يمثل سجن تدمر -الواقع في الصحراء التي تحمل الاسم نفسه- واحدا من أشهر وأسوأ السجون السورية طوال فترة حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار.

ووفقا لشهادات سجناء سابقين، ارتكبت في السجن سبع مجازر في فترة الثمانينيات وحدها، واعتقل فيه سوريون ولبنانيون خلال حقبة الوجود السوري في لبنان، ويقال إن مقابر جماعية لمعتقلين قتلوا في السجن توجد في صحراء تدمر.

محاكمات صورية
في شهادته حول أهوال التعذيب في سجن تدمر، قال محمد برّو المعتقل السابق في هذا السجن ومدير مركز صدى للأبحاث في إسطنبول، إنه دخل السجن بتهمة الانتماء إلى مجموعة الطليعة المقاتلة عام 1980، وإنه أمضى 13 عاما هناك، حيث خلد في ذاكرته أن الموت كان منتهى أماني المعتقلين، وأن يوما في السجن يوازي الموت عشرات المرات.

وأضاف لحلقة السبت (23/5/2015) من برنامج "الواقع العربي" أنهم كانوا يغبطون زميلهم الذي ينفذ فيه حكم الإعدام، نسبة للشقاء المستمر الذي ليس لديه نهاية معروفة للأحياء في السجن، وقال إن التعذيب كان عشوائيا ليس له قواعد، وإنه يبدأ مع وجبة الإفطار صباحا ويستمر حتى وجبة الغداء، ثم يرتاح الجلادون ساعتين ويعودون لمواصلة التعذيب.

وبحسب برو، فإن المعتقلين كانوا يخضعون لمحاكم صورية تساوي بين المذنب والبريء، وإن المحكمة التي كانت تستمر ساعة ونصف الساعة ويشرف عليها ضباط عسكريون يحاكم فيها 180 معتقلا بلا نقاش ولا دفاع ولا تهم، وإن الأحكام تأتي جاهزة وموقّعا عليها، وإن "حفلات التعذيب" كانت تصور بالفيديو وترسل إلى القصر الجمهوري حتى يتلذذ حافظ الأسد بمشاهدة تعذيب من عارضوه لأنه كان يحكم البلاد كأنه "إله".

ولتحويل السجانين الجدد إلى وحوش بشرية، تحدث برو عن ممارسة هؤلاء السجانين لما عرف بطقوس التعذيب، وهي عملية تعذيب يقومون بها لأحد المعتقلين تستمر ست أو سبع ساعات تنتهي بمقتل المعتقل تحت وطأة التعذيب.

وأشار إلى أن وجوده في المهجع رقم 31 أتاح له مشاهدة عمليات الإعدام عبر ثقوب الباب، وقال إن العمليات كانت تتم في الساعة السادسة صباحا يومي الاثنين والأربعاء، وأن حصيلة الإعدامات الأسبوعية كانت حوالي 250 شخصا، وكانت جميع أوامر الإعدام ممهورة بتوقيع وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس.

تهم "إسلامية"
وقال برو إن إدارة السجن لم تقم قط بتسليم جثة معتقل إلى ذويه، مشيرا إلى أن دفن الجثث كان يتم في الصحراء، وأكد أن جزءا من عمليات التعذيب كان يتم تحت إشراف الخبراء الروس الذين كانت أصواتهم ولغتهم مسموعة للمعتقلين.

وحرصا من إدارة السجن على إخفاء هوية السجانين، أوضح السجين السابق أنها كانت تجبرهم على إغماض عيونهم، لكنه قال إن المعتقلين كانوا يتحايلون ويرون سجانيهم من خلال النظر عبر رموش العيون، وروى قصة عن سجان كان يزور السجناء في العنابر ويقول لهم خلسة "بفرجها الله يا شباب" ولكن تم اعتقاله بعد أشهر وتجريده وتعذيبه حتى الموت، في رسالة واضحة للسجانين حتى لا يتعاطفوا مع المعتقلين.

وقدر برو أعداد الذين دخلوا سجن تدمر بحوالي 22 ألف معتقل، معظمهم تحت تهم "إسلامية" وفي الغالب هي تهم ظالمة، مثل حضور درس قرآن أو قراءة جريدة، وأكد أن من ثبت تعاونه مع الإخوان المسلمين تتم محاكمته بالمادة 49 وتصفيته بشكل فوري.

