ظلت الأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي تؤكد أنها نبت أصيل ضمن مكونات أوطانها، وتطالب بحقوقها في التمتع بالمواطنة الكاملة والمساواة التامة أمام القانون في الحقوق والواجبات.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول العربية نحو تحقيق الاستقرار واللحاق بركب الحداثة، تظل هذه الدول تنظر بتوجس إلى كل نزعة تطرح بُعدا خارج الدائرة الوطنية، فضلا عن أن يقود ذلك إلى حراك انفصالي يزيد المقسم انقساما وتقسيما.

ويطرح واقع الأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي تساؤلات حول مفهوم هذه الأقليات وواقعها ومستقبلها، إضافة إلى تأثير ثورات الربيع العربي في إيقاظها.

مكونات أصلية
وبشأن مفهوم الأقليات، رأى المؤرخ العراقي علي النشمي أن تسمية هذه المجموعات "بالأقليات" تسمية خاطئة واستفزازية، ولا تنطبق على الواقع لأنهم يمثلون سكان البلاد الأساسيين قبل دخول العرب، ونادى بتسميتهم بدلا عن ذلك "بالمكونات الأصلية"، وأوضح أن مفهوم "أقلية" له مدلول سياسي ونفسي انعكس على الممارسات الحياتية، وأصبح هناك مواطن درجة أولى وآخر درجة ثانية.

واتهم النشمي في تصريحاته لحلقة (5/7/2015) من برنامج "الواقع العربي" الأنظمة القومية في البلاد العربية بإهمال هذه الأقليات، والتعامل معها باعتبارها عاملا "مقللا" من قوة الوحدة الوطنية. وأضاف أن هذه الأنظمة حرمت الأقليات من التجمعات السياسية والثقافية، ومارست ضدهم أقسى عمليات الاضطهاد.

وعن الدور الذي لعبته ثورات الربيع العربي في إيقاظ هذه الأقليات، قال النشمي إن دور الربيع العربي كان معكوسا في بعض الدول -مثل سوريا وليبيا- التي كانت أنظمتها الدكتاتورية والشمولية تعطي هذه الأقليات بعضا من الحقوق، ولكن عندما سقطت هذه الأنظمة برزت على الساحة المليشيات المسلحة التي فرضت حكم القوة، وحرمت هذه الأقليات من أبسط حقوقها.

ولتحقيق صدقية رسائل التطمين بين الجانبين، دعا إلى أن تكون ممارسة الحكم في إطار دستور حقيقي يستفتى عليه الشعب، وأن يتم إعطاء الحقوق للجميع وعدم اللجوء إلى المحاصصات السياسية في الحكم، إضافة إلى تحقيق نوع من الرخاء الاقتصادي.

الطائفية الأميركية
من جهته، قال أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية سالم الأبيض إن الحساسية التي تصاحب إثارة موضوع الأقليات ليست مقصورة على المنطقة العربية، فهناك الكثير من الحساسية تصاحب إثارة الموضوع عند الحديث عن الأقليات في إقليم الباسك بإسبانيا ومناطق أخرى في مثل جزيرة كورسك في فرنسا.

وأرجع الأبيض الخوف في الوطن العربي من قضايا الأقليات إلى أنها كانت تستخدم من قبل الاستعمار عاملا لتفتيت الدول بدلا من أن تكون محفزة على الوحدة، ولكنه أشار إلى تجربة مختلفة تتمثل في حصول البربر والأمازيغ في المغرب على مكاسب كثيرة تمثلت في الاعتراف بلغتهم وأصبحت لهم مؤسسات أكاديمية ووسائل إعلام خاصة بهم.

وبحسب رأيه، فإن إحساس المواطن العربي بالاختلافات الثقافية لم يكن موجودا قبل دخول الأميركيين إلى العراق والذي سمح للطائفية والعرقية بالظهور، وضرب مثلا على ذلك بالثورة الجزائرية التي قادتها مجموعات تنتمي إلى العديد من الأقليات الشاوية والأمازيغية والبربرية ولم يشعروا بأنهم مختلفون، مشيرا إلى أن عراق صدام حسين وقف فيه "السني والشيعي والمسيحي والكردي جنبا إلى جنب دون تفرقة أو تمييز".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: واقع الأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي

مقدمة الحلقة: خديجة بن قنة

ضيفا الحلقة:

