض الشارع المغربي بقدر ما ذهبت طولاً وعرضاً نحو التغيير من فوق وبالتالي مع التغيير بأي ثمن دونما التغيير من تحت، وأصبح الحزب يعمل تنظيمياً بشكل عمودي ولا يشتغل عموديا مع الجماهير في مختلف البنيات الموازية سواءً في النقابات أو الشبيبات أو المجتمع المدني وما إلى ذلك وسبق أن تحدث عن القطيعة التي وقعت في أضرحة الجامعات وهذا سبب كبير من أسباب الفشل وزادته القيادة في الأوقات الحالية شرخاً لأنها لم تغير في الحزب وفق المرجعية التاريخية وتحافظ على البنى الدافعة داخل الحزب بل جعلتها في الهامش وبدأت تتصيد أناسا غرباء عن الحزب وتعطيهم صلاحيات ومسؤوليات ثقيلة على الحزب مما جعل الثقة تنعدم وبالتالي جعلت..

قبول بأنصاف الحلول

إيمان عياد: نعم سيد إدريس، سيد محمد الهاشمي يعني هذه المشكلة فعلاً في تآكل المرجعيات أم أن هناك مشكلة في المشاريع والبرامج المجتمعية لهذه الأحزاب أحزاب اليسار في ضوء الإخفاقات التي حدثت أيضاً في الانتخابات الأخيرة.

محمد الهاشمي: أعتقد أن السببين معاً يمكن أن يفسرا جانباً من تراجع الزخم الذي كان يعطيه الاتحاد الاشتراكي للحياة السياسية في المغرب، في اعتقادي أن تحمله مسؤولية في سنة 98 يمكن أن أعتبره شخصياً كما يعتبره العديد من الباحثين نوعا من القبول بأنصاف حلول فهو تسلم مقاليد الحكومة في سياق لا يسمح له بتنفيذ وعوده ولا يسمح له أن يعطي للجماهير باعتباره كان حزباً جماهيرياً نفس الصورة كحزب يحكم التي كان يتمتع بها كحزب يشكل ويعكس آمال الجماهير في التغيير وفي الديمقراطية وفي التنمية الاجتماعية لماذا؟ لأن...

إيمان عياد: رغم أن برامج الحزب يعني وقيمه الفكرية كانت تقوم على الاهتمام بالمواطن في الدرجة الأولى يعني إن كان في العدالة الاجتماعية وإنصاف الطبقة الكادحة وضمان حقوق الإنسان والحريات العامة يعني لم يحظي بأي قبول رغم كل هذه القيم.

محمد الهاشمي: صحيح هذا على مستوى الخطاب بالتأكيد هذا قاسم مشترك بين كل الأحزاب اليسارية في المغرب ولكن السؤال المطروح هو هل الدخول إلى المؤسسات والاشتغال وفق منطق المؤسسات يسمح بإعطاء معنى في الواقع في الحياة اليومية للإنسان المغربي لهذه القيم ولهذه البرامج، الإشكال المطروح في النسق السياسي المغربي أن هناك مؤسسات منتخبة لا يمكن الجزم بأنها هي التي تتخذ القرار لا يمكن الجزم بأنها هي التي تحدد السياسة العامة حينما نتحدث عن اتخاذ القرار فنحن نتحدث طبعاً عن تحديد التوجهات العامة عن تحديد الاختيارات الكبرى للحكومة، وبالتالي فالفترة التي يعني تحمل فيها الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية سنة 1998 إضافةً إلى كونها فترة تتميز بخروج المغرب من لحظة احتقان سياسي بشكلٍ تدريجي منذ بداية التسعينات ومرحلة الانفتاح مما يجعل جرأة أي حزب سياسي تكون ضعيفة شيئاً ما في اتخاذ مبادرات حقيقية فكان الإطار المؤسساتي كذلك لم يكن يسمح في الواقع ودمج على بعض الباحثين يقولون بأن الاتحاد الاشتراكي قبل المشاركة في سنة 98 في ظروفٍ ربما أقل ارتياحاً من الظروف التي توفرت أو من العرض الذي قدمه الملك حسن الثاني في بداية التسعينات، وهذا المعطى ما زال مستمراً مع الحكومة المغربية الحالية فالجميع يتحدث عن الحزب الحاكم كالعدالة والتنمية ولكن في الواقع هو حزب يشارك في الحكومة وليس حزباً حاكماً لأن الحكم بمعنى تحديد الخيارات الكبرى في البلاد هو يتم في جانبٍ كبيرٍ منه جانب أساسي خارج المؤسسات المنتخبة ومن هنا يصعب الحديث عن إمكانية أي حزب مهما كان سواءً اليسار أو الإسلاميين أو أحزاب أخرى يعني تفعيل برامجها عبر القنوات المؤسساتية الموجودة.

