في كل مرة تتعرض فيها أجواء وأراضي سوريا للانتهاك من قبل إسرائيل يعلن نظام بشار الأسد احتفاظه بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين، واللذين لا يأتيان أبدا.

لكن حتى هذا الاحتفاظ بحق الرد يبدو أن النظام السوري تخلى عنه، بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع للنظام في هضبة الجولان المحتلة.

حلقة الجمعة (28/8/2015) من برنامج "الواقع العربي" تناولت هذا الموضوع، وتساءلت عما إذا كان هناك تغير في رؤية النظام السوري لاستراتيجية وأولوية الصراع.

كان الجيش السوري أعلن الجمعة الماضي أن خمسة قتلى سقطوا جراء غارة للطائرات الإسرائيلية أصابت سيارة مدنية في مرتفعات الجولان، فيما أفاد مسؤول إسرائيلي بأن الضربة الجوية قتلت أربعة فلسطينيين "مسؤولين عن هجوم صاروخي على إسرائيل".

وتزايدت وتيرة الغارات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية بعد الثورة، وتوسعت لتشمل حليفي النظام إيران وحزب الله اللبناني، لكن ذلك لم يفلح في إخراج النظام أو حليفيه من دائرة الاحتفاظ بحق الرد إلى دائرة الرد.

video

 

مثار سخرية
في هذا الموضوع يرى الخبير العسكري والاستراتيجي السوري عبد الناصر العايد أن عبارة الاحتفاظ بحق الرد أصبحت مثارا للسخرية من النظام السوري، بسبب عجز النظام عن الرد.

وكشف العايد أن هناك العديد من الحوادث والقصص الخطيرة حول اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء والأراضي السورية، وذكر تفاصيل حادثة تسلل مروحيات إسرائيلية لداخل سوريا، وعندما تصدى لها أحد الطيارين تم الحكم عليه بالسجن، وسُمح للطائرات بمغادرة الأراضي السورية "كالمعتاد".

واعتبر أن النظام السوري ليست قضيته تحرير الأرض أو محاربة إسرائيل، وقال إنه خلال الخدمة في الجيش السوري لم يكن هناك أي تخطيط لمحاربة إسرائيل، وكل ما كان يتخذ كان تحسبا للثورة السورية التي وقعت فيما بعد.

وحسب العايد فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة مرتبطة بإيران أكثر من ارتباطها بالنظام السوري، فإيران من خلال وجودها في منطقة شمال فلسطين في الجولان المحتل تريد أن ترسل رسالة لإسرائيل، مفادها أنها قادرة على إزعاجها في محاولة منها للوصول إلى تسوية إقليمية كتلك التي وقعتها باتفاق النووي الأخير. 

وبشأن موقف حزب الله قال العايد إنه محكوم باتفاقيات عُقدت في الفترة الماضية، وربما كان ضمن اتفاق النووي فرملة الحزب وتحجيمه.

رسائل إيرانية
من جهته، اعتبر مدير مركز "أمم" للتوثيق والأبحاث لقمان سليم أن تصريحات الأسد الأخيرة التي أشار إليها أيضا الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله تلمح إلى تغيير في أولوية الصراع مع إسرائيل، وقال إن ذلك مرتبط بالمشهد العام الذي اتضح جيدا في الأشهر الماضية.

واعتبر أن سوريا ولبنان أو أجزاء منهما أصبحتا "عتبات" للإمبراطورية الإيرانية، وهما بمثابة ساحتين لتبادل الرسائل أو الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل، حسب رأيه.

