ليس جديدا صراع الأجنحة في حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري، لكنه هذه المرة يأخذ منحى جديدا في التحضير لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.

مناصرو الحزب يرون أنه يستكمل دوره الريادي، فهو ابن جبهة التحرير التي تأسست منذ حرب استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1954، وأصبحت نموذجا لحركات التحرر في العالم.

أما منتقدوه فيرون أنه انحرف عن مساره وفرط في رصيده التاريخي وأصبح عائقا أمام الديمقراطية.

تصاعد وتيرة الصراع بين أجنحة الحزب بدت أكثر وضوحا في المؤتمر العاشر الذي انعقد في مايو/أيار الماضي، وتجدد فيه الاستقطاب بين مناصري الأمين العام للحزب عمار سعداني وبين مناصري رئيس جهاز المخابرات الذين طالبوا برحيل سعداني.

يذكر أن الخلاف بين الرجلين (أو مركزي النفوذ) يمتد منذ عام مضى، وكال فيه سعداني اتهامات للمخابرات بالفشل في ملفات عديدة.

غير أن الأمر أشمل من ذلك، وهو ما حاولت حلقة 10/7/2015 من "الواقع العربي" كشفه من خلال تسليط الضوء على حزب جبهة التحرير الذي يمسك بمفاصل المشهد السياسي عبر حيازته أغلب مقاعد البرلمان، اعتمادا على ما يسميها "الشرعية الثورية".

حزب الدولة
الباحث الجزائري زهير الحامدي قال إن جبهة التحرير ليست هي حزب جبهة التحرير، فالجبهة التي قادت حرب الاستقلال ضمت طيفا سياسيا موحدا تحت هدف واحد هو الخلاص من الاستعمار. أما حزب الجبهة فهو كيان مهيكل وظيفته أن يضفي الشرعية وأن يلعب دور الأداة للدولة.

فقد كان الحزب -حسبما يضيف- زمن الرئيس هواري بومدين ضعيفا لأن السلطة كلها تمركزت بيد بومدين. أما في عهد الشاذلي بن جديد فأصبح الحزب أداة.

ومضى الحامدي يقول إنه لا توجد في المنظومة السياسية الجزائرية شفافية، وإن الصراعات المتوافرة هي بين ثلاثة أركان: الرئاسة والمخابرات والقيادة العامة للجيش.

هذا على مستوى الجبهة التي تحكم البلاد، لكن الحامدي يشير إلى أن معظم الأحزاب هي نسخ من جبهة التحرير ولا يوجد فرق جوهري بينها.

وحذر المتحدث من بروز ظاهرة رجال الأعمال الذين يصوغون الأجندة السياسية، معتبرا هذا مؤشرا سلبيا يذكر بطبقة رجال الأعمال في مصر الذين قادوا الحزب الوطني ودفعوا إلى ثورة 25 يناير.

انشقاق عن المجتمع
من جانبه قال الكاتب والإعلامي الجزائري نصر الدين بن حديد إن العشرية السوداء (الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1992) أفرغت الأحزاب من دورها الفاعل.

ومن وجهة نظره فإن الجزائر ديمقراطية شكليا، بينما في واقع الحال تعيش الأحزاب حالة انشقاق عن المجتمع، فأكثر من 70% من الجزائريين شباب وهؤلاء لا يجدون أنفسهم في التشكيلات السياسية الراهنة.

وانتقد بن حديد تحول حزب جبهة التحرير بعد العشرية السوداء إلى مزاج الأحزاب الإسلامية، فهو يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء وهذا أشد "إسلامية" من حركة النهضة في تونس التي لا تمنع الاختلاط، بل إن حزب الجبهة لا يضع صور المرأة على ملصقاته.

وحول صعود طبقة رجال الأعمال كنفوذ في الحزب، قال إن القرار أصبح خارج الحزب الذي أصبح -والكلام لبن حديد- صدى لما يأمر به رجال الأعمال الذين يريدون موطئ قدم لهم في المشهد السياسي.

