اتفق ضيفا حلقة (9/7/2015) من برنامج "الواقع العربي" على أن ظاهرة التسرب المدرسي كونية وموجودة في كل دول العالم، لكنهما أقرا بأن النسبة مرتفعة في الدول العربية وتحتاج إلى إستراتيجيات من أجل الحد منها.

وزير التربية التونسي السابق فتحي جراي قال إن بلاده وضعت آليات لاستيعاب المتسربين، ومنها المدارس الخاصة ومراكز التكوين المهني، ومع ذلك أشار إلى وجود نحو 50 ألف طفل في الشوارع مجهول المصير.

مسؤولية الدولة
وبحسب جراي فإن الدولة المؤتمنة على الشأن التربوي مسؤولة على التصدي لظاهرة التسرب، كما أنها مطالبة بتحمل المسؤولية حيال من يتسربون من النظام المدرسي عبر توفير طرق أخرى للاندماج الاجتماعي.

وحتى تكون المدرسة مشعة على محيطها، فإن الدولة مطالبة بتقديم إصلاحات دورية للمنظومة التربوية، وفقا لرأي جراي.

وأشاد الوزير السابق بتجارب وصفها بالمحترمة في بعض الدول العربية التي أقامت كيانات للتقييم التربوي مستقلة عن وزارات التربية من أجل تصحيح المسارات، وفق تعبيره.

وأوضح أن ما يحصل الآن من معالجات هو ملاحقة للظاهرة فيما يشبه إستراتيجية سيارة الإسعاف، مقللا من جدوى ذلك وداعيا إلى إيجاد إستراتيجيات جديدة تستند إلى فكرة أن المدرسة بيئة جاذبة لا منفرة.

وتحدث فتحي جراي عن الإرادة السياسية، مشددا على ضرورة أن تتخذ الحكومات والدول خطوات جريئة وحاسمة بهدف التقليص من حجم ظاهرة التسرب المدرسي.

جودة التعليم
بدوره ذكر الخبير الأردني في جودة التعليم غازي خضر أن للتسرب المدرسي أسبابا تتمثل أساسا في النظام الاجتماعي والتعليمي من خلال السياسات المنتهجة التي وصفها بالمترهلة.

كما أن المدرسة في معظم الدول العربية -حسب تأكيده- لا تتمتع بجودة التعليم من حيث المعلم والمناهج المدرسية، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من أولياء التلاميذ لا يمتلكون مستويات تعليمية وثقافية تؤهلهم للقيام بأدوارهم في المتابعة على الوجه الأكمل.

وأضاف خضر أن "المدرسة إذا قامت على معايير الجودة فستساهم في التقليص من عمليات التسرب المدرسي بشكل كبير".

وأكد أن المسؤولية الأكبر تتحملها الدول العربية وتتمثل في وضع إستراتيجيات مناسبة تكون قادرة على معالجة المشكلة من جذورها، مقرا في الوقت نفسه بأن ذلك يتطلب وقتا طويلا ومجهودات وإمكانيات ضخمة.

يذكر أن تقرير الأمم المتحدة لعام 2015 أشار إلى أن 15 مليون طفل تسربوا من التعليم في منطقة الشرق الأوسط.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: التسرب المدرسي بالعالم العربي.. الأسباب والمعالجة

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   فتحي جراي/أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية

-   غازي خضر/خبير في جودة التعليم

تاريخ الحلقة: 9/7/2015

المحاور:

-   21 مليون طفل عربي يتسربون من المدارس

-   6 أسباب رئيسية للتسرب

-   منظومة دراسية تستجيب لحاجيات التلاميذ

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على حجم وانعكاسات تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي خاصةً بين الأطفال في العالم العربي.