وأضاف أن المعطيات العسكرية والسياسية ترسم المشهد الجديد الذي يبدو فيه الفاعل الإيراني ينحي وكلاءه جانبا ليدير مباشرة العمليات وغرفها وكل اللاعبين على الساحة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: هل غيّر الأسد أولوية الصراع مع إسرائيل؟

مقدم الحلقة: جلال شهدا

ضيفا الحلقة:

-   عبد الناصر العايد/خبير عسكري وإستراتيجي سوري

-   لقمان سليم/مدبر مركز أمم للتوثيق والأبحاث

تاريخ الحلقة: 28/8/2015

المحاور:

-   تغيير في أولوية الصراع مع إسرائيل

-   حدود باردة منذ عقود طويلة

-   رسائل إسرائيلية محددة

جلال شهدا: أهلاً بكم مُشاهدينا في هذهِ الحلقة من الواقعِ العربيّ التي نُسلِّطُ خلالها الضوء على مواقفِ النظامِ السوريّ وحليفيهِ حزب الله وإيران من الغارات الإسرائيليةِ على سوريا.

"نحتفظُ بحقِ الردِ في الزمان والمكان المُناسبين" عبارةٌ درجَ النظامُ السوريُّ على إلقائها باستمرارٍ في وجهِ الغاراتِ التي تشُنها إسرائيلُ عليهِ حتى أصبحت جُزءاً أصيلاً من أدبياتهِ لا تُذكرُ إلّا وينجرُّ النظامُ السوريُّ إلى ذاكرةِ السامعين، تزايدت وتيرةُ تلكَ الغاراتِ بعدَ الثورة وتوسَّعت لتشملَ أهدافاً تخُصُ حليفيه إيران وحزبَ الله اللُبنانيّ لكن ذلكَ لم يُفلح في إخراج النظام أو حليفيه إلى دائرةِ الفعل، بيدَ أنَّ النظام وبحُجةِ انشغالهِ بمُواجهةِ مَن سمّاهم الإرهابيين في الداخل أعلنَ عجزهِ حتى عن التلويحِ بتلكَ العبارةِ اليتيمة التي مثلت أقصى درجاتِ ما مارسهُ الأسد من ردعٍ في وجهِ عدوٍ يكتسبُ شرعيتهِ الوحيدة بادعاءِ مُمانعتهِ.

]تقرير مُسجل[

نبيل ريحاني: بعدَ أُسبوعٍ من صمتٍ مُعتادٍ عنِ الغاراتِ الإسرائيلية على الأراضي السورية يظهرُ الأسدُ فيما يُسمى إطلالةً إعلاميةً ولكن ليسَ للتعليق على الاعتداءِ على سيادة الوطن فتعريفهُ لخرقِ السيادة باتَ في سلسلةِ خطاباتهِ مُقتصراً فقط على تصرفاتِ مَن يُسميهم الإرهابيين السوريين وهُم المُعارضون لهُ، قالها الرجلُ صراحةً هذهِ المرة في مُقابلةٍ تلفزيونيةٍ مع قناةِ المنار التابعةِ لحليفهِ حزب الله، الإرهابيون الموجودون حالياً في سوريا أخطرُ من إسرائيل.

بشار الأسد/ الرئيس السوري: اليوم الأداة الإسرائيلية الحقيقية الأهم من هذا العدوان هي الإرهابيون في سوريا، يعني ما يقومون بهِ أخطر بكثير مما تقوم بهِ إسرائيل من وقت لآخر من أجل دعمهم، هُم أساس المُشكلة، إذا أردنا أن نواجه إسرائيل علينا أولاً أن نواجِه أدواتها داخل سوريا، لا يُمكن أن تواجه العدو الخارجي ولديكَ عدو داخلي.