-   علي النشمي/مؤرخ وموسوعي عراقي

-   سالم الأبيض/أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية

تاريخ الحلقة: 5/7/2015

المحاور:

-   حساسية إثارة موضوع الأقليات

-   فكرة المساواة في الذهنية العربية

-   ميليشيات للأقليات

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا وسهلا بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلّط خلالها الضوء على أوضاع ومطالب الأقليّات العرقيّة والدينية في العالم العربي. مواطنة كاملة ومساواة تامة أمام القانون في الحقوق وفي الواجبات ذاك هو قطب الرحى في مطالب أقليات دينية وعرقية ما فتئت تؤكد أنها نبت أصيل في مختلف البلاد العربية وترى أن الوقت حان للتعامل معها بطريقة مختلفة، معاملة في الواقع تتقاطع في صنعها عوامل مختلفة تشق مجتمعات تستمر في البحث عن سبل التقدم والحداثة ودول نشأت إثر استقلال لم يستكمل فعليا بعد مما جعلها تتوجس من كل نزعة تطرح بعدا أقل من الدائرة الوطنية الجامعة فضلا عن أن يقود ذلك إلى حراك انفصالي يزيد المُقسّم انقساما وتقسيما، منطقان شكل الجدل بينهما أحد النقاشات التي أُثيرت في بعض من ساحات الربيع العربي.

[تقرير مسجل]

مريم أوبابيش: الأقليات الكبيرة في الوطن العربي صراعات كامنة وناعمة لم تنفجر في أغلب الأحيان مجرد الحديث عن الأقليات في المجتمعات العربية كان ولعقود كثيرة من المحرمات لأنها مسألة تمس الوحدة الوطنية والاستقرار كما يزعم الحكام، اصطلح على تسمية مكونات بالأقليات وقد لا تكون كذلك من حيث العدد في بعض البلدان وتم تصنيفها على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر هناك الأمازيغ في شمال أفريقيا ومن يسمون في موريتانيا بالزنوج وأقباط مصر وأكراد العراق، ما يجمع هذه الأقليات وبالرغم من بعدها الجغرافي واختلافها هو الشعور بالتهميش والاضطهاد في بعض الأحيان خصوصا في أوج فكر القومية العربية، كانت المطالبة بالحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية تفسر في أحيان كثيرة على أنها بداية نزعة انفصالية يجب القضاء عليها مهما كان الثمن، ولم يكن التعايش دائما سهلا بين هذه الأقليات والمكون العربي، اتهامات متبادلة بالعنصرية وفشل لدى الطبقة السياسية في تحقيق المطالب الثقافية والاجتماعية للأقليات وعدم دفعها إلى النزعة الانفصالية الكامنة لدى البعض والمعلنة لدى آخرين، اعتقد كثيرون بعد الربيع العربي والحديث عن المواطنة بحرية أكبر أن صفحة جديدة ستُفتح بين الأنظمة الحاكمة والأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي، صحيح مثلا أن أمازيغ المغرب وليبيا حققوا بعض المكاسب الثقافية بعد الربيع العربي لكن ذلك لم يكفي لإصلاح عقود من التهميش والسياسات الخاطئة، زنوج موريتانيا قنبلة موقوتة ما لم يتم الاعتراف بحقوقهم الكاملة ودخولهم الجيش وإلغاء قانون العفو لعام 93 علاقة أقباط مصر بالحكام كانت وما تزال تخضع لتوجه الحاكم حالة شد وجذب كثير ما تكون فيها الكنيسة ورقة تستغل داخليا وخارجيا، أما أكراد العراق وبعد سنوات من الصراع والتهجير في أيام صدام حسين فقد نجحوا في تحقيق حلم كردستان حتى وإن كان رسميا هو إقليم فيدرالي تابع للحكومة الاتحادية في بغداد بيد أن لا أحد يستبعد أن تتوسع حدود إقليم كردستان ويتغير المسمى يوما إلى دولة وسط مخاوف تركيا وغيرها من حدوث ذلك، أين تكمن المشكلة في العلاقة بين الأقليات والأنظمة في عدم الاعتراف بالحقوق الكاملة للأقليات أم في الاعتقاد بأن الاعتراف سيمهد الطريق لمطالب سياسية مرفوضة سلفا، ما الذي تريده الأقليات فعلا؟ تصحيح أخطاء الماضي المرتبطة بالهوية أم تسييس المطالب الثقافية لغاية ما، العلاقة شائكة وتحكمها ظروف إقليمية تساعد على تهدئتها وتأجيجها، أما السياسة المسكنات التي تمارس فقد لا تمنع يوما صداعا يؤدي إلى تصدع أسوار وحدة وطنية تحتاج فيما يبدو لمقاربة جديدة.

