منذ ستة عقود والدول العربية تشهد فرض حالات الطوارئ في فترات تطول وتقصر بين دولة وأخرى. نماذج مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا عرفت الطوارئ لعقود.

ومع أن ما يفرض حالة الطوارئ هو الاستثناء، أي لدى وقوف الدولة في مواجهة حالة غير اعتيادية، فإن الحال في الدول العربية أن الاستثناء هو الفترات القليلة التي تفصل بين طوارئ سابقة وطوارئ لاحقة.

لماذا تُفرض الطوارئ؟ ومن يفرضها؟ يقول أستاذ القانون الدولي بول مرقص إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يوضح أنه الاضطرار لتعليق بعض الحقوق يجب أن يكون لسبب مشروع ومبرر ولمدة محددة، وأن يصار إلى إبلاغ سائر الدول المنضوية في العهد الدولي.

إساءة استعمال
ويضيف مرقص لحلقة الجمعة (7/8/2015) من برنامج "الواقع العربي" أن الأمر في العالم العربي ليس كذلك. وهناك دول عربية أساءت استعمال هذا الحق بشكل تعسفي، لأن ثمة حقوقا لا يمكن تعليقها كالحق في الحياة والمعاملة الكريمة ومنع الإبادة والتمييز والإعدام، وكل أشكال الإهانة التي ينص عليها ميثاق حقوق الإنسان.

وقال مرقص إن حالة الطوارئ في مصر دامت عقودا، وهذا يخرج عن المهلة المعقولة التي تكون لدواع قومية وأمنية. أما في بلاد أخرى فإن الطوارئ تكون لمدد متقطعة، وهو أمر غريب يشير إلى أمرين: إما أن ثمة تراجعا قيميا لدى الشعوب وهذا أمر لا يصح، أو أن الحاكم متعسف.

أما الإرهاب الذي يتخذ شعارا هذه الأيام للطوارئ كما هي الحال في مصر وتونس، فقال مرقص إن الإرهاب لا يمكن محوه، وإنه مهما اشتد فلا يجابهه سوى تفعيل القانون والعدالة وتسريعها وإيصال كل حق ومعاقبة المجرم إذا ثبت جرمه.

قبضة أمنية
بدوره، قال أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة أكستر البريطانية عمر عاشور إن الطوارئ لا تريد سوى إطلاق اليد الأمنية والحد من مراقبة القضاء والبرلمان.

وضرب مثلا على ذلك بأنه قد يعتقل مواطن لفترة ممتدة، فإذا تظلم قد يفرج عنه ثم يعاد اعتقاله مرة أخرى بناء على تقرير أمني، وهكذا تستمر الدوامة عشر سنوات.

video

وأشار عاشور إلى أن المشكلة أساسا هي في البنية السياسية التي ترى أن العسكري فوق القضاء والانتخابات، وما يحتاجه هو حزمة قوانين يصدرها لشرعنة سلطته.

لذلك -يضيف- كانت ثورات الربيع العربي تحديا لهذه المنظومة الأمنية، ولهذا أيضا كان ردلفعل القبضة الأمنية عنيفا.

ويخلص عاشور إلى أن حقوق الإنسان وأمن المواطن كلمات قذرة في المؤسسات الأمنية، بينما كلمات مثل السيطرة والقبضة الحديدية تحظى بالتقدير، حسب قوله.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الطوارئ تحكم العرب منذ ستة عقود

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   بول مرقص/أستاذ القانون الدولي

-   عمر عاشور/ أستاذ الدراسات الأمنية والعلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية

تاريخ الحلقة: 7/8/2015

المحاور:

-   إجراءات أمنية استثنائية

-   مبررات إعلان حالة الطوارئ

-   فشل إصلاح منظومة الأمن

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم في هذهِ الحلقة من الواقع العربيّ التي نُسلِّط خلالها الضوء على عودة إعلانِ حالات الطوارئ في عددٍ من الدول العربية.

