تعود نشأة اليسار التونسي إلى عقود طويلة خلت، وبدأت التحديات والصعوبات تواجهه قبل تخلص تونس من الاستعمار الفرنسي ولم تتوقف عند رحيل الفرنسيين.

وقد نجح اليسار التونسي في بلورة فكره والحفاظ على وضعه في الساحة السياسية والفكرية حتى بعد فترة جدل سببها انخراط شخصيات من اليسار في نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وفي مرحلة ما بعد الثورة، أثارت خطوات المعسكر اليساري في اتجاه التموقع في الخريطة السياسية الجديدة ردود فعل عديدة تراوحت بين النقد والثناء.

حلقة الجمعة 13/03/2015 من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على نشأة اليسار التونسي وتاريخه وتطور دوره في مرحلة ما بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011.

واستضافت الحلقة من تونس اليساري والسجين السياسي السابق والباحث في الحركات الاجتماعية  الطاهر شقروش، والمؤرخ والمختص بتاريخ تونس المعاصر والراهن محمد ضيف الله.

محطتان
وبين الطاهر شقروش في مستهل حديثه أن اليسار التونسي مرّ بمحطتين كبيرتين في تاريخه الأولى بدأت في 1920 تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي التونسي الذي نشأ مرتبطا بالطبقة الشغيلة.

أما المحطة الثانية فقد بدأت في عام 1963 مع بروز اليسار الجديد الذي طبع تاريخ تونس الحديث، حسب وصفه.

وقال شقروش إن اليسار التونسي هو حركة طلابية وحركة عمالية وحركة نسائية متقدمة جدا في العالم العربي، وهو أيضا حركة ثقافية واسعة.

وذكر أنه إذا كان اليسار التونسي قد خسر كقوة سياسية فإن ذلك لا يحجب حقيقة أن أفكار اليسار هي التي غذت الثورة، لافتا إلى أن اليسار كان له مشروع قبل أن تظهر الحركة الإسلامية في تونس.

وشدد السجين السياسي السابق على ضرورة أن يتوحد اليساريون ويشكلون قطبا جذوره تونسية عربية إسلامية.

يسار معارض
من جهته، أوضح المؤرخ والمختص بتاريخ تونس المعاصر والراهن محمد ضيف الله أن اليسار التونسي تعود نشأته إلى مطلع العشرينيات من خلال الحزب الشيوعي.

وأضاف أن الحكومات التي توالت على البلاد في حقبتي الاستعمار والاستقلال انتهجت سياسات اقتصادية لبيرالية مما دفع اليسار إلى التموقع في المعارضة وفرض نفسه وجلب الأنظار.

وقال ضيف الله إن اليسار الجديد نشأ في الوسط الجامعي وبقي مرتبطا به إلى منتصف السبعينيات، لافتا إلى أنه منذ بداية الثمانينيات ظهر توجه جديد لدى اليسار من خلال النضال داخل المنظمات الحقوقية.

وتحدث عن وجود جناح يساري سياسي متعثر ومتشرذم، لكن اليسار استطاع ثقافيا أن يحقق نجاحات كبيرة في النشر والسينما والمسرح والموسيقى وغيرها من مجالات الثقافة.

واعتبر أن اليسار التونسي بقي نخبويا وحضوره متقلصا على مستوى القاعدة الشعبية ولم يستطع أن "يتتونس بمعنى أن يتمدد شعبيا".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: اليسار التونسي.. امتداد ثقافي وشعبية محدودة

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   الطاهر شقروش/يساري وسجين سابق

-   محمد ضيف الله/مؤرخ مختص في تاريخ تونس المعاصر

تاريخ الحلقة: 13/3/2015

المحاور:

-   اليسار ملح السياسة في تونس

-   الخيط الناظم لمسيرة اليسار التونسي

-   اليسار لم يستطع أن يتتونس

الحبيب الغريبي: أهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط فيها الضوء على نشأة وتاريخ اليسار التونسي وتطور دوره في مرحلة ما بعد الثورة.