 أجيالٌ عربيةٌ مهددةٌ بالضياع وتحول إلى لقمةٍ سائغة للجهل والعنف والتطرف خطرٌ لا يبدو بعيداً على ضوء أرقامٍ ونسبٍ لمنظماتٍ أممية قالت أحدث تقاريرها أن 21 مليون طفل عربي غادروا مقاعد الدراسة في سنٍ التمدرس، كارثةٌ تربوية تضع عوامل سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصادية في دائرة الاتهام لتحمل الدول العربية على وجه الخصوص أسباب ظاهرةٍ تتوسع بين أطفال العرب يوم بعد يوم.

[تقرير مسجل]

محمد الكبير الكتبي: واحدٌ وعشرين مليون طفل أو نحو ذلك يتسربون من التعليم في العالم العربي أو يواجهون خطر التسرب، تقارير الأمم المتحدة الأخيرة الصادر في هذا الشأن دق ناقوس الخطر يشير إلى تفاقم الظاهرة في السنوات الأخيرة في المنطقة العربية التي تشمل عشرين دولة رغم التحسن المحيط في هذا المجال خلال العقد الماضي، البحث عن الأطفال المتسربين عن التعليم ليس أمراً عسيراً فمؤديات التسرب في العادة واضحةٌ ومعلومة على مختلف المستويات الاتباعية والسياسية فهم موجودٌ حيث تعصف الحروب والنزاعات المنطقة وحيث تغيب التنمية والتوعية الاجتماعية والاقتصادية وحيث ينتشر الفقر والجهل، السبب الأكبر والأبرز في العالم العربي اليوم يتمثل في الصراعات، ففي سوريا والعراق وحدهما مثلاً وهي من بلدان العالم العربي التي طالما أظهرت معدلات مرتفعةً في الاهتمام في التعليم هناك أكثر من ثلاثة ملايين طفل خارج منظومة التعليم بسبب الصراع، لم تزد الصراعات المسلحة الراهنة في عدد من البلدان العربية تسرب الأطفال من المدارس أو انقطاعهم عن الدراسة بل زجت ببعضهم في أتون هذه الصراعات جنود يحملون السلاح وهو ما يشكل هاجساً أخر يضاف للفشل المصاحب للتعامل مع تلك النزاعات، لكن ليست الحروب وحدها ما يجعل الأطفال يتسربون من المدارس ففي دولٍ لم تطلها الحروب ولا النزاعات الدموية هناك جوانب اجتماعية واقتصاديةٌ تتعلق بالأسرة وغيرها تسببت في تسرب الطلاب من المدارس رغم اهتمام الدولة بالتعليم، في تونس تؤكد أرقام مخيفةٌ ارتفاع نسبة تسرب الأطفال من المدارس خلال السنوات الثلاث الماضية ويعترف المسؤولون عن العملية التعليمة بأن المنظومة التعليمية والتربوية في البلاد تحتاج لإصلاحات إن كانوا يؤكدون أن نسبة التسرب في تراجع وفي موريتانيا بلغت نسبة التسرب المدرسي نحو 27% لأسباب مختلفة جعلت من المسألة التعليمية في صدر اهتمامات الدولة التي أعلنت هذا العام عاماً للتعليم وإن كان بعض المهتمين بالعملية التعليمية ومقوماتها يشككون في التأثير العاجل في الخطط الحكومية، يمثل التعليم السلاح الذي ترتاد به الدول أفاق المستقبل ولم تخلو أجندات اجتماعات المجلس الاجتماعي والاقتصاد العربي أو المؤسسات الشبيهة الأخرى من التعامل مع ظاهرة التسرب المدرسي وإصدار التوصيات بشأنها، قد يكمن جزءٌ من المخرج في الإكمال المجتمعي من أجل إنجاح تلك التوصيات الطموحة ولكن تبقى الحروب والنزاعات الأهلية الداخلية في عددٍ من البلدان العربية سبباً جوهرياً لا يقود بتداعياته فقط لمزيدٍ من التسرب ولكن للمزيد من تعقيد المشكلة وفشل أي أطروحات للحل.

