رغم أن تونس عرفت العمل النقابي منذ العام 1925، أخذ الاتحاد العام التونسي للشغل الحصة الكبرى في مسيرته النضالية العمالية والوطنية منذ تأسس في العام 1946.

يذكر الاتحاد بوصفه الجهة الجامعة للعمال والموظفين التونسيين وكذلك بوصفه مكملا لمشوار الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، بل إن رمزه ورمز تونس الوطني فرحات حشاد دفع حياته ثمنا للاستقلال.

كجزء من الهوية الوطنية لم تخل مسيرة الاتحاد العام التونسي للشغل من تجاذبات ومطامع سياسية ومحاولات للهيمنة عليه من الدولة، لكنه بقي مع ذلك محتفظا ببريقه وصدقيته بفضل قواعده التي دفعت الاتحاد ليتحمل دورا في الثورة، وليكون بعد الثورة راعيا للحوار الوطني عام 2013 الذي حمى تونس من منزلق خطير.

استثمرت حلقة 20/7/2015 اللحظة الراهنة في تونس التي تعرف تعددية غير مسبوقة في الهيئات النقابية لتحاول قراءة هذه التحولات ومستقبلها، بعد أن كان تاريخ تونس المعاصر لا يعرف سوى اسم وحيد هو اتحاد الشغل.

ما الذي يمثله الاتحاد ولماذا اكتسب هذه الخصوصية في الخريطة الوطنية التونسية؟ الأكاديمي والنقابي عبد السلام الككلي يشرح أن الاتحاد العام للشغل كان نقابة عمال وموظفين، موفرا موقعا للأحزاب السياسية من القوميين والتروتسكيين والماركسيين الذين قاوموا النزعة الليبرالية المجحفة التي استبدت في عهد زين العابدين بن علي وأدت لتفقير قطاع واسع من الشعب ووضعت البلاد على الحافة التي فجرت الثورة.

اليوم تبدو الخريطة معقدة في عين الككلي، حيث إن الاتحاد غير قادر على كبح جماح الحماس النقابي، فهناك إضرابات عشوائية كان الاتحاد يسيطر عليها في السابق، كما أن هناك نقابات جديدة تولد موازية للاتحاد لها نفس حق الاتحاد في الاقتطاع من أجور المنخرطين فيها ونفس الحق في التفاوض.

video



من ناحيته يقول أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية محمد ضيف الله إن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يشهد بعد الثورة محاسبات داخلية، مع وجود لغط حول ملفات فساد قبل الثورة. وعن التعددية النقابية قال إنها ستفرض على الاتحاد العام للشغل أن يعيد رسم مستقبله.

ومضى يقول إن الاتحاد كان في السابق ملجأ للأحزاب الممنوعة، أما عقب الثورة فإن الحرية السياسية التي أصبحت عليها البلاد ستدفع بالمكونات السياسية في الاتحاد للعودة إلى أحزابها الأمر الذي سيجعل الاتحاد يبتعد عن التوجه السياسي المفرط.

ورأى ضيف الله أخيرا أن المنظمات النقابية الجديدة ستفرض نفسها وأن الاتحاد العام ينبغي عليه مسايرة الوضع الجديد.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: اتحاد الشغل التونسي.. ريادة تقبل التعدد

مقدم الحلقة: جمال ريان

ضيفا الحلقة:

-   محمد ضيف الله/أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية

-   عبد السلام الكيكلي/أكاديمي ونقابي

تاريخ الحلقة: 20/7/2015

المحاور:

-   مؤتمر جمع 3 منظمات

-   خيارات إتحاد الشغل

-   سياسة تشاركية تعاضدية

جمال ريان: أهلا بكم في هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على النقابي والسياسي في مسيرة الإتحاد العام التونسي للشغل خاصة بعد قيام الثورة التونسية.