نبيل ريحاني: يذهبُ الأسد أبعدَ من ذلك فالردُ على إسرائيلَ هذه المرة لا وقتَ ولا مكان مُحدداً لهُ كما كانت لازمةُ خطابِ النظامِ التي امتهنا لعقودٍ عقبَ الغاراتِ التي تشنُها إسرائيلُ عليه، لقد وجدَ الأسدُ في الثورةِ السوريةِ وتداعياتها فُرصةً لإعفاءِ نفسهِ من وعودٍ بالردِ يعلمُ سلفاً أنهُ لن يوفيَ بها فعلى مدارِ عقودٍ اعتادت إسرائيلُ شنَّ غاراتٍ على سوريا لم تُفلِح جميعها في إخراج الأسد الأب والابن من التزامهما بوقفِ إطلاق النار من جهةٍ واحدة فمُنذُ عامِ 1973 شنت إسرائيلُ عشراتِ الغارات على سوريا أبرزها قصفُ إسرائيل موقعاً للرادار السوريّ في منطقة ظهر البيدر في لبنان في يوليو/ تموز عام 2001 وفي أكتوبر/ تشرين الأول عام 2003 قصفت إسرائيلُ منطقة عين الصاحب قُربَ دمشق وحلَّقت طائراتٌ حربيةٌ إسرائيليةٌ على علوِّ مُنخفضٍ فوقَ منزلِ بشار الأسد في اللاذقية، وفي سبتمبر/ أيلول عامَ 2007 شنَّت غارةً على ما ادّعت أنهُ مُفاعلٌ نوويٌّ سريٌّ في طورِ البناء في دير الزور شرقيَّ سوريا، كُلُ هذا قبلَ الثورةِ السورية التي يتحججُ الأسدُ بها ذريعةً لعدمِ الرد أمّا بعدَ الثورة فقد استهدفت إسرائيلُ مركزاً للبحث العلميّ في جمرايا في مايو/ أيار عامَ 2013 قالت إسرائيلُ انهُ مُستودعُ صواريخٍ إيرانيةٍ كانت في طريقهِا لحزب الله اللبناني ثُم تجددَ القصفُ في يناير/ كانون الثاني عام 2014 على المركزِ نفسهِ، وفي مايو/ أيار عام 2014 شنَّت إسرائيلُ غارةً أُخرى على شُحنةِ صواريخٍ  كانت في طريقها إلى حزبِ الله ثُم قصفت في الشهر نفسهِ اللواء 105 في قمةِ جبلِ قاسيون ومُستودعاتٍ في ريفِ دمشق، وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2014 شنَّت غارتان بمُحيطِ منطقةِ الديماس وعلى مُستودعٍ في مطار دمشق الدوليّ، وفي يناير عام 2015 أغارات إسرائيلُ على منطقةِ مزارعِ الأمل فقتلت ضابطاً إيرانياً و3 عناصر من حزب الله بينهم جهاد عماد مُغنية، وأخيراً في 21 من أغسطس/آب عام2015 استهدفت إسرائيلُ مواقع في اللواء 90 وسيارةً تُقلُ عسكريينَ قُربَ القُنيطرة.

]نهاية التقرير[

جلال شهدا: لمُناقشةِ موضوعنا ينضمُ إلينا من باريس عبد الناصر العايد الخبير العسكري والاستراتيجي السوري، ومن بيروت أُرحبُ بمدير مركز أُمم للتوثيق والأبحاث لُقمان سليم أهلاً بكما، سيد عبد الناصر العايد أبدأً معكَ قبلَ الغارة الأخيرة وحتى قبلَ الثورة السورية لم يكُن هُناكَ ردود على أي خرق إسرائيلي على الأراضي السورية رغمَ وجود هذهِ العبارة الشهيرة، الآن ماذا يعني أن تسقط حتى هذهِ العبارة من خطاب وأدبيات الرئيس السوري بشار الأسد؟

عبد الناصر العايد: يعني أصبحت أولاً يعني أصبحت سُخرية مُرة ويعني لم يعُد يجرؤ إعلام النظام ولا رأس النظام على قولها لأن حتى المنابر الإعلامية في صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها الموالية للنظام بدأت تسخر من هذهِ التصريحات يعني عندما خرجَ نبأ الغارة تفحصنا الصفحات الموالية للنظام كانت تعليقات مُعظم الموالين انهُ يعني لا تهتموا سنحتفظ بحق الرد بسُخرية واضحة، الآن أيضاً هُناك مسألة أُخرى تحكم الموضوع...