اسم البرنامج: الواقع العربي                                     

عنوان الحلقة: حزب جبهة التحرير الجزائري.. الدهاليز والعلن

مقدمة الحلقة: خديجة بن قنة

ضيفا الحلقة:

-   زهير الحامدي/باحث وأكاديمي جزائري

-   نصر الدين بن حديد/كاتب وإعلامي جزائري

تاريخ الحلقة: 10/7/2015

المحاور:

-   أجنحة ثلاثة تحكم الجزائر

-   تغير طارئ في طبيعة الأحزاب السياسية

-   تداعيات سياسية متوقعة في الجزائر

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا وسهلا بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على الأزمة التي يمر بها حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر. يقول مناصروه إنه يستكمل دوره الريادي الذي تعود جذوره إلى حرب التحرير ضد المستعمر الفرنسي بينما يؤكد منتقدوه أنه انحرف عن مساره الصحيح وفرّط في رصيده التاريخي بل وتحول من باني الجزائر الحديثة إلى عائق لتقدمها نحو الديمقراطية الحقيقية، جدل يستمر في الجزائر حول الوضع الذي يمر به الحزب الحاكم حزب جبهة التحرير الوطني ذلك الحزب الذي يحوز أغلبية مقاعد البرلمان ويُمسك بمفاصل الدولة المنهمكة في أوضاع البلاد الصعبة مستنزفا في نفس الوقت بأزمات متلاحقة، يقول العارفون بالشأن الجزائري إنها وليدة صراع قيادات داخل الحزب لكل منها أجندة خاصة ونظرة مختلفة لما يجب أن تكون عليه جزائر المستقبل.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: بين نشأتها أواسط خمسينيات القرن الماضي والتئام مؤتمرها العاشر أخيرا أكثر من ستين عاما استأثرت خلالها جبهة التحرير الوطني بالمشهد الجزائري، إنها أشبه بالجناح السياسي لجيش التحرير الوطني الذي خاض معركة التحرر والاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي والتي اندلعت شرارتها في الأول من نوفمبر عام أربعة وخمسين وبالانتصار على فرنسا عام 1962 أصبحت الجبهة رائدة الثورة التحريرية ومن ثم قائدة جزائر الاستقلال، هيمنت الجبهة على مقاليد الحكم اعتمادا على شرعية ثورية لم تسمح بأي تعدد حزبي أو تداول على السلطة وقد ارتبطت سياسات تلك المرحلة على نحو وثيق بشخصية الرجل القوي الرئيس الراحل هواري بو مدين الذي قاد البلاد حتى وفاته أواخر عام ثمانية وسبعين أكثر من ارتباطها بجبهة التحرير الوطني، وإذا كانت حقبة بو مدين التي بدأت عام خمسة وستين بانقلاب على أحمد بن بلا أول رئيس للجزائر قد تميزت باستقلال القرار الوطني والتشدد مع فرنسا خاصة والحزم في الشأن الداخلي فإن مجيء خليفته الشاذلي بن جديد حمل بعض الانفتاح السياسي والاقتصادي مترافقا مع إعطاء الجبهة أهمية أكثر من ذي قبل في المشهد السياسي مكرسا في الآن نفسه هيمنتها كحزب واحد أوحد واجهت البلاد تحت قيادته أزمات واضطرابات خطيرة بلغت ذروتها في أحداث أكتوبر عام ثمانية وثمانين التي كانت عبارة عن احتجاجات شعبية طالبت بالإصلاح وقابلتها الدولة بالعنف مما خلف مئات القتلى والمعتقلين قبل أن يقر بن جديد إصلاحات بينها التعددية الحزبية وانتخابات بلدية اكتسحها التيار الإسلامي لكن الجيش الجزائري تدخل وأوقف المسار الديمقراطي أوائل 1992 لتدخل البلاد في أتون حرب أهلية دامية استغرقت عقدا ونيفا عُرفت بالعشرية السوداء وكلّفت الجزائر مئات الآلاف بين قتلى وجرحى ومفقودين، وبحثا عن الخلاص جرت انتخابات عام تسعة وتسعين وكانت تعددية انحصر محور التنافس فيها حول القدرة على إخراج الجزائر من مأزقها، وللمفارقة تصدرت جبهة التحرير الوطني نتائج الانتخابات أيضا حيث تولى السياسي المخضرم عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة محققا نجاحات في مشروعه للوئام الوطني وقد استمر في منصبه حتى الآن عبر انتخابات مثيرة للجدل، أما وضع الجبهة فبدا أكثر حساسية بظهور بعض خلافات قادتها إلى العلن إذ أُطيح بعبد العزيز بن خادم أحد أبرز قادتها وأقواهم وأشدهم قربا من بوتفليقة، صراع على النفوذ والأدوار لكنه أيضا قد لا يكون بمنأى عن صراعات الأجيال والأفكار في عالم سمته سرعة التحول والتغيير.