لم يكن الإتحاد العام التونسي للشغل مجرد منظمة نقابية قصرت دورها الوطني على النضال من أجل المطالب المهنية لمنخرطيها من العمال، تحتفظ الذاكرة الوطنية التونسية بمحطات مفصلية كان لإتحاد الشغل دورا مشهودا أثنائها في مقارعة المستعمر الفرنسي وفي بناء الدولة الحديثة بعد رحيله، دولة مرت بأزمات وضع بعضها الإتحاد في مواجهة الحزب الحاكم ضمن تراكمات قادت إلى ثورة خلعت الرئيس السابق بن علي وأسندت بعده أدورا متعاظمة لإتحاد الشغل بلغت ذروتها من خلال حوار وطني جنب البلاد مزالق أمنية واجتماعية كادت تعصف بها.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: عرفت تونس العمل النقابي منذ عام 1925 عندما أسس محمد علي الحامي جامعة عموم العمالة التونسيين دفاعا عن الشغالين وكفاحا ضد الاستعمار الفرنسي الذي حاربها منذ البدء، أعقبت تجربة الحامي تجارب أخرى لكن سنة ستة وأربعين مثلت المنعرج الحاسم للانتظام النقابي حيث تأسس الإتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد ليبدأ مشوارا جديدا من النضال العمالي والوطني فقد غدا الإتحاد بزخمه الشعبي والكفاحي المتعاظم رافدا للحركة الوطنية كلف حشاد حياته اغتيالا عام اثنين وخمسين ثم شريكا في إنجاز استقلال البلاد ولاحقا في أول سلطة وطنية، كرس الإتحاد نفسه ممثلا وحيدا لعمال تونس لكن المطامع والتجاذبات السياسية داهمته مبكرا فتماهى أحيانا كثيرة مع الحزب الحاكم بينما كان في أحيان أخرى متنفسا سياسيا لا سيما في عدة محطات صدامية مع السلطة كما في أحداث الإضراب العام الدامية سنة ثمان وسبعين وما عرف بانتفاضة الخبز عام أربعة وثمانين، ولأن يكاد العمل النقابي في تونس يكون مرادفا لإتحاد الشغل الذي يضم مختلف القطاعات فإن الجامعات أيضا كانت فضاء للعمل النقابي إذ تأسس الإتحاد العام لطلبة تونس عام اثنين وخمسين ممثلا للطلاب ومنظما لنشاطهم لا سيما ضد الاستعمار قبل أن تتجاذبه الصراعات السياسية ومحاولات الهيمنة عليه بين طلبة الحزب الدستوري وجماعات اليسار ولعل تلك القطبية هي التي دفعت طلاب التيار الإسلامي في الجامعة التونسية إلى تأسيس كيان نقابي مواز هو الإتحاد العام التونسي للطلبة عام خمسة وثمانين وجسد الإتحادان بوضوح هيمنة السياسي والأيدلوجي على التجربة النقابية في الوسط الجامعي وهو ما تأكد بشكل آخر أيضا عندما حل نظام بن علي الإتحاد العام التونسي للطلبة في أوج صدامه مع التيار الإسلامي مطلع التسعينيات. نظام بن علي حارب أيضا إتحاد الشغل قبل أن يتمكن من الهيمنة على مركزيته النقابية فيما ظلت ما يسمى القاعدة النقابية في الجهات تواجه التدجين وتناضل ضمن المتاح مما أبقى على شيء من بريق الإتحاد ومكانته ومصداقيته ولعل ذلك ما جعله خلال الثورة داعما للحراك الشعبي ومظلة له، بعد سقوط النظام شهد الواقع النقابي في تونس تحولا غير مسبوق وعلى أساس أن الديمقراطية والتعددية السياسية تستوجبان تعددية نقابية أيضا نشأت اتحادات عمالية جديدة بترخيص قانوني بينها الجامعة العامة التونسية للشغل وإتحاد عمال تونس والمنظمة التونسية للشغل ورابطة عمال تونس، تقول تلك النقابات الناشئة إن وجودها سيفرض الإصلاح على الإتحاد العام التونسي للشغل بعدما تعذر ذلك من داخله لكن الإتحاد بقي رائدا في تمثيليته للعمال وأيضا في دوره الاجتماعي والسياسي الذي تعزز أكثر بأن كان احد أهم رعاة الحوار الوطني الذي توج بإخراج تونس من أزمة سياسية حادة عام ألفين وثلاثة عشر كادت تعصف بها نحو منزلقات خطيرة، واتسع المشهد النقابي في تونس بعد الثورة ليشمل أسلاك الأمن المختلفة من شرطة وحرس وغيرها في خطوات غير مسبوقة أثارت انتقادات في بعض الأحيان لجهة تأثيراتها المحتملة على أداء أجهزة الأمن واستقلالها تماما كما المؤاخذات على النقابات العمالية الموازية بأنها مكسب ديمقراطي لكنها إرباك للاقتصاد.