[نهاية التقرير]

21 مليون طفل عربي يتسربون من المدارس

الحبيب الغريبي: معنا في هذه الحلقة من تونس الدكتور فتحي جراي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية وزير التربية التونسي السابق ومن عمان الدكتور غازي خضر الخبير في جودة التعليم مرحباً بكم، دكتور فتحي ما الذي أوصلنا إلى هذا؟ ما الذي أثاره فيك هذا الرقم 21 مليون طفل عربي يتسربون من المدارس.

فتحي جراي: مساء الخير أولاً وطاب رمضانكم، طبعاً هذا رقم مخيف كما تفضلتم في تقريركم وهو يبعث حقيقةً على الانشغال والحيرة ويدفع كل مسؤول عن الشأن التربوي في البلاد العربية إلى أن يتساءل كيف وصلنا فعلاً إلى هنا وإلى أن يعجل بتشخيص المنظومة التربوية في بلده تشخيصاً منظومياً استراتيجياً دقيقاً حتى يمكن حينئذ أن نعرف نقاط قوتها أو نقاط ضعفها التي بينها طبعاً تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي صحيح أن هذه الظاهرة ليست موحدة من حيث الكم ومن حيث النوع في البلدان العربية وربما أعطي مثالاً البلاد التونسية التي أعرف شأنها التربوي جيداً في تونس نسبة التسرب المدرسي تبلغ سنوياً 1% من جملة التلاميذ أي من جملة الطلاب المدارس الإعدادية والثانوية، ومن الناحية الإحصائية هذا العدد ليس مخيفاً ولكن يعني حينما ننظر إليه كنسبة إحصائية وحينما نقارنه بما يوجد مثلاً في موريتانيا الشقيقة 27% أو حتى في بلدان متقدمة على غرار فرنسا 30% سنويا لكن حينما ننظر إليه كعدد هو يساوي حوالي 100 ألف طفل هم ما يزالون في سن التمدرس يخرجون طبعاً دونما مؤهلات تذكر ويوجدون أو يجدون أنفسهم نهباً لطبعاً التطرف والانحراف ولكل طبعاً الآفات الاجتماعية التي تهددهم باعتبار أنهم ضعيفو المناعة النفسية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً ولهذا في تونس أيضاً وضعت بعض آليات لاستيعاب مثل هؤلاء على غرار المدارس الخاصة والمراكز التدريب المهني وهذه تستوعب حوالي نصفهم ولكن مع ذلك يضل حوالي 50 ألف تلميذ في الشوارع ومجهولي المصير وهؤلاء يجب أن نفكر بهم جيداً ولذلك طرحت مسألة الإصلاح التربوي في تونس أو ضرورة تجديد الإصلاح التربوي لأن الإصلاح التربوي عملية مستمرة ولكن نحن نحتاج الآن ربما إلى إصلاح منظومي فيه نصيب من الجذرية بعدما حصل في تونس من ثورة.

6 أسباب رئيسية للتسرب

الحبيب الغريبي: طيب دكتور غازي يعني التسرب ليس ظاهرة عربية هو أيضاً ربما ظاهرة عالمية حتى في بعض البلدان المتطورة ولكن نحن نريد أن نفهم أكثر ونسأل عن الأسباب يعني هل برأيك هذا التسرب هو وليد ظروف قاهرة عابرة أم أنه دليل على فشل منوال ومنظومة تربوية اعتمدت لأجيال وأجيال؟