إيمان عياد: على ذكر العدالة والتنمية يعني في عام 2011 وفي حراك 20 فبراير الشعبي الشعارات التي رفعت كان معظمها يسارية يعني من كان الملكية البرلمانية العدالة الاجتماعية التمييز بين التجارة والسياسية والربط  بين المسؤولية والمحاسبة ولكن على ما يبدو من استفاد من هذا الحراك وهذه الحركة هو الحزب الإسلامي هو العدالة والتنمية وليس الأحزاب اليسارية التي احتضنت وأطرت هذا الحراك سيد إدريس كيف تفسر ذلك؟

إدريس قصوري: نعم أنا بالنسبة لي هناك تفسيران لهذه المسألة لأن الربيع العربي أعطى فرصة لليسار كي يعيد لملمة نفسه وأن يقف على أرضٍ صلبة لإعادة بناء ذاته وتقويتها والتصالح مع نفسه ومع الواقع المغربي والواقع العربي بكل طوائفه وبكل جماعاته أفراداً وجماعات لكنه خالف موعده مع التاريخ ذلك أن هناك قيادات غير مبدعة ربما قيادات شاخت فكرياً وارتهنت إلى المقولة الحزبية للقيادة في النظرية اللينينية التي ينبغي أن تدوم طويلاً وتعمر طويلاً وبالتالي لم تنصت لنبض الشارع الذي يتموج بشكلٍ سريع، ومن هنا هذه القيادات غير مبدعة ولا تطور برامج ولم تطور تنظيماً وبالتالي لم تعد صياغة جماعية للهوية المغربية بمختلف الفئات كما أنها تركت شارع واختارت التغيير من فوق، تغيير من داخل النسق وراهنت على سد الطريق وقطع الطريق على الآخرين عوض بناء تحالفات صلبة ومتينة في أرض الواقع على أساس برامج اقتصادية واجتماعية وبالتالي أعطت الأولية لما هو سياسوي على ما هو اقتصادي اجتماعي ثقافي ولم تجد أجوبة حقيقة للحاجيات الأساسية للمواطنين المغاربة، مواطن اليوم يبحث عمن يلبي له حاجياته اليومية الضرورية الآنية وليس من يعطيه شعارات كما أن هذه الأحزاب ارتهنت ومنها الاتحاد الاشتراكي ارتهن إلى مفهوم مثالي للحرية التي يختصرها في الحرية الفردية وليس الحرية التي تعطي للناس الخبز ومفهوم أيضاً خاطئ وخيالي للديمقراطية وبالتالي الديمقراطية الكلية مئة في المئة..

فيدرالية اليسار الديمقراطية

إيمان عياد: إذا ما تقدمنا قليلاً إذن هي الأسباب الذي دفعت إلى ذلك، الآن اليوم إذا ما تحدثنا عن اليوم وضع هذا اليسار تم الإعلان مؤخراً عن تشكيل فيدرالية اليسار الديمقراطية كيف تفهمون هذه الخطوة؟ تتكون من ثلاثة أحزاب يسارية كيف تفهمون هذه الخطوة هل يمكن أن تكون بداية أو نواة لعودة إحياء أو إنعاش ربما الأحزاب اليسارية في الحياة السياسية المغربية؟ سيد محمد الهاشمي السؤال موجه لك.

محمد الهاشمي: شكراً، أعتقد بأن هذه فعلاً محاولة لإعادة بث الروح في المشروع اليساري ولكنني أعتقد بأن الإشكال المطروح في آليات اشتغال المؤسسات الحزبية في المغرب أن هناك مشكلة على مستوى القدرة على التعبئة بالأفكار فاليسار الخاصية الأساسية التي يتميز بها هو أنه جرعة سياسة وجرعة أيديولوجية زائدة نوعاً ما  بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى وهذا في الواقع امتياز بالنسبة لليسار على اعتبار أنه يعيد الاعتبار للسياسة ويعيد الاعتبار للأفكار ولكن الإشكال هو أنه يصعب وفق المنظومة القانونية الحالية التي تنظم الانتخابات في المغرب ووفق الإمكانيات التي تتوفر عليها هذه الأحزاب مجتمعةً أن تحول هذه الأفكار هذه القيم التي يحملها هذا المشروع إلى قدرة على ربح مقاعد في الانتخابات الحالية وحتى في الانتخابات السابقة في سنة 2007 التي شارك فيها هذا التيار ولم يتمكن من الحصول على أكثر من ستة مقاعد، الآن في المجالس الحالية فهو الأحزاب مجتمعة لا تتوفر على أكثر من 400 مقعد 401 بالضبط من المقاعد وبالتالي فالانتخابات في المغرب كما هو الشأن بالنسبة لبعض الدول العربية المشابهة من حيث تركيبتها السياسية هي تخضع لمنطق مختلف عن منطق إنتاج الأفكار والتصورات..

إيمان عياد: منطق مختلف تخضع له الانتخابات في المغرب، إذن سيد إدريس باختصار بقي لنا سؤال واحد وباختصار يعني ما مدى فعالية أحزاب اليسار في المغرب اليوم وهل تتوقع عودة قوية لها في الانتخابات القادمة بناءً على كل المعطيات التي تحدثنا عنها في هذه الحلقة؟

إدريس قصوري: لا ما أظن ذلك اليسار يلزمه زمنٌ طويلٌ ربما لينجح في العودة إلى الشارع المغربي وليكون فعالاً فحين يجهز اليسار بنية سياسية واضحة وينشئ ويبني تنظيما سياسيا فاعلا ومستمرا يستطيع أن يتفهم تعقيدات الشارع المغربي والنظام المغربي، الدولة من فوق والشارع من تحت ويتكيف بشكل إيجابي معها وبشكلٍ مرن ودينامي وواقعي يستطيع ويتخلى عن شعارات زائدة ويعرف كيف يسوغ برامج واقعية وينفذها في أرض الواقع ويبني ثقات وتحالفات مرنة تتجاذب مداً وجزراً صعوداً يستطيع ربما ذلك أن يعود فهو لن يستطيع الآن أن تكون له كلمة قوية في الشارع المغربي.

إيمان عياد: شكراً لك إدريس قصوري الأستاذ الباحث في العلوم السياسية وشكراً كذلك لمحمد الهاشمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن زهر، وبهذا تنتهي هذه الحلقة شكراً على المتابعة وإلى اللقاء.