[نهاية التقرير]

جمال ريان: لمناقشة موضوع هذه الحلقة ينضم إلينا من تونس الدكتور محمد ضيف الله أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية ومن تونس أيضا الأكاديمي والنقابي عبد السلام الكيكلي نبدأ أولا مع السيد عبد السلام يعني واضح سيد عبد السلام أنها تجربة نقابية سياسية فريدة من نوعها ليس على مستوى العالم العربي ربما على مستوى العالم، السؤال هنا هل لك أن تعطينا تفكيكا أعمق لهذه الخصوصية ولهذه التجربة؟

عبد السلام الكيكلي: مساء الخير أولا يجب أن نستحضر المحطات الكبرى التي استحضرها التقرير ولكن مع شيء من التعمق، حين نشأت النقابة الأولى الجامعة العامة نشأت سنة  24 من خلال الإضرابات العمالية نشأت في قلب القضية الوطنية لأن الجامعة عندما نشأت وهناك نقابات فرنسية موجودة، هذه النقابات الفرنسية كانت تحتضن التونسيين ولكنها كانت تمارس عليهم نوعا من الميز العنصري من خلال ما يسمى بالأجر الأقل أو الثلث الاستعماري بناء النقابة الأولى في تونس كان في قلب القضية الوطنية هو إن تونس بلد ليست مستعمرا وإنما هي تحت الحماية فلها كيان ولها دولة ولها سلطة ولها حق أيضا بأن يكون لها نقابات، إذن حين نشأت النقابات كانت نشأت في قلب القضية الوطنية ثم أن محاكمة محمد علي نفسه أدت إلى اتهامه بالتورط مع أحزاب سياسية وخاصة الحزب الحر الذي كان الحزب الوطني في ذلك الوقت بل حتى مع الحزب الشيوعي، هذه الإشكالية بين النقابي والسياسي هي التي دفعت الاستعمار في الواقع إلى حل الجامعة العامة وإلى تهجير كل النقابيين الذين ساهموا في ذلك الوقت وعلى رأسهم محمد علي، هذه التجربة نفسها تكرست أكثر وبأكثر عمق مع الارتباط السياسي الذي كان موجودا مع الحزب الحر الحزب الدستوري والحزب الوطني وفرحات حشاد وفرحات حشاد في الواقع وقع اغتياله لا للقضية النقابية فقط لان القضايا الاجتماعية في ذلك الوقت لم تكن قضايا مهمة جدا بالنظر إلى حجم العمال الذي كان قليلا وبالنظر للقضايا الاجتماعية التي كانت قليلة ولكن الاستعمار وجد في فرحات حشاد خطرا كبيرا لأنه في الواقع دفع نحو الاستقلال، شعار الاستقلال في تونس في الحقيقة لم يرفع بشكل جدي إلا بداية مع الأربعينات وست وأربعين ومع دخول الإتحاد في قلب المعمعة السياسية أي في قلب المطلب الأساسي الذي هو مطلب الاستقلال نعم.

مؤتمر جمع 3 منظمات

جمال ريان: طيب سيد عبد السلام يعني بعد هذا التحليل الذي تفضلت به أريد أن أتحول إلى سيد محمد ضيف الله سيد محمد يعني وأكثر من مجرد منظمة يعني في الواقع منظمة نقابية مطلبية مهنية عادية يعني هل لك تفسير آخر لهذا الإتحاد لك تفسير آخر لدوره لنشأته لأهميته في عالم السياسة والمجتمع التونسي.