جلال شهدا: ولكن عفواً هل يعُقَل أن تكون فقط السُخرية من هذهِ العبارة هي ما أسقطتها من أدبيات النظام السوري؟

عبد الناصر العايد: لا طبعاً هُناك طبعاً هناك سبب قديم وهو عجز النظام عن فعل أشياء بهذا الإطار، أنا يعني عملت كضابط في سلاح الجو لمُدة 13 سنة واعرف حوادث وقصصا كثيرة ربما هي أخطر من القِصص التي تمَ ذكرها، يعني أنا أعرف جيداً وهُناك مجموعة من الضُباط بعضهم الآن مُنشَق، حادثة تسللت فيها 4 طائرات حوامات إسرائيلية من منطقة المتوسط يعني من منطقة الداما هُناك فتحة جبلية تسللت إلى شرق السلمية وبقيَت هناك حتى وقت مُتأخر اكتشفها السُكان المدنيون أخبروا سلاح الجو، خرجت طائرة ميغ 23 يقودها عميد الآن مُنشَق وهو موجود في حلب ويُمكن أن يؤكِّد الحادثة في وقت آخر وأطلق النار على هذهِ الطائرات ثُم طُلِبَ منهُ أن يعود إلى قاعدتهِ وقد عوقبَ بالسجن 16 يوماً لتصرفهِ دونَ يعني مُشاورة القيادة وسُمِحَ لهذهِ الطائرات بمُغادرة الأراضي السورية كالمُعتاد وهُناك شهود كُثر على هذهِ الحادثة وحوادث أُخرى يعني لا يتسع المجال لذكرها، النظام يعني ليست قضيتهُ أبداً تحرير الأرض ولا مُحاربة إسرائيل كما قُلت أنا وغيري من ضُباط سلاح الجو أو القوات المُسلَّحة السورية، نعرف انهُ ضِمن الفترة التي كُنا نخدم فيها في هذا الجيش لم يكُن هناك أي ترتيبات أو أعمال جدية لمُحاربة يعني أو تخطيط أو عمل لتحرير أو لمُحاربة إسرائيل، كُل ما كان يُتخَذ هو تحسُباً للثورة السورية التي حدثت فيما بعد ولكيفية قمعها، كُل الأسلحة التي تم الاعتناء بها كُل القطاعات التي تم التركيز عليها هي القطاعات التي تُثبِّت هذا النظام، أُريد أن أُضيف أيضاً أنهُ تحديداً القصة الأخيرة هي مُرتبطة بإيران أكثر من ارتباطها بالنظام السوري; إيران من خلال وجودها بمنطقة شمال فلسطين في الجولان المُحتَل تُريد أن تُرسِل رسائل دائمة إلى إسرائيل أنها قادرة على الشجار معها في أيّ وقت وإزعاجها بمُحاولة الوصول معها إلى تسوية إقليمية كالتي حصلت مع المُجتمع الدولي ولفت نظر إسرائيل إلى أنها موجودة وفي هذا الإطار أسست 3 قوى: القوة الأولى هي فرع من حزب الله يقودهُ جهاد مغنية الذي تم قتلهُ في هجمة إسرائيلية.

جلال شهدا: في غارةٍ إسرائيلية نعم.

عبد الناصر العايد: قوة تعتمد على الدروز السوريين في منطقة حظر يقودها الأسير الذي تم تحريرهُ بصفقة نسيت الآن...

جلال شهدا: سمير قنطار.

عبد الناصر العايد: وهو من دروز لبنان، القنطار.

جلال شهدا: نعم.

عبد الناصر العايد: القوة الثالثة هي أُسست عن طريق خلية من حزب الجهاد الإسلامي الفلسطيني، إسرائيل اعتنت عناية خاصة بهذهِ المسألة وبالمؤتمر الصحفي للقوة الأمنية التي أعلنت عن الحادثة ذكرت تسلسل القيادة يعني ابتداءً من الضابط الإيراني الذي قاد العملية وهو يُدعى سعيد إيزيدي وهو مُرتبط بقوة القُدس ومروراً بالشخص المُرتبط بهِ بالتنظيم الفلسطيني واسمهُ أكرم العجوري ووصولاً إلى الخلية...

جلال شهدا: سنتطرق إلى هذهِ النُقطة سيد العايد، باختصار لأنني سأتطرق إليها لاحقاً، باختصار كلمة أخيرة في هذا الصدد.

عبد الناصر العايد: يعني هي مسألة بين إيران وإسرائيل.

