اختلفت مسارات دول الربيع العربي ومآلاتها على وقع صراعات بعضها دمويّ، جسدت في نظر كثيرين شراسة المعركة بين قوى التغيير المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحريّات، وقوى الثورة المضادة التي تشمل في نظر منتقديها الدولة العميقة والمنتفعين منها من أرباب المال الفاسد.

وتبدو المعركة مصيرية للعمال العرب الذين فرضت عليهم الثورات المضادّة أوضاعا مأساويّة وردّة تسفه نضالهم من أجل حقوقهم المشروعة.

حلقة الخميس 1/5/2015 من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على أوضاع العمّال العرب في عيدهم ولا سيما بدول ما يعرف بالربيع العربي.

وشارك في النقاش من بيروت وزير المال اللبناني الأسبق جورج قـُرُم، ومن تونس الأكاديمي والنقابي عبد السلام الككلي.

تأثيرات العولمة
قرم اعتبر في مستهل حديثه أن الحالة العمالية بالدول العربية في تراجع، لافتا إلى ضرورة الربط بين بروز ظاهرة العولمة وتدهور أوضاع العمال.

وأضاف أن ظاهرة الفساد عالمية أيضا، لكن نسبها في المنطقة العربية تعد السوأى، وفق تقديره.

وأكد أن منطقة المغرب العربي تتميز بتنظيماتها النقابية العريقة، مشيرا إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل يأتي في مقدمة تلك التنظيمات.

وذكر الوزير اللبناني السابق أن الاتحاد قام بدور بناء لمنع انحراف الثورة التونسية عن مسارها.

حوار اجتماعي
من جهته، أوضح الأكاديمي والنقابي عبد السلام الككلي أن الثورة التونسية قامت بسبب ضعف النمو الاقتصادي وانخرام التوازن بين المناطق والجهات وتهميش قطاعات كبيرة من المجتمع وكذلك بسبب البطالة المستشرية.

ورفض أن يكون الحديث عن فساد عالمي مبررا لعدم مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة محليا داخل الدول العربية.

وقال إن العمل النقابي في تونس التصق إلى حد كبير بالعمل السياسي، لافتا إلى أن المنظمة النقابية التونسية هي المنظمة الوحيدة التي ينضوي تحت لوائها 600 ألف عضو منخرط.

وبيّن أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان دائما عامل توازن في الحياة السياسية والاقتصادية.

ورأى الككلي أن ما ينقص العالم العربي هو حوار اجتماعي، ودعا رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات إلى الإيفاء بالتزاماتهم حيال منظوريهم وحيال الدولة.

كما دعا العمال إلى الابتعاد عن الاعتصامات والإضرابات العشوائية غير المؤطرة نقابيا.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: أوضاع العمال العرب زمن الربيع العربي

مقدم الحلقة: محمود مراد

ضيفا الحلقة:

- جورج قرم/وزير المال اللبناني الأسبق

- عبد السلام الككلي/أكاديمي ونقابي

تاريخ الحلقة: 1/5/2015

المحاور:

-   الخبز مع الكرامة شعار قديم جديد

-   التجربة النقابية في تونس

-   شعارات مطلبية ومطالب فئوية

محمود مراد: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم مشاهدينا الأعزاء في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على أوضاع العمال العرب في عيدهم لا سيما في دول ما يعرف بالربيع العربي. 

خبز حرية كرامةٌ وطنية تتذكرون ولا شك ذلك الشعار الذي انطلق من تونس ليدوي عالياً في بقية بلدان الربيع العربي، ربيعٌ اختلفت مسارات ومآلات دوله على وقع صراعاتٍ بعضها دموي جسدت في نظر كثيرين شراسة المعركة بين قوى التغيير المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحريات وقوى الثورة المضادة التي تشمل في نظر منتقديها الدولة العميقة والمنتفعين منها من أرباب المال الفاسد، معركةٌ تبدو مصيرية للعمال العرب الذين فرضت عليهم الثورات المضادة أوضاعاً مأساوية ورِدةً تُسفه نضالهم من أجل حقوقهم المشروعة.