محمد ضيف الله: نعم شكرا في الحقيقة لا بد من العودة للمؤتمر التأسيسي للإتحاد العام التونسي للشغل لأن الإتحاد العام التونسي للشغل لم يكن وليس حتى في الوقت الحاضر منظمة عمالية فقط وإنما كان في مؤتمره التأسيسي 20 جون في 1946 هو عبارة عن مؤتمر جمع ثلاث منظمات هي إتحاد عمال إتحاد النقابات المستقلة بالجنوب ثم إتحاد النقابات المستقلة بالشمال هاتان المنظمتان عماليتان وإلى جانبهما هناك الجامعة جامعة المتوظفين التونسيين بمعنى أن هناك قسمان في الإتحاد العام التونسي للشغل قسم عمالي وقسم من الموظفين، هذه بقيت إلى الوقت الحاضر هذه خاصية الإتحاد العام التونسي للشغل خلافا للنقابات العادية سواء إن كانت نقابات عمال أو نقابات موظفين ففي صلب الإتحاد العام التونسي للشغل هناك هذان الشقان شق عمالي مطلبه أو ديدنه هو المطالبة بتحسين الظروف الاقتصادية والظروف الاجتماعية للمنخرطين وصنف أو شق آخر وهم من الموظفين هؤلاء اهتمامهم ليس فقط ماديا وإنما أيضا اهتمامهم سياسي وطني، لا ننسى أن المؤتمر الأول للإتحاد العام التونسي للشغل ضم قيادات حزبية قيادات سياسية لها تجربة سياسية وأعطي مثالا على ذلك صاحبي فرحات مثلا الذي كان مناضلا في الحزب الحر الدستوري القديم، هناك أيضا مناضلون في الحزب الحر الدستوري الجديد هؤلاء كان هدفهم وكان طموحهم طموحا سياسيا تحرير البلاد، إذن هناك شقان واعتقد حتى للوقت الحاضر في الإتحاد العام التونسي للشغل لكي نفهم الديناميات والداخلية لا بد من أن نفهم أن هناك هذان الشقان وفي الوقت الحاضر الذي طغى على الإتحاد العام التونسي للشغل هم الموظفون في الإدارة التونسية، هم المدرسون سواء في التعليم الابتدائي أو الثانوي أو العالي هم إذن هذه الفئات التي ليس مطلبها الأساسي هو المطلب المادي المحض وإنما هناك أيضا طموحات أخرى طموحات للاعتراف بها في المجال السياسي في المجتمع السياسي وفي المجتمع المدني هذه لنفهم كيفية وحركة نشاط الإتحاد العام التونسي للشغل.

خيارات إتحاد الشغل

جمال ريان: طيب سيدي سيدي يعني قبل قليل قبل قليل السيد عبد السلام تحدث عن المستعمر والدور الذي قام به الإتحاد في ذلك الوقت، الآن من التنسيق ضد المستعمر إلى علاقة متقلبة بعد الاستقلال بأي مقدار برأيك سيد عبد السلام يمكن أن ننسب مكاسب وإخفاقات دولة الاستقلال إلى خيارات إتحاد الشغل.

عبد السلام الكيكلي: هناك مواجهات وقعت بين الإتحاد والسلطة وهذه المواجهات يمكن أن نرجعها إلى سببين أولا إلى الليبرالية المجحفة التي مست البلاد بداية من السبعينات والتي أدت إلى أحداث 1978 ثم نرجعها إلى سبب آخر وهو الاستبداد بطبيعة الحال، الإتحاد كان يجب أن نفهم شيئا أساسيا بالإضافة إلى ما قاله زميلي وهو صحيح هو إن الإتحاد لم يكن فقط نقابة موظفين الإتحاد كان في الحقيقة موقعا للأحزاب السياسية، الأحزاب السياسية المعارضة من القوميين إلى التروتسكيين إلى الماركسيين، هذه الأحزاب كلها كانت تجد داخل الإتحاد نوعا من الملجأ في غياب تقريبا الخارطة السياسية، كانت تجد ملجأها في الإتحاد من أجل مقاومة هذه النزعة الليبرالية المجحفة التي مست البلاد والتي طغت مع بن علي ثم هذه النزعة إلى الاستبداد وهاتان النقطتان التفقير التفقير والتهميش لقطاعات كبرى من خلال إذن اختيارات اقتصادية همشت جهات معينة وأدت بالبلاد إلى الهاوية في آخر الثمانينات ثم أدت بها في الأصل إلى المأزق قبل الثورة، هذان العاملان إذن تهميش وتفكيك ثم الطغيان لطبقة سياسية استبدادية.