جلال شهدا: طيب واضح.

عبد الناصر العايد: ولذلك النظام أصلاً يعتبر نفسهُ غير معني بها، معركتهُ مع الشعب السوري وليست بالصراعات الإقليمية الدائرة الآن.

تغيير في أولوية الصراع مع إسرائيل

جلال شهدا: واضح، لُقمان سليم ضيفي في بيروت كانَ واضحاً أيضاً أن الرئيس الأسد في مُقابلتهِ الأخيرة أعادَ ترتيب أولويات المعركة يعني إذا صحَّ التعبير أعادَ تصنيف العدو ليضعَ الإرهاب أولاً، تناسى إسرائيل وهذا الصراع الطويل، ماذا يترتب عليها؟

لُقمان سليم: في الواقع يعني ما قالهُ بشار الأسد وما سمعنا أصداءً لهُ على لِسان أمين عام حزبُ الله حسن نصر الله الذي ألمحَ أيضاً إلى تغييرٍ في أولوية الصراع مع إسرائيل مُرتبط ارتباط عُضوي بالمشهد العام الجديد أو فلنقُل بالمشهد العام الذي توضَّحَ جيداً خلال الأشهر الماضية، سوريا اليوم أو أجزاء من سوريا كما لُبنان أو أجزاء كبيرة من لُبنان أصبحت بشكلٍ واضح عتبات للإمبراطورية الإيرانية أو فلنقُل ملاحق عقارية إيرانية على شاطئ المُتوسط وفي منطقة الشرق الأوسط وبالتالي كما تفضلَ ضيفكَ فهذا لا سوريا ولا لُبنان اليوم هُما سوريا ولُبنان اللذان عهدناهما فيما سَبق، اليوم هُما مُجرد ساحتان لتبادل الرسائل أحياناً، للصراع المُباشر أحياناً أُخرى ومن ثَم فأن يقول بشار الأسد بأن إسرائيل لم تعُد العدو الأول وإنما أدواتها الخ وأن يقول حسن نصر الله بكلامٍ آخر الأمر نفسهُ فهُما يُعبِّران واقعاً عن ميزان القوى وعن الواقع السياسي والجغرافي الجديد والذي عملياً توضحَ خلالَ الأسابيع الماضية عندما رأينا وفداً من الحرس الثوري في اسطنبول يُفاوِض فصيلاً سورياً أحرار الشام على مصير قريتين شيعيتين، يعني الأصيل يبقى أصيلاً ويبدو لي أنَّ التطور المُهم فيما نشهدهُ هو كيفَ أنَّ الأصيل أي الطرف الإيراني يُنحّي جانباً وكلائهُ المحليين سواءً كانوا ما نُسميه النظام ورئيسهُ بشار الأسد أو حزبُ الله وأمينهُ العام، هُناكَ تدخُل واضح للأصيل سواءً في ساحة العمليات، سواءً على مُستوى الأوامر المُهمة التي تُعطى للوكلاء، سواءً على مُستوى التفاوض سواءً التفاوض المحلي الموضعي بشأن الزبداني والفوعة أو التفاوض بالمعنى الأعم للكلمة ونعني بهِ مُستقبل سوريا، مُستقبل لُبنان الخ، أظن بأن قراءة المشهد يجب أن تنطلق من هذه المفردات وليسَ من مُفرداتٍ سورية تخُص بشار الأسد أو تخُص النظام السوري ولا من مُفردات لُبنانية تخُص حزبُ الله، يعني حتى في اللحظات أو في المرات القليلة التي حاولَ فيها حزبُ الله مثلاً أن يستجيبَ أن يرُدَ بمعنى الاستجابة بمعنى الرد على العمليات العسكرية رأيناهُ يرُد في منطقة مزارِع شبعا التي هي أصلاً منطقة مُتنازَع عليها، منطقة أصلاً لا يُعرَف إن كانَ حزبُ الله يشُنُ منها عملياتٍ على إسرائيل أو على منطقة سورية أو على لُبنان وهكذا يعني المُعطيات العسكرية كما المُعطيات السياسية ترسُم جميعاً هذا المشهد الجديد الذي يبدو فيه الفاعِل الإيراني الأصيل الإيراني مُنحِّياً جانباً وكلائه ومتدخلاً ومُديراً بشكلٍ مُباشر العمليات غُرفها وكُل اللاعبين على الساحة.