تُعتبرُ حالات الطوارئ من الإجراءاتِ الأمنية الاستثنائية التي تُخوُّلها مُعظم الدساتير وتلجأُ إليها الحكومات لمواجهةِ أحداثٍ غيرِ اعتيادية غيرَ أنها وبحُكمِ طبيعتها تُعتبرُ استثنائيةً ومؤقتةً لتجاوزِ تلكَ الأحداث غير الاعتيادية لكن لها مفهومٌ مُختلف إلى حدٍ ما في العالم العربي، فتجربة العديد من دول المنطقة مع حالات الطوارئ استمرت لعقودٍ من الزمن بل وكانَ الاستثناء هو الفترات الفاصلة بينَ إعلانِ حالات الطوارئ في بعضها وبعدَ ما اعتقدت العديدُ من الشعوب العربية أنها طوَت صفحةَ حالات الطوارئ وقوانين الطوارئ عادت لتعيشها من جديد بمُبررات الحاجة الأمنية والحفاظِ على السلامة العامة والاستقرار.

]تقرير مُسجل[

حمزة راضي: كفَّ العالمُ عن إعلانِ حالةِ الطوارئ؛ تُعلَنُ وحسب في حالاتِ الكوارثِ الطبيعية وتُرفَعُ بانتهائها بينما تعيشُ دولٌ بأكملها في هذهِ المنطقةِ من العالمِ في حالةِ طوارئَ مُستديمة، في مصرَ أُعلنَت في نهاية خمسينيات القرن الماضي واستمرت لعقود وعندما رُفعَت لفترةٍ وجيزةٍ في مطلعِ الثمانينيات شكّلَ اغتيالُ الرئيسِ السادات فرصةً ووقوداً إضافياً لإعادتها بل إن حِقبةِ مُبارك كُلها وتلكَ هي الأطولُ في تاريخ الرؤساءِ المصريين بعدَ الملكية كانت في ظِلِ حالةِ الطوارئ، الشأنُ نفسهُ في سوريا فقد سبقَت حالةُ الطوارئ وصولَ حافظ الأسد نفسهُ إلى الحكم وربما لولاها لما أفلحَ بترأُسِ تلكَ البلاد وخلالَ عقودِ حُكمهِ ونجلهِ بشار لم يكُن النظامُ ليجدَ حرجاً في الحديثِ عن انتخاباتٍ للشعبِ نزيهة تجيءُ بمُمثلين لهذا الشعب بإرادةِ حاكمهما الحُرة على ما أصبحَ يُعرَفُ بالنموذجِ العربيِّ للديمقراطية، ومعروفٌ أنَّ قوانينَ الطوارئ وحالةَ الطوارئ والأحكامَ العُرفية تمنحُ السلطات التنفيذية صلاحياتٍ تكادُ تكونُ مُطلَقة فهي تُعفيها من الرقابةِ البرلمانيةِ ومن المُسائلةِ القضائية والأسوأ أنها في الحالةِ العربية تعني عسكرةَ الحكمِ جهراً في بعضَ الدول فإذا رأسَ السُلطاتِ بموجبها حاكمٌ عسكريّ يُلغي فعلياً المُجتمعاتِ وحراكها ويُحيلها إلى ثُكنةٍ عليها أن تُذعنَ وتخضع وإلّا فإن ثَمةَ إجراءاتٍ استثنائيةً تُطبَق، ولافتٌ هنا أن الاستثناءَ هذا هو الذي حكمَ دولاً عربيةً عِدة نحوَ 6 عقودٍ كاملة وبعضها لم يكُن مُضطراً حتى لإعلانِ حالةِ الطوارئ ليبقى القذافي مثالاً ساطعاً فما معنى القوانينِ نفسها وهل ثَمةٍ من ضرورة للدساتير لحاكمٍ مُلهم رأى نفسهُ ملكاً لملوكِ أفريقيا ومُنظِّراً عالمياً ومُرشداً للبشرية، ظل هذا الوضعُ على هذا الحال إلى أن جاءت الثورات العربية لتطرحَ سؤال تحريرِ المُجتمعات بل الدول أيضاً من قوانين الطوارئ من جديد، في تونس وهي من الدولِ التي نجت من حُمى الانقلابات العسكرية ونموذجها الأبرز المشرق العربيّ لم يكُن ثمةَ قوانين طوارئ تُفرَضُ إلّا في أضيقِ الحالات وجاءت ثورتها لتُطلقَ الماردَ المحبوس من قُمقمهِ فما إن خرجَ الناسُ إلى الشوارع حتى أُخرجَت حالةَ الطوارئ من الأدراج لكنها لم تنفذ حاكمَ تونس الذي فرَّ لاحقاً، بعد ذلك مُددت حالةُ الطوارئ حتى أعلن الرئيس المرزوقي عن رفعها ليُعادَ إعلانها في حقبةِ السبسي.

