أصبح واقع التعليم الجامعي في العالم العربي غير مبشر على الإطلاق، فالتصنيفات الأكاديمية المعترف بها دوليا تستبعد أي جامعة عربية من المراكز الأولى المرموقة، في الوقت الذي تحتل فيه خمس جامعات إسرائيلية من أصل ثماني جامعات مراكز متقدمة في هذه التصنيفات.
 
ويبدو أن تردي الأوضاع السياسية والأمنية في عدة بؤر عربية انعكس سلبا على الجامعات العربية التي باتت تحت رحمة المؤسسات الأمنية والحكومية في عالمنا العربي.
 
وأثارت هذه التصنيفات الدولية التي وضعت الجامعات العربية في مراكز عالمية متأخرة، أسئلة حول أسباب تردي التعليم العربي، وكيف يمكن لهذه الجامعات أن تستعيد دورها الذي سجله لها التاريخ.
 
معايير التصنيف
فيما يتعلق بمصداقية التصنيفات الخاصة بترتيب الجامعات في العالم، رأى الأمين العام السابق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية تركي عبيدات أن هذه التصنيفات تعتمد على قواعد متعددة، فبعضها يركز على البحث العلمي والجوائز العالمية والأبحاث ومشاركة الجامعات في الصناعة والتطور.
 
أما عن المعايير التي تحكم وضع هذه التصنيفات فقد اتفق وزير التربية التونسي السابق فتحي الجراي في حلقة الأحد (26/7/2015) من برنامج "الواقع العربي" مع ما ذكره عبيدات، وأضاف أن المعايير تشمل أيضا جودة الأداء الجامعي والجودة النوعية لمخرجات ومدخلات العملية التعليمية.
 
دورة التعليم
وأشار عبيدات إلى أن العملية التعليمية تعتبر دورة متكاملة بين مراحل التعليم المختلفة، وأكد على أهمية التركيز على التكامل بين مناهج جميع هذه المراحل.
 
وربط تميزَ الطلاب العرب حينما يلتحقون بالجامعات الغربية بالبيئة الجامعية المحيطة والإستراتيجيات المتعلقة بالتعليم العالي التي تساعد على التميز والإبداع.
 
بدوره أضاف الجراي أن احتلال الجامعات العربية مراحل متأخرة في كل التصنيفات يعكس أزمة في كل مراحل التعليم في الوطن العربي وليس الجامعي فقط.
 
ورغم إشارته إلى العديد من أسباب تردي التعليم بالجامعات العربية، فإنه أوضح أن هذه الجامعات تعاني من رداءة في نوعية الأستاذ الجامعي الذي أصبح من أنصاف المتعلمين، ولا يستطيع أن يسهم في تقديم تعليم حقيقي.
 
الخناق الحكومي
وحول تدخل الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية في عمل إدارة الجامعات وتأثير ذلك على مخرجات التعليم، قال عبيدات إن هذا الموضوع أثر كثيرا على مخرجات التعليم العالي النوعية، وضرب مثلا بما حدث في جامعات الأنظمة الشمولية مثل العراق وسوريا، حيث تم تقييد الحراك الطلابي داخل الجامعات وحظر التعددية الثقافية.
 
وبحسب رأي الجراي فإن العلاقة طردية بين تردي الوضع السياسي والأمني في المنطقة وتراجع التعليم الجامعي، وضرب مثلا بجامعات الدول التي تعثر فيها الربيع العربي والتي تأثرت بشكل مباشر.
 
وللارتقاء بمستوى الجامعات العربية، دعا الجراي إلى ممارسة النقد الذاتي الموضوعي، وإجراء عمليات إعادة هيكلة ذاتية، ومنح الجامعات استقلاليتها الذاتية عن السلطة. كما ناشد الجامعة أن توائم برامجها الدراسية لتوافق متطلبات الواقع، وأن تربطها بالمهارات الحياتية، وأن تعمل على تحقيق الكفاية اللغوية والمنهجية للطلاب.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الجامعات العربية في ذيل التصنيف العالمي

مقدم الحلقة: جمال ريان               

ضيوف الحلقة:

-   تركي عبيدات/رئيس جامعة الزيتونة الأردنية

-   فتحي الجراي/أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

تاريخ الحلقة: 26/7/2015

المحاور:

-   تدني مستوى التعليم الأساسي

-   الهيمنة الأمنية على الجامعات

-   سوق العمل ومخرجات التعليم العالي

-   آلية تحسين جودة التعليم

جمال ريان: أهلاً بكم في هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على تردي مستويات التعليم في الجامعات العربية.