غازي خضر: أولاً إذا كان السؤال موجه لي حسب ما سمعت فأنا يسعدني في البادية أولاً أن أمسي عليك وعلى ضيفك معالي الدكتور فتحي من تونس والحقيقة الجزيرة تشكر على جمعها ما بين المشرق والمغرب في آن، أما التسرب الذي نتحدث عنه والذي في مفهومه وفي أبسط مفاهيمه أنه خروج الطالب من المدرسة قبل أن يستكمل مرحلته التعليمية أيضاً ربما بعض التعريفات تدخل الطالب الذي لم يلتحق أصلاً بالتعليم تدخل في باب التسرب والحقيقة أن التسرب له ستة أسباب رئيسية في داخل كل سبب منها تفصيلات يعني لا بأس بها لكن يمكن استعراضها سريعاً كما يلي: أولاً أسباب تعود إلى النظام الاجتماعي والتعليمي ومن ضمن هذه القضايا السياسات المترهلة المتعلقة بدخول الطلبة للصف الأول ابتدائي وانتظام الطلبة في المدارس حتى نهاية المرحلة الثانوية أو حسبما تعرف اليونسكو نهاية المرحلة الإلزامية على الأقل أيضاً من المشكلات التي تعود للبعد الاجتماعي عدم تقنين عمل الأطفال يسمح للأطفال بالعمل والطفل في تعاليم الأمم المتحدة هو من عمر سنة وحتى عمر الثامنة عشر فعندما يجد الأطفال فرصةً للعمل يتركون المدارس وهذا الحقيقة سبب جوهري أيضاً وعندنا مجموعة أسباب تعود إلى المدرسة وهي أسباب كبيرة ومحورية ويعني في شكلها العام أن المدرسة لا تتمتع بجودة التعليم من حيث المعلم وشخصيته وأساليب تدريسه من حيث المناهج المدرسية التي تملأ وتحشى طويلاً بالمعلومات على حساب المهارات أيضاً غيابات المعملين وضعف عملية الإرشاد التربوي ونقص الأنشطة الترفيهية والرياضية في حق الطلبة وإذا انتقلنا إلى الأسباب التي تعود إلى البيت فالحقيقة أن المستوى التعليمي والثقافي للوالدين يشكل سبباً جوهرياً في التسرب المدرسي إضافةً إلى حالة الفقر والطلاق المنتشرة أحياناً ويضاف لهما عدم قدرة الآباء على متابعة أبنائهم أثناء عملية التعليم، في الحقيقة بقي عندي سببين سريعاً..

منظومة دراسية تستجيب لحاجيات التلاميذ

الحبيب الغريبي: وهناك أسباب أخرى مستجدة بالتأكيد وهي هذه الحروب والصراعات التي تعصف منذ سنوات يعني بالعديد من الدول العربي، دعني أعود إلى الدكتور فتحي جراي لأسأل عن دور الدولة في كل هذا ما الذي يحول دون يعني ربما التوقي من هذه الظاهرة هل الدولة لها مسؤولية فيما يحصل هل هي فعلاً قادرة على ضبط هذه المسألة نسمع عن دول غربية يعني ربما يعني تضع عقوبات على من يتسرب أو على العائلة التي يتسرب منها أطفال من المدارس.