[نهاية التقرير]

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة في الأستوديو الدكتور زهير الحامدي الباحث والأكاديمي الجزائري وينضم إلينا من تونس الكاتب والإعلامي الجزائري المقيم في تونس نصر الدين بن حديد نرحب بضيفينا وابدأ معك هنا في الأستوديو دكتور زهير حامدي نتحدث عن حزب عريق حزب تاريخي في الجزائر حزب جبهة التحرير الوطني ما أسباب الأزمات المتلاحقة التي يعيشها هذا الحزب وأين قيم الحزب التي نشأ من أجلها.

زهير الحامدي: شكرا جزيلا والسلام عليكم، أولا يجب أن نفصل حتى نفهم يعني عمق الأزمة التي يعيشها هذا الحزب أن نفصل ما بين جبهة التحرير الوطني في خلال فترة حرب التحرير وما بين حزب جبهة التحرير الوطني الذي تحول إلى حزب ما بعد الاستقلال حيث في فترة حرب التحرير كان الجبهة تضم عدة تيارات من مشارب فكرية مختلفة كانت متحدة على هدف تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي أما ما بعد الاستقلال فقد تحولت هذه الجبهة إلى حزب مُهيكل وأصبحت أداة من أجل إضفاء الشرعية على النظام السياسي الذي نتج عن الأزمات الأولى من الاستقلال وهو طبعا معروف بالانقلاب الأول في تاريخ الجزائر اللي هو ضد الحكومة المؤقتة الجزائرية اللي كان قادها تحالف ما بين بن بلا والقيادة العسكرية على رأسها بو مدين ثم الانقلاب الثاني اللي هو في عام 1965 عندما أصبح الرئيس بو مدين هو الرئيس الفعلي للجزائر فمنذ هذه الفترة وخاصة بعد حكم الشاذلي بن جديد لأنه في فترة حكم بو مدين كان الحزب ضعيفا وكانت السلطة كلها بين يدي الرئيس بو مدين أما ابتداء من فترة عهد الرئيس الشاذلي بن جديد فقد أصبح الحزب يلعب دور أساسيا من أجل إضفاء شرعية على المنظومة السياسية الموجودة في الجزائر فأصبح أداة.

خديجة بن قنة: نعم لهذا أداة، أستاذ نصر الدين بن حديد يعني هذا الحزب الذي نشأ من أجل إنقاذ الجزائر هل أصبح أو تحول اليوم إلى أداة لإنقاذ النظام الحاكم وليس الجزائر برأيك.