واقع التعليم الجامعي في العالم العربي غير مبشر على الإطلاق، فالتصنيفات الأكاديمية المعترف بها دولياً تستبعد أي جامعة عربية من المراكز الأولى المرموقة في الوقت الذي تحتل فيه خمس جامعات إسرائيلية من أصل ثماني جامعات مراكز متقدمة في هذه التصنيفات، ويبدو أن تردي الأوضاع السياسية والأمنية في عدة بؤر عربية انعكس سلباً على الجامعات العربية التي باتت تحت رحمة المؤسسات الأمنية والحكومية في عالمنا العربية، فكيف يمكن لجامعاتنا أن تستعيد دورها الذي سجله التاريخ لها؟ وكيف تعود إلى ميدان المنافسة ومزاحمة المؤسسات التعليمية والأكاديمية العالمية؟ المزيد من التفاصيل في التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

رانيا حلبي: لم تشفع تجربة العرب الزاخرة تاريخياً بالجامعات المرموقة منذ القرن الثامن للميلاد كجامعة الزيتونة في تونس والقرويين في المغرب وجامعة القاهرة وجامعة دمشق فغابت هذه الجامعات دفعة واحدة عن قائمة الترتيب الأفضل بين مئة جامعة في العالم للعام الحالي في حين حضرت جامعات إسرائيلية على هذه القائمة.

نتيجة توقعها معظم الخبراء والمراقبين في ظل واقع عربي متردٍ مثقل بالأمية والفقر وتدني معدلات التنمية فضلاً عن سوء إدارة الحكومات لقضية التعليم وانشغالها بدلاً عن ذلك بصراع سياسي وحروب تضرب البلاد العربية لاسيما عقب ثورات الربيع التي تحولت في كثير من دولها إلى كابوس دموي كان التعليم والجامعات أحد أبرز ضحاياه.

تحت عنوان "الإخفاق العربي" اعتبرت مجلة ايكونومست البريطانية في تقرير لها أن وضع التعليم في البلاد العربية يثير القلق ووصفت الفجوة بين العرب والغرب بالمخيفة، فجوة زادها التراجع في مستوى التعليم بكافة مستوياته عربياً ما بات يطرح تساؤلات ملحة حول أولوية الحكومات في اتخاذ التدابير التي يمكن أن تبني مؤسسات التعليم العالي في العالم العربي ووسائل التغلب على عقباتها ومشكلاتها المتجذرة إضافة إلى انعكاس التردي في التعليم العالي حاضراً ومستقبلاً على تطوير المهارات البشرية ذاتها وتنمية كوادره.

تقول منظمة اليونسكو إن مشكلات التعليم العالي في الوطن العربي تتلخص في إمكانات الدول المادية وجودة التعليم في كل منها وهناك مشكلات تتلخص في طغيان المناهج النظرية في المنظومات التعليمية كما أن الأساليب المستخدمة في التطبيق ما زالت بدائية جداً وتقليدية، وبحسب المنظمة هناك أيضاً مشكلات تتمثل بعدم قدرة الطلاب على الاستفادة من المحتوى التعليمي المقدم لهم حيث يتم تخريجهم وهم ليسوا على دراية بما يجب أن يفعلوه بعد التخرج، وتظهر الدراسة أيضاً أن هناك قلة نسبية في استكمال التعليم بسبب عدم وجود فرص عمل مناسبة للخريجين ولعل مؤشر واقع الإنفاق في الدول العربية على التعليم والبحث العلمي بنسبة أقل من ٢٪ فقط من ناتجها المحلي مقارنة مع ما تنفقه الدول المتقدمة بحوالي ١٠٪ يؤكد الفجوة الكبيرة بين الدول العربية ونظيراتها في باقي دول العالم، مشهد عربي علمي مفزع لمستقبل مرتقب مع غياب هذا البنيان الذي يشكل ركيزة أساسية في بناء الدول الحديثة.