وبشأن وجود نساء معتقلات، قال برو إن المعتقل كان به مهجع واحد فقط خاص بالنساء، وكانت أعدادهن أقل من الخمسين، وكانت تهمهن "إسلامية".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: سجن تدمر.. الموت أرحم من الحياة

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيف الحلقة: محمد برّو/معتقل سابق في سجن تدمر ومدير صدى للأبحاث في إسطنبول

تاريخ الحلقة: 23/5/2015

المحاور:

-   أقبية الموت في سجن تدمر

-   محاكم ميدانية صورية

-   مجازر سجن تدمر

-   تعذيب يومي بشكل ممنهج

-   مصير جثث ضحايا معتقل تدمر

عبد الصمد ناصر: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وأهلاً بكم في هذهِ الحلقة من الواقعِ العربيّ والتي نُسلِّطُ خلالها الضوءَ على انتهاءِ أًسطورةِ سجن تدمر الرهيب في سوريا باعتبارهِ أحدَ أبشعِ معاقل قمعِ نظامِ آل الأسد للشعبِ السوريّ.

سجنُ تدمر أحدُ أشهرِ وأسوأِ السجون السورية في تاريخِ الأسد الأب والابن ارتُكبَت فيهِ وفقَ شهادةِ سُجناء سابقين 7 مجازر في فترةِ الثمانينياتِ وحدها، اعتُقلَ فيهِ سوريون ولُبنانيون خلالَ حقبةِ الوجودِ السوريّ في لُبنان ويُقالُ إنَّ مقابر جماعية لمُعتقلين قُتلوا في السجن توجدُ في صحراءِ تدمُر، في هذهِ الحلقة نُسلِّطُ الضوءَ على هذا السِجل الرهيب لسجنِ تدمُر وننوهُ مُشاهدينا الكرام  إلى أنَّ صورَ هذا السجن تكادُ تكونُ مُنعدمة.

[تقرير مُسجل]

مريم أوباييش: مدينةُ تدمُر السورية اقتُرِنَ اسمها بمعالمها الأثرية وبملكتها زنوبيا وبسجنٍ سيءِ السُمعة في تاريخِ حزبِ البعث، صُنَّفَ كأحدِ أخطرِ السجونِ في العالم   وفقَ موقع " criminal justice degree hub"، تقشعرُ الأبدانُ لدى سماعُ شهاداتِ القِلة الذينَ كُتِبَ لهم عُمرٍ جديد بعدَ سنواتٍ في زنزاناتِ هذا السجن، اشتُهرَ بأساليبِ التعذيب والانتهاكاتِ بحقِ المُعتقلين السوريين واللُبنانيين أيضاً، ارتُكبَت بداخلهِ مجازر في عهدِ الرئيس الراحل حافظ الأسد وشقيقهِ رفعت، توجدُ في الصحراءِ المُحيطةُ بالسجن أكثرُ من مقبرةٍ جماعية، شهدَ في صيفِ ثمانينات القرنِ الماضي من مجزرةً أودت بحياةِ أكثر من 2000 سجين منهُم سُجناء الرأي ومُثقفون وعسكريونَ أيضاً، تقولُ رواياتٌ أنَّ بعضهم قُتلوا رمياً بالرصاص وآخرون بقنابلَ مُتفجرة أُطلقَت داخل الزنزانة، تُضيفُ تلكَ الروايات أنَّ جُثث القتلى نُقلِت في شاحناتٍ كبيرة ودُفنَت في وادٍ يقعُ شرقَ تدمر، وفقَ مُنظماتٍ حقوقية دولية شهِدَ سجنُ تدمُر 7 مجازر في عهدِ حافظ الأسد وعددُ الضحايا فيها بالمئات، استندت تلكَ المُنظمات إلى شهادات سُجناء سابقين وفقهم كانت عملياتُ الإعدام الجماعية تحدثُ مرتين في الأُسبوع، يُتهمُ الرئيسُ بشار الأسد بإعدامِ عشراتِ المساجين القدامى والجُدد خلالَ بدايةِ الثورة السورية، بسببِ طبيعةِ النظام يبقى المصدرُ الوحيدُ لما جرى داخلَ السجن هو شهاداتِ مَن اعتُقلوا فيهِ وخرجوا ليُكتبوا رواياتٍ تسردُ تفاصيلَ سوداويةٍ عن سنواتٍ خلفَ القُضبان ودونَ محاكماتٍ عادلة أشهرهم رواية القوقعة للكاتب والسجين السابق مصطفى خليفة، خليفة كاتبٌ سوريٌّ مسيحيّ اعتُقلَ في مطارِ دمشق وهو عائدٌ من باريس حيثُ أنهى دراستهُ في الإخراجِ السينمائي، اتُهمَ بالانتماءِ لجماعةِ الإخوانِ المُسلمين في سوريا في أوجِ صراعها مع الأسد الأب، أمضى الرجلُ 13 عاماً دونَ مُحاكمة، يسردُ في روايتهِ كيفَ تقوقعَ على نفسهِ وكيفَ كانت تمضي سنواتِ المُعاناةِ والتعذيبِ والقتلِ وغيابِ أدنى الحقوق.