نصر الدين بن حديد: مساء الخير تحية لك ولضيفك ولكل المشاهدين هو تحول إلى قاعدة أو مخبر أو هو أداة الفعل أو المطبخ لإنجاز السياسة الجزائرية وجب أن أعود إلى معطى تاريخ على قدر كبير من الأهمية وهي طبيعة النظام في الجزائر منذ 54 أي اندلاع الثورة الجزائرية حينها هذه الثورة انبنت على قطيعة ثلاثية قطيعة مع الاستعمار الفرنسي قطيعة مع النخب السياسية حينها وقطيعة هذه الأهم وربما سآتي إليه مع النظم السياسية أو الأشكال الحزبية القائمة حينذاك وكما قال الدكتور من الأستوديو هي جبهة عريضة زمن حرب التحرير من 54 إلى 62 اتخذت جبهة عريضة وجمعت كل الطيف الجزائري لكن 62 تحول كما قال الدكتور إلى حزب الدولة وهنا اذكّر بالحرب التي صارت في منطقة القبائل بين جبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية حينها كانت حربا معرفية أولا كما قال الدكتور هل هي جبهة التحرير التي وجب أن تواصل أم أنه تولد أحزاب أخرى، وصولا إلى نقطة مهمة وجب ذكرها وهي في 76 عندما بو مدين حوّل مجلس قيادة الثورة وهنا اعتراف ضمني بإفلاس الخطاب الثوري الجزائري إلى مجلس وزراء تقليدي ومن ثم وصولا إلى العصر الحالي حين أفرغت العشرية السوداء واعتبرت العشرية السوداء في الجزائر أخطر معطى على المستوى الحزبي والتنظيم الحزبي حين أفرغت العشرية السوداء الأحزاب من دورها الفاعل وصارت مجرد أوعية للإطار السياسي العام وأعود إلى سؤالكِ وأقول أن حزب جبهة التحرير الآن هو الوعاء هو المطبخ الذي يفعل فيه وهو مفعول به وليس فاعلا بالأكيد.

أجنحة ثلاثة تحكم الجزائر

خديجة بن قنة: طيب دكتور زهير حامدي يعني هناك علاقة واضحة بين أزمات حزب جبهة التحرير الوطني والمواعيد الانتخابية الكثيرة التي مرت بها الجزائر كيف يمكن تفكيك هذه العلاقة؟

زهير الحامدي: هو من الصعب تفكيك هذه العلاقة لأن كما أشار الضيف من تونس إنه هناك علاقة عضوية ما بين النظام السياسي وما بين حزب جبهة التحرير الوطني وعندما نتحدث عن النظام السياسي في الجزائر نحن لا نتحدث عن منظومة نستطيع أن نقول أنها أولا شفافة ولا نستطيع أن نتحدث عن منظومة أنها يعني هناك تيارا واحدا مهيمنا ويسيطر على الأجندة السياسية في الجزائر بل هناك عدة تيارات داخل هذه المنظومة ونستطيع أن نقول أن هناك نقسمها إلى ثلاث أجزاء الرئاسة المخابرات العسكرية والقيادة العامة للجيش وطبعا هناك دائما صراعات ما بين هذه الأجنحة الثلاثة الموجودة التي تمثل النظام السياسي في الجزائر وهذه الصراعات دائما تكون لها تداعيات على استقرار الحزب أي حزب جبهة التحرير الوطني، نستطيع أن نفصل فقط مرحلة واحدة من حياة حزب جبهة التحرير الوطني اللي حاول فيها الأمين العام السابق عبد الحميد مهري أن يعطي لحزب جبهة التحرير الوطني استقلالية عن المنظومة السياسية وهي المرحلة الوحيدة ولقد رأينا كيف انتهت هذه المرحلة.

خديجة بن قنة: ودفع ثمنا سياسيا.

زهير الحامدي: ودفع ثمنا سياسيا حيث تم الإعداد كما سمي آنذاك بالانقلاب العلمي وكانت هذه ممكن نقول النافذة أو الفترة الوحيدة التي يعني تمتع فيها الحزب بنوع من الاستقلالية..

خديجة بن قنة: بشيء من الاستقلال.

زهير الحامدي: أو أراد أن يستقر.

