البحث في عمق العلاقات المصرية الليبية قد يعيدنا إلى جذور ضاربة في التاريخ، ويعبر عنها اليوم تمازج ثقافي واجتماعي تراكم على مدار عقود طويلة خاصة بين أبناء الشرق الليبي والغرب المصري.

غير أن حسابات السياسة وتقلباتها والتغير في أنظمة الحكم والقادة أثر بشكل أو بآخر في مسار تلك العلاقات، فانتقلت من التقارب الشديد وحتى الوحدة مرورا بالتوتر وحتى الصراع، إلى صياغة علاقة بدت أسسها مصلحية في السنوات التي سبقت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر وثورة 17 فبراير/شباط من العام نفسه في ليبيا.

تعامل حذر
ولفهم العلاقات الاجتماعية الخاصة التي ربطت الشعبين، أوضح خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، لحلقة الاثنين 16/2/2015 من برنامج "الواقع العربي"، أن عوامل الجغرافيا التي تربط البلدين بحدود تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، إضافة إلى تاريخ البلدين منذ العصر الفاطمي، جعلت للعلاقة بين الشعبين خصوصية اجتماعية وشعبية متينة.

وقال إن الأوضاع السياسية بين البلدين شهدت حالة من التماهي السياسي والأيديولوجي عقب الاستقلال، واستمر ذلك عقب الثورة الليبية ضد الملك السنوسي ومحاولة تقليد العقيد الليبي الراحل معمر القذافي للتجربة المصرية في ذلك العهد، ثم توترت العلاقة بين البلدين عقب توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل.

وأرجع العناني التوتر الذي شاب علاقة البلدين عقب ثورة يناير/كانون الثاني إلى عدم وضوح الموقف السياسي المصري من الثورة الليبية.

وأوضح أن ضعف الدولة الليبية والفراغ السياسي والأمني وتصدير السلاح للداخل المصري؛ جعل مصر تتعامل بحذر مع الشأن الليبي. ووصف التعامل المصري مع  جريمة ذبح الأقباط المصريين البشعة بأنه رد فعل أكثر منه تصرف سياسي حكيم.

وعدد أستاذ العلوم السياسية عددا من العوامل الأخرى التي ساعدت في تدهور علاقات البلدين، منها احتضان مصر لبعض رموز نظام القذافي، وانضمامها إلى ما يطلق عليه قوى الثورة المضادة للربيع العربي، ومشاركتها لدولة الإمارات في قصف مواقع بعض القوى الليبية.

ملف السياسيين
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس عبد الحميد النَعمي فقد رأى أن التأثير والتأثر المتبادل بين الدولتين ظل قائما، ولكنه أرجع بداية تدهور العلاقات بين البلدين إلى تعثر التجربة الديمقراطية في ليبيا.

واتفق مع العناني في أن ملف السياسيين الليبيين الذين رحلوا عقب الثورة الليبية وأقاموا في مصر لعب دورا في تعكير علاقات البلدين، إضافة إلى امتعاض السياسيين الليبيين من التدخل المصري المباشر وغير المباشر في شؤون بلادهم الداخلية، ودعم القاهرة للتيار المضاد للثورة الليبية، بحسب وصفه.

وأشار النعمي إلى العلاقة المباشرة بين وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم وإقصائه لتيار الإسلام السياسي، وبين الاستياء الذي شعر به تيار الإسلام السياسي في ليبيا من هذا الموقف، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من المنظمات والأحزاب السياسية الليبية إلى خانة معاداة الحكومة المصرية.


اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: تاريخ العلاقات المصرية الليبية ومستقبلها                                         

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   خليل العناني/أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز

-   عبد الحميد النعمي/أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس

تاريخ الحلقة: 16/8/2015

المحاور:

-   علاقات ساهمت في النسيج القائم بين البلدين

-   عامل التأثير السياسي في التوتر القائم

-   دعوة إلى سيسي ليبي

الحبيب الغريبي: أهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط فيها الضوء على تاريخ العلاقات المصرية الليبية على الصعيدين الشعبي والسياسي، كما نناقش فيها أيضا مستقبل هذه العلاقات في ضوء التطورات الراهنة.