[شريط مسجل]

الباجي قائد السبسي/ رئيس تونس: الإعلان عن حالة الطوارئ.

حمزة راضي: أمّا الذريعة فهي الإرهاب وضرورةُ منحِ الأجهزة الأمنية الإمكانات للتعامل بسرعة وبلا معوِّقات معَ ما قد يطرأُ على هذا الصعيد وتلكَ مُعضلةٌ لم ينجح النظامُ العربيُّ المُعاصرُ في تسويقها لمواطنٍ يعرِفُ أن تجاوزَ القوانين أو تجميدها لا يعني سوى شيءٍ واحد وهو قمعهُ وإطلاقُ يدِ الأجهزة الأمنية لتفعلَ ما تشاءُ بالبلادِ والعباد.

]نهاية التقرير[

الحبيب الغريبي: ولمُناقشة هذا الموضوع ينضمُ إلينا من بيروت أستاذ القانون الدولي ورئيس مُنظمة جوستيسيا الحقوقية بول مرقص، ومن لندن أستاذ الدراسات الأمنية والعلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية عمر عاشور، مرحباً بكما، سيد عاشور من الاستقراء التاريخي ومن إخضاع هذا المُصطلح للواقع الحالي يبدو أنَّ للطوارئ وحالات الطوارئ مفهوم وفلسفة خاصة في منطقتنا العربية مع ما يصحَب ذلك يعني والشواهد التاريخية موجودة من غياب لترشيد الاستهلاك لهذهِ البضاعة السياسية والأمنية، ما تفسيرك لذلك؟

إجراءات أمنية استثنائية

عمر عاشور: وهذا صحيح هي فكرة هي شرعنة القمع يعني أو شرعنة قمع السُلطة عبر مجموعة من القوانين تفرضها حالة الطوارئ ولذلك تُعلِن عن هذهِ الحالة وعلى أثرها لا يجب على السُلطة أن تتم مراقبتها بطريقة أو بأُخرى، لا يجب على هيئة الرقابة أن تفرض صلاحيتها، يُمكِن أن يُعتقَل مواطنون لفترات طويلة ومُمتدة ويتظلموا أمامَ القضاء ولكن بعد فترة طويلة وحتى حين يتظلموا يعني كانت الحالة المصرية ربما شهيرة في وقت مبارك قانون الطوارئ يُعطيك الفرصة لتتظلم بعد 6 أشهر من احتجازك وكانَ المُعتقل السياسي يتظلم بعد ذلك ثُم ما يحدث هو أنَّ الجهاز الأمني يقول أنهُ تم الإفراج عنهُ بعد أن يأمُر القضاء بذلك لكنهُ لا يُفرَج عنهُ لأن لا توجد مراقبة لسلوك الجهاز الأمني وبعد ذلكَ في نفس التقرير الذي يقول أنهُ أفرجَ عنهُ تقرير يليِه يقول أنهُ تم اعتقالهِ مرة أُخرى لأنهُ عادَ إلى نشاطهِ ويستمر البعض في هذهِ الدوامة البيروقراطية تحتَ قانون الطوارئ لمُدة 10 سنوات أو أكثر، فهي تُشرعن فكرة يعني إطلاق يد المؤسسات الأمنية عبرَ قوانين وإذا لم توجَد هذه القوانين يتم التحايُل عليها حتى لو وُجدت وتحُد من عملية المراقبة والمُحاسبة المنوط بها الجهاز القضائي أو الأجهزة القضائية والجهاز البرلماني أو الأجهزة التشريعية المُنتخبَة.

الحبيب الغريبي: نعم سيد مرقص يعني من خلال التجارب التي مرت بها بعض الدول العربية هل كانت هناك عبر التاريخ فعلاً حاجة موضوعية لإعلان حالة الطوارئ أم أنَّ هناك استسهال دائماً وهرولة إلى هذا الحل باعتبارهِ أقصر الطرق؟

