يلاحظ المتابع للساحة السياسية في السودان تصاعد عزوف الشباب عن المشاركة في العمل السياسي، مبتعدا يوما بعد يوم عن الأدوار المتقدمة التي كان يؤديها في صناعة التحولات التي غيّرت في أكثر من محطة الوجه السياسي للسودان الحديث.

لم يعد الشباب السوداني الذي طالما وُصف بصانع الثورات الشعبية، شغوفا بأطر الأحزاب وطروحاتها نظرا لعدة أسباب من أهمها، ما يقول خصوم النظام السوداني إنه تضييق منه على الحريات وعلى فئة الشباب، قادهم إلى نوع من العزلة والزهد في النشاط الحزبي والطوعي، تَفصلهم في ذلك فجوة عن قيادات العمل السياسي في البلاد.

حلقة الجمعة (29/5/2015) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على تراجع مشاركة الجيل السوداني الشاب في الحياة السياسية وعامة الشأن العام في بلاده.

بداية قوية
حول هذا الموضوع يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم البروفيسور الطيب زين العابدين إن نظام التعليم السوداني كان به مجال مناسب جدا للحريات، واتحادات الطلاب كانت موجودة منذ وقت مبكر لمواجهة الاستعمار البريطاني، مما كان يتيح للطلاب تكوين اتحاداتهم الخاصة بهم بمنافسة حرة خاصة في الجامعات.

وأضاف زين العابدين أن الشباب والطلاب هم الذين بدؤوا التنظيمات السياسية العقائدية وظلوا قادة لها حتى بلغ بعضهم من الكبر عتيا، والأحزاب الكبيرة اعتمدت على قواعد طائفية ودينية ووراثية، فالشباب لم يكونوا يقدمون عليها على أساس أنها لا تعطي الحرية الكافية لهم.

وأشار إلى تأثير الحركة الوطنية المصرية على السودان والذي قال إنه كان كبيرا، خاصة أن مصر كانت ترحب بالطلاب السودانيين بصورة كبيرة وتعتبر في ذلك نوعا من المعارضة للاستعمار البريطاني.

أسباب العزوف
أما عن الأسباب التي تدفع شباب اليوم للعزوف عن العمل السياسي فيقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم إن الحرية أصبحت محدودة في الجامعات منذ جاءت سلطة الإنقاذ وحتى اليوم، وهيمنت على الحياة السياسية بصورة شاملة واستطاعت الهيمنة على السياسة الطلابية.

وقال زين العابدين إن عدة جامعات ظلت بدون اتحادات للطلاب لعدد من السنوات لأن النتيجة كانت معروفة سلفا لصالح الحزب الحاكم، لكنه أشار إلى أن الحركات الشبابية في السودان بدأت تتواصل اجتماعيا وحتى في الاحتجاجات وقد تعود يوما إلى سابق عهدها.

من جهته، قال رئيس اتحاد الطلاب السودانيين ووزير التربية والتعليم سابقا عثمان البشير الكباشي إن الحركة السودانية الحديثة كان منشؤها طلابيا، انطلاقا من مؤتمر الخريجين عام 1938 لمواجهة الاحتلال، وانبثقت منها الأحزاب السودانية فيما بعد.

وأشار الكباشي إلى دور الشباب في ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 التي انطلقت من جامعة الخرطوم، ثم ثورة أبريل/نيسان 1985 التي أطاحت بجعفر النميري.

وأضاف أن الأحزاب السياسية كلها -لاسيما الحديثة منها- انطلقت من داخل الجامعات، والشباب تركوا بصمتهم في الحركة السياسية.

شيخوخة وتكلس
أما عن الوضع الحالي فيقول الكباشي إن الأحزاب السياسية أصابتها الشيخوخة والتكلس، ولم تعد الأيدولوجية التي تقوم عليها جاذبة للشباب، ولم تعد برامجها وخطاباتها السياسية الحزبية معنية بالشباب ولا باهتماماتهم فانصرفوا عنها.