فتحي جراي: هو طبعاً قبل أن أجيب عن سؤالك أريد أن أثني على ما ذكره ضيفك الكريم الأستاذ منذ حين من أسباب ويضاف إليها بعض الأسباب الأخرى المتعلقة طبعاً أحياناً بنوع من المغادرة الطوعية من قبل التلاميذ أو الطلاب وأحياناً الرفض نتيجة سوء السلوك أو نتيجة ارتكاب بعض ربما يعني الأفعال التي لا تتماشى تماماً مع طبعاً الأخلاقيات المرجعية في الوسط التربوي إلى أخر ذلك وهنالك طبعاً أحياناً عدم إمكانية المواصلة نتيجة الاستمرار في نفس السنة الدراسية إلى أخر ذلك، عموماً بالإضافة إلى أسباب مستجدة التي تفضلت بذكرها، عموماً الدولة باعتبار أنها مؤتمنة على الشأن التربوي باعتبار أن المجتمع قد أتمنها شأنه التربوي مسؤولةٌ ما في ذلك شك مسؤولةٌ في البداية يعني في باب التوقي من هذه الظاهرة من خلال وضع منظومة دراسية تستجيب لحاجيات التلاميذ سواء من حيث التمدرس واكتساب المعارف والمهارات والاتجاهات السلوكية أو من حيث طبعاً مراعاة الجانب الترفيهي والجانب التربية على الحياة داخل الفضاء المدرسي وهذا ليس دائماً متوفر للأسف ثم ثانياً يعني بالإضافة إلى الحياة الدراسية والحياة المدرسية في معناها الموسع الدولة مسؤولةٌ عن مصير من يتسربون من النظام الدراسي بحيث هي مطالبة بتوفير مسالك للاندماج المهني الاندماج الاجتماعي أو للعودة من جديد للدراسة في صورٍ أخرى حتى لا تكون مساهمة في إنتاج الفوضى أو في إنتاج الإجرام ولو بطريقة طبعاً غير مقصودة ولذلك لا يمكن أن نقول أن الدول غير مسؤولة ولهذا كل منظومة تربوية يفترض أن لا يكون لها جملة من يعني دعنا نقول الإجراءات المصاحبة على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى المهني بحيث تمنع من حصول أو من تفاقم أي ظاهرة قد ترتبط بسوء أداء المنظومة التربوية بالإضافة إلى أن الدولة مطالبة طبعاً وهذا طبيعي جداً باعتبار أنها تسهر على تكوين المواطن الصالح مطالبة بأن تتابع مسيرة جميع مواطنيها حتى لا يكون ثمة طبعاً كما قلت نوع من الإنتاج غير المقصود للجريمة وهنا الدولة أي دولة مطالبة بإصلاحات دورية للمنظومة التربوية لأن أي منظومة تربوية حتى لو كانت فعالة إذا مر عليها وهي تشتغل أكثر من عشر سنوات تصبح في حاجة إلى الإصلاح لأن الدنيا تتغير ونحن نعيش في حالة مخاض خاصةً في السنوات الأخيرة ولا بد من أن نواكب هذا الحراك الاجتماعي من حولنا حتى لا تكون المدرسة بمعزلٍ عن الواقع الحال أو عن واقع الحياة من حولها يعني الأصل أن تكون المدرسة مشعة على محيطها لا أن تتأثر بهذا المحيط الآن حصل العكس صارت الظواهر المنحرفة التي تحصل خارج المدرسة كتعاطي المسكرات والمخدرات والعنف وغيرها صارت هذه الظواهر تدخل إلى المدرسة وتجتاحها ومما اضطر بعض الدول إلى وضع قوانين لحماية المرفق التربوي بما فيه من ليس فقط من بشر وإنما بما فيه من بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ كما يقال.

الحبيب الغريبي: دكتور غازي برأيك ما هي العوائق التي حالت دون يعني الوقوف في وجه هذه الظاهرة هل هي قلة الخبرات قلة الاعتمادات أم ربما غياب الإرادة السياسية؟