[نهاية التقرير]

خديجة بن قنة: ولمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من بغداد الدكتور علي النشمي المؤرخ والموسوعي العراقي وينضم إلينا من تونس الدكتور سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، نرحب بضيفينا من بغداد ومن تونس وابدأ معك أستاذ علي النشمي في بغداد، من وجهة نظر أكاديمية هل يوجد خلاف أو جدل برأيك في تعريف مفهوم الأقليات عامة وفي السياق طبعا السياق العربي خاصة؟

علي النشمي: لا بالتأكيد هذه التسمية لا تنطبق كثيرا على الواقع العربي ولو خصصناها في العراق فهي لا تنطبق فهم يسمون بالمكونات الأساسية في المجتمع لأن هؤلاء الناس هم كانوا أهل البلاد الأصليين وأهل الأرض الأصليين دينا كانوا أو قومية كان أو عرقا كان أو ثقافة أو فلكلورا وبالتالي الغلبة أصبحت للعرب بعد الفتح الإسلامي ولذلك فإنهم أصبحوا أقلية في عدد السكان ولكنهم لا يعنون أقلية في الوجود السياسي والثقافي والحياتي وبالتالي يجب أن تتغير هذه الكلمة ونعتبرها كلمة استفزازية ولذلك نحن سعينا في العراق..

خديجة بن قنة: ما البديل لها ما البديل لها إذن؟

علي النشمي: المكونات الأساسية الأصلية عفوا المكونات الأصلية في هذا البلد يعني عنا نحن في العراق لا نسميهم المسيحيين نسميهم المكون الأصلي والأكراد أيضا كذلك والشبك وأيضا الأزيدية وأيضا الصابئة وهم أقوام عراقية قديمة احتفظت بأديانها القديمة وبأعراقها القديمة منذ سبعة آلاف سنة أو ست آلاف سنة وبالتالي الوجود العربي يعتبر..

خديجة بن قنة: نعم لكن ربما مصطلح الأقلية لا يشير إلى الأصل بقدر ما يشير إلى العدد يعني مسألة عددية أكثر منها مسألة نوعية.

علي النشمي: هذا المفهوم أخذ طابعا سياسيا يعني عندما تقول أقلية أن هنالك أكثرية وهذه الأكثرية لها حقوق أكثر وبالتالي لأنهم أكثرية ومنتشرون وبالتالي فإن لهم حق سياسي في ذلك الأرض وبالتالي هم الذين يحكمون وبالتالي هذه التسمية أخذت لها بُعدا نفسيا سياسيا وانعكست على الممارسات وأصبح هنالك مواطن من الدرجة الأولى ومواطن من الدرجة الثانية، المواطن من الدرجة الأولى هو يمثل الأكثرية والمواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة يمثل أقلية وبالتالي أصبح له بُعدا سياسيا بينما في الدول الديمقراطية تختلف هذه التسمية عفوا.

حساسية إثارة موضوع الأقليات

خديجة بن قنة: نعم على ذكر البعد النفسي والسياسي دكتور سالم الأبيض لماذا عندما يُثار موضوع الأقليات يُثار بهذا الكم من الحساسيات هل هو لأسباب ثقافية هل هو لأسباب سياسية لماذا ترجعه؟