النشأة تعود إلى عقود طويلة خلت والتحديات والصعوبات بدأت قبل أن تَخلُص تونس من الاستعمار الفرنسي ولم تتوقف عند رحيل الفرنسيين بطبيعة الحال لكن اليسار التونسي نجح في بلورة فكره والحفاظ على وضعه في الساحة السياسية والفكرية حتى بعد فترة جدل سببها انخراط شخصيات من اليسار في نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، في مرحلة ما بعد الثورة أثارت خطوات المعسكر اليساري باتجاه التموقع في الخارطة السياسية الجديدة أثارت ردود فعل عديدة تراوحت بين النقد والثناء، نتابع بداية تقرير فتحي إسماعيل حول نشأة اليسار وصولا إلى انطلاق الثورة.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: تعود جذور الفكر اليساري في تونس كتوجه اجتماعي يتبنى الحداثة والعدالة وتحرير المرأة إلى بدايات القرن العشرين تأثرا بأدبيات الأممية الشيوعية ونشاطات الحزب الاشتراكي الفرنسي، وإذ نادت تلك النواة الأولى بالتحرر الوطني فسرعان ما قمعها الاستعمار الفرنسي لكن تبلور الحركة اليسارية التونسية فكرا سياسيا ومن ثم تنظما حزبيا ارتبط بظهور الطبقة العاملة والحركة النقابية في البلاد منذ ما قبل الاستقلال فكانت نشأة الحزب الشيوعي التونسي والإتحاد النقابي للعمال التونسيين، بَيْد أن الحزب الذي اعتبر فرعا للحزب الشيوعي الفرنسي سرعان ما خبا نجمه مع مطلع الستينيات دون أن يندثر تماما بسبب صعوبة انتشاره مجتمعيا وملاحقة نظام بورقيبة لناشطيه وحينئذ بدا طور جديد لليسار التونسي مع ظهور حركة آفاق التي ضمت طيفا واسعا من التوجهات الماركسية كاللينينية والتروتسكية والماوية وغيرها، كان نشاط الحركة نخبويا ومحصورا تقريبا في الفضاء الجامعي قبل أن تصطدم بالسلطة التي حاكمت رموز الحركة عام 1968 ومن ثم دخلت مرحلة العمل السري التحريضي في أوساط العمال خاصة لتواجه مرة أخرى بالقمع الشديد ثم بمحاكمات عام 1974 الشهيرة، مع أواسط الثمانينيات كانت حركة آفاق قد تفككت نهائيا ليبدأ طور آخر لليسار التونسي تميز بظهور أحزاب سياسية بجرعات إيديولوجية مختلفة كحزب التجمع الاشتراكي الذي تحول لاحقا إلى الحزب الديمقراطي التقدمي وحزب العمال الشيوعي التونسي، ومع وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة أواخر عام سبعة وثمانين سارعت شخصيات من اليسار التونسي أو محسوبة عليه إلى الانخراط في نظامه مما جلب لليسار عموما عداوات فئات واسعة من السياسيين والحقوقيين اتهمتهم بالتحالف مع الاستبداد وانتهاج ما عُرف بسياسة تجفيف منابع التديّن في المجتمع ومحاربة الإسلام السياسي ولا سيّما بعد أن اشتدت قبضة النظام البوليسية وقمعه لأي نشاط معارض وامتلاء سجونه بالمعتقلين السياسيين، لكن بعيدا عن التعميم السلبي فقد ضلت أحزاب يسارية مناوئة لنظام بن علي كحزب العمال  الذي تعرض لملاحقات ومحاكمات، وكان الانضواء تحت لواء الإتحاد العام التونسي للشغل أو الإتحاد العام لطلبة تونس ملاذا للناشطين اليساريين وغيرهم بعدما أُوصدت كل الأبواب بينما واصلت أحزاب معترف بها كالديمقراطي التقدمي والتكتل من أجل العمل والحريات والشيوعي الذي غير اسمه إلى حركة التجديد واصلت النضال السلمي دون جدوى إلى أن أطاحت الثورة بنظام بن علي لتجعل اليسار وغيره أمام اختبار عسير وقاس اسمه الديمقراطية.