]تقرير مسجل[

مصطفى أزريد: واحدٌ من مشاهد الدمار في سوريا يُذكر العالم في يوم عيد العمال بحجم المأساة في هذا البلد، كم هو عدد العمال السوريين الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم بشكلٍ طبيعي، سؤالٌ لا يُطرح كثيراً لكنه في يوم عيد العمال يفرض نفسه على الجميع، كثيرٌ من العمال قتلوا في هذه الحرب التي فرضها نظامٌ أخافته ثورةٌ كان سلاحها في البداية الحناجر واللافتات وكانت مطالبها تتلخص في الحرية والعدالة الاجتماعية، آخرون تحولوا إلى مهاجرين أو نازحين أو مقاتلين، دُمرت المصانع في قصفٍ غالباً ما تميز بالعشوائية، في مثل هذه الأوضاع يدفع الكادحون الثمن الأكبر، في الحالة السورية لم يعد الأمر يتعلق بالحق في العمل أو الأجر المناسب، تحول التحدي إلى الحق في الحياة لا أقل ولا أكثر، مثل الحالة السورية وإن بدرجاتٍ متفاوتة يعيش العمال في الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي ثم الثورات المضادة أوضاعاً صعبة، تحالفت الدولة العميقة مع أرباب المال الفاسد من المستفيدين من أنظمة الاستبداد لوقف المد الثوري ولضرب طموحات العمال والكادحين عموماً، في ليبيا تسببت الحرب الأهلية هناك في تراجع أوضاع العمال خاض الليبيون ثورتهم للاستفادة من ثروة بلدهم الكبيرة التي يقولون إن نظام القذافي كان يبذرها في أمورٍ لا علاقة لهم بها، لكن الثورة المضادة أدخلت البلاد في دوامةٍ يدفع العمال الكادحون من ليبيا ومن دول عربية أخرى ثمنها، في اليمن قام اليمنيون بثورةٍ سلمية وتمكنوا من خلع الرئيس علي عبد الله صالح الذي جمّع مليارات الدولارات على حساب غالبية الشعب لكن الثورة المضادة التي حركها الرئيس المخلوع من وراء ستار ونفذتها جماعة الحوثي أدخلت البلاد في متاهة جديدة وعطلت اقتصاد البلد، في مصر التي يحظى فيها الاحتفال بعيد العمال بطابعٍ خاص يتساءل كثيرٌ من المصريين عمّا تحقق منذ الانقلاب، بعضهم لم يُعول يوماً على إمكانية تحقيق النظام الذي خان بعد الانقلاب لأي مكاسب لصالح الكادحين لكن آخرين كانوا يتمنون أنه مع مرور الوقت ستتراجع النزعة الاستبدادية والتضييق على الحريات مقابل تحقيق مكاسب اقتصادية لكن شيئاً من ذلك لم يحدث فقد تراجعت أوضاع الطبقات الفقيرة بسبب رفع الدعم عن مواد استهلاكية أساسية، ونتيجة سياسة اقتصادية متخبطة قامت الثورات العربية بتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء لكن الثورات المضادة أجلت الأحلام الثورية وأدخلت هذه الشعوب في متاهاتٍ أخرى.

]نهاية التقرير[

محمود مراد: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من بيروت الدكتور جورج قرم وزير المال اللبناني الأسبق ومن تونس الدكتور عبد السلام الككلي الأكاديمي والنقابي، مرحباً بكما والسؤال للدكتور جورج قرم، دكتور جورج هل تعتقد أن السنوات الأربع المنصرمة ارتقت بأحوال العمال العرب أم زادتها تدهوراً؟

جورج قرم: بطبيعة الحال الحالة العمالية في الدول العربية وفي أيضاً مناطق أخرى من العالم هي على تراجع ويجب أن نربط هذه الظاهرة أيضاً مع بروز ما يُسمى اليوم بالعولمة الاقتصادية وبتغيير أنماط التنمية عالمياً حيث أن بعض الاحتكارات خصوصاً الاحتكارات المالية والاقتصاد المالي هو يشفط تقريباً كل ما يُسمى بالقيمة المضافة وكل الأرباح ونحن شفنا سواء بالعالم العربي أو أيضاً بالخارج الضغط على أجور العمال هو ضغط عالمي، هلأ في الدول العربية طبعاً عنا مشكلة خاصة هناك العديد من الخيرات..