مُقتطفات من رواية القوقعة:

* "أن تتعذب أهونُ من أن تسمعَ صوت الصراخ الإنساني ليلاً ونهاراً".

 * "في السجن الصحراويّ سيتساوى لديكَ الموتُ والحياة، وفي لحظاتٍ يُصبحُ الموت أُمنية"

مريم أوباييش: القوقعةُ قليلٌ من كثيرٍ عن غياهبِ سجنٍ ذائعِ الصيتِ بانتهاكاتهِ وجرائمهِ يحملُ اسمَ تدمُر لؤلؤةِ الصحراءِ السورية.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: موضوعُ حلقتنا هذهِ نُناقشهُ مع ضيفنا في إسطنبول محمد برّو المُعتقَل السوريّ السابق في سجن تدمر ومُديرُ مركز صدى للأبحاث، مرحباً بكَ أستاذ محمد برّو، بدايةً كم قضيتَ أستاذ محمد في هذا السجن ومتى يعني اعتُقلتَ ودخلتَ إليه؟

محمد برّو: أهلاً بكَ.

عبد الصمد ناصر: مرحباً.

محمد برّو: اعتُقلت في عام 1980 وخرجت من المُعتقل بـ 1993.

عبد الصمد ناصر: 13 عاماً.

محمد برّو: كانَ عُمري 17 عاماً، تماماً.

عبد الصمد ناصر: طيب ماذا كانت التُهمة أستاذ محمد؟

محمد برّو: اتُهمَت بانتمائي لمجموعة الطليعة المُقاتلة وذلكَ بسبب تداولي مع أصدقائي مجلة النذير التي كانت تُوزع آنذاك في حلب.

عبد الصمد ناصر: طيب الآن يعني إضافةً إلى ما قالهُ الكاتب الصحفي والمُخرج السوري مصطفى خليفة وهو مواطن سوري مسيحي ومع ذلك اتُهمَ بأنهُ ينتمي إلى جماعةِ الإخوان المُسلمين، هو ألفَ روايةً سماها القوقعة تتحدث عن هذا السجن الصحراوي وقالّ في هذا السجن سيتساوى لديكَ الموتُ والحياة ويُصبحُ الموتُ في لحظات أُمنية، أنتَ من خلال تجربتك في هذا السجن ما الذي يرمزُ لهُ هذا السجن في ذاكرتك؟

أقبية الموت في سجن تدمر

محمد برّو: الحقيقة الموت في تدمُر كانَ أقصى أماني المُعتقلين؛ كُنا نغبط أو نحسد مَن يخرُج إلى الإعدام حسداً كبيراً، لا تتخيل يوم في سجن تدمُر يوازي الموت 10 مرات.

عبد الصمد ناصر: نعم.

محمد برّو: حجم التعذيب المُستمر الذي كانَ يُنفذ صباح مساء وفي مُعظم الأيام في مُنتصف الليل أيضاً لا يُوازيه عذاب في الدُنيا، الحديث عن الشيء لا يُوازي مُعاناتهُ أبداً أبداً.

عبد الصمد ناصر: لا..

محمد برّو: مصطفى خليفة بالمُناسبة للتصحيح مصطفى ليسَ شاباً مسيحياً، مصطفى تكلم عن تجرُبة أحد الشُبان المسيحيين وأضافَ إليهِ ما سمعهُ وخبرهُ من حياتهِ في تدمُر.