ويضيف إلى أسباب العزوف أيضا البيئة السياسية وقضية الحرية والتخلف السياسي في المجتمع بتقديم ما هو قبلي وإثني، بعكس ما كان في الماضي من تقديم الأفكار والمناظرات السياسية.

ويختم الكباشي بأنه رغم هذا الوضع فإن الشباب السودانيين لديهم وعي سياسي، وهناك نوع من التجاوب السياسي والمشاركة السياسية، وهناك علامات واضحة للشباب في الساحة السياسية، معتبرا أن الأمر يعتمد على الشباب أنفسهم في إصلاح أحزابهم ثم التجاوب بين القيادات السياسية مع محاولات الإصلاح هذه.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: لماذا تراجعت المشاركة السياسية لشباب السودان؟

مقدم الحلقة: جلال شهدا                            

ضيفا الحلقة:

-   الطيب زين العابدين/أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم

-   عثمان البشير الكباشي/رئيس اتحاد الطلاب السودانيين ووزير التربية والتعليم سابقا

تاريخ الحلقة: 29/5/2015

المحاور:

-   بيئة جاذبة للحراك الشبابي

-   أسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية

-   الشباب السوداني والبحث عن الدور المنشود

جلال شهدا: أهلا بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الواقع العربي التي أُسلط خلالها الضوء على تراجع مشاركة الجيل السوداني الشاب في الحياة السياسية وعامة الشأن العام في بلاده.

من المشاركة الواسعة الفاعلة إلى عزوف يتعاظم يوما بعد آخر عن العمل السياسي ابتعد الشباب السوداني بقدرٍ ما عن الأدوار المتقدمة التي كان يؤديها في صناعة التحولات التي غيرت في أكثر من محطة الوجه السياسي للسودان الحديث لم يعد الشباب السوداني الذي لطالما وُصف بصانع الثورات الشعبية شغوفا بأُطر الأحزاب وطروحاتها نظرا لعدة أسباب من أهمها؛ ما يقوله خصوم النظام السوداني إنه تضييق منه على الحريات وعلى فئة الشباب قادهم إلى نوع من العزلة والزهد في النشاط الحزبي والطوعي تفصلهم في ذلك فجوة عن قيادات العمل السياسي في البلاد.

[تقرير مسجل]

أسامة سيد أحمد: تستمد السياسة السودانية قوتها من حيوية الشباب وخاصة الطلاب الذين ظلوا لأزمان طويلة وقود الساحات والثورات السياسية بل كانوا مؤشرا إلى تحولات كبرى مرت بها البلاد عبر تاريخها الحديث، ففي المنعطفات الحادة كان الوجود الأعظم للطلاب الذين قادوا ثورة أكتوبر عام 1964 التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود وانتفاضة أبريل عام 1985 التي أطاحت بجعفر نُميري فكانت المنظمات الطلابية منابر مفتوحة للتداول الفكري والسياسي الحر وخرجت من ذلك أهم الاتجاهات السياسية التي شكلت السودان الحديث مثل الحركة الإسلامية واليسار السوداني كما أن عددا من قادة الأحزاب السياسية كانوا قادة سياسيين في مختلف الجامعات السودانية، غير أن هذه الأحوال التاريخية لم تعد تواكب الواقع الشبابي اليوم إذ تزداد الشكوى من ضعف مشاركة الشباب في المجال السياسي بسبب ما يراه البعض نهجا لكبتٍ وإقصاء تمارسهما السلطة في بعض الأحيان وفجوة بين الشباب وقيادات الأحزاب التي ينتمون إليها.

[شريط مسجل]

وائل طه/ناشط سياسي معارض: يوجد في جزء كبير جدا معتزلين العمل السياسي سموهم المعتزلة في جزء هاجروا في الخارج الموجودين هنا عملوا رد فعل وظهرت مو سبب رئيسي ولكن واحد من العوامل ظهرت قوى اجتماعية غيرت فعل لبُعد الشباب في المساهمة الإيجابية والفاعلة في العمل القيادي أو العمل السياسي.