[نهاية التقرير]

جمال ريان: ينضم إلينا في هذه الحلقة من عمّان الأستاذ الدكتور تركي عبيدات رئيس جامعة الزيتونة الأردنية والأمين العام السابق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية، كذلك ينضم إلينا من تونس الدكتور فتحي الجراي وزير التربية التونسية السابق وأستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، لنبدأ أولاً من عمان والدكتور تركي عبيدات، دكتور فيما يتعلق بهذه التصنيفات التي ربما أنك استمعت إليها، ما مدى مصداقية هذه التصنيفات الخاصة بترتيب الجامعات في العالم؟

تركي عبيدات: يا سيدي التصنيفات العالمية للجامعات متعددة.

جمال ريان: وبالتالي؟

تركي عبيدات: التصنيفات العالمية للجامعات متعددة فعلى سبيل المثال التصنيف الذي احتواه التقرير يتحدث عن ترتيب شنغهاي للجامعات في العالم، وهذا التصنيف يركز عملياً ب٩٠٪ منه في عملية التقييم على البحث العلمي في مجلات علمية عالمية محكمة ومتخصصة ويركز على الجوائز العالمية كجائزة نوبل وبراءات الاختراع ومدى فاعلية الجامعات في تطوير التكنولوجيا والصناعة، وعندما نتحدث عن جامعات الوطن العربي ومقدار إمكانية أن تشارك في هذه التنافسية العالية تبقى الإمكانيات محدودة لأن هذا المكون غير موجود في معظم الجامعات العربية، وعلى هذا الأساس أنا اعتقد إنه دخول الجامعات العربية في هذا التصنيف سيُبقى الأمر على هذا حاله على مدار عقود قادمة طويلة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات لها علاقة بالسياسات تبدأ من التعليم العام وتنتقل إلى التعليم العالي.

جمال ريان: طيب سنأتي إلى ذلك دكتور سنتحدث عن هذه السياسات لاحقاً ولكن دكتور فتحي فيما يتعلق بهذه التصنيفات يعني الدكتور يركز على أن هذه التصنيفات جاءت وفق مراكز البحث العلمي الجوائز العالمية فعالية الجامعات في تطوير الصناعة، ولكن هل من معايير يتم وضع هذه التصنيفات بناءاً عليها برأيك غير هذه؟

فتحي الجراي: مساء الخير أولاً، طبعاً ما ذهب إليه الدكتور حقيقي وأنا أؤيده في ذلك وحتى بقية المعايير الأخرى المتعلقة بجودة الأداء والمتعلقة بنوعية المخرجات وأيضاً بنوعية المدخلات التي تتعامل معها الجامعات العربية هي أيضاً للأسف لا تسعفنا ومع ذلك نجد أنفسنا في أي تصنيف من التصنيفات النافذة اليوم حول العالم في مراحل أو في مراتب متأخرة وهذا الدليل الحقيقي على وجود أزمة حقيقية في جامعاتنا تتعلق بمنظومة التعليم بشكل عام وليس فقط بمنظومة التعليم العالي، باعتبار أن التعليم العالي هو في الحقيقة جزء من هذه المنظومة وهو يستقبل مخرجات التعليم الإعدادي والتعليم الأساسي قبل ذلك وفي هذا المستوى هنالك إشكالية حقيقية وقد تداولنها في مستوى مجلس وفي مستوى الاجتماع الدولي لوزراء التربية العرب منذ سنة وتم الاتفاق على إجراء بحث مسحي تشخيصي لواقع التعليم الأساسي في الوطن العربي، ولكن هذا القرار لم يجد طريقه للتنفيذ للأسف، نحن لدينا مشكلات حقيقية في التعليم الذي يحصل قبل الجامعة وهو يؤثر بشكل واضح في مستوى التعليم الجامعي ومع وجود طبعاً مشكلات أصلية يعني بعض منها هيكلي والبعض منها وظيفي في مستوى التعليم العالي وهو يتعلق خاصة بجودة الأداء وبكفاءة المدرسين وبكفاية الفضاءات والتجهيزات، المنظومة للأسف مهترئة حتى في الدول التي تطورت فيها المنظومة من حيث الجوانب الشكلية والهيكلية كما يحصل في جامعات دول الخليج العربية هناك إشكالية حقيقية في مستوى الأداء أداء الطلاب وأداء الإدارة التدريسية.