بول مرقص: مواثيق حقوق الإنسان تُجيب على هذا السؤال المهم لأنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي التزمت به البشرية جمعاء وإن لم توقع عليهِ أو تُبرمهُ بعض الدول العربية والإسلامية هو يعني إرشاد ومبادئ تُستأنَس بها كُل الدول وبالتالي يقول هذا الإعلان تحديداً في المادة الـ 13 منهُ: أنهُ لا يجوز تأويل أي نص فيهِ بهدف هدم أي من الحقوق واعتبارها لاغية أو غير موجودة ثُمَ أن العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي هو الآخر يُشكِّل جُزءاً لا يتجزأ من الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، وأقول العالمية وليست الدولية لأن البشرية جمعاء أقول أصبحت تلتزم بها وهي تُقاس بمدى التزام الدول أو عدم التزامها بحقوق الإنسان كسبيل إلى التطور أو عدم التطور وليسَ مدى امتلاكها الترسانة العسكرية والنووية ومدى امتلاكها أدوات القمع، يقول هذا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 4 منهُ أنهُ أيضاً في حال الاضطرار إلى تعليق بعض الحقوق لأسبابٍ مُعينة فيجب أن يكون هذا لسببٍ مشروع مُعلّل مُبرر ولمُدة مُحددة وأن يُصار إلى إبلاغ سائر الدول المُنضوية تحت لواء هذا العهد الدولي بتعليق هذهِ الحقوق والسبب وراء ذلك والمُدة التي يستغرقها تعليق الحقوق والآلية عينها تُتبَع في حال العودة عن هذا الإجراء الذي يجب أن يتم بسرعة تامة..

الحبيب الغريبي: يعني كُل ما ذكرت سيد مُرقص يعني كُل ما ذكرت يُحيل إلى أن قرار إعلان الطوارئ هو بالنهاية يعني الدواء المُر الذي لا يُلجأ إليهِ إلّا إذا ما تعذّر ربما السيطرة على الوضع الأمني بالطُرق العادية، ولكن في الحالة العربية يعني هل يعني سألت إن كان هناك استسهال هناك يعني اختصار ربما المسافات والطرق بإعلان حالة الطوارئ؟

بول مرقص: تماماً ولذلكَ كُنتُ أخلُص لأقول أنَّ إساءة استعمال هذا الحق من قِبَل عدد من الدول العربية لاسيّما في دول مثل العراق سابقاً وليبيا سابقاً التي إضافة إلى طبعاً دول أُخرى عربية استعملت هذا الحق بشكل توسُعي كي لا أقول تعسُفي لأن ثَمة حقوق لا يُمكن تعليقها هي مُتأصلة ومُلتصقة بشخص الإنسان مثل الحق في الحياة، في المُعاملة الكريمة، في الكرامة البشرية، منع الإعدام، منع الإبادة الجماعية، منع التمييز، كُل هذهِ الأشكال من أشكال الإهانة البشرية ممنوعة حتى في حالات الطوارئ التي ينُص عليها ميثاق أو شُرعة حقوق الإنسان، هناك حقوق لا يُمكن تعليقها فجاءت مُمارسات الدول العربية لتُطيح بهذهِ الآليات الدولية فتم تعليق حقوق أساسية للإنسان لمُدةٍ طويلة دونَ سلوك الآليات المُتعارَف عليها في الأمم المُتحدة، دونَ إبلاغ الأمم المُتحدة أُصولاً وعبر القنوات المُعتمدة، دونَ إبلاغ سائر الدول المُنضوية تحتَ لواء حقوق الإنسان والمُبرِمة لهذهِ المواثيق العالمية.

الحبيب الغريبي: طيب.

بول مرقص: فطبعاً هذا تصرُف تعسُفي.

الحبيب الغريبي: واضح.

بول مرقص: من قِبَل الدول العربية المذكورة.

مبررات إعلان حالة الطوارئ

الحبيب الغريبي: واضح، سيد عاشور يعني باعتبار أنَّ اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ هو بالنهاية من باب آخر الكيّ يعني آخر الدواء هو الكّي ولكن ألا توجد بدائل أُخرى لإعلان حالة الطوارئ حالة يعني وضع بوضع في كُل بلد؟ ألا يُمكن التفكير في بدائل أُخرى تكون أكثر نجاعة من هذا الإعلان لحالة الطوارئ؟