عبد الصمد ناصر: طيب حدثنا أكثر بتفاصيل أكثر عن هذهِ التجربة المريرة التي تجعل من السجين يعني يغبط زميله الذي يُنفذُ فيهِ الإعدام، لماذا؟

محمد برّو: تماما، الحياة في تدمُر هي ضرب من ضروب الشقاء المُستمر وأخطر ما فيهِ أنهُ ليسَ لهُ نهاية معروفة يعني لا يعرف المحكوم بالبراءة أو المحكوم 6 سنوات أو الـ 10 سنوات متى سيخرج، والتعذيب في تدمر ليسَ لهُ قاعدة التعذيب عشوائي ينال كُل مَن تضمهُ هذهِ المهاجع التعيسة، التعذيب يبدأ مع وجبة الإفطار صباحاً ويستمر إلى وجبة الغداء ويرتاح الجلادون ساعتين أو ثلاثة ثُمَ يُتابعونَ التعذيب على مدار الأعوام المُتوالية التي عشنا فيها في سجن تدمُر، يعني اللانهاية لا يوجد أُفق تنتظر فيهِ أن ينتهي عذابك هذا، الأمر الآخر أنَّ المحاكم التي خضعَ لها المُعتقلون في تدمُر محاكم صورية تُساوي بينَ المُذنب والبريء.

عبد الصمد ناصر: نعم المحاكم داخل..

محمد برّو: أُريد أن أتكلم مثلاً..

عبد الصمد ناصر: محاكم داخل السجن!!

محاكم ميدانية صورية

محمد برّو: محاكم ميدانية صورية لا يستغرق المُعتقَل نعم في البداية كانت في الأمن العسكري في حمص تحتَ إشراف غازي كنعان لاحقاً بعد شهرين أو ثلاثة نُقلَت إلى تدمُر وكانت المحاكم يعني تنعقد المحكمة مُدة ساعة ونصف تقريبا يُحاكم فيها 180 مُعتقلاً.

عبد الصمد ناصر: بدون مُحامي؟

محمد برّو: وكانت الأحكام تأتي جاهزة ومُوقعة، لأ المحاكم الميدانية هي محاكم يُشرف عليها ضُباط عسكريون ولا يوجد فيها لا استئناف ولا قانون ولا دفاع ولا مُناقشة تُهمة ولا أيِّ شيء آخر يعني، يعني حصل في يوم من الأيام أنهُ في 3 أو 4 إخوة من آل علوان من حماة تجادلوا مع القاضي انهُ هُم يعني بريئين ومُعتقلين بسبب رهينة عن أحد الأخوة وهذا الأخ تم قتلهُ غضبَ القاضي سُليمان الخطيب منهم فأمرَ بإعدامهم فأُعدموا خلال ساعة واحدة، هذهِ القصة في سجن تدمُر..

عبد الصمد ناصر: طيب بعدَ المحاكم.

محمد برّو: يعني يُعدَم ثُمَ يُصدَّق الحُكم ويُوقع عليهِ، نعم.

عبد الصمد ناصر: بعد المحاكم ما هي المرحلة التالية؟

محمد برّو: مرحلة استمرار، الحياة في تدمُر هي حياة تعذيب مُستمر؛ كانت حفلات التعذيب تُصور بالفيديو وتُنقَل إلى القصر الجمهوري حيثُ يتلذذ الأسد وضباطه في مُشاهدة تعذيب المُعتقلينَ الذينَ عارضوه، حافظ الأسد كانَ يحكُم سوريا كإله لا يقبل أن ينال من اسمهُ أحد لذلك لم يكُن لديهِ سقف للتعذيب، كانَ كُل يوم يتلذذ بتعذيب مُعتقلي تدمُر ومُشاهدة إعداماتهم التي تُصور وتُنقَل لهُ إلى القصر الجمهوري.

عبد الصمد ناصر: نعم على ذكر كانَ إلهاً أستغفر اللهُ هُناكَ أحد السُجناء اللُبنانيين كانَ نزيلاً في سجن تدمُر سابقاً يروي على أبواب السجن كانت هُناكَ عبارة يعني لفتت انتباههُ مكتوبٌ عليها "الداخل مفقود والخارج مولود"، وقالَ أنهُ حينما دخلَ إلى هذا السجن استقبلهُ أحد عناصر الأمن بجُملة ترحيبية كما قالَ هو يعني بتعبيرهِ مفادها هُنا في هذا السجن منعَ حافظ الأسد وأنا أربئُ بنفسي أن أقولَ هذهِ الكلمة أستغفر الله منعَ حافظ الأسد وجودَ الله، نحنُ الله، نحنُ نُحييكم ونحنُ نُميتكم ولهذا أسأل عن هؤلاءِ المُجرمين الذينَ كانوا يُعارضونكم لهذه الوجبات ما يُسمونها هُم بحفلات التعذيب، هل كُنتم ترونَ وجوههم؟ هل كانوا يتنادونَ فيما بينهم بأسمائهم الحقيقة؟ كيفَ كانت أشكالهم؟