جلال شهدا: جيد أنقُل هذهِ النُقطة إلى السيد العايد وهي ربما في نفس السياق الذي توقفت عندهُ سيد العايد، هجمات ما بعد الثورة لم تقتصر على مراكز للنظام السوري فقط بل استهدفَت إيران وحزب الله مُباشرة جهاد مُغنية نجل عماد مُغنية وأيضاً الجنرال الإيراني محمد علي دادي باستثناء ما ذكرهُ السيد لُقمان وهو الرد من حزب الله في منطقة مُتنازَع عليها في مزارع شبعا، هل انسحبت هذهِ الجملة سنرُد في المكان والزمان المُناسبين حتى على حُلفاء النظام حزب الله وإيران؟

عبد الناصر العايد: نعم يعني أعتقد إنَّ حزب الله الآن وحزبَ الله تحديداً يعني محكوم باتفاقيات عُقدَت في الفترة الماضية وربما كانت من ملاحق الاتفاق النووي يعني فرملة حزب الله وتحجيمهُ فلذلك إيران بدأت تسعى باتجاه فتح يعني وكلاء جُدد وتسليم وكالات جديدة ومنها كما ذكرت حزب الجهاد الإسلامي الذي لم يكُن متواجداً إنما وُجدَت خلية منهُ وإسرائيل حددتها بدقة وحددت الطريق الذي سلكتهُ أيضاً كما قُلت هُناك سمير القنطار أنشأ ميليشيا درزية في الحضر، تعرضت هذهِ الميليشيا إلى 3 ضربات ويبدو أنهُ في الـ 3 مرات حاولت أن تفعل شيئا مُستقِلا يعني بوصفها ميليشيا سورية ربما، إيران تُنوُّع من أوراقها لكن الجميع يعني يقومون بضربات محدودة وفي مناطق محدودة كما قُلت هي أشبه بلفت نظر إيراني شجار مع إسرائيل لا أكثر ولذلك تختار هذهِ التنظيمات الصغيرة وغير المسؤولة أمّا النظام السوري فانحصرت مسؤوليتهُ حتى بنظر إسرائيل، يعني إسرائيل عندما ضربت القوات السورية ضربت كافة الحواجز والقطعات التي سهّلت مرور هذه الخلية لتُصبح بالقرب من حدود إسرائيل وتُطلق الكاتيوشا يعني، الكاتيوشا طبعاً هي حالياً بالحرب الحالية هي مُفرقعات لا تُقدم ولا تؤخر، ضربت كافة حواجز اللواء 90 التي سمحت بدخول هذهِ الخلية من حزب الجهاد الإسلامي وأوصلتها إلى الحدود ولم تضرِب كما قيل يعني مناطق حساسة ومناطق حيوية أو مستودعات أسلحة حسب معلوماتي لم يحدُث ذلك إنما اقتصروا على هذا المكان، يُريدوا أن يقولوا للنظام انهُ إذا سهّلت بالمرة القادمة وصول مثل هذهِ الأعمال أيضاً يُصيبك شيء لكن رسالتهم كانت واضحة جداً لإيران وهُم يعرفون جيداً إن إيران هي وراء هذه الرسالة ولذلك حددوا بالضبط اسم الضابط الإيراني المسؤول عن الخلية.

حدود باردة منذ عقود طويلة

جلال شهدا: طيب سيد لُقمان أريد إجابة سريعة لو سمحت قبلَ أن أنتقل إلى إستراتيجية المشهد، نتنياهو شخصياً يتهم جنرالاً إيرانياً هو مسؤول فلسطين في فيلق القدس بأنه يُحضر لمجموعات مُسلحة تقوم بعمليات ضِد أراضي فلسطين المُحتلة انطلاقاً من سوريا، لا نتبنى رواية نتنياهو ولكن السؤال لماذا تشكيل هذهِ الخلايا الآن؟ لماذا العمل من الأراضي السورية باتجاه الأراضي أراضي فلسطين المُحتلة أو إسرائيل الآن؟ باختصار لو سمحت.