سياسة تشاركية تعاضدية

جمال ريان: طيب يعني بالإضافة إلى هذين العاملين سيد عبد السلام يعين سيد محمد يعني السيد عبد السلام يتحدث عن أسباب مثل الليبرالية والاستبداد كأسباب أدت إلى هذه المواجهات هل فعلا كانت مواجهات إتحاد الشغل مع السلطة في تونس وليدة صراع زعامات أم نتاج تناقض لتراكم في الرؤية لتونس ولمستقبلها كذلك.

محمد ضيف الله: في الحقيقة لا بد أن نعود إلى فترة الستينات لا ننسى أن تونس انتهجت في فترة الستينات سياسة اشتراكية تعاضدية سميت بالسياسة التعاضدية وهذه السياسية حقيقة تطبيق للبرنامج الذي كان قد تقدم به الإتحاد العام التونسي للشغل في سنة 1956 أُذن للسيد أحمد بن صالح الذي كان أمينا عاما للإتحاد العام التونسي للشغل ورغم أن السلطة قد انقلبت عليه في ديسمبر سنة 56 إلا أنها ما فتئت أن أعادته ثم في سنة 61 كلفته بتطبيق هذا البرنامج الاشتراكي هذا البرنامج الذي في ظله إذن تأسست المؤسسة الاقتصادية التونسية في ظله صنعت القوانين والتشريعات الاجتماعية التونسية طيلة الستينات في هذه الفترة رغم أن الإتحاد وبرنامجه كان يطبق وإنما وقعت هنالك بعض الصدامات اعتقد أن للعامل الشخصي وللعوامل الشخصية دورها في هذا المجال ذلك أن الحزب الحاكم الحزب الحر الدستوري الذي أصبح يسمى منذ 64 بالحزب الاشتراكي الدستوري أراد أن يستتبع الإتحاد العام التونسي للشغل ويصبح الإتحاد العام التونسي للشغل يأتمر مباشرة بأوامر الحزب دون أن تكون له هذه الشخصية، هذا جعل هناك صدامات ما بين الإتحاد العام التونسي للشغل أو قياداته العليا والسلطة ولكن دائما كانت السلطة تجد ضمن قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل من يمشي معها سواء في الستينات سنة 63، إذن أبعدت السلطة السيد أحمد التليلي عن الأمانة العامة ووجدت من يحل محله، في سنة 65 أبعدت الأمين العام الجديد آنذاك السيد الحبيب عاشور ووجدت السلطة من يحل محله، في السبعينات إذن استبعدت الأمين العام بلاغة الذي كان هي التي وضعته في الإتحاد العام التونسي للشغل لكي يكون تابعا لها وأعادت من جديد السيد الحبيب عاشور، إذن السلطة كانت تتدخل تدخلا مباشرا في الشؤون الداخلية للإتحاد العام التونسي للشغل.

جمال ريان: طيب يعني بعد هذه النبذة التاريخية عن تاريخ الإتحاد التونسي للشغل سيد محمد نريد أن نتحدث الآن عن تركيبة وخارطة إتحاد الشغل خاصة مع اقتراب منعرج الثورة وهنا نتحدث عن قيادة مركزية وهياكل وسطى وأخرى دنيا يعني كان في السابق سيد عبد السلام واضح بأن الإتحاد لها دور وظيفي بالنسبة لزعماء البلاد ولكن بعد منعرج الثورة هل لك أن تعطينا فكرة أكثر عن هيكلية هذا الإتحاد دوره ومواقفه خاصة خلال فترة الربيع العربي وما بعده.