عمر عاشور: بالطبعِ توجد يعني لكن مُشكلة أن توجد مُشكلتان الحقيقة؛ مُشكلة مُتعلقة بالبنية السياسية إذا أردت في بعض البُلدان العربية وهي تتعلق بـ أن يعني المُسلَّح فوقَ المُنتخَب وفوق القضاء أو فوقَ القانون وبالتالي ما يحتاجهُ لشرعنة مسألة يعني القمع بالسلاح والسيطرة بين أقواس وهي كلمة يعني مُفضلة لدى الكثير من المؤسسات الأمنية تحتَ السيطرة هي حزمة قوانين تُشرعِن هذا القمع وتجعلهُ فوقَ المُسائلة وفوقَ المُحاسبة وفوق المُراقبة، فهذهِ المُشكلة البنيوية التي يعني الربيع العربي أو أجزاء منهُ تحدت هذهِ النظرية، تحدتها عبر وضع أجندتان رئيسيتان في مقدمة الربيع في 2011: واحد هي إصلاح المنظومة الأمنية، و اثنين هي ضبط العلاقات المدنية العسكرية وهي يعني والعديد من المبادرات تمت هذهِ أو تحت هذان العنوانان ولكن لم يتحققا بشكل ناجع يعني كما تحققا مثلاً في جنوب أوروبا وفي أمريكا اللاتينية، لم نقترب من هذا فهذا من جانب، المُشكلة الأخرى هي مُشكلة المؤسسة الأمنية مُشكلة مؤسساتية لها علاقة بالثقافة الأمنية وهي ثقافة ترى يعني كلمات مثل حقوق الإنسان كلمات مثل الأمن الإنساني، أمن المواطن كُلها كلمات يعني تُعتبَر كلمات قذرة يعني داخل هذهِ المؤسسات، كلمات يعني يُستهان بها أو يُضحَك عليها لا تؤخذ بجدية هذا من ناحية، وكلمات أُخرى مثل يعني السيطرة، القبضة الحديدية هذهِ كلمات هي يعني أكثر داخل هذهِ الثقافة في المنظومة الأمنية هي أكثر احتراماً وأكثر تقديراً في داخل هذهِ الثقافة فهذا من ناحية، من ناحية أُخرى توجد مُشكلة إجرائية يعني ما نُسميه بالانجليزية الـstandard operating procedures أو الإجراءات التنفيذية القياسية يعني، هذهِ الإجراءات حزمة الإجراءات التي يعني يجب أو مجموعة القوانين والإجراءات التي يجب أن تتخذها المؤسسات الأمنية وقت الأزمات هي في مُعظمها تميل لفكرة القمع لا تميل لفكرة التهدئة أو المُصالحة أو مُحاولة الحوار للخروج بطريقة يعني مُعقدة ولكن غير عنيفة في نفس الوقت، معظم هذهِ الإجراءات تميل حولَ فكرة القمع أولاً ثُم نتفاهم وهو ما حدثَ وقت الربيع العربي يعني ردود الأفعال في مُعظمها على مقتل خالد سعيد في مصر، حرق البوعزيزي في تونس، أطفال درعا في سوريا، اعتقال فتحي تربل وحالة أعداد الضحايا في ليبيا، أعداد ضحايا بوسليم في ليبيا كانت في مُعظمها اضرب أولاً ثُم بعدَ ذلك نتفاهم يعني فهذهِ هي الإجراءات التي يعني تُتيح مسألة القمع.

الحبيب الغريبي: واضح.

عمر عاشور: توجد مُشكلة ثالثة داخل المؤسسة أيضاً وهي التنافس الفصائلي داخل المؤسسات الأمنية وهي إذا كان هناك جهاز مُعيَّن يتعامل بقوة وجهاز آخر يعني يُفضل التعامُل بأقل حِدة وأكثر دبلوماسية.

الحبيب الغريبي: نعم، نعم.

عمر عاشور: الجهاز الأول ستكون لهُ الحظوة أمام القيادة السياسية المُستبدة يعني.

الحبيب الغريبي: طيب سيد بول.

عمر عاشور: فبالتالي يُهمَّش الجهاز الآخر.

الحبيب الغريبي: سيد بول مرقص مَن يُفترض أن يُقيِّم الحاجة الحقيقة لإعلان حالة الطوارئ والاستمرار فيها؟ هل هي من الحقوق السيادية للدول أم هناك أطراف أُخرى خارجية يُفترَض أن تُستشار أو على الأقل أن يقع إعلامها ذكرت قبل قبيل الأُمم المُتحدة؟