تدني مستوى التعليم الأساسي

جمال ريان: طيب دكتور يعني أنت تحمل المنظومة منظومة التعليم المسؤولية، واضح من كلامك أنك تحمل منظومة التعليم المسؤولية، هنا أريد أن أتحول إلى الدكتور تركي عبيدات في عمان، دكتور المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه المعروف "روح التربية" تحدث عن التعليم الجامعي في فرنسا مثلاً وقال: "إذا كان أساتذتنا لا يلقون إلى الطلبة إلا تعليماً رديئاً فمصدر ذلك أنهم يُعلمون ما تعلموا به في الجامعة"، إذاً هناك مشكلة أساسية في التعليم الذي يسبق المرحلة الجامعية أليس كذلك؟

تركي عبيدات: يا سيدي دعنا نضع هذا الموضوع ضمن دورة متكاملة، أنا أعتقد أن مخرجات التعليم العام هي مدخلات للتعليم العالي، ومخرجات التعليم العالي هي مدخلات مرة أخرى للتعليم العام، إذاً نحن نعيش في دورة متكاملة وإذا لم يتم التركيز حقيقة من حيث محتويات والمناهج والخطط الدراسية في التعليم الأساسي والتعليم ما قبل الأساسي والتعليم ما بعد الأساسي تبقى المشكلة قائمة، على سبيل المثال هناك دراسات واضحة تماماً أن طلبة الثانوية العامة يتخرجون من الجامعات ولا يستطيعون الكتابة، وبعضهم لا يستطيع حتى القراءة، إذاً لدينا مشكلة كبيرة جداً في مدخلات التعليم العالي بالإضافة إلى ذلك نعم، نعم الجامعات في العالم العربي تعاني مؤخراً خاصة خلال العقدين الماضيين من رداءة في نوعية حتى الأستاذ الجامعي، نحن نتحدث سابقاً عن أستاذ جامعي متعلم ومثقف، اليوم نتحدث عن أنصاف متعلمين أن الموضوع لا يغطي حقيقة معظم أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية في الجامعات العربية وإنما نتحدث حقيقة عن نسبة كبيرة بدأت تدخل إلى الجامعات العربية وهذه النسبة حصلت على شهادات دكتوراه وماجستير من جامعات بطريقة أو بأخرى ولكنها لا تستطيع حقيقة مهنياً أن تساهم في العملية التعليمية والتربوية والبحثية في الجامعات العربية، الجامعات العربية المشكلة فيها يا سيدي مركبة وبنفس الوقت معقدة فعندما نتحدث عن جامعة لها أهداف في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع واليوم العالم يتحدث عن جامعات منتجة وهو ما يسمى بالبعد الرابع للجامعات، إذاً نستطيع أن نجسد الخلل في جامعاتنا أعداد هائلة من الطلبة تتوجه إلى الجامعات، لا يوجد دراسات وافية عن احتياجات ومتطلبات سوق العمل وحقيقة..

جمال ريان: هذا مهم هذا مهم جداً سنأتي إليه دكتور يعني أثرت نقطة مهمة جداً وهي سوق العمل واحتياجات سوق العمل من المتعلمين وهنا نتحول مرة أخرى إلى الدكتور فتحي الجراي في تونس، دكتور ما علاقة تردي الوضع السياسي كذلك الأمني في المنطقة بتراجع التعليم الجامعي في عالمنا العربي برأيك؟