[شريط مسجل]

أسامة سيد أحمد: حالة الاعتزال السياسي للشباب يراها الإتحاد الوطني للشباب السوداني أحد الواجهات الحكومية تحديات يمكن مواجهتها.

شوقار بشار/رئيس الاتحاد الوطني للشباب السوداني: بيد أن هنالك أبواب مفتوحة هنالك آفاق كبيرة جدا للشباب رغم التحديات التي يمكن أن تُمثل عائق أساسي أو تُمثل حاجز لشباب السودان وغيره من البلدان العربية الأخرى يعاني من قضايا الفقر وقضايا البطالة وغيرها التي تُمثل أيضا تحدي للشباب، رغم ذلك نجد أن فرص المشاركة السياسية للشباب أوسع.

أسامة سيد أحمد: يرى خبراء ومحللون أن أغلب شباب السودان بات لا يرى في الأحزاب السياسية القائمة كيانات قادرة على مخاطبة طموحاتهم وآفاق التطور الذي يعيشونه الأمر الذي يُفسر نشوء تيارات شبابية مناوئة لأحزابها تحاول أن تعبر عن أفكارها بأساليب مختلفة كما هو حال كيان السائحون المنشق عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم وتيار شباب وكوادر المناوئين لحزب الأمة المعارض الذي يتزعمه الصادق المهدي.

[شريط مسجل]

حمد عمر حاوي/أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية: في كل الأحزاب الموجودة تشعر بأنهم أصبحوا يشكلوا كيانا وكينونة ولديهم موقف واضح ويقودون يعني صراع لإثبات وجودهم ولإيجاد مكان ودور يستطيعوا أن يلعبوه لكن حتى الآن لا استطيع أن أقول أنه الأحزاب استطاعت أن تستوعبهم أو تفتح لهم المجال للمشاركة.

أسامة سيد أحمد: الفقر الذي يُعدّ عنوانا للحالة الاقتصادية المتردية والبطالة التي ترتفع معدلاتها يوما بعد يوم فضلا عن الهجرة المستمرة من البلاد وخطر الأفكار المتطرفة جميعها ترسم ملامح واقع شبابي لا يخلو من تعقيد، تجاوزت نسبة الشباب في السودان الستين في المئة في آخر تعداد سكاني يشكون من ضعف وجودهم في منابر السياسة في ظل حصار الفقر والبطالة وتيارات العنف والتطرف ويتطلعون إلى غد تزداد فيه مشاركتهم في صنع مستقبل بلادهم، أسامة سيد أحمد- الجزيرة- الخرطوم.

[نهاية التقرير]

جلال شهدا: لمناقشة هذا الموضوع أبقى في الخرطوم وينضم إلينا من هناك عثمان البشير الكباشي رئيس إتحاد الطلاب السودانيين ووزير التربية والتعليم سابقا سيد الكباشي أهلا بك لنفهم المشهد لا بد من تسليط الضوء على المرحلة الذهبية للحراك الشبابي- إذا صح التعبير- في أي محطات من التاريخ السوداني الحديث سجل الشباب أدوار متقدمة في الحياة السياسية، سيد كباشي؟