خديجة بن قنة: من الاستقرار تقصد.

زهير الحامدي: وأن يكون له موقفا سياسيا مختلفا عن أو غير مرتبط بالصراعات الموجودة داخل الأجنحة في النظام السياسي.

تغير طارئ في طبيعة الأحزاب السياسية

خديجة بن قنة: لهذا مهم جدا أن نعرف والسؤال للأستاذ نصر الدين بن حديد هل عندما نتحدث عن حزب جبهة التحرير الوطني نتحدث عن نسخة واحدة من هذا الحزب أم عن استنساخ أحزاب جبهة تحرير وطني أخرى لتحقيق مصالح يهدف إليها النظام الحاكم؟

نصر الدين بن حديد: نحن نتحدث عن مسمى واحد ولكننا نتحدث عن اسم واحد عفوا لكننا نشير إلى مسميات عديدة أزمة الجزائر في تعدد الرؤى لجبهة التحرير الوطني هي العلاقة الانفصامية بين ظاهر الأمر وباطنه، ظاهر الأمر عندما كان متوافقا مع باطن الأمر، كانت الدولة والجيش والمخابرات والحزب شيء واحد كتلة واحدة تنظيم واحد عقيدة واحدة فعل واحد تفاعل واحد، الآن إحدى أسباب وأعود إلى سؤالك هو هو الانفصام والانفصال الحاصل بين ظاهر الأمر وباطن الأمر، الآن الجزائر هي شكليا ديمقراطية هناك أحزاب هناك حياة سياسية عامة لكن توازنات داخل الدولة والتوازنات كما قال الدكتور بين الأقطاب الثلاث للسلطة الجزائرية يجعل أن هناك اسما واحدا وهو حزب جبهة التحرير الوطني ولكن بمعانٍ عديدة حتى داخل الحزب ذاته على المستوى التنظيمي هناك انشقاقات بين عيّاط وعمار سعداني ومن ثم نحن أمام تأويلات عدة هذه التأويلات موازين القوى الداخلية هي بحسب موازين القوى داخل السلطة وأساسا بحسب ما هو متنقل ومتبدل من موازين القوى من ثم علينا قبل أن نحدد عن أي جبهة تحرير نحكي أن نعد ونوثق مجمل التوازنات القائمة داخل الحزب داخل الدولة وداخل المجتمع الجزائري واعتبر وأعود وأؤكد أنه طبيعة النظام الجزائري وطبيعة الحياة السياسية في الجزائر وطبيعة الأحزاب السياسية تبدلت وتغيرت، والسؤال الهام والأكيد أي دور للأحزاب في الجزائر وخصوصا جبهة التحرير ذات المعطى التاريخي الذي أشرنا إليه.

خديجة بن قنة: يعني تتفق دكتور مع هذا الرأي إنه في نسخة واحدة من حزب جبهة التحرير الوطني رغم أن هناك سعيا لاستنساخ أو شق الصف واستنساخ أجنحة أخرى من حزب جبهة التحرير في سياق لعبة سياسية غامضة هل تتفق مع هذا الرأي؟

زهير الحامدي: أنا اتفق تماما مع هذا الرأي واستطيع أن أقول أنه معظم الأحزاب السياسية التي ظهرت على الساحة الجزائرية ما بعد أحداث أكتوبر 1988 والانفتاح السياسي الذي نتج عن هذه الأحداث بعد دستور فبراير 1989 ما كانت إلا نسخ كلونات من حزب جبهة التحرير الوطني ونستطيع أن نقول أن وللأسف الثقافة السياسية السائدة حاليا في الجزائر في حزب جبهة التحرير الوطني أو في معظم الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة الجزائرية هي نفسها الثقافة السياسية التي يعني الموجودة في حزب جبهة التحرير الوطني فلذلك لا يوجد فعلا فرق جوهري ما بين جبهة حزب جبهة التحرير الوطني ولن أقول الكل ولكن معظم الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة الجزائرية.