فتحي الجراي: طبعاً هي إذا لم تكن سببية هذه العلاقة فهي على الأقل ارتباطية بما في ذلك من شك، الجامعة مؤسسة مفتوحة على محيطها تتأثر به وتؤثر فيه ولكن يبدو أنها تتأثر به أكثر مما تؤثر فيه على الأقل بمنطقتنا العربية، وحينما تسوء الأمور في السياسة والأمن وفي مستوى النسيج الاجتماعي بطبيعة الحال الجامعة تتأثر مباشرة بما يحصل ولدينا مثال جيد أو مثال ساطع في الدول التي تعثر فيها الربيع العربي وتطور إلى أزمات سياسية وعسكرية كيف أن الجامعات أغلقت أبوابها أو تشتغل يعني بشكل محدود جداً، بالنهاية الجامعة مرآة لهذا المجتمع وما تحدث عنه الضيف من عمان مهم جداً أنا أؤيده بكل ما ذهب إليه، لدينا مشاكل مركبة بعض منها هيكلي والبعض منها وظيفي ولكن في مطلق الأحوال لدينا تسامحية كبيرة وهنالك نسب نجاح عالية جداً إلا أنها لا تعبر عن حقيقة كفاية المتخرجين ولا حتى عن حقيقة كفاية من درسهم هنالك رداءة للأسف نقول ذلك في هذا المستوى وفي ذلك ولهذا نحن نحتاج إلى جرأة وإلى إرادة حقيقية في المستوى السياسي والمستوى الإداري..

الهيمنة الأمنية على الجامعات

جمال ريان: ولكن البعض يقول كيف تكون هناك جرأة كيف تكون هناك استقلالية للجامعات العربية كما هو الحال مثلاً في الولايات المتحدة الأميركية وكذلك في الدول الأوروبية وفي اليابان وفي كوريا وغيرها، وهنا أتحول إلى عمان دكتور في كثير من الدول العربية الأجهزة الأمنية المؤسسات الحكومية تتدخل في عمل إدارات الجامعات من حيث المناهج من حيث تعيين المدرسين وحتى قبول الطلبة وهناك ألوية في بعض الجامعات على أبواب هذه الجامعات من يدخل ومن لا يدخل، كيف يمكن برأيك أن يؤثر ذلك على مخرجات التعليم في الجامعات العربية؟

تركي عبيدات: هذا الموضوع أثر كثيراً على مخرجات التعليم العالي النوعية وأعتقد أن هناك تسييس كبير جداً ليس فقط في عملية قبول الطلبة وإنما أيضاً في عملية الإدارة الجامعية فالتسييس حصل باتجاهين بمحورين؛ المحور الأول في موضوع الإدارة الجامعية، والمحور الثاني في عملية قبول الطلبة في بعض الحالات خاصة في الأنظمة العربية الشمولية على سبيل المثال في سوريا والعراق كان يعني التأثير السياسي كبير جداً على الجامعات مثل جامعة بغداد وجامعة دمشق التي تعتبر حقيقة منارات في تاريخ التعليم العالي العربي وبالإضافة إلى ذلك حتى الحراك الطلابي داخل الجامعات تم تقييده ولم يتم مراعاة التعددية السياسية واحترام الرأي الآخر وصقل شخصية الطالب الجامعي على أساس الانفتاح واحترام الآخر وعلى أساس حقيقة التعددية الثقافية، أنا أريد أن أسوق مثال كبير جداً؛ الجامعة الأميركية في بيروت أنشئت في القرن التاسع عشر وأنشئت هذه الجامعة قبل جامعة بغداد والقاهرة وقبل جامعة دمشق أيضاً ولكني أستطيع أن أقول أن هذه الجامعة حافظت على بريقها منذ ذلك الوقت حتى الآن، بالمناسبة الجامعة الأميركية في القاهرة أحد الجامعات المدرجة في تصنيف شنغهاي من أفضل الجامعات في العالم، أنا أتساءل أن الجامعة الأميركية في القاهرة كانت ليست فقط منارات في التعليم وإنما منارات للفكر والحوار السياسي والتعددية السياسية حتى أن حركات التحرر العربي والحركات السياسية في الوطن العربي نشأت في هذه الجامعة وترعرعت في هذه الجامعة ومعظم القادة في الوطن العربي القادة حقيقة الفعالين الذين تقلدوا مناصب قيادية عليا تخرجوا من هذه الجامعة.