بيئة جاذبة للحراك الشبابي

عثمان البشير الكباشي: بسم الله الرحمن الرحيم حقيقة الحركة السياسية السودانية الحديثة منشأها كان منشأً طلابيا شبابيا انطلاقا من مؤتمر الخريجين الذي انطلق في العام 1938 لمواجهة الاستعمار ومن التسمية مؤتمر الخريجين كان هو مؤتمر لخريجي المدارس آنذاك الذين التقوا في ساحة التعليم ثم من بعد ذلك بادروا بتأسيس هذا الكيان الذي انبثقت منه الأحزاب السياسية السودانية لاحقا وبالتالي تستطيع أن تقول أن الحركة حركة مواجهة الاستعمار الإنجليزي كانت للطلاب أثر كبير جدا فيها، المشهد الآخر هو ما تم في ثورة أكتوبر 1964 التي انطلقت من جامعة الخرطوم وقاد شرارتها الطلاب وأدت إلى تغيير نظام الفريق إبراهيم عبود في ذلك في تلك الثورة ثم كان من بعد ذلك ثورة إبريل 1985 التي أطاحت بالرئيس جعفر نميري وهذه كلها دلالات على أن الثورات الرئيسية كان فيها الطلاب هم الأساس ثم الأمر الآخر المهم جدا هو أن الأحزاب السياسية كلها لاسيما الأحزاب الحديثة الإسلامية واليسارية مؤكد أنها كلها نشأت وانطلقت من داخل الجامعات السياسية واكتسبت خبراتها وتجاربها الأساسية من هذه الجامعات، لعل ذلك كله يؤكد بأن حركة الشباب السوداني كانت حركة أساسية في نشأة الحركة السياسية السودانية المعاصرة.

جلال شهدا: طيب ولكن ما هي الإضافة أو البصمة التي تركتها مشاركة الشباب على هذه المنعطفات السياسية في السودان، سيد كباشي؟

عثمان البشير الكباشي: أنا اعتقد بأنه الشباب تركوا بصمتهم في الحركة السياسية السودانية لأنه يعني النسخة الغير شبابية في هذه في الأحزاب السياسية كانت جزء كبير جدا من تقاليد السياسة وعنفوانها وفعاليتها كانت من أثر الشباب ويعني إذا تتبعت معظم تاريخ الحياة السياسية السودانية في أوج فعاليتها كان على رأسها قيادات شبابية، الحزب الشيوعي السوداني باكرا جدا كان سكرتيره العام لفترة طويلة هو من الشباب وكذلك الحركة الإسلامية السودانية وغيرها وحركة القوميين العرب وغيرها ولكن طبعا الآن لمّا شاخت الحياة السياسية السودانية وتكلست مفاصلها عن استيعاب طاقات الشباب وأفكارهم ورؤاهم كان لا بد أن يكون هذا التباين الذي يتحدث الناس عنه وهذا التباعد والتجافي ما بين الشباب والسياسة في السودان.

جلال شهدا: سنتحدث عنه أكثر ابق معي سيد كباشي أرحب أيضا بالخرطوم بضيفي البروفيسور الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم بروفيسور أهلا بك إذن الكل يجمع على هذا الدور الكبير لـ لا سيّما الطلاب والشباب في هذه المراحل والمنعطفات الكبيرة في السياسة السودانية بروفيسور ما هي الأرضية التي أهلت الشباب السوداني للعب هذا الدور آنذاك؟

الطيب زين العابدين: نظام التعليم السوداني كان فيه مجال مناسب جدا للحريات واتحادات الطلاب منذ وقت مبكر يعني منذ الاستعمار الإنجليزي كانت تتيح للطلاب إنهم يُكوّنوا اتحاداتهم الخاصة بهم بمنافسة حرة بين الطلاب وبالتالي خاصة في الجامعات لأنهم طلاب كبار في السن ناضجين  مستوى تعليمهم مستوى متقدم بالتالي أتاحت إليهم هذه الفرصة إنهم يبدؤوا العمل السياسي مبكرين.