الخبز مع الكرامة شعار قديم جديد

محمود مراد: يعني حتى يكون الأمر واضحاً هل تعتقد، هل ترى دكتور جورج هل ترى إذنً أن الأمر لا يرتبط لا بثورات عربية ولا بربيع عربي وأن الأمر أكبر من هذا؟

جورج قرم: الأمر أكبر من هذا ما هو ما في شك أنه على سبيل المثال الانتفاضات العربية كما أسميها أنا قد طرحت شعارا جميلا للغاية يُذكر بكتاب صدر في الخمسينات من القرن الماضي للدكتور يوسف الصايغ، الخبز مع الكرامة، كان المطلب العام للجماهير الشعبية اللي تظاهرت من المحيط إلى الخليج ليس فقط في بعض الدول العربية، باللحظة الأولى صار في لحظة كبيرة جداً مما أسميه أنا استعادة الوعي العربي بشكل عام وطبعاً تدخلت بعد ذلك قوى سعت إلى محاصرة هذه الانتفاضات الشعبية الكبيرة إنما يجب أن لا ننسى أن هذه الانتفاضات والمظاهرات الشعبية الضخمة ألهمت مظاهرات بنفس الضخامة في بعض المدن الأوروبية بشكل خاص في إسبانيا وفي اليونان وفي البرتغال وأيضاً انتقلت الحركة إلى أميركا مع حركة ديد وول ستريت أي ديد Occupy Wall Street.

محمود مراد: احتلوا وول ستريت؟

جورج قرم: يعني احتلوا بورصة نيويورك اللي ظلت أشهرا عديدة يعني، فأنا بتصوري لازم نقوم ونضع، نضع الحركات العربية بنطاق أوسع.

محمود مراد: ربما ربط أحدهم هذه الارتدادات في البلدان الغربية في بعض البلدان الغربية لتردي أوضاع العمال وتردي أوضاع الاقتصاد بصفة عامة كأسبانيا والبرتغال واليونان وغيرها حتى الولايات المتحدة كانت تواجه أزمة مالية عاتية في تلك المرحلة، لكن بالنظر إلى الوضع العربي دعني أسأل السيد عبد السلام الككلي، يعني لا شك أن وضع العامل في هذه اللحظة العربية أسوأ مما كان قبل 4 سنوات هل السبب في ذلك الانتفاضات أو الثورات التي اندلعت في بعض البلدان أم الثورات المضادة عليها؟

عبد السلام الككلي: أولاً شكراً للاستضافة وأستغل هذه الفرصة لأُهنئ عمال تونس وعمال الوطن العربي وكل العمال بهذه المناسبة العزيزة على قلب كل عامل، أريد أن أُذكر أنه يوم 14 يناير في 2011 عندما قامت الثورة التونسية قامت لأسباب معروفة، ضعف النمو الاقتصادي الذي لم يستطع أن يواجه مطالب الشغل الكبيرة، انخرام، انخرام التوازن بين الجهات ونحن نعرف أن الثورة التونسية قام بها رجل عاطل عن العمل وكان إحراقه لنفسه صرخة ألم وصرخة مقاومة، من هنا انطلقنا لم ننطلق من شعارات فقط انطلقنا من مطالب ومن وضعية معروفة، وضعية معروفة بطالة مستشرية انخرام جهوي أدى إلى تهميش قطاعات كبيرة من المجتمع التونسي وجهات كثيرة وخاصةً الجهات البعيدة عن الساحة لم تصل إليها التنمية وحتى عندما كانت نسبة النمو في تونس قبل الثورة 4 أو 5 وهي نسب معقولة ومرتفعة في الحقيقة لم تتحول أبدا إلى نسب للتنمية وكنا نعرف أن بعض العائلات المتنفذة والقادمين من السُلطة ومن القصر هم الذين كانوا ينهبون الأموال وكانت نسب التنمية تذهب إلى جيوبهم، ناهيك أن تونس الآن تطالب بمئات وآلاف المليارات المنهوبة ولم تسترد منها شيئاً، نعم قد يكون للأوضاع العالمية وقد يكون لقضية العولمة علاقة بانخرام الاقتصادات المحلية ولكن ليس فلنكن ملتصقين أكثر بالواقع، نحن خرجنا من وضع كان هذا الوضع فيه مطالبة بأشياء محددة، تنمية تشغيل توازن اجتماعي تضامن اجتماعي، الكُل يساهم فيه بما يُعطي بما يُنتج من أجل أن نحقق هذا الانتقال الديمقراطي الذي نطمح إليه وهو أصلاً إذا نظرنا إلى الجانب السياسي أيضاً هو مطلب أساسي في الثورة، ما الذي حدث بعد الثورة؟ كانت هناك أحلاما كبيرة، طبعاً لا أحد يصدق أن هذه الأحلام يمكن أن نحققها في 3 أو 4 سنوات هذا غير ممكن لأن حجم المشاكل حجم مشاكل 60 سنة لا يمكن أن تُحل في 3 أو 4 سنوات، بقي هناك أشياء ينتظرها العامل التونسي، كان هناك حلم بأن يستطيع الاقتصاد التونسي أن يلبي أكثر ما يمكن من حاجات التشغيل وخاصةً تشغيل الشباب ونحن نعرف أن تقريباً 30% من طالبي الشغل هم من أصحاب الشهادات العليا، كان المجتمع التونسي أيضاُ يطالب بالنظر النظر إلى هذه المطالب، الثورة التونسية انطلقت من سيدي بو زيد..