محمد برّو: في سجن تدمُر يُمنَع على السجين أن يفتح عيونهُ في أيِّ طقس أو أيّ مفصل من مفاصل الحياة في تدمُر لكن كنا ننظُر من خلال رموش العيون وكُنا نراهم وإلى الآن صورهم محفوظة في ذاكرتنا ومُعظم أسمائهم كانوا يتنادَون بأسماء مُفردة يعني لا تشي بالعائلة اللي ينتسب إليها وهذا أمر الحقيقة غير مُهم يعني الجلادون كانوا مُعتقَلون معنا في السجن بنفس الآلية هُم في قسم التعذيب ونحنُ ضحايا هذا التعذيب، أريد أن أتكلم عن رقيب كانَ يُشرف على تعذيبنا شأنهُ شأن الآخرين في بدايات سنة الـ 1980 في تدمُر اسمهُ أحمد السباعي كانَ يتصرف تصرُف هائل بالنسبة لنا بعدَ أن يجروا عملية التفقُد وهي عد السُجناء واستلامهم من الرقيب السابق كانَ يفتح باب الزنزانة خلسة ويقول "يفرجها الله يا شباب"، بعدَ اقل من شهر ضُبطَ مُتلبساً ويعني اكتشفوا أمرهُ جمعوا سرية التعذيب أصدقائهُ وخلعوا عنهُ ملابسهُ كاملاً وسلموهم للكابلات والجنازير وبقول يضربونه حتى الممات، هذه رسالة لكُل سجان في تدمُر أنهُ أيِّ مُحاولة للتعاطُف مع السُجناء نهايتهِا الموت المحتوم، إضافة إلى طقوس التشويه التي يتعرض لها الجلادون بتحويلهم من بشر شبه أسوياء إلى حيوانات شرسة لا تستطيع لا ترتوي من الدم، هذا يجري خلال شهر تتم فيهِ عملية صناعة الجلاد وتُختَم بأن يُمكّنوهُ من قتل أحد أفراد السجن أحد إخواننا أمامَ أعيننا، يُطلَب منا انهُ افتحوا عيونكم وتطلع قُدامك فيقوم بالقتل خلال 6 أو 7 ساعات من التعذيب المُتواصل إلى بين ما ينتهي هذا الأخ يموت وكأنهم يقولون لهُ ولنا رسالة انظروا هذا الرجُل بينهُ وبينكم بحرٌ من الدم لا يُمكِن المُصالحة أو التعاطُف معهُ.

مجازر سجن تدمر

عبد الصمد ناصر: طيب أستاذ محمد برّو يعني أنتَ قُلتَ قبلَ قليل بأنَّ طقوس التشويه التي تعرَّضَوا لها الجلادون تُحيلهم إلى حيوانات يعني وحشية وأنتَ كُنتَ ربما شهدتَ بعضاً من المجازر التي اشتُهرَ بها سجن تدمُر في الثمانينيات، هل كُنت شاهدَ عيان بأُم العين على بعض هذهِ المجازر؟

محمد برّو: صديقي أنا كُنت في المهجع رقم 31 يعرفهُ كُل سُجناء تدمُر في صدر الباحة الـ 6 حيثُ كانت تتم عمليات الإعدام، في سنة الـ 1980 وأول الـ 1981 كانت تجري عملية إعدام يوم الاثنين ويوم الأربعاء يعني أُسبوعياً كان يُعدَم ما يُقارب 250 ثُمَ بقيَ يوم السبت فقط أو الاثنين ولم تقل أيِّ عملية إعدام عن 90 شخص؛ كانَ كُل عمليات الإعدام ممهورة بتوقيع طلاس، كانَ يفخر بأنهُ كانَ يُوقع أُسبوعياً.

عبد الصمد ناصر: العميد مصطفى طلاس.