جلال شهدا: هذا لا بد أنه يترافق يعني مع جهة أخرى وهو تعاطي الأحزاب السياسية والأنظمة السياسية القائمة آنذاك مع هؤلاء، كيف تعاملت معهم بروفيسور؟

الطيب زين العابدين: يمكن أن نقول إنه الشباب وخاصة الطلاب في الجامعات هم اللي بدأوا التنظيمات السياسية العقائدية سواء كانت يمينية أو يسارية وظلوا قادة لهذه التنظيمات بعضهم إلى أن بلغ من الكبر عتيّا يعني فاستمروا في هذه التنظيمات فالتنظيمات العقائدية اليسارية السبب أيضا إنه الأحزاب الكبيرة اعتمدت على قواعد طائفية دينية وراثية، فالشباب كانوا لا يقبلوا على هذه الأحزاب على أساس إنها أحزاب طائفية لا تعطي الحرية الكافية وفيها وراثة لزعامة الحزب وهكذا فبالتالي هم ثم إنه تأثير الحركة الوطنية المصرية على السودان يعني الحركة اليسارية جاءت إلى السودان من مصر والحركة الإسلامية أيضا جاءت إلى السودان من مصر، فهذا التداخل بين الطلاب ومصر كانت تُرّحب بالطلاب السودانيين بصورة كبيرة جدا وتعتبر في ذلك نوع من المعارضة للاستعمار البريطاني، والسودانيون أيضا كانوا يعتبرون إنه الدراسة في مصر عندها هذا التأثير.

أسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية

 جلال شهدا: طيب وضحت الصورة الآن ندخل في الحاضر وانتقل بالسؤال إلى السيد الكباشي في آخر إحصاء سكاني عام 2010 نسبة الشباب بلغت حوالي 60  بالمئة من التعداد السكاني في اليمن كيف عفوا في السودان كيف من الممكن تغييب هذه الشريحة الواسعة 60 بالمئة عن المشهد السياسي الحاصل ما الذي تغير الآن حتى عزف الشباب عن العمل الطوعي والسياسي؟

عثمان البشير الكباشي: الذي تغير أنه البيئة السياسية العامة لها أثرها على يعني اندفاع الشباب إلى السياسة ومشاركتهم فيها والمؤكد جدا أنه إحنا الآن نعتقد إن الكثيرين يعتقدوا ذلك بأن الحياة السياسية والأحزاب السودانية أصابها درجة من الشيخوخة والتكلُّس شيخوخة يعني تأثرت بها كل مفاصلها الحيوية فما عادت البرامج وما عادت الأيديولوجية يعني جاذبة للشباب خاصة بعد التحولات الكبيرة الفكرية التي حدثت في العالم ومن ضمنها السودان ثم ما عادت البرامج السياسية للأحزاب معنية كثيرا بالشباب لا البرامج ولا الخطاب السياسي الحزبي غير معني بقضايا الشباب ولا باهتماماتهم ولا بأولوياتهم ولا بلغتهم ولذلك أنصرف الشباب عن هذه الأحزاب ثم أن الأحزاب نفسها وإن ادعت في معظمها أو كلها برامج تمكين الشباب ولكنها في غالبها الحديث عن تمكين الشباب في الأحزاب السياسية السودانية للأسف هو حديث أكليشيهات للدعاية ولمحاولة يعني مد جسور من الثقة مع الشباب ولكن في الواقع العملي يعني القيادة الشباب معزولين منها تماما البرامج لا يجدون فيها كثير اهتمام بقضاياهم ثم هذا التكلس الكبير في البرامج وفي الهياكل وفي الأُطر واعتقد بأنه أيضا الأمر له أبعاد عالمية يعني وإقليمية يعني قضية الأحزاب عموما في المنطقة العربية والمنطقة الإفريقية بل في العالم ما عادت هي نفسها الأحزاب التي جاءت من أجل الاستقلال مثلا في الخمسينات أو الستينات قد يكون الخطاب مناسب جدا وجاذب للشباب في تلك الفترة في فترة الشيوعية العالمية وصراعها مع الإسلاميين كان هذا واحد من عناصر الجذب إما لصالح اليسار ودعاويه الجذابة فعلا للشباب أو لصالح الصراع مع الشيوعية من قبل الإسلاميين وفي ذلك دعاوي كبيرة جدا ولكن لما تغيرت هذه الأوضاع العالمية وتغيرت الأطروحات الفكرية تقاصرت وتأخرت البرامج والخطاب السياسي عزُف الشباب ولكن اعتقد بأنه المُعطى الجوهري في كل ذلك هو البيئة السياسية غير المشجعة للجميع، يعني أنا اعتقد بأنه الآن العزوف عن السياسة هو عزوف للمجتمع بأكمله إذا قلت صحيح أن الشباب هم أكثر عزوفا أو عزوف مرصود ومؤثر لأنهم هم اللي كانوا عندهم الحيوية واللي كانوا بدّو الأحزاب قوة وبدّوها قوة دفع وبدّوها عنفوان هذا صحيح ولكن العزوف هو في المجتمع كله والشباب بعضا من هذا المجتمع.