جمال ريان: تخرجوا من هذه الجامعة، طيب دكتور أريد أن أتحول إلى تونس مرة أخرى والدكتور فتحي الجراي يعني الدكتور لا زلنا حول نفس الموضوع مثلاً رغم أن أول جامعة في العالم العربي أنشئت في المغرب وهي جامعة القرويين لا نجد أي جامعة مغربية حتى ضمن أفضل ٣٠٠ جامعة في العالم في العالم كله ربما يعني جامعة القرويين في الوقت نفسه الجامعات الإسرائيلية على قلتها تتقدم على الجامعات العربية، هل من تفسير لذلك؟

فتحي الجراي: طبعاً هو لو قرأنا التاريخ سنجد أن أعرق الجامعات العربية هي الجامعة جامعة الزيتونة ثم جامعة القرويين ما في ذلك شك، لكن كما ذكر الضيف قبل حين هنا والآن يعني منذ عقود يتم توظيف الجامعات توظيفاً سياسياً ويتم الضغط على الحريات داخلها وتتم تنشئة بشكل ما الفعل التعليمي داخلها وتصبح شيئاً فشيء يعني لا محلات للتعليم تنافسها محلات أخرى تجارية هي الجامعات الخاصة التي لم ترق هي الأخرى إلى مستوى الجودة المطلوب، وبالتالي خلقنا مسار تنافسية داخلية لم تكن لم يكن معيارها هو أن ننشد الجودة وإنما البحث عن اسم في الداخل وربما لم نفكر كما يجب التفكير في سمعة هذه الجامعات في الخارج ورغم أنها تخرج الحقيقة بعض الكوادر العالية جداً التي تتلقفها الجامعات الأجنبية ولكن بشكل عام المخرجات ضعيفة وهنالك تقصير في مستوى احترام معايير الجودة وفي مستوى أيضاً البحث العلمي وهذا معيار مهم جداً في الجامعات، يلاحظ بشكل صريح وفي معظم التصنيفات يسبب مشكلة حقيقية للجامعات العربية مما يجعلها في أواخر الترتيب لكن مع ذلك أنا أعتقد أن الأمر قابل للتدارك لو فعلاً كنا من الجرأة بحيث نشخص واقع هذه الجامعات منظومياً وبشكل موضوعي لأن لدينا كفاءات كبيرة في هذه الجامعات مع هذا ونستطيع حينئذ أن نمنع..

جمال ريان: طيب يعني الكفاءات الكفاءات وفق سوق العمل وهذا الموضوع دكتور فتحي هذا الموضوع أثاره قبل قليل الدكتور تركي عبيدات ووعدناه بالحديث عنه وهو سوق العمل يعني في كثير من الطلبة الخريجين من الجامعات العربية يذهب إلى الجامعات الأجنبية للحصول على الدراسات العليا، هل تعتقد أن هذا والبعض يقول بأن من يتخرج حتى من الجامعات العربية حينما يذهب إلى الأنظمة للعمل في سوق العمل الدولية يعني كما يقال بالإنجليزية هي  fit in the system يعني يدخل النظام ويكون مقبول، فهل هل المشكلة في الطالب الجامعي أم المشكلة في النظام؟ أنا معك دكتور فتحي، دكتور تركي السؤال لك.

سوق العمل ومخرجات التعليم العالي

تركي عبيدات: المشكلة من خلال تجاربنا المتعددة؛ خريجو الجامعات العربية عندما يذهبون إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية ودول العالم الأخرى المتقدمة يظهرون حقيقة نشاطاً واضحاً وتميزاً كبيراً في معظم التخصصات والبرامج التي يلتحقوا بها، أنا أتحدث عن أمر مهم جداً البيئة والثقافة المجتمعية، البيئة المحيطة والنظام السياسي والسياسات المتعلقة والإستراتيجيات المتعلقة بالتعليم العالي هذه المنظومة المتشابكة المركبة مرة أخرى هي التي تساهم حقيقة في عملية التميز والإبداع، وإذا ما نظرنا إلى تجارب محدودة في الوطن العربي نرى أن هناك جامعات تقدمت بشكل ملحوظ في مجال البحث العلمي والإبداع والابتكار ولدينا..