[نهاية التقرير]

اليسار ملح السياسة في تونس

الحبيب الغريبي: معنا في هذه الحلقة من تونس الطاهر شقروش اليساري والسجين السياسي السابق والباحث في الحركات الاجتماعية ومحمد ضيف الله المؤرخ المختص بتاريخ تونس المعاصر شكرا لكما على المشاركة، قد لا يكون مجانبا للحقيقة القول بأن اليسار هو ملح السياسة في تونس حتى قبل ظهور دولة الاستقلال واستمر في تأسيس المشهد لسنوات طويلة بما يمتلكه من أفكار وأمثولات وبتحوله إلى مُناكف عنيد للسلطة آنذاك، نريد أن نفهم سيد ضيف الله جملة العوامل التي منحت الأسبقية لليسار التونسي في قصة نشوئه وارتقائه في تلك الفترة.

محمد ضيف الله: نعم أهلا وشكرا على الاستضافة، اليسار التونسي نستطيع أن نقول أنه يعود إلى مطلع العشرينات في الحزب الشيوعي التونسي وكان قد ناضل في الحقيقة خاصة في فترة الخمسينات من أجل الاستقلال ودخل مناضلوه السجون، أما لماذا أستطاع أن يكون مختلفا لأن الحكومات التي توالت على البلاد سواء في الفترة الاستعمارية أو فيما بعد هي حكومات انتهجت سياسة اقتصادية ليبرالية وبالتالي اليسار وجد نفسه المعارضة ومن موقع نقدي بحيث جلب إليه الأضواء وخاصة أنه استطاع أن يؤطر وأن يستقطب النخب الجديدة النخب المثقفة من كبار الأساتذة في تونس، إذن استطاع أن يفرض نفسه ويجلب الأنظار ويكون له صبغته وخاصيته وامتيازه بالمقارنة مع التيارات أو الأحزاب التي كانت حاكمة، اليسار في تونس سواء في الفترة الاستعمارية أو فيما بعد في الفترة الاستعمارية في الحقيقة في البداية كان موقفه يتماهى مع الحزب الشيوعي الفرنسي وكانت الأسبقية يعطيها للقضايا الأممية أي أن تونس تستقل أو استقلال تونس هو من خلال تحرر الطبقة العاملة لكن كما قلت ذلك تحول وتغير هذا الموقف في الخمسينات باعتباره أصبح يتماهى مع الموقف الوطني ويطالب بالاستقلال، بعد الاستقلال اليسار التونسي تعرض للقمع لا ننسى أن الحزب الشيوعي التونسي كان قد وقع حظره في June 1963 فظهر يسار جديد، اليسار الجديد هو الذي عبرت عنه مجموعة Perspective التي ظهرت في أكتوبر 1962

الحبيب الغريبي: نعم آفاق..

محمد ضيف الله: وهي التي أعطت وهي التي نستطيع أن نقول هي أُم اليسار الجديد وكل الحركات اليسارية الموجودة في الوقت الحاضر على الساحة.

الحبيب الغريبي: طيب طيب سيد شقروش يعني حتى نحاول طيّ المراحل بشكل أسرع، بتقديرك هل توجد محطة أو محطات ربما اعتبارها منعطفات أو مفاصل رئيسية في مسار مسيرة اليسار التونسي منذ نشأته إلى الآن.