جلال شهدا: جيد بروفيسور زين العابدين هل توافق على تفسير هذا العزوف بسياسة السلطة أم هناك أسباب أخرى ربما القبلية الفقر وما شابه؟

الطيب زين العابدين: نعم ما ذكره الأستاذ عثمان الكباشي صحيح إلى حد كبير لكن أيضا هناك أسباب أخرى، من الأسباب الأخرى إن الآن الحرية محدودة في الجامعات منذ أن جاءت سلطة الإنقاذ في 1989 إلى اليوم بربع قرن من الزمان يعني إلى حد هيمنت على الحياة السياسية بصورة شاملة خاصة وهي تملك قطاع شبابي واسع جدا كان على سنوات عديدة هو الجناح الأكبر في الحركة الطلابية السودانية ممكن نقول إلى أكثر من عقد من الزمان فبالتالي استطاعوا أن يهيمنوا على السياسة الطلابية هذا سبب والحدّ من الحرية في الجامعات ظلت عدد من الجامعات بدون اتحادات للطلاب لعدد من السنوات بعضها لأنهم غير راغبين لكن بعضها لأنه النتيجة معروفة سلفا إنهم يظنوا إنه الحزب الحاكم هو الذي سينال قيادة الطلاب الأسباب الثانية أيضا الداخليات، الداخليات في الماضي كانت تابعة للجامعة وكانت تقع تحت سيطرة الجامعة وكانت تُشكل بيئة تُشجّع على المشاركة، الآن الداخليات أصبحت منفصلة والجامعات لا صلة لها بها تديرها جهات أخرى ومختلطة بين الجامعات المختلفة يعني جامعة الخرطوم كان عندها داخليات معينة تابعة للجامعة ويعيشون قريب جدا من الجامعة وبالنسبة لهم النشاط، الآن تباعدت ممكن تكون الطلاب الآن في أماكن بعيدة جدا من جامعاتهم التي يدرسون بها وبالتالي هذا أضعف وجودهم في الجامعة، برضو الناحية الاقتصادية الفقر اللي زاد حجمه في السودان أثر على الطلاب  بصورة كبيرة، نحن في جيلنا وأنا اعتبر نفسي من جيل أكتوبر الذين شاركوا في ثورة أكتوبر في جامعة الخرطوم كنا لا ندفع مصروفات الجامعة لا مصروفات أكل ولا مصروفات سكنة في الجامعة ولا أي شيء الآن الطلاب مطالبين إنهم يعتمدوا على أنفسهم في المعيشة وفي السكنة وهذا، وهذا طبعا ضيّق عليهم خاصة الذين جاءوا من الولايات غير خارج الخرطوم فبالتالي الناحية الاقتصادية أيضا واحدة من عدم المُشجّعات على المشاركة السياسية.