خديجة بن قنة:  طيب أستاذ نصر الدين بن حديد عندما نتحدث عن بلد مر عليه أكثر من خمسين سنة من الاستقلال 70 بالمئة من تركيبته السكانية من الشباب نتساءل عن غياب عنصر الشباب في هذا الحزب العريق الذي معروف في أدبياته يتحدث كثيرا عن تواصل الأجيال داخل الحزب هل هو وفيّ لهذه المبادئ في الواقع على ضوء الممارسة السياسية التي نشاهدها؟

نصر الدين بن حديد: لا شك أن الواقع الجزائري الآن يختلف عن أدبية هذا الحزب حاضرا وعلى الأقل في فترة الاستقلال، جزء كبير من الشباب الجزائري لا يجد نفسه في الطبقة السياسية الحزبية الفاعلة وإلا لما كانت أحداث أكتوبر 88 رغم جميع التأويلات التي جاءت بشأنها لكن وجب أن ننظر أساسا إلى أن كامل الطبقة السياسية كما قال الدكتور كامل الطبقة الحزبية الجزائرية هي في نوع من الانفصام أو الابتعاد أو الانشقاق عن الواقع الحزبي عفوا الواقع الشعبي الجزائري ومن ثم أعود وأؤكد أنه أزمة مجتمع جزائري قبل أن تكون أزمة أحزاب لكن وجب القول أنه  كما قال الدكتور في علاقة بين الأحزاب ببعضها البعض حزب جبهة التحرير الوطني بعد العشرية السوداء واختلاطه بالأحزاب الإسلامية صار أقرب إلى طروحات إسلامية اجتماعية مثلا حزب جبهة التحرير يمنع الاختلاط في اجتماعاته في عديد الجهات في الجزائر صورة المرأة لا تزال عورة في الملصقات الانتخابية وهو بهذا أشد محافظة وأكثر إسلامية بين ظفريين وأضع اللفظ بين ظفريين من حزب النهضة في تونس الذي يبيح التعدد يبيح الاختلاط في الاجتماعات ومن ثم تأثير المجتمع وتأثير المعطى الإسلامي خاصة بعد إبطال المسار الانتخابي في الجزائر والعشرية السوداء أصبح حزب التحرير على المستوى الشعبي أكثر ملائمة وأكثر براغماتية في التعامل مع الواقع المجتمعي منه عن الواقع السياسي الفوقي وبالتالي هناك جبهة تحرير ..

تداعيات سياسية متوقعة في الجزائر

خديجة بن قنة:  طيب على ذكر الواقع نعود إلى الواقع نعم أستاذ نصر الدين نريد أن نعود إلى الواقع الذي يعيشه اليوم حزب جبهة التحرير الوطني دكتور زهير هناك صراع شهده الحزب بين أقطاب معروفة بالخادم وسويداني هيمنة مؤسسة الرئاسة والرئيس عبد العزيز بوتفليقة، هناك دخول لرجال الأعمال أيضا على الخط وهناك خلافات كثيرة برزت في ضوء المؤتمر العاشر الذي انعقد مؤخرا في الجزائر كل هذا أين يضع الحزب ومستقبله؟ 

زهير الحامدي: والله المستقبل لا نستطيع أن نفصل مستقبل الحزب عن مستقبل الجزائر ككل وأظن أن الجزائر حاليا تمر بمرحلة صعبة جدا ومحورية والجزائر حاليا على مفترق طرق ونتائج المؤتمر العاشر الأخير لجبهة التحرير الوطني وللأسف أنا أرى أن هذه أن هذا المؤتمر سوف يعمّق الأزمة في الجزائر وأنه سوف يؤدي إلى تداعيات سياسية وممكن أمنية في المستقبل غير مرجوة بالنسبة لاستقرار الجزائر كدولة وكمجتمع فلذلك من الصعب أن نتنبأ عن مستقبل الحزب من دون الحديث عن مستقبل الوضع السياسي في الجزائر وموقع حزب جبهة التحرير الوطني حاليا في البرلمان مثلا ما هو إلا نتيجة لعدد من العوامل هو حاليا..