محمد برّو: على 150 إعدام من جماعة الإخوان المُسلمين كما يُصنفهم، نعم، نعم.

عبد الصمد ناصر: واصل أستاذ، سألتكَ إن كُنتَ شاهداً على بعض هذهِ المجازر يعني هل كانَ مُتاحٌ لكَ كما كانَ يتحدث بعض السُجناء..

عبد الصمد ناصر: كُنت شاهد على مُعظم هذهِ المجازر لأنهُ كانَ هُناكَ ثقوب في الباب كُنا ننظُر.

عبد الصمد ناصر: واصل، واصل.

محمد برّو: كُنا ننظُر إلى عمليات الإعدام التي تتم في الساعة الـ 6 صباحاً ونشهد أُخوتنا وأصدقائنا كيفَ يُعدمون الواحد تلوَ الآخر وكان يُشرف على العملية مجموعة من ضُباط القصر الجمهوري من النُخَب والعقيد شمس عن الشُرطة العسكرية وإدارة السجن وكانَت تتم تصوير هذهِ العمليات بالفيديو تُوثق وتُنقَل إلى القصر الجمهوري.

عبد الصمد ناصر: طيب أنا سألتُكَ ليسَ فقط عن هذهَ الإعدامات التي كانت روتينية في هذا السجن يعني بمُستوى أو بواقع مرتين في الأُسبوع ولكن سألتُكَ عن المجازر التي قيلَ بأنَّ المئات كانَوا يسقطونَ فيها وقُدِّرت مثلاً مجزرة الـ 27 من يونيو 1980 بحوالي 600 شخص وأكثر، هل تذكُر مثل هذهِ المجازر؟ هل كُنتَ شاهداً عليها؟

محمد برّو: في هذهِ الفترة أنا كُنت في سجن حلب المركزي وسمعنا إنهُم اقتحموا احد السجون وأتوا على كُل المعتقلين، الرقم يتراوح بينَ الـ 900 والـ 1000 مُعتقَل اللي تم تصفيتهُم في السجن في ذلكَ الوقت.

عبد الصمد ناصر: طيب هل كانَ هناك ربما معك في سجن مَن كانوا على قيد الحياة ظلوا على قيد الحياة وشهدوا بعضَ فصولِ هذهِ المجازر؟

محمد برّو: لم يبقَ أحد على قيد الحياة من تلكَ المجزرة أبداً، كُل مَن كانَ في سجن تدمُر تمت تصفيتهُ باستثناء مهجع واحد في الساحة الـ 5 وهؤلاء كانوا مُعتقلين بتُهم مُتنوعة منها مُحاولة اغتيال لعبد الحليم خدام أو أشياء أُخرى واحد منهم فقط التقينا معهُ وتكلم كلام قليل وكُل روايتهُ تأتي من خلال سماعهم الأصوات، لم يتم مُشاهدة أي شيء ولم ينجُ من هذهِ المجزرة غير هذهِ الحفنة من الرجال اللي ما يتجاوزوا الـ 20 واللي التقينا مع واحد منهم فقط.

تعذيب يومي بشكل ممنهج

عبد الصمد ناصر: طيب أُريد الآن أن أتحدث بشكل مُفصّل أكثر لأنك تحدثت قبلَ قليل عن أنَّ هُناكَ وجبات التعذيب اليومية التي تجعل من السجين يتمنى الموت على الحياة، أُريد أن أسأل هُنا عن بعض مُمارسات التعذيب وسوء المُعاملة التي وُصفت بأنها كانت مُمنهجة بشكل يومي، حدثنا عن التفاصيل، كيفَ؟