سالم الأبيض: هو في واقع الأمر الخوف من إثارة هذا الموضوع كان في سياق سياسي مختلف عن السياق السياسي الذي نعيشه اليوم في الوطن العربي بصورة عامة وهذه الحساسية هي غير مقتصرة على هذه الرقعة الجغرافية التي يعيش فيها العرب لأننا نحن نعرف أن هذا الموضوع يثار بحساسية كبيرة في فرنسا عندما نتحدث مثلا على قضية الكورس جزيرة الكورس التي تريد الانفصال وإقامة كيان سياسي ويقع التعامل معها بحساسية فيما يتعلق بالباسك وهي أقلية مشتركة بين فرنسا وأسبانيا وتعالج بنوع من العنف والتكتم في الآن نفسه ونحن نعرف أن جزءا من السكان في شمال فرنسا كذلك عندما طالبوا بحقوقهم اللغوية وقع قمعهم ولم يقع الاعتراف لهم بذلك وبالتالي هي قضية غير مقتصرة على الوطن العربي ولكن نحن نعرف أن في الفترة الاستعمارية القوى الاستعمارية التقليدية فرنسا وبريطانيا وحتى بعد ذلك لما جاءت الولايات المتحدة الأميركية في كثير من الحروب استخدمت بعض هذه الأقليات لتنفيذ يعني أغراض استعمارية معينة وجعلتها كيانات مُبجلّة ولربما من هذا الإرث الاستعماري جاءت هذه الحساسية لأننا نحن نعرف مثلا أنه في المغرب مثلا الأمازيغ أو البربر يتمتعون بامتيازات كبيرة منذ زمن طويل ووقع الاعتراف لهم ولديهم إذاعات ولديهم معناها مؤسسة أكاديمية ثقافية هي المؤسسة الثقافية الأمازيغية أو الأكاديمية الثقافية الأمازيغية في المغرب، في الجزائر وقع الاعتراف لهم باللغة في الدستور، في المغرب وقع الاعتراف لهم باللغة في الدستور يعني هنالك..

خديجة بن قنة: هل هذا كافٍ برأيك؟

سالم الأبيض: مكاسب كثيرة وحقوق تحصلت عليها هذه المجموعات، وقبل أن أتحدث فيما هو كافي أو غير كافي دعينا نفصل القول في أن هذه المجموعات من أين يتأتي مصدر يعني نسبيا الاختلاف هي تشعر أنها مجموعات مضطهدة ولكن التحليل اليوم السيسيولوجي والإنثربولوجي المعاصر، أنا أعطيك مثلا كتابا صدر في السنوات الأخيرة في بريطانيا للقدروائي وهو عنوانه ترجم إلى العربية الخشية من الأعداد الصغيرة يقول هذا الكتاب أن الأقليات يعني متأتية من فكرة الاضطهاد ولكنها هي تتحول نفسها فيما بعد إلى هويات مفترسة لأنها تتغول على الكيان الوطني وعلى الدولة ومن هذا المصدر يأتي الخوف في الواقع من الأقليات في الوطن العربي لأنها تستخدم في التفتيت بينما في مجتمعات أخرى تستخدم في الوحدة وفي تقوية الكيان السياسي الموحد، ومن هذه الزاوية معناها يصبح مشروع هذه الخشية من استعمال هذه الأقليات وهذا ينعكس سلبيا كذلك على هذه الأقليات من الناحية اللغوية ومن الناحية الدينية.

خديجة بن قنة: نعم دكتور علي النشمي هل هي فعلا مضطهدة؟

علي النشمي: نعم الأقليات في الوطن العربي مضطهدة يكفي الآن وجهة النظر التي أسمعها من زميلي في تونس تعبر عن نظرية وجهة نظر سياسية وهي أنه يجب أن يكون للأغلبية الموقع الريادي السياسي وغيرها ونعطيهم لغة ونعطيهم أشياء معينة ولكن هم مكونات أصلية يجب أن يأخذوا كل ما يأخذه الآخرون ويجب أن لا تكون هناك أي تفرقة وبالتالي حصلت وأيضا في تاريخنا عندما بدأت ما يسمى بالأحزاب القومية.

خديجة بن قنة: ما هي أوجه التفرقة ما هي أوجه التفرقة التي تتحدث عنها؟

علي النشمي: التفرقة أولا عندما أصبحت هنالك أنظمة قومية في البلاد العربية خصوصا في العراق في سوريا في أنظمة كثيرة عوملت هذه الأقليات بأنها ليست عربية وبالتالي فهي عنصر مضعف أو مقلل لقيمة الوحدة الوطنية يعني مثلا كان العراق يُعتبر بأنه أحدى عوامل ضعف البناء القومي في العراق هو وجود الأكراد ووجود المسيحيين ووجود الأقليات الأخرى وبالتالي عوملت بطريقة معينة لهذا كان لا يوجد لديها أي تجمع ثقافي وأي تجمع سياسي، أي تجمع سياسي عندما يبرز للمطالبة بهذه الأشياء البسيطة أو يطالب بتوجهات ثقافية معينة ينعت بأنه يسعى لتخريب البلد وأنهم عملاء وغيرها وبالتالي تمارس عليهم أقصى عمليات الاضطهاد وبالتالي حصلت وقتل كثير وبالتالي لم يُسمح..