خديجة بن قنة: نعم تحدثنا عن الأسباب في البداية لكن نريد أن نتحدث عن واقع الحزب الآن ونتحدث عن المؤتمر العاشر يعني القيادات الغاضبة نقدت بشدة في هذا المؤتمر مسار الحزب نقدا لاذعا وأنه اُختطف ويسير بالبلاد إلى اتجاه مجهول.

زهير الحامدي: ولكن حزب جبهة التحرير الوطني اُختطف منذ أول يوم منذ الاستقلال وهو مختطف باستثناء  الفترة اللي تحدثت عنها اللي هي فترة عبد الحميد الأمين العام السابق عبد الحميد مهري رحمه الله فلا يوجد أي اختلاف جوهري أظن بين وضع الحزب حاليا ووضع الحزب سابقا إلا في نقطة واحدة والنقطة المهمة أو التطور المهم الذي حدث مؤخرا ولقد أشرت إلى ذلك هو دور قطاع الأعمال ورجال الأعمال حاليا على الساحة السياسية وفي الأجندة السياسية وفي صياغة الأجندة السياسية في الجزائر ولقد كان ذلك جليا في المؤتمر الأخير فهذا تطور أنا لا أرى أنه تطور إيجابي ولقد رأينا إذا أردنا أن نقارن مع التجربة المصرية مثلا كيف أن الدور المتنامي لرجال الأعمال في الحزب الوطني كيف أن هذا الدور أدى في النهاية إلى أحداث الربيع العربي في مصر وثورة يناير في مصر.

خديجة بن قنة: أستاذ نصر الدين دخول رجال الأعمال على الخط أين يأخذ الحزب برأيك؟

نصر الدين بن حديد: هو يأخذ الحزب إلى نوع من الزبونية وهذا معروف بالجزائر ويتم تداوله حتى داخل جبهة التحرير وخاصة من منتقدي الحزب اعتبر أنه تحول مركز ثقل الحزب من وسيط بين القاعدة والقمة وكمخبر يُعطي القيادات السياسية إلى مجرد وعاء يجعل منه آلة قابلة للاستعمال والآن طبقة سياسية أو عفوا طبقة مالية قوية في الجزائر تريد أن تجد موطئ قدم ضمن القارب السياسي وهذا كما قال الضيف الأستوديو شبيه بما سيجدّ في مصر مع اختلافات عديدة يجعل من الحزب هو وعاء أعود وأؤكد على ذلك وأعود وأؤكد على أن القرار السياسي لم يعد داخل الحزب، القرار السياسي أصبح خارج الحزب الحزب لم يعد شريكا فاعلا في اتخاذ القرار السياسي في البلاد، الحزب صار نوعا من الصدى لما يُقال وما يؤمر به ومن ثم اعتبر أن هناك أسئلة عديدة تخص حزب جبهة التحرير لكنها لا تخص فقط حزب جبهة التحرير تخص الطبقة الحزبية في البلاد، إذا كانت هي الوسيط بين القاعدة والقمة وكانت هي من يُفرز النخب السياسية حين تعطل هذا الدور وذاك أي دور أو أي مستقبل لجبهة التحرير وأي مستقبل للأحزاب السياسية في الجزائر أيضا.