محمد برّو: في البداية يجب أن نعلم أنهُ قتل شخص في سجن تدمر لا يعني شيء البتة، في اليوم الأول الذي دخلنا فيهِ إلى المُعتقل أثناء التعذيب الأول اللي هو مُدة 6 أو 8 ساعات من التعذيب المُتواصل تُحطَم فيهِ الشخصية المدنية لهذا الإنسان حتى لا يجرؤ على الاعتراض أو عصيان الأوامر، سقطَ بقِربي صديق اسمهُ خلدون وأُغميَ عليهِ مرات ثُم توقف قلبهُ عن الخفقان أتى طبيب السجن قامَ بفحصهِ بثواني وقرر أنهُ حالة وفاة وأتى العميد فيصل الغانم وتثبتَ من وفاتهِ وانصرف ثُمَ عادَ مُستدركاً ليوحي بشيء وقال بلُغة عنترية مَن الذي قتلهُ؟ قال لهُ أحد العُرفاء أنا سيدي، قال لهُ بالعامية قالَ لهُ قسماً بشرفي إذا تعيد هيك بياخة مرة أُخرى لأحلق لك شعرك وضحك ومشي، فالموت في سجن تدمر أو القتل لا يعني شيء أبداً ولا يُعرِّض القاتل لأي مُساءلة أو عتاب أو عقوبة أو مُحاكمة، بشكل يومي في التعذيب اللي يمُر على كُل معتقلين تدمُر تعذيب في الصباح وتعذيب في المساء، وفي أيام كثيرة في الليل يقوموا بتعذيبنا بالإيعازات فقط يعني نخلع ملابسنا يصُبوا علينا الماء البارد ونُوقف طول الليل رافعين الأيدي للأعلى على رجل واحدة من المساء للصباح، هذا تعذيب ونحنُ في داخل مهاجعنا، كُل هذا التعذيب لا يوجد مَن يُساءل عنهُ أو يُعاتب عنهُ أحد، نمط الحياة في سجن تدمُر هي أشغال شاقة مملوءة بالحقد الفظيع اللي معروف عن حافظ الأسد.

عبد الصمد ناصر: طيب هناك مَن تحدث عن أساليب وحشية في التعذيب، هناك أساليب وحشية يستخدمونَ فيها يعني النار، يستخدمون فيها يعني وسائل يخجل المرءُ أن يذكُرها وغير ذلك.

محمد برّو: يعني التصرُفات الفردية للجلادين من الصعب أو تُحصى في نمط واحد، يعني في كُل يوم كان هناك جلاد يبتكر صِنف من التعذيب ويقوم بتجربته هو وأصدقاؤه لكن النمط العام للتعذيب هو الضرب والجلد بالجنازير، بالكابلات مُسلخة النهايات التي تفتك بالجلد وتُمزقهُ، بالعصي الغليظة جداً إضافة إلى عمليات القذف المظلي بحيث أنه أربعة من الجلادين يحملوا شخص طبعاً الغذاء في تدمر ضعيف جدا فكنا نحن هياكل عظيمة، يشيلوا هذا الرجل يحملوهُ ويرموه للأعلى مترين أو 3 ويسقط على وجههُ تتهشم أضراسه أو وجهه، فالتعذيب كان وحشيا وكيفيا إضافة إلى أنهُ كُنا نسمع في سجن تدمر أحياناً أصوات بعض الخبراء أو الضباط الروس، يُقدم الصف لضابط الكبير ونسمع اللُغة الروسية يُتحدث بها، كان جزء من التعذيب يتم تحت إشراف خبراء روس.

عبد الصمد ناصر: طيب عادةَ في السجون العادية السجين حينَما يموت تسلمُ جثته إلى أهله، ما مصير تلكَ الجثة في تدمر؟

مصير جثث ضحايا معتقل تدمر

محمد برّو: لم تسلم جثة واحدة من سجن تدمُر لأنهُ يعني سواءً اللي ماتوا في التعذيب أو في الإعدامات أو أثناء جائحات الكوليرا التي اجتاحتنا أكثر من مرة أو الناس اللي يموتوا من فقر الدم وفقر الغذاء كُلهم يدفنوهُ في مقابر جماعية في صحراء تدمُر.

عبد الصمد ناصر: طيب بالنسبة للُسجناء نُزلاء هذا السجن الرهيب هل كانوا كُلهم مُتهمون أو جيءَ بهم بتُهم سياسية أم أنَّ هناك شخصيات لربما لأسبابٍ ما قد تم يعني سجنها في هذا المعتقل المُخيف؟

محمد برّو: نستطيع أن نقول أن سجن تدمر دخله ما يُقارب 22.000 معتقل منهم يعني 200 أو 300 معتقل يساري و 400 أو 500 معتقل من البعث اليميني وما عدا ذلك كُلهم تحت اسم الإخوان المسلمين بتُهم إسلامية ومعظمها ظلماً وعدواناً، مَن ثبتَ تورطهُ بعلاقة بتنظيم الإخوان المُسلمين وهم لا يتعدون الآلاف القليلة ممَن أُعدموا تمت تصفيتهم في الأشهر الأولى من تاريخ سجن تدمر يعني بالأشهر الأخيرة من سنة الـ 1980 وما عدا ذلك الناس اللي حضر درس قُرآن اللي قرأ جريدة، نعم.