محمود مراد: طيب أنت لمست، لمست نقطة مهمة وهي الذين كانوا مستفيدين من الأوضاع في السابق..

عبد السلام الككلي: نعم.

محمود مراد: والذين كانوا متضررين من تلك الأوضاع، دعني أطرح السؤال على السيد جورج قرم، هل تعتقد أن هناك فعلاً ؟

عبد السلام الككلي: سأتحدث، طيب.

محمود مراد: دكتور جورج، دكتور جورج هل تعتقد هناك فعلاً ما يمكن أن يُطلق عليه تحالف أصحاب الثروة والمال الفاسد مع أصحاب النفوذ ومراكز القوى في الدول العربية الذين يُعرقلون مسار الثورة، مسار الثورة لأنها ممكن أن تسلبهم في نهاية المطاف الامتيازات الكثيرة التي حصلوا عليها؟

جورج قرم: انقطع الصوت، هل تسمعني؟

محمود مراد: أنا أسمعك هل تسمعني أنت؟

جورج قرم: هل تسمعني، نعم سمعت بس يجوز آخر السؤال، بس فهمت مغزى السؤال.

محمود مراد: أنا أسأل عما يمكن أن يطلق عليه؟

جورج قرم: ما في شك أنه.

محمود مراد: أصحاب المال الفاسد والسُلطة أو الزواج الذي لا يبدو شرعياً بين هؤلاء للمحافظة على المكتسبات التي حصلوها؟

جورج قرم: هو لا، هو لا شك فيه، لا شك فيه وأيضاً يعني أود أن أُشير إلى أن تعاظم الفساد أيضاً هي ظاهرة عالمية بس في العالم العربي طبعاً بطبيعة الحال كما ذكر الأخ النقابي من تونس، نحن عندنا بالنسبة للمعطيات الاجتماعية عندنا مؤشرات من أسوأ المؤشرات في العالم حالة البطالة وبشكل خاص عند العنصر الشاب خصوصاً العنصر الشاب المتعلم أعلى من أي منطقة أخرى، عندنا مساهمة المرأة في سوق العمل أيضاً أقل مساهمة في العالم، عندنا أيضاً حالات أُمية متفشية في العديد من الدول، جيوب أُمية كبيرة، عندنا العالم الريفي الأرياف العربية، نعلم أن متوسط الدخل فيها للشخص هو 300 دولار بالسنة فهذه أوضاع بطبيعة الحال أوضاع شاذة للغاية خاصةً عندما نرى ما هي الخيرات الموجودة عند معظم البلدان العربية سواء ثروات زراعية أو ثروات نفطية أو أيضاً ثروات فوسفاتية إلى آخره وعندنا أيضاً المهاجرين العرب اللي يحولوا مدخرات لأهاليهم في البلد، وكل هذا يُترجم بما نشهده من العشرات الآلاف من العرب الذين يغامرون بحياتهم لكي يبحروا إلى القارة الأوروبية من الشواطئ الجنوبية للمتوسط ويغامرون بحياتهم وهذا طبعاً هذا كان موجوداً حتى قبل اندلاع الأحداث الأليمة التي تُدمر حالياً عدة دول عربية، إنما حتى بعام 2002.