غازي خضر: الحقيقة مسؤولية التسرب يعني مسؤولية مركبة من عدة جهات بالدرجة الأول أنا أعتقد هي مسؤولية الدولة أولاً وعندما نتحدث عن مسؤولية الدولة نتحدث عن الجهة التي تملك المحاسبة وتملك كل مقومات أن تجعل من الطلبة كلهم ملتحقين بالمدارس أما الجهة الأخرى الأهم وهي جهة الوالدين الحقيقة وهي جهة مهمة جداً أيضاً في فهم أهمية التحاق أبنائهم في التعليم وبالمدارس حتى يكونوا ويشكلوا كما قال أخي معالي الدكتور فتحي يشكلوا مواطنين صالحين فيما بعد ويشكلوا لبنات في بناء هذا المجتمع، أنا أعتقد أن الجهة الثالثة وهي جهة مهمة جداً أيضاً وأنا تحدثت قبل قليل عن الأسباب وهي المدرسة إذا حسنت نفسها وقامت على معايير الجودة سواءً كانت بالنسبة للمنهاج أو المعلم أو المرشد التربوي أو الأنشطة أو كل جوانبها حتى البيئة المدرسية والبيئة الصفية أنا أعتقد أنها تساهم في منع عمليات التسرب وتقلل منه إلى درجة كبرى واسمح لي أن أستشهد وقد ذكر معالي الدكتور على نسبة التسرب في تونس 1% واستكبارها وله الحق أن يستكبر هذه النسبة فإننا في الأردن عندنا نسبة التسرب من 3-4 بالألف فإذا ما حسبنا إننا عندنا حوالي 6 مليون عندما وضعت هذه النسبة فإن هناك من 3 إلى 4 ألاف طالب يمكن أن يتسربوا سنوياً ونحن نعتقد أنه رقم أيضاً كبير ومهدد وبالتالي أنا أعتقد أن الجميع عليه مسؤولية مقاومة منع هذا التسرب وإذا أتيح لي الوقت فانا أطرح في الحقيقة إستراتيجيتين للوقوف في وجه التسرب الإستراتيجية الأولى تقوم على منع التسرب من الأساس وهذه الإستراتيجية تتولاها بشكل رئيسي الدولة والمواطن مع قوانين تمنع تسرب الطلبة والاستراتيجية الثانية أعتقد إستراتيجية معالجة حالة التسرب وهي الحقيقة عملية طويلة ومستديمة وصعبة لكنها ليست مستحيلة.

الحبيب الغريبي: طيب دكتور فتحي وأنت كنت وزير تربية سابق إلى أي مدى الدول العربية اعتمدت برأيك برامج واستراتيجيات ومخططات لمواجهة هذه الظاهرة وما مدى جدية ربما المعركة ضد هذه الظاهرة؟

فتحي جراي: هو الحقيقة ليس هناك إستراتيجية موحدة بين الدول العربية رغم أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تجتهد لوضع مثل هذه الإستراتيجية وكان ثمة قرار لوزراء التربية العرب لمؤتمرهم المنعقد في شهر مايو 2014 لإجراء دراسة مسحية تشخيصية واسعة حول النظام التربوي في مرحلته الابتدائية من أجل طبعاً تشخيص المشكلات الحقيقة ومحاولة توحيد المناهج أو موائمتها الآن هنالك مع ذلك بعض التجارب المحترمة في الوطن العربي على غرار ما يحصل في المغرب الأقصى الشقيق وفي المملكة العربية السعودية العربية الشقيقة وفي الأردن الشقيق أيضاً هنالك محاولات لبعث كيانات للتقييم التربوي لتكون مستقلةً تماماً عن السلطة التنفيذية بطريقةٍ ما أو على الأقل على وزارة التربية لتكون ملحقة مباشرةً برئاسة الجمهورية أو بالديوان الملكي حتى تستطيع أن تقيم بكل أريحية وأن تقدم طبعاً المقترحات الجدية إلى الحكومات أو إلى يعني قيادات الدول بشكلٍ عام من أجل تصحيح المسارات الآن طبعاً ما يحصل عموماً هو نوع من ملاحقة الظاهرة وملاحقة المشكلات فيما يشبه إستراتيجية سيارة الإسعاف يعني ننتظر حتى تحصل مشكلة ثم نحاول أن نسعف أصحابها وهذه طبعاً إستراتيجية غير فعالة للأسف لأنها لا تعتمد الجانب الوقائي في المقام الأول ولأنها تضل دائماً تلاحق المشكلات والمشكلات تتفاقم وبالتالي لا يمكننا أن نحلها بهذه الطريقة ولهذا نحن مدعون الآن إلى أن نوجد استراتيجيات جديدة يكون محورها العمل من أجل أن تكون المدرسة بيئة جاذبة وليست بيئة دافعة أو منفرة وهذا يتطلب طبعاً مراجعة المناهج يتطلب أيضاً مراجعة الزمن المدرسي يتطلب أيضاً مراجعة مكونات البيئة المدرسية بالإضافة إلى ما ذكره الأستاذ بل حين من ضرورة يعني احترام معايير الجودة بالنسبة إلى تكوين المدرسيين ومستواهم المهني بالنسبة إلى المناهج بالنسبة إلى الكفايات المقررة وبالنسبة إلى الفضاء التربوي بشكل عام، هذا إذا حصل مثل هذا طبعاً سوف تكون عملية التسرب محدودة ولكنها لن تنقطع أبداً يعني التسرب المدرسي ظاهرة كونية ولا بد أن يكون موجوداً على أية حال ولكن العمل والرهان هو على أن نقلل منه إلى أبعد الحدود وليس أن نلغيه لأن إلغائه عملية مستحيلة.