الطاهر شقروش: شكرا على الاستضافة، هناك محطتان كبيرتان في تاريخ اليسار، المحطة الأولى سنة 1920 تأسيس الحزب الشيوعي التونسي والذي نشأ مرتبطا بالطبقة الشغيلة لأن المناجم والمرافئ عمال المناجم كانوا منضوين تقريبا تحت الحزب الشيوعي وكانت الحركة الإصلاحية التي قادها الطاهر الحداد ويعني محمد علي.. نقابة محمد علي كانت مدعومة وكان ضمنها شيوعيين في ندوري ومختار العياري وإلى آخره، كل هذه الفترة حتى سنة بعد الاستقلال 61 لعب فيها اليسار أما سياسيا أو اجتماعيا دورا مهما، وكانت المعتقلات في برج الباف وفي طبرسق تعرف قيادات شيوعية وهي هامات كبيرة في هذه المراحل مما جعل في تونس ليس غريبا أن ترى الشيوعيين يوزعون مناشير في الجامع الأكبر جامع الزيتون يساندون الطلبة ويدعمون نضالاتهم، هذا كان موجودا والمناشير موجودة الآن في الأرشيف، دونك هذه الفترة الأولى الكبيرة ولكن لبعض الهفوات لم يتمكن الحزب الشيوعي من قيادة الحركة الوطنية ساهم فيها بدور كبير لكن بقي محدودا، المرحلة الثانية الكبيرة هي سنة 63 عندما يعني بعد اكتشاف المحاولة الانقلابية والقضاء على الحركة اليوسفية وتدجين الحركة النقابية برز اليسار الجديد وطبع تاريخ تونس الحديث ولا يمكن الحديث عن نضال تونس الديمقراطي دون الحديث عن اليسار، ومثال على ذلك أن كل أجهزة القمع الأمن السياسي محكمة أمن الدولة قانون التظاهر فرق التدخل كلها تشكلت لقمع اليسار حتى قانون الصحافة حتى 74 هذه الفترة برز فيها اليسار وهو من رفع قضية الديمقراطية وقضية العدالة الاجتماعية إلى معناها كامل الفترات، صحيح إنه تحت ضغط القمع وتحت ضغط إرهاب الدولة تشتت اليسار وتعدد لكن أنا من جيل مثلا شاركت في حركة فيفل المجيدة، نحن أول حركة اجتماعية طلاب اجتماعية رفعنا استقلال جزء من الشعب عن السلطة يعني الطلاب رفعوا شعار نقابة ديمقراطية ...

الحبيب الغريبي: سيد شقروش سنعود إلى.. سنعود إلى موضوع التشرذم لاحقا ربما في الجزء الثاني ولكن في محاولة الجواب عن السؤال المطروح دائما عن الفاعلية ومدى الفعالية السياسية لليسار التونسي سيد ضيف الله الفكرة السائدة عن اليسار التونسي وربما هذا صالح لليسار العربي ككل أنه ربما صُهر في أوعية نخبوية كالجامعة مثلا الجامعة التونسية التي كانت مصنعا للأفكار وللقيادات والأجيال وكذلك في الإتحاد العام التونسي للشغل في فترة ما كان يستقطب الجميع سواء كان ماركسيين تروتسكي ستاليني ماوي خوجي وبالتالي أصبح الانطباع السائد بأن اليسار يسار نخبوي ليس قادرا على الإحساس بنبض الشارع، إلى أي حد يعني هذه المقاربة النقدية قد تكون صالحة بالنسبة لتونس أيضا.

محمد ضيف الله: نعم هو في الحقيقة اليسار الجديد نشأ في الوسط الجامعي لا ننسى وبقي مرتبطا بالوسط الجامعي في جزء منه على الأقل إلى منتصف السبعينات لكن منذ منتصف السبعينات الأجيال الجديدة التي تخرجت من الجامعة التحقت بالإتحاد العام التونسي للشغل ووجد متنفسا له في الإتحاد العام التونسي للشغل بمختلف تنظيماته، ومنذ نهاية السبعينات وبداية الثمانينات وقع توجه جديد داخل اليسار وهو أن يناضل في الجمعيات الحقوقية وأساسا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان هذه الصفة السياسية أو الواجهة السياسية لكن لا ننسى أيضا أن اليسار له فاعلية أكثر أهمية وأكثر تأثيرا وهو على الواجهة الثقافية، اليسار له تأثير كبير في السينما في المسرح كذلك في النشر في ميدان الكتاب في الموسيقى، إذن هذه الميادين كان لليسار فاعلية كبيرة إذن هناك جناحان نستطيع أن نقول جناح سياسي يتعثر نتيجة كثرة التنظيمات كذلك ربما في داخل اليسار هناك تضخم الآمال لدى الكثير من القيادات اليسارية مما جعل اليسار إذن يتشرذم لكن على المستوى الثقافي اعتقد هناك نجاح استطاع اليسار أن يحقق نجاحات كبيرة في ميدان الكتاب في ميدان السينما لا ننسى ذلك في المسرح في هذه الميادين الثقافية المتعددة بَيْد  أنني هنا لديّ ملاحظة على ما كان يقوله صديقي شقروش.