خديجة بن قنة: يعني ألم ينالوا حقهم عندما تؤخذ على سبيل المثال تجربة الأكراد في العراق حصولهم على الحكم الذاتي في ظل طبعا الحكم المركزي للحكومة المركزية العراقية ألا يعتبر هذا في حد ذاته مكسبا بالنسبة للأكراد مثلا.

علي النشمي: لا بالعكس الآن الأكراد هم مضطهدين للآخرين يعني بالتأكيد الآن الأكراد أخذوا أكثر من حقهم الآن، الأكراد هم دولة مستقلة عن المركز سياسيا وحياتيا وحتى اقتصاديا، الشيء الوحيد الذي يربطهم في بغداد هو أنهم يأخذون 17 بالمئة من الميزانية وبالتالي الموضوع نتكلم نحن ما قبل الاحتلال الأميركي يعني قبل ذلك كان كيف يتعامل معهم النظام أما في الوقت الحاضر لا هنالك نظام دستور ديمقراطي كل الدساتير العربية على فكرة تمتاز بكلماتها الحلوة وبأشياء رقيقة وتعبر عن نهج إنساني ولكن الفرق كبير جدا بين النظرية والتطبيق، الحقيقة نحن نتحدث عن الاضطهاد الذي أصاب الأقليات خلال الأنظمة الدكتاتورية والأنظمة الشمولية أما في الأنظمة الديمقراطية لا اعتقد هذا الشيء، العراق الآن حالة مختلفة الآن أقوى اضطهاد للأقليات ولكن ليس اضطهاد سلطة ولا اضطهاد دستور الاضطهاد اضطهاد إرهاب اضطهاد صراع معين ناتج عن الاحتلال عن أشياء أخرى كثيرة.

فكرة المساواة في الذهنية العربية

خديجة بن قنة: لكن ربما المشكلة ربما المشكلة تكمن في ذهنية المواطن العربي نفسه دكتور سالم الأبيض بوصفك باحثا اجتماعيا أليس في ذهنية الإنسان العربي ما جعل فكرة المساواة مع الأقليات فكرة صعبة التحقيق على أرض الواقع؟

سالم الأبيض: لا هو المواطن العربي بصورة عامة لا يشعر بهذه الاختلافات كثيرا في الواقع في السابق إلى حدود يعني تقريبا مجيء القوات الأميركية إلى العراق واحتلالها سنة 2003 تقريبا هذه الأشياء لم تكن مُثارة بالعمق نفسه التي هي مُثارة عليه اليوم وأنا أعطيك أمثلة مثال في الجزائر عندما وقعت الثورة الجزائرية قادة الثورة الجزائرية فيهم الكثير يعني ينتمون إلى الشاوية وينتمون إلى الأمازيغية والبربرية والقبائلية لم يشعروا ولم يتفطنوا يوما أن هم يعني لهم اختلافات مع الانتماءات الأخرى العربية أو الغير عربية ولما جاءوا إلى الدولة مع بن بلا أو بو مدين أو غيرهم كانوا أغلب معناها كوادر الدولة الجزائرية يعني في فترة الاستقلال فيهم الكثير يعني من الأصول الأمازيغية والبربرية والشاوية، وحتى في العراق نفسه في زمن صدام حسين أنا اعتقد أنه في ذلك الوقت في هياكل الدولة لم يشعر بغض النظر عن تقييم النظام أنه ديكتاتوري أو غير ديكتاتوري هذا قضية سياسية أخرى وإنما نتحدث عن قضية الإثنيات والأقليات في تلك الفترة كان المسيحي إلى جانب الشيعي إلى جانب الكردي إلى جانب السُنّي في هياكل الدولة العراقية ولا أحد يشعر بذلك ولكن هذا موضوع مثلا مسكوت عنه في إيران في حين أن في وقت من الأوقات في العراق في زمن حتى ما قبل الأميركان كان هنالك نوع من الكيان الذاتي يعني للأكراد بغض النظر إن كان لك مرضيا لهم أو غير مرضي ينسجم مع حدود الحقوق التي يطالبونها أو لا ينسجم ولكن مثلا في إيران لا يقع الحديث عن الأكراد أو عن الأهواز العرب في تركيا مثلا وقعت صياغة نظام انتخابي يمنع الأكراد من الوصول إلى البرلمان واخترقوه وهذا النظام ما يسمى بحد ال10 في المئة اخترقوه إلا في الانتخابات الأخيرة يعني الأكراد أنا اعتقد أن هذه المسألة هي مسألة شاملة ويوجد.