لُقمان سليم: باختصار شديد يعني أظن بأن هُناكَ نوعا من التوازي بينَ أن يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بتسمية الضابط الإيراني المسؤول عن هذهِ العملية وبينَ أن تقوم إيران بتشجيع نشوء مثل هذهِ الخلايا، الطرفان يحتاجان إلى تعليق الشِجار فلنقُل الواقع بينهما على حبلِ الغسيل الفلسطيني وبالتالي من جهة نتنياهو فهو يقول انظروا هُناكَ تدخُل إيراني من جهة فصيل هو الجهاد في المسألة في الموضوع الفلسطيني ومن الجِهة الإيرانية هُناكَ مُحاولة لإكساب شرعية ما لهذهِ العملية التي جرَت على حدودٍ باردة مُنذُ عقودٍ طويلة وبالتالي أظن بأنه الطرف الإيراني كما الطرف الإسرائيلي واضح لهُ لماذا يُريد أن يؤشِّر إلى المكون الفلسطيني في هذا الملف.

جلال شهدا: طيب سيد لُقمان هل مصلحة إسرائيل بسقوط النظام أم باستمرارهِ؟ وكيف تنظر أصلاً إسرائيل إلى الثورة السورية برُمتها؟

لُقمان سليم: يعني عملياً القراءة الإسرائيلية بالحقيقة مُنذُ أن بدأت الثورة في سوريا حتى اليوم فلنقُل هي قراءة تتميز بأمرينِ اثنين: أولاً هي قراءة بطيئة بمعنى أنها لا تأخُذ دائماً بمُجريات الأحداث إلّا عندما تخُص الأمن الإسرائيلي بشكل مُباشر وهي بالمحل الثاني قراءة تأخُذ الأمور وتطورها في سوريا على المُستوى الاستراتيجي أي تنظر إلى ما يجري في سوريا ليسَ باعتبارهِ مجموعة من الحوادث فلنقُل أو المعارك العسكرية التي يتقدم فيها هذا الطرف هُنا وذاكَ الطرف هُناك وإنما القراءة الإسرائيلية تنبني على مُستقبل هذا الامتداد الذي هو سوريا والذي عملياً يتفتت أو يتجزأ اليوم على مُستوى السيطرة عليه وبالتالي إسرائيل تتصرف حيال الموضوع السوري أولاً بناءً على مصالح أمنها القوميّ وهذا ما نراهُ سواءً على مُستوى الرد العسكري كما جرى خلال الأيام الماضية أو فلنكن صريحين على مُستوى اعتماد سياسة الجِدار الطيب أحياناً في بعض المناطق، فتح الحدود لمُعالجةِ بعض الجرحى و لربما تأمين شيء من المعلومات ومن المُعطيات الاستخبارية أو من الأسلحة وغير ذلكَ لأن إسرائيل عملياً تتعاطى اليوم مع الموضوع السوري على اعتبار انهُ يخُصُ جبهةً مُمتدة تشمل جُزئياً لُبنان، تشمل الأردن ولا تقف حدودها عندَ الحدود الجُغرافية المُحددة للجبهةِ السورية الإسرائيلية..

جلال شهدا: سيد العايد.

لُقمان سليم: أظن بأنهُ هذا يجعل من السياسة الإسرائيلية سياسةً أنانيةً بامتياز وهذا أمر طبيعي بكُل الأحوال ولكنهُ لا يُبشِّر بأنَّ أي تغيُّر في السياسة الإسرائيلية سوفَ يكون في سبيل التعجيل في سقوط نظام بشار الأسد.