محمود مراد: طيب يعني؟

جورج قرم: صار في استفتاء للعنصر الشباب العربي.

محمود مراد: دعني أتوجه بالسؤال للسيد؟

جورج قرم: 52% من الشباب العرب يحبوا يهاجروا.

التجربة النقابية في تونس

محمود مراد: دعني أتوجه بالسؤال للسيد عبد السلام الككلي، دكتور عبد السلام هل يعني الدور الذي لعبه الإتحاد التونسي العام للشغل في مسار الثورة التونسية يعني له ما يشبهه في البلدان الأخرى، هل كان في مصر مثلاُ دورا للعمال دورا في طليعة الثورة كما يرفع الآن المتظاهرون في الشوارع هذا الشِعار في أيدي العمال؟

عبد السلام الككلي: أتركني أُعدل بعض الأشياء فيما قاله زميلي، الحديث عن وجود فساد عالمي لا يُبرر بأي شكل من الأشكال أن لا نقاوم الفساد الداخلي، البلدان الغنية قد لا يضرها شيءٌ من الفساد، هذه البلاد الفقيرة بطبيعتها هي دخلها وإمكانياتها محدودة والفساد فيها مسألة خطيرة جداً ولا يمكن التغاضي عنها بأي شكل من الأشكال وبأي وجه من الوجوه، التجربة التونسية في الحقل النقابي أرى أنها تجربة فريدة في الواقع، تونس عرفت العمل النقابي منذ العشرينات وكان ذلك بطبيعة الحال من خلال احتكاك العمال التونسيون بالعمال الفرنسيين ووجود نقابات فرنسية وهي تجربة عريقة جداً لأن التجربة التونسية منذ العشرينات في الواقع وبعد ذلك في الأربعينات في أيام مقاومة الاستعمار الفرنسي ثم بعد ذلك حتى مع بورقيبة وبن علي، في تونس العمل النقابي ألتصق إلى حد كبير بالعمل السياسي وكان الإتحاد في الحقيقة شريكاً على المستوى السياسي وعلى المستوى الاقتصادي ولذلك الإتحاد العام للشغل كانت كل الهزات التي وقعت في تونس كان ورائها الإتحاد والمطالب الاجتماعية سواء 26 يناير في الإضراب العام والذي أدى إلى مقتل مئات التونسيين ثم بعد ذلك 84، المنظمة النقابية التونسية في نظري إذا تركنا الأحزاب بعيداً ولا أريد أن أتحدث عنها هي المنظمة الوحيدة التي فيها 600 ألف منخرط ليس هناك أي مناضل من اليسار أو من اليمين أو أي مسرب سياسي ليس له تجربة في الإتحاد ولم يتعامل معه بشكل من الأشكال، الإتحاد وأظن أنها تجربة فريدة من نوعها، الإتحاد كان دائماً عامل توازن في الحياة السياسية والاقتصادية وذلك ظهر واضحاً بعد الثورة لأن ما يعرفه التونسيون ولا شك يعرفه كثير من العرب أن الإتحاد العام التونسي للشغل ومعه المنظمات الوطنية لعبوا دوراً كبيراً جداً وجوهرياً وأساسياً في حماية الثورة التي كادت تذهب إلى الانزلاقات التي لعبها ..

محمود مراد: طيب أنا أسأل هل لهذا الدور مثيل في بلدان الربيع العربي الأخرى، يعني هل هناك في مصر ما يماثل هذا الدور؟

عبد السلام الككلي: لا أعتقد لا أعتقد، لا أعتقد، لا أعتقد وأقول ذلك بدون أن أمس أي بلاد أو أي تجربة ولكني لم أرى في أي بلاد عربية تتحول فيها المنظمة النقابية إلى شريك في الانتقال الديمقراطي، لا أظن أن هذه التجربة موجودة بحُكم التجارب التي رأيتها، الإتحاد العام للشغل كان شريكاً أساسياً لا في الحوار الاجتماعي الذي يخوضه بكثير من النجاح بقطع النظر عن صفتي النقابية هذا ما يلاحظه كل التونسيين لم يكن شريكاً في الحوار الاجتماعي وفي تنقية المناخ الاجتماعي فقط.