خديجة بن قنة: لكن هذا لا ينفي وجود تمييز كما ترى الأقليات في العالم العربي تمييز بحق الأقليات أنت دكتور سالم الأبيض ذكرت بعض الأمثلة من المغرب العربي هؤلاء الأمازيغ أنفسهم يعانون من التهميش ومن التمييز خصوصا في فترة المد القومي والدولة القومية وطبعا الغلبة كانت دائما للعرق العربي تفضل.

سالم الأبيض: أنا قمت بدراسة، لا في تونس لم تكن هناك دولة قومية، في تونس قضية العرق العربي هذه قضية غير موجودة وحتى في منطقة الأقليات في التعريفات السيسيولوجية والإنثربولوجية الحديثة لا تتحدث على الأعراق وإنما تتحدث عن كيانات ثقافية وهذه الرقعة الجغرافية العربية كانت رقعة جامعة جمعت فيها العرب والأكراد والبربر والأفارقة السود الزنوج والنوبيين وغيرهم وجمعت المسلمين والمسيحيين وجمعت داخل المسلمين السنة والشيعة وداخل الشيعة نجد الزيدية ونجد الإسماعيلية ونجد الإثنا عشرية، يعني هذه التكوينات كلها كانت موجودة ومتعايشة ولم يكن هناك مشكلة، الأقباط في مصر نفسهم شاركوا في ثورة 1919 بقيادة عُرابي وكان لهم دورا متميزا حتى في فترة الفترة الناصرية، هذه كلها نعرات أُثيرت في فترات لاحقة وكانت الغاية منها ليست إعطاء حقوق إلى هذه المجموعات، نحن نسعى ونتمنى أن تُعطى هذه المجموعات حقوقها في ظل المواطنة حقوقها الثقافية وحتى السياسية ولكن في إطار الاندماج في المجتمع الواحد وفي الدولة الواحدة وليس في إطار التفكيك، نحن نعرف مثلا في الولايات المتحدة الأميركية هناك 36 مليون إسباني لا يتكلمون الإنجليزية ويمارسون حقوقهم ولا أحد يطالبهم بأن يكونوا قادرين على حفظ الإنجليزية واستعمالها لماذا في الولايات المتحدة الأميركية لم تثر مثل هذه القضية.

خديجة بن قنة: طيب أستاذ علي النشمي نعم دكتور علي النشمي هل نعم.

سالم الأبيض: وفي الوطن العربي وهي بقايا دول نحن نعيش نحن بقايا دول تكاد تنهار يعني نريد أن نحافظ على هذه الدول لأن الحد الأدنى لاستمراريتنا وإلا سنتحول إلى مجموعات..

ميليشيات للأقليات

خديجة بن قنة: طيب هذه الدول العربية منها من انهار يعني منها من انهار في الربيع العربي الآن يعني دكتور علي النشمي الربيع العربي والنفس الذي أعطاه لهذه الأقليات لتطالب بحقوقها هل تعتقد أن الربيع العربي كان له دورا كبيرا في مد هذا النفس للأقليات في دول العالم العربي.