عبد السلام الكيكلي: طيب أنا اعتقد حتى في أيام الثورة العمل النقابي في تونس وأنا اتفق مع زميلي كان يدار من الأعلى كان يدار بواسطة المكتب التنفيذي والهيئة الإدارية أيام الثورة في الحقيقة المكتب التنفيذي للإتحاد تعامل بكثير من الحذر مع أحداث الثورة في حين أن النقابات العامة والاتحادات الجهوية والاتحادات المحلية وحتى النقابات الأساسية اندفعت بالأصل بكثير من الحماس في هذه الثورة وكانت الاتحادات الجهوية قد فتحت أبوابها للثوار وللمتظاهرين، هذا المعطى الأساسي تضاءل حجم وقيمة وسيطرة المكتب التنفيذي والهيئة الإدارية أدى في الواقع بعد الثورة إلى نزول العمل النقابي من أعلى هرم السلطة النقابية إلى أسفل هرم السلطة النقابية بحيث الواقع اليوم هو واقع معقد، أنا لا أظن أن الإتحاد اليوم قادر فعليا على كبح جماح الحماس النقابي ورأينا ذلك بشكل واضح في الإضرابات العمالية التي كانت أحيانا إضرابات عشوائية في قطاع التعليم أو في قطاع سكك الحديد أو في قطاع المالية والإتحاد اليوم يعيش في الحقيقة مشكلة كبيرة يتعلق أولا بقدرته على السيطرة على حماس العمال وإخضاعهم إلى القانون لأن الإضرابات في تونس محكومة بقانون، ثم يوجد وجع آخر، الآن هو بصدد الوجود ولا نتحدث عنه كثيرا وهو النقابات التي وجدت مع الإتحاد والتي صارت وجعا حقيقيا لأن الإتحاد له خوف حقيقي من أن هيمنته من جديد على هذه النقابات سيؤدي في الحقيقة إلى فرار النقابات الأخرى ناهيك وهذه مسالة مهمة جدا أن المحكمة الإدارية هذا الأسبوع أصدرت حكما في غاية الأهمية وهي أنها أعطت الحق للجامعة العامة التي يقودها حبيب قيزة أعطت الحق إداريا بأن يقتطع لها من السلطة لفائدتها من منخرطيها ثم أعطت الحق أيضا في أن تكون شريكا في المفاوضات، معنى  ذلك أن اليوم لا يمكن أن نتحدث عن واحدة نقابية اليوم فعليا وقانونيا بصدور قرار المحكمة الإدارية أصبحنا مع التعددية النقابية تعطي الإتحاد العام للشغل والنقابات الأخرى نفس الحقوق للاقتطاع لفائدتها من أجور منخرطيها وتعطيها الحق أيضا في أن يكون لها مكان في المفاوضات، الخريطة اليوم هي خريطة معقدة جدا وهذا يعني أن الإتحاد مطالب بإعادة النظر في وضعيته كليا النظر في علاقاته بالنقابات الأساسية والنقابات العامة والاتحادات الجهوية النظر في أنه..

جمال ريان: طيب واضح واضح سيد عبد السلام واضح سيد عبد السلام يعني خاصة فيما يتعلق يعني هذا الدور الذي تقوم به، السؤال المطروح أين كان إتحاد الشغل في الخارطة الجديدة بعد الثورة هل فعلا كان على الحياد تجاه الجميع أم أنه يتطلب الآن أن تعلو الأصوات للمكاشفة والمحاسبة داخل الإتحاد نفسه سيد محمد.

محمد ضيف الله: في الحقيقة الإتحاد العام التونسي للشغل بعد الثورة لم تقع محاسبة داخلية بمعنى أن هناك لغطا كثيرا حتى في داخل الإتحاد العام التونسي للشغل قبل الثورة حول وجود فساد إلى آخره ولكن هذه الملفات لم تقع تصفيتها بعد الثورة ونلاحظ أن الإتحاد مباشرة بعد مؤتمره الذي انتظم في ديسمبر 2011 في برقا إذن انخرط مباشرة في العمل السياسي نتيجة أن تركيبة المكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل هي تركيبة سياسية لأعضاء المكتب التنفيذي لهم انتماءاتهم السياسية وعلى الساحة السياسية هؤلاء أحزابهم لم تكن لها حضور كثيف بينما لهم حضور مهم ووازن داخل الإتحاد العام التونسي للشغل وبالتالي استطاعوا أن يواجهوا بطريقة أو بأخرى الإتحاد العام التونسي للشغل نحو مناكفة الحكومة القائمة ولعب الإتحاد في هذه المناسبة إذن دورا سياسيا اعتقد ربما له الحق في ذلك ولكن.