جلال شهدا: سأطرح هذا السؤال على السيد العايد، هل إسرائيل جادة بفتح صراعٍ مع نظام الأسد يؤدي بالنهاية إلى انتهاء هذا النظام ورحيل الأسد عن سوريا؟

عبد الناصر العايد: لا بالتأكيد يعني هذا النظام لم يزعِج إسرائيل طوال 40 سنة ولم تُطلَق طلقة واحدة من جبهة الجولان إلّا في إبّان الثورة السورية لكن بالتأكيد إسرائيل لن تكون مُنزعجة فيما لو دمَّرَ هذا النظام إمكانية سوريا ومنعها من النهوض لمدى 20 أو 25 سنة مُقبِلة فلذلك هي تتركهُ يعني يفعل ما يُريد وتنتظر إذا استطاعَ الصمود والبقاء فهو يعني خلينا نقول باللهجة العامة مثل قِلتهُ سابقاً ولاحقاً، وإذا يعني دمر سوريا واستمر في عملية التدمير فإن سوريا لن تنهض بعقدين آخرين من الزمان وبالتالي تأمَن هذهِ المشكلة لذلك تلعب دور المُتفرج ولم تُزعِج نفسها بالتدخل بأي شيء حتى الآن.

رسائل إسرائيلية محددة

جلال شهدا: طيب ما الأهداف ما هدف إسرائيل من يعني النظام السوري يتهم إسرائيل بأنها تستهدف مواقع للنظام على تماس مع المُعارضة السورية وأيضاً تُطبب بعض الشخصيات والقيادات من المُعارضة بمُستشفيات إسرائيلية بداعي الإنسانية بينَ هلالين، ما الأهداف الإسرائيلية؟ ما الرسائل التي ترسلها بهذا الصدد؟

عبد الناصر العايد: يعني هذهِ دعاية صفراء من قِبَل النظام يعني اعتدناها هذهِ دعايتهُ مُنذُ من وُجِد انهُ هو يعني مُحارب إسرائيل والكُل خونة ويعني باعوا نفسهم لإسرائيل والواقع والمعروف هو عكس ذلك تماماً، يعني جعجعتهُ على مدى 4 عقود لم تُرجِع شِبراً واحد من الأراضي السورية المُحتلة وإسرائيل يعني ضربتهُ عشرات المرات ولم يُبدِ أية رد فعل، كما قُلت لك إسرائيل يعني أعتقد أنها تأخذ دور المُتفرج حالياً مع المراقبة عن كثب للتطورات خشية أن تمتد إليها وكما تبيَّن أنهُ أي تحرُك على حدودها ترصدهُ بشكل جيد وترُد عليهِ بدقة شديدة وبدقة مُتناهية وبالفترة الأخيرة أصبحت تُعلِن رغم أن هذه مسألة أمنية خطيرة قد تكشف مصادرها تُعلِن بدقة عن معلوماتها الأمنية لتُثبت لكافة الأطراف أنها تعرف كُل شيء لكنها لا تُريد أن تتدخل.

جلال شهدا: بدقيقة واحدة سيد لُقمان أختم معك، ما المشروع أقل من دقيقة، ما المشروع الإسرائيلي فيما يتعلق بالمناطق المُتنازَع عليها التي سيطرت عليها الآن؟ باختصار شديد لو سمحت.

لُقمان سليم: أظن بأن باختصار شديد إسرائيل كما الأردن كما أي دولة مُجاورة لسوريا تُركيا بالطبع تطمَح في المرحلة الأولى إلى بناء أحزمة أمنية تُساهم في ضمان أمنها وتحفظ المسافة الضرورية بينها وبينَ النار السورية، التدخل في الشأن السوري سواءً لمصلحة النظام أو ضِد مصلحة النظام يأتي في المرحلة الثانية.

جلال شهدا: شُكراً، شُكراً.

لُقمان سليم: أظن بأنه الأنانية هي شعار كُل الدول المُحيطة اليوم بسوريا.

جلال شهدا: لُقمان سليم مدير مركز أُمم للتوثيق والأبحاث في بيروت شُكراً لك، وأشكر من باريس عبد الناصر العايد الخبير العسكري والاستراتيجي، شُكراً لكما والشُكر موصول لكم مُشاهدينا الكرام، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة من برنامج الواقع العربي، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديد، إلى اللقاء بأمان اللهِ ورعايتهِ.