جمال ريان: الأسباب الأسباب هل هي هل تراها دكتور سياسية اقتصادية مالية أم تعليمية أو تعليم متوارث؟

تركي عبيدات: أنا أعتقد أن الموضوع سياسي اجتماعي اقتصادي وأكاديمي أيضاً إذا ما نظرنا إلى المشكلة، المشكلة حقيقة سياسية اقتصادية اجتماعية أكاديمية، الإقبال على التعليم العالي في الوطن العربي من منظور اجتماعي هو للحصول على وظيفة أو للحصول على ترقية أو للحصول على منصب، والإقبال على التعليم العالي من منظور سياسي تم تسييس التعليم العالي في الوطن العربي في معظم الدول العربية وفي معظم الجامعات العربية وإذا ما أتينا إلى المنظور الاقتصادي التعليم يكلف المواطن العربي مبالغ طائلة جداً حتى على حساب قوت عياله حتى على حساب النفقات اليومية المتعلقة بالمسكن والمأكل والمشرب، الجانب الأكاديمي لقد تم تشويه الجسم الأكاديمي والجسم الطلابي في معظم الجامعات العربية فلا يوجد تواصل فعال بين الأستاذ الجامعي والطالب ولا يستطيع الطالب حقيقة لنحصل على مواهب وقدرات في مجال التواصل النظري الشفهي والكتابي، وعندما يذهب بهذا الطالب إلى سوق العمل يطلب منه سوق العمل حقيقة مهارات متقدمة في عملية التواصل والتعبير عن نفسه وكتابة التقارير الفنية وكتابة التقارير المتعلقة في جميع الأعمال التي يلتحقوا بها الخريجون، فالملاحظ تماماً هناك ضعف كبير جداً حتى في مجال اللغة التأليف الترجمة التواصل بين الأستاذ..

آلية تحسين جودة التعليم

جمال ريان: البعض يقول حتى خريجي الكليات بسنتين والكليات التخصصية يكون مقبول في سوق العمل أكثر منه من الجامعي، أتحول مرة أخرى إلى الدكتور في تونس دكتور نفس السؤال تقريباً كيف يمكن من الجامعات العربية أن تستعيد دورها الذي سجله لها التاريخ وأن تعود إلى ميدان المنافسة ومزاحمة المؤسسات التعليمية والأكاديمية في العالم؟

فتحي الجراي: أعتقد أن هذه الجامعات مدعوة إلى أن تقوم بنقد ذاتي يعني بطريقة موضوعية وأن تعيد هيكلة ذاتها ولكن مطلوب من السلطة السياسية أن تمنحها فرصة للاستقلالية الأكاديمية هذا أمر مهم جداً ومن ثم تتجه إلى نوع من التأهيل الشامل لذاتها بحيث تنفتح بطريقة إيجابية على المحيط وتستثمر مواردها وتشع عليه ولكن في نفس الوقت تواءم برامجها وقراراتها وخططها الدراسية لمتطلبات الواقع وتربطها بمهارات الحياة وما ذكر قبل حين من أن بعض الطلاب المتخرجين لا يستطيعون التعبير عن ذاتهم ولا يستطيعون حتى كتابة طلب وظيفة أو الذهاب لمقابلة انتداب والتعبير عن الذات بطريقة فعالة مثل هذه المهارات الحياتية أعتقد التي أصبحت تسمى اليوم بمهارات القرن الواحد والعشرين مهم جداً التركيز عليها ضمن سلسلة من الكفايات الأفقية التي تشمل الكفاية اللغوية والكفاية المنهجية أيضاً بالنسبة إلى عموم طلاب الجامعات العربية.

جمال ريان: أشكرك الدكتور فتحي الجراي وزير التربية التونسية السابق وأستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، كذلك شكراً للأستاذ الدكتور تركي عبيدات رئيس جامعة الزيتونة الأردنية والأمين العام السابق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنية، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.