الحبيب الغريبي: طيب طيب دعني.. واضح دعني دعني اسأل سيد ضيف الله  بعد إذنك دعني اسأل سيد شقروش يعني اسأل السيد شقروش عن يعني حجم الحمولة السياسية لليسار يعني نسأل تحديدا هل أن اليسار بكل عائلاته بكل أطيافه يمتلك الآن مشروعا سياسيا واضح المعالم سيد شقروش.

الطاهر شقروش: لأ قبل ذلك لا بد أن أرد على جانب أعتقده مهما، ماذا قدّم اليسار؟ اليسار ليس فقط تروتسكي وستالين وأنور خوجة، اليسار هو الحركة الطلابية التي أسست في العالم العربي معنى حركة طلابية مستقلة طيلة عشرين سنة في ظل نظام ديكتاتوري، اليسار ساهم بقسط كبير في تأسيس حركة عمالية مناضلة وكانت انطلاقتها 26June   اليسار هو من صنع حركة نسائية متقدمة جدا في الوطن العربي وكان ضد الدكتاتورية في كل محطة، اليسار هو من صنع حركة ثقافية واسعة في المسرح والسينما والأدب ولها قيم في هذا الجانب، اليسار أيضا هو من ساهم في التكونات هذه كلها ولأن خسرت كقوى سياسية فإن أفكار اليسار هي التي غذت الثورة.

الحبيب الغريبي: طيب جميل.

الطاهر شقروش: شعار الخبز والحرية والكرامة الوطنية ظهر في 73..

الحبيب الغريبي: جميل سنواصل..

الطاهر شقروش: سامحني..

الحبيب الغريبي: سنواصل النقاش سيد شقروش لأن الوقت الوقت يعني فعلا....

الطاهر شقروش: طيب إذن اليسار ليس فقط شعارات مستوردة وإنما ينبع من هذه الأرض الطيبة ويأخذ تاريخها وهو يتميز عن العديد من اليساريين من أشكال اليسار في وطنا العربي ولذلك هو الآن فاعل.

الخيط الناظم لمسيرة اليسار التونسي

الحبيب الغريبي: سنحاول سنحاول فيما تبقى من الوقت سيد شقروش بعد إذنك سنحاول فيما تبقى من وقت يعني تتبع هذا الخيط الناظم لمسيرة اليسار التونسي وصولا إلى الثورة ومرحلة ما بعد الثورة، نتابع هذا التقرير الآن مع ميساء الفطناسي حول واقع اليسار التونسي الآن وهنا.

[تقرير مسجل]