خديجة بن قنة: طيب دكتور زهير يعني هناك من رأى أن الحزب أخذ مسار يعني أكثر حدة عندما يعني اشتد الصراع بين سيد علي بن فليس وعبد العزيز بوتفليقة علما أن علي بن فليس كان له موقعه البارز أيضا في حزب جبهة التحرير الوطني، هذا النوع من الصراعات هل كان سببا رئيسيا أيضا في هذا النوع من الأزمات التي يعيشها الحزب؟

زهير الحامدي: طبعا هو يعني سبب رئيس ومباشر لهذه الأزمات، جميع الأزمات التي مرت مر بها حزب جبهة التحرير الوطني كانت دائما مرتبطة بصراعات ما بين الأجنحة في النظام السياسي الجزائري وما دامت موجودة هذه العلاقة العضوية فسوف يشهد حزب جبهة التحرير الوطني أو سوف يكون حزب جبهة التحرير الوطني مرآة لهذه الصراعات الموجودة داخل النظام السياسي في الجزائر، وفيما يخص مستقبل الحزب إذا أردنا أن نعود إلى هذه النقطة أظن أنه الوضع السياسي أو الاقتصادي الموجود حاليا في الجزائر هو وضع يفتح الباب لتطورات سياسية واجتماعية في الجزائر قد تهز من سيطرة حزب جبهة التحرير الوطني على مقاليد السلطة حاليا في الجزائر إضافة إلى ذلك لقد رأينا أن هناك نوعا من العودة أو محاولة للعودة إلى الدور القيادي لحزب جبهة التحرير الوطني في الحياة السياسية في الجزائر وهذا من خلال برقية رئيس أركان الجيش إلى الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعيداني بعد المؤتمر العاشر وهذه يعني البرقية لديها دلالات سياسية أي أن هناك محاولة للعودة إلى فترة الحزب الواحد وطبعا أنا أرى شخصيا أنه كل محاولة للعودة إلى هذه المرحلة لا أظن أنها سوف تؤدي إلى الاستقرار في الجزائر.

خديجة بن قنة:  يعني هذا يقتل الأمل في أن نرى في المستقبل وجوها شابة من جيل الشباب تبرز داخل هذا الحزب لتأخذه إلى بر الأمان.

زهير الحامدي: هو حتى لو رأينا بعض الوجوه الجديدة لأن هناك محاولات من أجل إدخال بعض الوجوه الجديدة في الحزب وخارج الحزب ولكن سوف نلاحظ أن جميع هذه الوجوه الجديدة هي وجوه مرتبطة بالنظام ولا تمثل فعلا نقلة أو نقل المشعل ما بين الجيل القديم والجيل الجديد وأغلبية الشعب الجزائري.

خديجة بن قنة: نعم أستاذ نصر الدين نريد أن نختم بنظرة استشرافية للمستقبل كيف ترى مستقبل هذا الحزب يوضع في المتحف على الرف أم أن له ربما لو جُدّد بنفس شبابي سيكون له مستقبل زاهر؟

نصر الدين بن حديد: هو مرتبط بأمرين أمر سفلي وهو الحراك الاجتماعي الذي يتم في الجزائر وأمر فوقي هو خلاصة أو ما تذهب إليه النخبة السياسية من فرز قيادة سياسية جديدة وأقصد بذلك رئاسة الجمهورية من ثم بين هذين الحدين سيكون مستقبل الحزب لكن بالأكيد أنه هذا الحزب مُطالب بأن يُجري تغييرات عديدة أسوة بجميع الأحزاب الجزائرية التي قلت وأعيد أنها مجرد أوعية صارت للاستعمالات الفوقية من ثم لم يعد لها دور جماهيري ولم يعد لها دور حتى في صياغة القرار السياسي واختلف مع الدكتور في رسالة قايد صالح إلى سعيداني اعتبرها نوعا من الإنقاذ ونوعا من مد اليد ونوعا من النصرة بين ظفريين أكثر منه اعتراف بدور هذا الحزب كريادي وأكثر منه مجرد بحث عن عودة إلى نظام الحزب الواحد.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك الأستاذ نصر الدين بن حديد الكاتب والإعلامي الجزائري المقيم في تونس وشكرا للدكتور زهير الحامدي الباحث والأكاديمي الجزائري شكرا لك، وشكرا لكم انتم مشاهدينا على متابعة هذه الحلقة لكم منا أطيب المُنى وإلى اللقاء.