محمود مراد: طيب دكتور.

عبد السلام الككلي: وإنما كان شريكاً في وجود حلول.

محمود مراد: دكتور جورج؟

عبد السلام الككلي: حلول لعدم سقوط المسار الديمقراطي فيما وصلت إليه الأمور في كثير من البلدان الأخرى.

محمود مراد: نعم دكتور جورج، دكتور جورج قرم هل لهذا السبب لا نسمع صوتاً للعمال بصورةٍ واضحة أو نجدهم يتصدرون الحراك الثوري في البلدان الأخرى التي تعرضت أو شهدت هزات سياسية خلال السنوات الأربع الماضية؟

جورج قرم: ما في شك، نعم، قبل أن أجيب مباشرةً للسؤال أنه طبعاً أنا عندما تحدثت عن الفساد لم أكن أوافق على الفساد أشارك الرأي يجب بطبيعة الحال مكافحة الفساد بشكل جدي إنما في صعوبات اليوم مع العولمة، أما الحالة التونسية وإذا وسّعنا شوي الرقعة الجغرافية أعتقد أن أخواننا في المغرب لهم تنظيمات نقابية عريقة أتت أيضاً كما تم الذِكر من الاحتكاك بالنقابات الفرنسية أو التعارف عليها ومن النضالات اللي تمت بالماضي ولهذا السبب نرى وهو بطبيعة الحال أن الإتحاد العام للشغل بتونس في الطليعة وهو بالفعل قدوة ونموذج للاتحادات الأخرى وأنا أُقيم وأُثمن كثيراً الدور البناء الذي لعبه الإتحاد لمنع انحدار أو انحراف الثورة التونسية، إنما أود أن أذكر أنه في مصر أيضا هناك تقاليد عمالية كبيرة وكانت هناك أيضاً نقابات عاملة وفعالة وفي الأيام الأولى من الانتفاضة بمصر لعبت النقابات العمالية دوراً كبيراً وكان في مطالبات أيضاً بزيادات أجور، في عندنا مدن صناعة بمصر كبيرة في النسيج المحلة الكبرى على سبيل المثال وهي نقطة ثقل..

محمود مراد: المحلة الكبرى وكانت هناك إرهاصات لما حدث في يناير2011 عندما لو تذكر الإضراب الشهير في 6 إبريل في أواسط العقد الماضي ربما كانت هذه اللبنات الأولى التي مهدت لهذا الحراك العمالي، لكن إذا تذكرنا الرئيس المنتخب محمد مرسي عندما وقف في مثل هذا اليوم في عيد العمال قبل عامين في مصنع الحديد والصُلب واحتفل مع العمال بعيدهم وقال  انه لن يكون هناك تسريح لأي عامل انتهي هذا العهد إلى غير رجعة واليوم قبل أيام قائد الانقلاب العسكري الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي قال أو احتفل بهذا العيد في مكان لا علاقة له بالعمال على الإطلاق في مؤسسة تتبع الداخلية أو الشرطة ثم صدر بعد ذلك قانون يُجرم الإضراب ويُبيح فصل العامل الذي يدخل في اعتصام أو إضراب، ما بال العمال يعني صامتون على هذه الأوضاع العجيبة؟

جورج قرم: أنا أعتقد أنه على كل حال الأحوال الاجتماعية للفئات العمالية والفئات الريفية وقد ذكرت هذه الفئات الريفية هي صعبة للغاية وما في شك أنه طبعاً زعزعة الاستقرار السياسي الذي أصاب التغييرات والطموح في مزيد من التغييرات الاقتصادية زاد الأوضاع المعيشية سوءاً فلذلك أعتقد أن من الصعب أن ينتظر ننتظر أن يكون هناك تحركات شعبية كبيرة ونواتها عمالية بعد كل هذا الشيء اللي حصل خلال السنين الأخيرة فالناس مرعوبين من موجات العنف التي تهز وتُدمر عدة بلدان عربية في نفس الوقت.