جلال شهدا: طيب سأحاول بروفيسور أن أضع ما تفضلت به بصيغة سؤال للسيد الكباشي كل ما كان مُناخ العمل السياسي حرا فضاء مفتوحا كلما زادت مشاركة الشباب وأوروبا خير دليل على هذا، هل تعكس أو يعكس السودان صورة مغايرة لذا نشهد هذا العزوف من الشباب بالمشاركة بالحياة السياسية؟

عثمان البشير الكباشي: مؤكد أن منابر الطلاب كانت تتيح لهم المشاركة ومؤكد أن الحرية هي عنصر أساسي وجوهري في يعني التعبير والمنافسة والتعبير السياسي والمشاركة أو عدمه ومؤكد أيضا أن عناصر أخرى متعلقة بالبيئة السياسية بما في ذلك قضية الحرية الآن نشهد أيضا تخلُّف سياسي في المجتمع كله بتقدم ما هو قبلي ما هو إثني ما هو جهوي على المشهد السياسي عوضا عن الذي كان يدور في السابق، السياسة في السودان كانت تدور حول أفكار ولذلك هذه أنسب بيئة للمنافسة الفكرية كانت هي الجامعة وكانت هي المدرسة ولذلك كانت أدوات الصراع السياسي هي أدوات سياسية بالدرجة الأولى، المناظرات السياسية والندوات وحتى الجرائد الحائطية ولذلك الجامعة كانت قبلة كان بعض المواطنين ينزلوا ليطّلعوا على الصحافة الحائطية ويشهدوا الندوات حتى يطّلعوا على الموقف السياسي العام في البلد، الآن تغيرت أداوت الصراع السياسي للأسف يعني كلما يعني ضاقت على الناس الوسائل السلمية اتسعت الوسائل الأخرى الوسائل العُنفية ولذلك نشهد الآن يعني في هذه المرحلة الأخيرة عنف شديد جدا وسط الطلاب باسم السياسة صحيح إنها نوع من السياسة ولكنها سياسة لا تشبه الوسط الطلابي ولا تشبه الوسط السياسي ولكنها تعبير أيضا عن حالة العنف العام الذي في البلد، السودان سوى حرب الجنوب التي كانت بعيدة عن وسط السودان وعن شماله وعن المركز التعليمي والسياسي في البلد ما كان هنالك عنف كبير في السودان، ولكن الآن باندلاع الحروب الأهلية بالنبرة القبلية كعنوان للسياسة أكثر من الأحزاب أصبحت هذه الأدوات ولذلك حتى الشباب الآن حينما يمارسون السياسة تطغى عليهم ليس المنافسة بين أفكار كما كان سابقا ولا حتى بين أيديولوجيات ولا بين برامج سياسية ولا بين أطروحات ولكن ينتقل إلى صراع جهوي وصراع للأسف إثني حتى  في أرقى جامعات البلد يعني وهذا أمر مؤسف ولكنه يُعبّر عن التردي العام.

جلال شهدا: صحيح طيب في نفس الإطار بروفيسور واضح في نفس الإطار بروفيسور زين العابدين خلال ما عُرف بالربيع العربي نجد أن دولا شهدت قيادة شبابية وليس فقط تحرك شبابي رغم أنها رغم أنها كانت تعاني من قمع للحريات وقمع سياسي ربما أكبر من السودان لماذا لم ينطبق هذا على السودان وأنا لا أريد أن أُفهم وكأني أُحرضّ في السودان ولكن هذا سؤال يُطرح من كثر في الوطن العربي لماذا لم ينطبق هذا على الشباب السوداني مثلا؟

الطيب زين العابدين: نعم يمكن أن يُفسر إنه الثورات العربية إلى حد كبير اعتمدت على وسائط الاتصال الاجتماعية في الفيسبوك وفي تويتر وفي غيرها ودي الدولة لا تستطيع أن تُسيطر عليها وبالتالي رغم إنه الأنظمة العربية اللي تحرك ضدها الشباب هي أنظمة قمعية واستبدادية لكن أيضا الشباب استطاعوا أن يتواصلوا وهذا حدث في السودان يعني عدد من الحركات الشبابية بدأت تتواصل اجتماعيا وبدأت تتوصل بالذات في المنظمات الطوعية وحتى في الاحتجاجات السياسية يعني احتجاجات سبتمبر 2013 كانت بواسطة هذه الوسائل الاجتماعية وعمّت الخرطوم وبعض الولايات لكن قُمعت بصورة سريعة.