علي النشمي: نعم مد هذا الشيء ولكن بالتأكيد هو كان معكوسا في مناطق كثيرة وخصوصا أصاب التغيير مناطق كثيرة وخصوصا في سوريا وفي مناطق كثيرة وفي ليبيا أصبحت معكوسة لماذا لأن كانت السلطة المركزية تريد الاستحواذ على القوة وبالتالي الكل كانوا تحت سلطتها ولا حركة ولا تحريك إلا من خلال السلطة وبالتالي هذه الخيمة القوية الدكتاتورية كانت تعطي شيئا من الحماية للأقليات لكن عندما ظهر الربيع العربي سقطت هذه الأنظمة الدكتاتورية والشمولية وبالتالي ظهرت الأقليات صاحبة الميليشيات يعني نحن في العراق مثلا عندما انتهت تلك السلطة التي كانت مسيطرة على الكل ومضطهدة الكل الآن ما الذي ظهر؟ المسيحيون ليس لديهم ميليشيات، الأكراد لديهم ميليشيات، بعض الأحزاب الأخرى السنية والشيعة لديها ميليشيات، وبالتالي هذه اللي سيطرت من الذي اضطهد الشبك ليس لديهم ميليشيات والصابئة والمسيحيين ولذلك نحن نتحدث عن واقع عملي وليس واقعا فكريا الأستاذ الذي تحدث من تونس يعني يعجبني كثيرا ولكن يتحدث بنفس الإعلام يعني يتحدث عن العراق والوطن العربي وكأنما ربيع وكأن الأنظمة قائمة بواجبها إذن لماذا نتحدث عن الأقليات ودائما أي شيء ما يخص الأقليات هي مؤامرة خارجية ويجب أن تعالج بالقوة، الجواب كلا هنالك أقليات كما تسميها وأنا أسميها مكونات أصلية لها حقوق هذه الحقوق ضربت، في الجزائر بومدين قصف الأمازيغ بالطائرات وهذه معروفة والدبابات، في العراق في 33 الجيش العراقي سحق الآشوريين وصدام حسين ضربهم بالكيماوي، أيضا حافظ أسد ضربهم، هنالك كانت عملية إبادة وكانت عملية قتل بالإضافة إلى أن هذه المكونات لم يسمح لها بإقامة أي تنظيم سياسي واجتماعي وبالتالي كان اضطهاد الشعوب عندما تطالب بحقوقها ليست مؤامرة ليست دائما ننعتها أنها أدوات بيد الغرب ومن أجل شق وحدة الصف الوطني وغيرها، الجواب كلا صح هنالك بعض الأقليات تدخل ضمن هذا السياق وتغذيها بسبب الاضطهاد ولكن حقيقة هنالك مطالب هنالك حقوق الديمقراطية هي الحل في هذا المجال.

خديجة بن قنة: طيب في هذه الحالة دكتور سالم الأبيض لماذا يغيب الحوار لحل مشكلة الأقليات في العالم العربي؟

سالم الأبيض: شوفي سيدتي ما هو راسخ اليوم في ذهن المواطن العربي من تحرير بين ظفريين أضع الكلمة بين معقفين من تحرير ما يسمى بالربيع العربي لهذه الأقليات هو البيع بالمزاد العلني في سوق النخاسة لليزيديات والمسيحيات في العراق مثلا وفي سوريا، هذه الصورة هل ستعطي يعني علامة جيدة للمواطن العربي لكي يتعاطف مع هذه القضية، القضية تتعلق بالدولة الدولة كانت تحمي نحن لا نفرق الآن بين النظام والدولة في هذا الحوار، الدولة هي الكيان الجامع وتمارس وهي الوحيدة التي تحتكر العنف الرمزي ..

خديجة بن قنة: نعم هذا بالنسبة للدولة لكن اضطهاد الأقليات أصبح يمارس أيضا ليس فقط على يد الدولة ولكن أيضا على يد تنظيمات متطرفة كما يحدث مع تنظيم الدولة الإسلامية واليزيديين تفضل.

سالم الأبيض: لا لا دقيقة دقيقة إذا كانت دقيقة واحدة، لا لأن الدولة انهارت ظهرت التنظيمات المتطرفة لأن الدول انهارت وحلت محلها الميليشيات ونعم أنا اتفق مع زميلي من العراق في أن هناك ميليشيات قد حلت محل الدولة لأنه وقع ضرب للدولة، الدولة هي في الواقع لا تمارس العنف على الأقليات في بعض الأحيان فقط وإنما تمارس العنف كذلك حتى على الأكثرية وعلى تنظيمات سياسية وعلى أحزاب وهي تقع صراعات وبالتالي هنا الدولة تحتكر العنف فهذا مفهوم تاريخي للدولة، من هذه الزاوية الدولة تحمي الأقليات من حق الأقليات أن تطالب بحقوقها في المواطنة، أنا أعطيك مثلا قمت بدراسة حول البربر في تونس ونشرت هذا في كتاب الأقلية البربرية في تونس ووجدت أن المناطق التي كان موجودا فيها نوعا من التخلف التنموي وفيها بعض مناطق بعض السكان من أصول بربرية كانت متخلفة لأن هناك موقفا من الدولة المركزية منها تاريخيا ليس لأن سكانها بربر لأن هناك مناطق أخرى أكثر تخلفا تنمويا سكانها ليسوا من أصول بربرية وإنما من أصول عربية وبالتالي هذه القضية في رأيي لا يجب أن تعالج بهذه الطريقة نحن يجب أن نحافظ على الدولة كمشترك بيننا وداخل الدولة يمكن أن نقيم المواطنة والتعدد والأحزاب والحقوق الثقافية والحقوق اللغوية أما الدولة بالنسبة للأقليات..