الحبيب الغريبي: طيب دكتور غازي نقلل منه وليس هناك إمكانية للإلغاء ولكن بالنسبة لهؤلاء الذين تسربوا هل انتهى الأمر بالنسبة لهم أم أن هناك إمكانية لإعادة اندماجهم في الدورة التعليمية؟

غازي خضر: الحقيقة الأصل أنهم لم ينتهوا أن مشكلتهم باقية والأصل أن يعمل على حل هذه المشكلة ويمكن الحقيقة القيام بحل مشكلتهم بسن القوانين التي تسمج بعودتهم إلى مدارسهم وفق رغباتهم أو ربما إذا كان هذا محرجاً لبعضهم أن يقفوا ويصطفوا مع طلبة أصغر منهم ربما أن يسمح لهم بالالتحاق بالفصول المسائية الخاصة بهم لإكمال دراستهم وربما تقوم مؤسسات المجتمع المدني أو حتى مؤسسات تنشئها الدول بتقديم دورات متواصلة لرفع سوية هؤلاء في المستوى المعرفي والمهاري والقيمي مما يسبب قناعاتهم يعني يرفع من مستوى قناعاتهم بضرورة العودة إلى المدرسة سواءً كانت هذه المدارس مدارس صباحية أو مدارس مسائية وأنا أعتقد كما قال زميلي معالي الدكتور فتحي هذه المشكلة ستبقى مشكلة قائمة لكننا لا نسعى للقضاء عليها تماماً بقدر ما نسعى إلى تقليل نسب هذا التسرب لما ينتج عن هذا التسرب في الحقيقة من مشكلات وخيمة في المجتمع لعل الكثير منا يدركها ولعل الحلقة ستأتي في الحديث عليها لاحقاً كما أظن.

الحبيب الغريبي: هي للحقيقة الحلقة تقريباً يعني تشارف على الانتهاء بقيت لي أقل حتى من دقيقة أسأل الدكتور فتحي جراي عن تصوره لمستقبل هذه الظاهرة في ظل التعاقدات الجديدة الآن وكلنا نعرفها باختصار دكتور؟

فتحي جراي: طبعاً إذا ظللنا نكتفي بملاحظة هذه الظاهرة فستتفاقم أكثر فأكثر للأسف ولكن الآن المسألة ترتبط بالإدارة السياسية من المهم جداً أن يقوم القائمون على التعليم ومن ورائهم الحكومات والدول بخطوات شجاعة وجريئة وحاسمة من أجل الحد من هذه الظاهرة ومن أجل مواجهتها ومن أجل التعامل معها بشفافية وعدم التعتيم عليها ومن ثم التوجه نحو تشخيصها تشخيصاً فارقياً دقيقاً ومعالجتها موقفياً حتى لا تتفاقم أكثر فأكثر.

الحبيب الغريبي: أشكرك جزيل الشكر دكتور فتحي جراي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية وزير التربية التونسي السابق وأشكر الدكتور غازي خضر الخبير في جودة التعليم من عمان، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحتي البرنامج على موقعي تويتر وفيس بوك نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة دمتم بخير.