جلال شهدا: ولكنها قُمعت بشدة نعم، نعم.

الطيب زيد العابدين: نعم وقُمعت بشدة وقتل فيها أعداد مُقدّرة من الشباب يعني فبالتالي الدولة بسيطرتها على قطاع كبير من الطلاب ومن الشباب استطاعت وجيّشت الشباب هذه نقطة أيضا مهمة إنها ساعدت على يعني زيادة حجم العنف إنه الدولة نفسها جيّشت الشباب واستعانت به في حربها ضد التمرد في جنوب السودان وبالتالي كونه الحركات الأخرى في مناطق أخرى تلجأ للعنف كان شيء طبيعي خاصة عندهم مظالم وعندهم شكوى من تهميش وعدم مشاركة الدولة وبالتالي هذه كلها وسّعت حجم العنف في السودان.

جلال شهدا: صحيح جيد وضحت بروفيسور واضح والخوف ربما لعب دور كبير سؤالي الأخير للسيد الكباشي أنت مررت من قيادة العمل الطلابي إلى المسؤولية السياسية محافظا ومن ثم وزيرا كيف السبيل في تقديركم لمكافحة عزوف الشباب عن الشأن العام باختصار لو سمحت؟

الشباب السوداني والبحث عن الدور المنشود

عثمان البشير الكباشي: هذا أمر يحتاج إلى مبادرات من الشباب أنفسهم وأنا أرى أشعر بأنه رغم أن الشباب السودانيين ليسوا مؤطرين بالعدد المطلوب ولا بالفعالية المطلوبة في القوى السياسية ولكن أشعر بأنه أيضا هنالك وعي يعني ليس صحيحا أنه صحيح أنه قد يكون الوعي لم يجد حظه في التأطير ولم يجد حظه في القيادة ولكن أشعر بأن هنالك بعض التجاوب السياسي وبعض المشاركة السياسية وبعض التفكير وبعض الوعي السياسي له علامات واضحة جدا واضحة في الساحة السودانية أنا اعتقد بأنه الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على مبادرة الشباب أنفسهم في إصلاح أحزابهم السياسية أنا طبعا لا أدعو إلى أن يتم ذلك بثورة أو بانشقاقات لأن الساحة السياسية السودانية آخر ما تحتاج له أن تُؤسس لها أحزاب وأفرع جديدة وانشقاقات العكس تحتاج إلى العكس الآن السودان فيها أكثر من ثمانين حزب فتحتاج يحتاج الشباب في داخل أحزابهم أن يقودوا حركة إصلاح ويعني فيها وعي وفيها عنفوانهم وفيها أيضا فكر يصلحوا به الساحة السياسة السودانية ثم يَلزم أن تتجاوب القيادات السياسية في كل الأحزاب مع هذه الدعاوي الشبابية، والأمر الثالث أنا اعتقد بأنه إصلاح البيئة السياسية السودانية بشكل عام هو شرط صحة وضرورة ليتم أي مشاركة للشباب له أثر في السياسة وأنا اعتقد بأنه مبادرات الشباب الآن الموجودة هنا وهناك دليل على أن ثمّة أمل وثمّة رجاء في هذه الشريحة المهمة في المجتمع فقط تحتاج أن تُهيأ لها البيئة السياسية وأن تبادر هي وأن تُلتقط مبادراتها من القيادات السياسية سواء كان في الدولة أو الأحزاب السياسية.

جلال شهدا: شكرا مع هذه النظرة التفاؤلية شكرا لك أُنهي هذه الحلقة السيد عثمان البشير الكباشي رئيس إتحاد الطلاب السودانيين ووزير التربية والتعليم السابق شكرا لك وأشكر البروفيسور الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم شكرا لك وشكرا لكما، شكرا لكم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر نلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة شكرا لحسن المتابعة إلى اللقاء بأمان الله ورعايته.