ميساء الفطناسي: الإعلان عن نتائج الانتخابات النيابية في الثلاثين من أكتوبر تشرين الأول الماضي حمل معه إشارة انطلاق مرحلة جديدة في مسيرة التيار اليساري التونسي في أحزابه ورموزه ورغم الانكسار الذي مني به بعض رموز اليسار في الانتخابات الماضية كحزبي التكتل والمسار بعد خروجهما دون أي تمثيل لهما في مجلس النواب فقد دفعت نتائج الانتخابات بقوى يسارية كثيرة إلى واجهة المشهد السياسي التونسي ممثلة في جبهات مختلفة فحزب نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية يعد اليسار أحد أبرز مكوناته ممثلا في عديد قيادات الصف الأول كالوزيرين في الحكومة الحالية الطيب البكوش والأزهر العكرمي، أما الجبهة الشعبية الحاضن الأكبر لقوى اليسار التونسي فقد كان نصيبها من الانتخابات النيابية الأخيرة إيجابيا مقارنة بانتخابات 2011 التي خاضتها بسقوف مشتتة وحلولها اليوم رابعة في المشهد البرلماني بخمسة عشر مقعدا يخرجها من أطر التحركات الشعبية الاحتجاجية إلى العمل تحت قبة البرلمان ككتلة مستقلة تتقدم صفوف الكتل المعارضة داخل مجلس النواب، إلا أن البقاء في المعارضة لم يكن الخيار المبدئي للجبهة الشعبية منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات فالجبهة وضعت نفسها في موضع المعنيين بالمشاركة في السلطة بتقديمها مرشحا من صفوفها لمنصب نائب رئيس البرلمان إضافة إلى مشاركتها في مشاورات تشكيل الحكومة وتقديم شروط للتمثيل فيها، وكان بيانها الشهير قبيل الدور الثاني للاستحقاقات الرئاسية الذي دعت فيه أنصارها إلى قطع الطريق أمام المرشح منصف المرزوقي دون تحديد موقف واضح من المرشح المنافس الباجي قائد السبسي قد أثار حفيظة عدد من الرموز اليسارية التي رأت في ذلك إشارة واضحة إلى استعداد الجبهة لوضع يدها بيد نداء تونس نقيضها الفكري والأيديولوجي وهو ما يعني استعدادها للتضحية بمبادئها اليسارية في سبيل المشاركة في الحكم، ولعل ذلك يحيل كثيرين إلى تجربة السنوات الثلاث الماضية لليسار التونسي ممثلا بالجبهة الشعبية التي يقول ناقدوها أنها تفرغت لمعارضة الإسلاميين الذين كانوا في السلطة دون تقديم بدائل ملموسة وقد كان انضمام القوى اليسارية إلى ما سمي حينها جبهة الإنقاذ المعارضة عقب اغتيال السياسي محمد الإبراهيمي محل انتقادات كثيرة من قبل أنصار التيار اليساري في تونس الذين رأوا أن خيار الجبهة الشعبية أثر في أسسها المبدئية بعد أن توحدت مع قوى سياسية تختلف معها في المشاريع والرؤى لكنها توحدت حينئذ لمعارضة حركة النهضة، ويرى كثيرون اليوم أن محافظة القوى اليسارية التونسية على موقعها في المعارضة أعاد إليها صورتها الثورية في عيون جماهيرها غير أن تحسن تمثيلها وموقعها في المشهد السياسي سيفرض عليها تحديات كبيرة كأن تثبت أنها قوة سياسية ناضجة وأنها خرجت فعلا من دائرة الاحتجاجات الشعبية إلى دائرة العمل السياسي والتعاطي الإيجابي مع الشأن العام وهي مهمة ليست بالهينة في ظل ضعف التمثيل العددي للمعارضة البرلمانية، ميساء الفطناسي الجزيرة تونس.

[نهاية التقرير]

اليسار لم يستطع أن يتتونس

الحبيب الغريبي: إذن جاءت الثورة وكانت أقل السيناريوهات تفاؤلا تقول بأن اليسار سيكون له موطئ قدم ثابت في المشهد السياسي التونسي ولكنه مني بهزيمة ثقيلة في أولى الاختبارات، سيد ضيف الله يعني هل كانت هناك عوامل موضوعية حقا في هذه الخسارة أم لخلل في اليسار؟

محمد ضيف الله: أعتقد أن هناك خللا وهناك عوامل موضوعية في نفس الوقت، الخلل يتمثل في التصاق اليسار بالفئات الشعبية سواء في الأحياء الشعبية المحيطة بالمدن الكبرى أم في داخل البلاد فبقي اليسار نخبويا وعلى مستوى إعلامي وعلى مستوى كما قلت ثقافي هو له حضور مكثف ولكن على مستوى قاعدة شعبية إذن هو حضوره متقلص، إذن لهذا خلال الانتخابات لم يكن في فائدته، كذلك التشرذم التنظيمي لكثير من التيارات والأحزاب السياسية اليسارية جعلها لا تستطيع أن تمتد داخل البلاد مما جعل ماكينات حزبية أخرى هي التي تستطيع أن تصل إلى مختلف جهات البلاد مما جعل الفئات الأخرى الأحزاب الأخرى هي تنتصر بينما الأحزاب اليسارية حازت على نسب قليلة وحتى ما قدم على أنه انتصار كبير للجبهة الشعبية خلال انتخابات أكتوبر 2014 في الحقيقة نتيجة أن تلك التنظيمات هي تجمعت مع بعضها البعض دون أن تتقدم فعليا على المستوى العددي، فالعدد الذي حازت عليه الأحزاب اليسارية في انتخابات 2011 هو تقريبا نفسه الذي حازت عليه وكانت آنذاك متفرقة هو نفسه الذي حازت عليه  في انتخابات أكتوبر 2014.

الحبيب الغريبي: طيب...

محمد ضيف الله: نعم إذن الخطاب اليساري اليسار في الحقيقة لم يستطع أن يتتونس بمعنى أن يمتد شعبيا.