شعارات مطلبية ومطالب فئوية

محمود مراد: طيب هناك من يتحدث دكتور عبد السلام هناك من يتحدث عن أن العمال يتحملون جزءاً مما آلت عليه الأوضاع في بلدان الربيع العربي في هذه المرحلة، هم يعني لم يهتموا بمحاسبة الفاسدين بالقدر الذي اهتموا برفع شعارات مطلبية ومطالب فئوية في المرحلة التي كان ينبغي فيها التركيز على الإصلاح بوجهٍ عام إصلاح الأوضاع، الإصلاح بوجهٍ عام أو فئات المجتمع كلها وإصلاح السياسة بوجهٍ عام بدلاً من المطالب الفئوية؟

عبد السلام الككلي: نعم، توضيح صغير أنا عندما تحدثت عن التجربة النقابية لم أتحدث عن التجربة النقابية في الجانب النقابي الاجتماعي وأنا مُطلع بالقدر الكافي أظن على التجربة المغربية والمصرية تحدثت في سياق تدخل الإتحاد العام للشغل في مسار الثورة هذا توضيح، ثانياً الوضع في تونس في الحقيقة فيه مسؤوليات من هذا الطرف وذاك ويجب أن نعترف بهذا، منذ مدة وقعت أزمة بين الإتحاد العام للشغل ونقابات الأعراف أصحاب المؤسسات وأصحاب العمل لأن الأمين العام للإتحاد اتهم الأعراف بمجموعة من الاتهامات منها التهرب الجبائي منها الانخراط في التجارة الموازية وتشجيع الفساد منها حتى لا أقول جبنا عدم الشجاعة على الاستثمار في المناطق الداخلية لأنه عندما تطلب من مستثمر أجنبي أن يأتي إلى هذه المناطق المهمشة تقول له استثمر يجب أن تكون أنت كتونسي لك الشجاعة في أن تفعل ذلك، كثير من الفاسدين من رؤوس الأموال لم يقع محاسبتهم في الواقع.

محمود مراد: طيب في نصف دقيقة لو تكرمت؟

عبد السلام الككلي: المناخ الاجتماعي المناخ الاقتصادي بشكلٍ عام بقي غير سليم.

محمود مراد: في نصف دقيقة لو تكرمت ما توقعاتك لما هو آتٍ في المستقبل هل تعتقد أن كل الاختلالات التي تحدثت عنها ستنعدل؟

عبد السلام الككلي: شوف، شوف أنا أربط مسألة المستقبل بمسائل هيكلية ومسائل لا بد منها، أنا في نظري ما ينقص العالم العربي هو حوار اجتماعي لا حوار من أجل فض المشاكل ورفع الإضرابات، هناك حوار اجتماعي ضروري بين كل الأطراف، على الأعراف التزامات تتعلق بالمساهمة في صندوق الدولة والمساهمة في الجباية، تشجيع الاستثمار خاصة في القطاعات  ولكن يجب أن  نقول ذلك للعمال لأن هذا من واجبنا أن نقول لهم ذلك هو أنهم يبتعدون عن الإضرابات العشوائية والاعتصامات، الفوسفات في تونس ثروة مهمة وهائلة، خسرت شركة الفوسفات في 4 سنوات 1700 مليار من المليمات، هذه مسائل أساسية نحن حاجة في العالم العربي ..

محمود مراد: شكراً جزيلاً لك.

عبد السلام الككلي: لا إلى حوار من أجل فك الاعتصامات والإضرابات وإنما حوار مؤسس دائم وشفاف وينظر إلى مصالح هذا وذاك وخاصةً يحترم التشريعات العامة.

محمود مراد: أعتذر منك على المقاطعة لانقضاء الوقت المخصص لهذه الحلقة السيد عبد السلام الككلي الأكاديمي والنقابي كان معنا من تونس، وأشكر كذلك ضيفنا من بيروت السيد جورج قرم الخبير الاقتصادي والمالي، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيس بوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله تعالي في حلقة جديدة والسلام عليكم.