أثار مرور الذكرى السبعين لمجزرة 8 مايو/أيار 1945 الدموية التي اقترفتها فرنسا ضدّ شعب الجزائر في العديد من مدن البلاد، الكثير من الجدل حول حقوق عشرات الآلاف الذين سقطوا على يد القوات الفرنسية التي ردت بالرصاص الحيّ على تظاهرهم ومطالبتهم بحق بلادهم في الاستقلال والحرية.

وانتقد الكثير من المراقبين ما اعتبروها مزايدة باريس على الأتراك بإقامة احتفاليات تحيي ما تعتبرها فرنسا إبادة عثمانية للأرمن، ومواصلتها في الوقت ذاته إنكار المجازر الدموية التي قامت بها خلال استعمارها للجزائر، بل وترفض الاعتذار لضحايا هذه المجازر.

مواصلة انكار
مواصلة للرواية الفرنسية الرسمية المنكرة للمجازر، قال الرئيس السابق لجمعية قدامى الفرنسيين في الجزائر دالو هيغ إن معلومات جمعها من شهود عيان أوضحت أن النسخة الفرنسية تقول إن هناك مظاهرات نظمت بمناسبة النصر يوم 8 مايو/أيار 1945، وتحولت بشكل غير متوقع إلى مطالب بالاستقلال والتحرر، وحدثت إصابة لمحافظ شرطة وتم إطلاق بعض الرصاص، وجرت بعض الأحداث المؤسفة، لكنه أكد أن الأعداد التي ذكرت من الجانب الجزائري عن أرقام الضحايا مبالغ فيه.

غير أن هيغ أقر في حديثه لحلقة (9/5/2015) من برنامج "الواقع العربي" بأن ما حدث يوم 8 مايو/أيار "أحداث" سقط نتيجتها 3500 شخص، وأقر بأن هذا الرقم من الضحايا يعتبر كبيرا أيضا، ولكنه مع ذلك رفض الإجابة على سؤال حول الأسباب التي تمنع فرنسا من الاعتذار عن هذه المجازر، مشيرا إلى أنه ليس لديه صفة رسمية تخوله الحديث حول هذا الموضوع.

عشرات آلاف القتلى
في المقابل رفض الباحث السياسي الجزائري صلاح القادري رواية الضيف الفرنسي، وقال إنه يحاول أن يصنع رواية تاريخية من أحداث 8 مايو/أيار، وأضاف أن مقتل محافظ شرطة ليس مبررا لقتل 45 ألف شخص، مؤكدا أن بعض التقارير أوضحت أن نحو عشرين ألفا منهم قتلوا وهم في قراهم ولم يشاركوا في المظاهرات.

كما أشار إلى أن بعض المؤرخين الفرنسيين تحدثوا عن أرقام للضحايا تباينت بين 21 و35 ألفا.

وبشأن العوائق التي تمنع الدولة الفرنسية من الاعتراف بما جرى، قال القادري إن ذلك يتعلق بمسألة داخلية فرنسية وهي عدم صدق النظام السياسي والتيارات الإعلامية والسياسية النافذة، ودعا باريس إلى الاعتراف بهذه المجازر حفاظا على صورة فرنسا العدالة وحقوق الإنسان.

وطالب الباحث السياسي الضيف الآخر أن يخرج من "لعبة الأرقام"، مؤكدا أن الإنسان هو الإنسان، ويجب الاعتذار له حينما تحتل بلاده ويقتل ويشرد، وحذر من ازدواجية المعايير في النظر إلى الإنسان الأبيض أو الجزائري.

كما عبر القادري عن أسفه لفشل حكومة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في تمرير قانون يجرم الاستعمار، وأوضح أن هناك مسؤولية تقع على المجتمع المدني الجزائري الذي لم يضغط على حكومته ليحثها على ممارسة ضغوط مختلفة على الحكومة الفرنسية تجبرها على الاعتذار عن هذه المجازر، معربا عن قناعته بأن فرنسا ستعتذر للقوي الذي يقف في وجهها ندا لند.

الأرمن والجزائريون
وفيما يتعلق بالموقف الفرنسي مما تعتبرها مجازر ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن، مقارنة بما ارتكبته هي في الجزائر، رفض هيغ اعتبار الموقف الفرنسي من مجازر الأرمن ومجازر الجزائريين متناقضا، وقال إن المجازر ضد الأرمن سقط ضحيتها أكثر من مليون شخص وليس ثلاثة 3500 شخص، ودعا إلى "الاعتراف المتبادل بحدوث خروقات وانتهاكات".

واستنكر هيغ ممارسة فرنسا ضغطا على الأتراك فيما يتعلق بمجازر الأرمن، وأكد أن هذا الموقف لا يليق بمسؤولية فرنسا الأخلاقية، ودعا إلى أن يطرح السلام والوفاق بين الدول وأن يتم الاعتراف بشكل متبادل بالأخطاء التي وقعت هنا أو هناك.