بول مرقص: في الأصل نعم يعود للدولة صاحبة السيادة هي أن تُعلن حالة الطوارئ وأن ترفع حالة الطوارئ، في العموم يكون ثمةَ نص في الدستور أو في القوانين الوضعية كما الحالة في مصر لنفترض عام 1958 ثَمة قانون يرعى حالة الطوارئ ويُنظّم مُذ ذاك هذهِ الحالة ويُنشئ محاكم مُختصة وأُصول مُختصة لفرض حالة الطوارئ وتضييق الحقوق والحريات، إنما إذا طالَ تنفيذ هذهِ الحالة كما الأمر في عدد من الدول العربية حتى أن حالة الطوارئ في مصر دامت عشرات السنين هذا أمر يخرُج عن ما يُسمى المهلة المعقولة أي reasonable time period أي المهلة التي يُمكن للحكومة أن تشُل فيها بعض الحقوق لدواعٍ أمنية قومية قاهرة استثنائية وتتخطى الأمد المُمكن لذلكَ وبالتالي تكون تجاوزت تعسفت abuse في استعمال هذا الحق السيادي في الأساس لكنهُ ليسَ حقاً مُتفلتاً ومُطلقاً ويجب لو كانَ ثَمة آليات فاعلة للأُمم المُتحدة أن تكون هذهِ المُمارسة تحت رقابة الأُمم المتحدة المُباشرة، للأسف الشديد الأجهزة والوكالات المُتخصصة وحتى أكاد أقول المُقررين الخاصين بكُل حق من الحقوق العائدة لحقوق الإنسان في الأُمم المُتحدة ومجلس حقوق الإنسان غير فاعل إلّا بإداناتٍ لهذهِ الدول عبر تقارير يُصدرها مجلس حقوق الإنسان أو المُقررون الخاصون للحقوق لكُل حق من هذهِ الحقوق لكن هذهِ التقارير فعلاً مضحكة ومهزلة بالنسبة للدولة التي تفرض حُكم الطوارئ أو حالة الطوارئ لفترة طويلة من الزمن غير مُتناسبة مع مُقتضيات وحيثيات أو أسباب ومشروعية فرض هذهِ الحالة الاستثنائية في القانون الدولي والتي تكون تمادت باستعمالها، فعلى سبيل المثال في دول عربية عديدة إن لم تكُن قد فُرضَت حالة الطوارئ لسنينَ مُتعددة تكون قد فُرضَت مرات مُتعددة وهذا أمر غريب إمّا أن يُشير إلى يعني تراجع قيمي لدى شعوب هذهِ المنطقة وهذا أمر نرفضهُ ولا يُمكن أن يصُح وإمّا يبقى الخيار الآخر أن يكون الحاكم مُتعسف في فرض حالة الطوارئ، إذن لماذا لا نلحظ هكذا حالات طوارئ في دول أُخر مُتقدمة حولَ العالم؟ لماذا تقتصر حالات الطوارئ على بعض الدول العربية التي تُكرر نفسها وتُكرر هذهِ الأسطوانة المُعطلّة القديمة البالية في مفهوم حقوق الإنسان بأن تفرض..

الحبيب الغريبي: لماذا؟

بول مرقص: في كُل مرة حالة طوارئ وأنت تعي معي...

الحبيب الغريبي:  لماذا تتكرر دائماً هذهِ نعم.

بول مرقص: وتعليق حقوق.

فشل إصلاح منظومة الأمن

الحبيب الغريبي: طيب معلش سؤالك دعني أُصيغهُ بطريقة أُخرى إلى السيد عاشور يعني ألا يعني اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ إقرار ضمني من الحكومات بعدم نجاعة أو فشل يعني الخدمات الأمنية المسداة في الظروف الطبيعية؟ هُنا أُريد أن أُشير إلى دراستكَ بخصوص قطاع الأمن بدول الربيع لماذا تعذّر الإصلاح يعني تتحدث أيضاً عمّا يُواجه إصلاح قطاع الأمن والمنظومة الأمنية في دول الربيع العربي من صعوبات وعراقيل، يعني هل هذا مُرتبط بذاك؟ هل لأن منظومة الإصلاح فشلت فبالتالي الأسهل أن نذهب إلى حالة الطوارئ؟