جمال ريان: طيب يعني هذا الدور أيضا نريد أن نسأل السيد عبد السلام عنه خاصة بين فترة الترويكا وفترة حكم نداء تونس برأيك سيد عبد السلام ما الذي تغير في نبرة وخطاب ومواقف إتحاد الشغل.

عبد السلام الكيكلي: أنا صحيح إنه هناك أحزاب وأحزاب يسارية عامة موجودة في الإتحاد أنا شخصيا شاركت في مؤتمر برقه واعرف ما هي المفاوضات التي وقعت في ذلك الوقت من اجل أن يعطى لهذا ولذاك مكان أو مقعد في المكتب التنفيذي نعم وهذا هو حقيقة هو الذي وقع طوال تاريخ الإتحاد ليس مسألة جديدة الإتحاد كان دائما يقف على رجليه انطلاقا من توازنات سياسة لأحزاب سياسية هذا أمر تاريخي ولكن الآن أظن مع ذهاب الترويكا الإتحاد في حرج لأنه هذا الحرج من أين جاء هو إنه كان هو الذي ساهم في صعود هؤلاء الناس هؤلاء الأحزاب وخاصة نداء تونس هو الذي مكنها في الواقع من خلال تحركاته ومن خلال وجوده في الرباعي مكنها من أن تتسلم السلطة وكان يناكف فعلا الترويكا وخاصة المكون الأساسي انتحى وهو النهضة، هذا الوضع جعل من الإتحاد في الحقيقة في وضعية حرجة هذا الذي أوصله إلى السلطة كيف يمكن أن يتعامل معه ولكن ما ستكشف عنه الأحداث في الواقع هو أمكانية المواجهة من جديد.

جمال ريان: طيب لنتحول يعني نتوقف أخذ منك كلمة مرحلة حرجة وأريد أن اسأل أخيرا السيد محمد ضيف الله برأيك يعني ما الذي يجب أن يتغير في إتحاد الشغل وأي صورة مستقبلية تراها لهذا الإتحاد.

محمد ضيف الله: اعتقد أن الزمن كفيل بتغير الإتحاد العام التونسي للشغل لان الواقع أن الإتحاد العام التونسي للشغل منذ 2011 أصبح هناك تعددية نقابية وهذه التعددية ستفرض عليه توجهه المستقبلي كذلك الحرية السياسية التي أصبحت عليها البلاد وهناك تعددية حزبية، الإتحاد كان في السابق هو الملجأ الذي تلجأ إليه الأحزاب الممنوعة والأحزاب السرية بعد الثورة أصبحت هناك حرية لتكوين الأحزاب فهذه الأحزاب إذن أو مكوناتها داخل الإتحاد العام التونسي للشغل ستلجأ أو ستذهب إلى أحزابها واعتقد أن الإتحاد العام التونسي للشغل سيتجه نحو نزع هذا التوجه السياسي المفرط في هذا الواقع، إذن السياسيون سيذهبون ستستخدمهم أحزابهم ثم أن الواقع أن المنظمات النقابية الجديدة التي هي فعلا خالية من هذه التوجهات السياسية والتوجهات الحزبية اعتقد ستفرض نفسها والإتحاد العام التونسي للشغل مفروض عليه أن يساير الوضع.

جمال ريان: شكرا لك شكرا لك شكرا للدكتور محمد ضيف الله أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة التونسية وكذلك شكرا للأكاديمي والنقابي عبد السلام الكيلكي، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيس بوك وتويتر نلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة إلى اللقاء.