الحبيب الغريبي: هناك تفسيرات أخرى بودي أن أسأل السيد الشقروش يعني، آراء تقول بأن اليسار سقط في فخ المعركة الوجودية أن صح التعبير مع الإسلاميين دون أن يطرح بديلا أو مشروعا واضحا، ما رأيك في ذلك؟

الطاهر شقروش: اليسار له مشروعه وقبل أن تظهر الحركة الإسلامية ومشروعه متميز والثورة أكدت هذا المشروع وشعار الشغل والحرية والكرامة لا علاقة له بالخطاب الإخواني أو الخطاب هو خطاب يساري اجتماعي، لكن مع هذا أقر بقدر ما أن اليسار نجح في بلورة رؤيا وبرنامج اجتماعي لأن الآن أفكار اليسار هي أفكار الاتحاد أفكار اتحاد الشغل أفكار اتحاد الطلبة أفكار الحركة النسائية ولكن اليسار السياسي يعني في بعده السياسي متشتت، يعني ثمة تقريبا سبعين تنظيم يساري في حين هناك تنظيم إسلامي واحد وتنظيم ليبرالي كبير واحد وهذا كلنا نعرفه وحذرنا منه عشية الانتخابات، لقد طالبنا ببعث حزب يساري كبير وهو مطروح إلى الآن وكانت هناك مساعي كثيرة وهناك من يريد من المحافظين على دكاكين دكاكين فارغة ومتجمدة ومتكلسة، هذا الخطر الكبير هناك من يطرح جبهة واسعة فاختزلت فوقع التشتت ووقعت يعني التفرقة ولذلك وقع استقطاب اليسار يمينا من الحزب الليبرالي يعني نداء تونس أو من الحزب المحافظ النهضة والأمر أن المطروح هو أن يتوحد اليساريون ويشكلون قطبهم وهذا مطروح اليوم للنقاش ويكون قطبا ذي بعد جذوره تونسية عربية في ثقافة إسلامية.

الحبيب الغريبي: طيب سيد شقروش معلش سأمنحك دقيقة بقيت دقيقتان في الحقيقة سأوزعها بالعدل بينكما، سيد ضيف الله الآن صحيح الجبهة الشعبية الجبهة الشعبية كممثلة دعنا نقول لليسار التونسي داخل البرلمان تمتلك خمسة عشر مقعدا ولكن كثيرون يقولون أن هذا مأزق هي تحولت إلى معارضة أقلية ولن تكون فاعلة كثيرا، كيف ترى الأمر باختصار؟

الطاهر شقروش: نحن لا نتصور بأن خمسة عشر مقعد هو نجاح للجبهة هو نجاح...

محمد ضيف الله: نعم هي معارضة نعم...

الحبيب الغريبي: سيد ضيف الله سأعود إليك سيد شقروش سأعود إليك، لا السؤال للسيد ضيف الله سيطرح عليك سؤال سيد شقروش. سيد ضيف الله تفضل جاوب على سؤالي.

محمد ضيف الله: نعم الجبهة الشعبية هي معارضة نعم الجبهة الشعبية هي معارضة لكنها في الحقيقة معارضة ضعيفة أمام أغلبية كبيرة، كان بإمكان الجبهة الشعبية أن يكون لها موقفا آخر ربما بالاقتراب حتى من الأحزاب الأخرى الأحزاب الموجودة معها في البرلمان كحركة الشعب وغيرها من التنظيمات أو ما يسمى بالكتل الاجتماعية الديمقراطية حتى تكون معارضة قوية ولكن الحقيقة خمسة عشر مقعدا هذه تستطيع أن تكون موجودة ولكن لا تأثير كبير لها.

الحبيب الغريبي: طيب شكراً، شكراً جزيلا لك، يبدو أن الوقت ضغط كثيرا بخلاف توقعاتي اعتذر منك سيد الشقروش، إذن أشكركم سيد الطاهر الشقروش اليساري والسجين السياسي السابق والباحث في الحركات الاجتماعية ومحمد ضيف الله المؤرخ المختص بتاريخ تونس المعاصر، إذن بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي أشكركم وإلى اللقاء.