خديجة بن قنة: طيب هل هذا ممكن أستاذ علي النشمي.

سالم الأبيض: وإقامة دويلات وكيانات فهذا لا معنى له هو تفتيت هو تدمير لهذا الكيان أكثر منه يعني منح حقوق لهذه المجموعات.

خديجة بن قنة: طيب هل هذا ممكن أستاذ علي النشمي أن يكون هناك رسائل تطمين من الطرفين لأن هناك اضطهادا كما اتفقتما هناك اضطهاد على الأقليات لكن هناك أيضا تهويل من طرف الأقليات لحجم الاضطهاد الذي يمارس ضدها، رسائل تطمين من الطرفين هل هذا يمكن أن يؤدي إلى مساحة حوار بين الطرفين.

علي النشمي: لا بالتأكيد هذا يكون ضمن وجود دستور حقيقي دستور يكونه الشعب ويستفتى عليه الشعب بعد ذلك يقام نظام برلماني هذا النظام البرلماني يكون كله أقليات بالإضافة إلى أن تكون السلطة والقوة لدى الدولة، في هذه الحالة ومع ذلك تكون قضية إعطاء الحقوق والواجبات لكل إنسان لا فرق وتنتهي المحاصصات الحزبية والإثنية وغيرها، في هذا الجو أوتوماتيكيا مع وجود رخاء اقتصادي على فكرة رغم كل هذه الأشياء الجميلة أتحدث عنها دستور جميل برلمان رائع تطمين وغيرها بوجود انهيار اقتصادي كل شيء يمكن يحصل، الميليشيا تتكون التطرف يتكون الاعتداء يتكون كل شيء يتكون ولكن بوجود هذه الأرضية الفكرية مع وجود رخاء اقتصادي يساعد على بناء هذه الأشياء بالتأكيد كلها تتكون يعني حتى الحوار..

خديجة بن قنة: نعم أستاذ في دقيقة أستاذ سالم الأبيض في الدقيقة الأخيرة لو كنت يعني أحد قيادات تلك الأقليات وعايشت كل هذا الجدل ما هي الخطابات الممكنة للمكونات الأغلبية طبعا نتحدث عن الغالبية في العالم العربي المكون الغالب هو المكون العربي.

 سالم الأبيض: الأقليات لأ نعم المكون الغالب هو المكون العربي ولكن في ظل المكون العربي تاريخيا عاشت هذه الأقليات واندمجت وهناك قادة تاريخيين معناها قادوا حروب كبيرة وغزوات كبيرة مثل صلاح الدين الأيوبي وهو من أصول يعني كردية ولكن لم يكن يختلف في المشروع العربي كمشروع حضاري ثقافي جامع وشامل يمكن أن يضم هذه الثقافات وكذلك المشروع في المغرب العربي عندما أقام معناها طارق بن زياد بالفتح التاريخي الذي قام به حسب الرواية التاريخية، كذلك لم ينظر إلى المسألة على أنه كان ينتمي إلى عنصر أقلي بربري يصارع، هناك مشروع جامع حضاري هذا المشروع الجامع الحضاري يمكن أن نتعايش فيه الجميع ويتواصل ونحن في مجتمعات فيها ثقافة سياسية جديدة فيها ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة والمشاركة والتداول على السلطة ويمكن لهذه المجموعات أن تنال حقوقها في ظل هذا المشروع الوطني والعربي الجامع والشامل.

خديجة بن قنة: شكرا شكرا لك دكتور سالم الأبيض أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية من تونس ونشكر أيضا ضيفنا من بغداد الدكتور علي النشمي المؤرخ والموسوعي العراقي أطيب المنى وإلى اللقاء.