عبد الصمد ناصر: في المجزرة المعروفة في الـ 27 من يونيو في الـ 1980.

محمد برّو: لأ المجزرة أتت على الجميع، بعد المجزرة أنا أتكلم عن الإعدامات الذي ثبت أنهُ على علاقة بتنظيم الإخوان المسلمين فوراً حوكمَ بالقانون 49 وتمت تصفيتهُ مُباشرة وكانَ يعني حافظ الأسد يُمارس حقدهُ بشكل همجي عالي في البداية فكانوا مُضطرين أن يُقدموا لهُ أكبر عدد من الضحايا والقتلى لإرواء حقده.

عبد الصمد ناصر: طيب هل كانَ هُناكَ مهاجع خاصة بالنساء.

محمد برّو: فيما بعد تمت التصفيات، مهجع واحد فقط كانَ خاصاً بالنساء.

عبد الصمد ناصر: هل هناك تقديرات لأعدادهن؟

محمد برّو: يعني هم دونَ الـ 50.

عبد الصمد ناصر: كُلهن بتُهمٍ سياسية!!

محمد برّو: نعم بتُهم إسلامية حصراً اللي في سجن تدمر، كُلهم كانوا يرتدون الحجاب الإسلامي الأسود، كنا نراهم من شقوق الباب ولم يكونوا يتعرضوا للتعذيب لكن الحقيقة الحياة في سجن تدمر هي تعذيب خالص، أنت تسمع صوت التعذيب والصراخ من الصباح إلى المساء وأحياناً من الصباح إلى الصباح، فحياة هي جحيم حتى مُجرد أن تسمع أصوات التعذيب.

عبد الصمد ناصر: السؤال يعني أستاذ محمد هل كانت المُنظمات الحقوقية يعني على المُستوى يعني في مُتابعة أسرارِ هذا السجن هل أنتم كسجناء راضون عند ردة فعل المُجتمع الدولي حتى حينما كُشفت أسرارُ هذا السجن المُرعبة؟

محمد برّو: للأسف الشديد يعني المُنظمات لم نكُن نسمع بها وربما لم يكونوا يسمعون بنا بالقدر الكافي وأنت تذكُر أنه في أنه الـ 1980-1990 لم تكُن أدوات الاتصال المُتاحة الآن في العالم من إنترنت وغيرهُ، لم نسمع عن مُنظمات حقوق الإنسان أبدا أبداً وحتى بعد خروجنا من المعتقل الحقيقة لم يكُن هناك نشاط بقدر الجريمة التي حدثت..

عبد الصمد ناصر: طيب الآن يُقال أن سجن .

محمد برّو: إلى الآن مُعتقلي تدمر وشُهداء لم ينالوا قدراً ضئيلا من حقهم في رد الاعتبار وإماطة اللسان عن المجازر التي ارتُكبت َحقهم.

عبد الصمد ناصر: طيب في 40 ثانية أستاذ محمد برّو الآن في الآونة الأخيرة قيل بأن السجن قد أصبح تحتَ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أُريد أن أسأل هُنا ما هي آخر صورة وصلتكم أنتم عن سجن تدمر إذا كان هناك أي أخبار من داخل السجن في الآونة الأخيرة؟ إن كان هناك سُجناء مَن هُم؟ وإن كانت هناك أعداد..

محمد برّو: يعني المُتخيل انهُ نظام بشار الأسد الآن لم يترك مدرسة لم يزُج فيها معتقلين، لم يترك مركز صحي إلا عطلهُ وحولهُ إلى معتقل، من باب أن يُحول سجن تدمر إلى معتقل هائل، سجن تدمر في النظام البشاري الآن الحديث القذر يستوعب أكثر من 50 ألف معتقل بالأنماط التي تُنقل لنا، لا نعرف عنها أي خبر الحقيقة.

عبد الصمد ناصر: شُكراً لكَ محمد برّو المعتقل السوري السابق في سجن تدمر ومُدير مركز صدى للأبحاث من إسطنبول شكرا جزيلاً لك، بهذا تنتهي هذهِ الحلقة مُشاهدينا الكرام من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، شكراً للمُتابعة والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.