عمر عاشور: نعم هو طبعاً مُتعلق لماذا فشلت فترة الإصلاح يعني لأن كانت هناك مقاومة حقيقية داخلية من بعض الفصائل وبعض الأجهزة التي كانت ترى الإصلاح مسألة غريبة عليها، مسألة غير لائقة، مسألة يعني عُقد التفوق التي كانت موجودة لدى بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية كانت ترى أن هذا الكلام كلام فارغ يعني ماذا يعني أن تكون هناك إجراءات شفافية، ماذا يعني أن يكون هناك برلمان مُنتخب مدني يعني يُراقِب علينا وقد يُحاسبنا في مرحلةٍ ما وماذا يعني أن تضع عسكري أمام قضاء مدني، كُل هذهِ كانت إشكاليات حقيقة لها علاقة من ناحية بالثقافة ومن ناحية بعقد تفوق يعني مسألة نفسية بحتة يعني، فهذا من ناحية لكن المُشكلة الأخرى هي طبعاً إقرار ضمني بالفشل لكن المُشكلة أنهُ إقرار بالفشل لا يتبعهُ تغيير في السياسات لاتجاه آخر ولكنهُ يتبعهُ تغيير في السياسات باتجاه تصعيد وباتجاه مزيد من القمع يعني، يوجد مَن يرى داخل بعض المنظومات الأمنية في بعض دول الربيع أنَّ مُشكلة بن علي ومُبارك أنهم لم يكونا يعني بالشِدة الكافية على المُعارضة ولم يقمعا بالشكل الكافي وبالتالي الحل إذا أردت أن يعني يبقى الوضع الراهن على ما هو عليه وتبقى المزايا وتبقى المنظومة فوق المُساءلة وفوق المُحاسبة هو المزيد من القمع وبالتالي فرض إجراءات أكثر تعسفية وقوانين طوارئ أكثر شِدة مما كان الحال عليهِ فيما قبل الربيع العربي وهذا للأسف يعني نراهُ يطبق الآن في بعض الدول بمنتهى الوضوح يعني.

الحبيب الغريبي: سيد مرقص يعني مهما كانت أو مهما كان نُبل المقاصد إن صحَّ التعبير الحُكام العرب والأنظمة العربية عندما تُعلن حالة الطوارئ يعني تقول لك إنها ليست ذاهبة في نزهة وأنهُ دواء مُر لا بُد أن يتجرعهُ الجميع والآن موضوع الإرهاب مطروح بحِدة بالنسبة للمثالين الماثلين أمامنا تونس ومصر، ولكن إلى أيِّ حد يُمكن إقناع الشعوب العربية خاصةً شعوب ثورات الربيع العربي التي ثارت على كُل ما هو قمع وكُل ما هو استثنائي في المجالات الأمنية بأن الوضع يتطلب ذلك ويتطلب إقرار حالة الطوارئ؟

بول مرقص: يُمكن مكافحة الإرهاب وإن الإرهاب موجود بالتالي ولا يُمكن اضمحلال الإرهاب أو محو هذهِ الظاهرة لكن مكافحة الإرهاب مهما اشتدَّ هذا الإرهاب يكون بتفعيل القانون وحُكم القانون وتفعيل العدالة وتسريع العدالة وبالتالي إيصال كُل صاحب حق إلى حقهِ ومُعاقبة أي مُجرم مُرتكِب يثبت ارتكابهُ أي جُرم هكذا تكون مكافحة الإرهاب لأن مكافحة الإرهاب سِوى هذهِ الطريقة تولد مزيداً من الإرهاب وتُساعد على تبرير الإرهابيين لفعلتهم إذ سيقولون بمُنتهى السهولة أننا تحت حُكم الطوارئ وتحتَ حُكم القوة والنفوذ والتسلُط بينما لو كانت ثَمةَ سُلطة حريصة في أي من الدول التي تفرض حالات الطوارئ والحالات الاستثنائية كالتي نذكرها لو كانت حريصة فعلاً على حسن مكافحة الإرهاب لكانت فعّلت تطبيق آليات القانون والقضاء الفاعل السريع والحازم والمُنصف وبالتالي هكذا تكون مكافحة الإرهاب الذي يعني اتفق على أنهُ موجود واتفق أنهُ شديد لكنني لا اتفق على كيفية مُكافحة الإرهاب بإرهاب السُلطة.

الحبيب الغريبي: وضح شكراً.

بول مرقص: هذا الأمر لا يمُكن إلّا أن يولد مزيداً من الإرهاب.

الحبيب الغريبي: شكراً جزيلاً لك بول مرقص أستاذ القانون الدولي رئيس مُنظمة جوستيسيا الحقوقية من بيروت وأشكر السيد عمر عاشور أستاذ الدراسات الأمنية والعلوم السياسية في جامعة اكستر البريطانية، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة من برنامج الواقع العربي، نُرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، دُمتم بخير.