البحث في عمق العلاقات المصرية الليبية قد يعيدنا إلى جذور ضاربة في التاريخ ويعبر عنها اليوم تمازج ثقافي واجتماعي تراكم على مدار عقود طويلة خاصة بين أبناء الشرق الليبي والغرب المصري، غير أن حسابات السياسة وتقلباتها والتغير في أنظمة الحكم والقادة اثر بشكل أو بآخر في مسار تلك العلاقات، فانتقلت من التقارب الشديد وحتى الوحدة مرورا بالتوتر وحتى الصراع، إلى صياغة  علاقة بدت أسسها مصلحية في السنوات التي سبقت ثورة يناير عام 2011 في مصر وثورة 17 فبراير من نفس العام في ليبيا، نناقش مسار العلاقة المصرية الليبية ومدى تأثر جانبها الاجتماعي والشعبي بالسياسة وقيودها وتحولاتها كما نحاول استقراء مستقبل هذه العلاقات في ضوء التطورات الراهنة ولكن نتابع أولا التقرير التالي في الموضوع:

[تقرير مسجل]

مريم أوباييش: العلاقات المصرية الليبية عبر التاريخ تقارب وتأثير وتأثر وتجانس وصل إلى إعلان الوحدة في سبعينيات القرن الماضي وخلافات إلى حد القطيعة والحرب، الجغرافيا والحدود المشتركة كانتا في مراحل نعمة وفي مراحل أخرى نقمة. انقلاب معمر القذافي على الملك السنوسي عام 69 كان نتيجة للتأثر بالتجربة الناصرية وثورة يوليو، سعى العقيد الشاب آنذاك للوحدة مع مصر بالتوقيع على ميثاق طرابلس الذي تضمن الجبهة القومية العربية، انضمت سوريا لاحقا وأعلن عن اتحاد الجمهورية العربية بين الدول الثلاث عام 1971، ساءت العلاقات بين طرابلس والقاهرة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وصلت الخلافات إلى حد نشوب حرب بين البلدين واستمرت لعدة أيام في يوليو عام 77 انتهت بتجميد العلاقات الدبلوماسية لمدة 12 عاما، بداية ذوبان الجليد بين الجارتين كانت عام 89 وتحديدا بعد اللقاء التاريخي بين القذافي ومبارك في القمة العربية بالمغرب، توجت العلاقات بالتوقيع على اتفاقيات اقتصادية في عام 91 وظلت مصر لسنوات السند القوي لليبيا خلال الحصار الدولي الذي أعقب أزمة لوكربي، وكان قذاف الدم ابن عم العقيد الليبي حلقة الوصل بين القاهرة وطرابلس، تسبب الرجل في نشوب أزمة بين البلدين بعد لقائه بمرشد جماعة الإخوان مهدي عاكف 2005 لم تكن أخر أزمة سببها قذاف الدم، تأثرت ليبيا بثورة يناير التي أطاحت بنظام مبارك ودفعت العمالة المصرية التي قدرت بنحو مليونين وربما أكثر تكلفة غالية جراء تداعيات الاقتتال بين الميليشيات الليبية. أغلقت الحدود بين البلدين أكثر من مرة منعا لوصول العنف إلى مصر، عدم تسليم القاهرة قذاف الدم للسلطات الليبية أدى إلى طرد السفير المصري من طرابلس في 2013 لتبلغ العلاقات قمة التوتر، توتر سرعان ما هدأ ليمهد لعودة التقارب الذي تحكمه الجغرافيا والتاريخ ولكن هذه المرة مع فريق من الليبيين، لم ُيخفي اللواء المتقاعد خليفة حفتر تأثره بعبد الفتاح السيسي وقراره بالسير على نفس خطاه لتغيير الخريطة السياسية الهشة أصلا في ليبيا ما بعد ثورة فبراير، استقبلت القاهرة رئيس الوزراء عبد لله الثني في 2014 كان ذلك موقف صريحا لان الثني كان يمثل برلمان طبرق المثير للجدل، العلاقة بين ليبيا ومصر ليست فقط من مع من ومن ضد من، هي علاقات يحكمها تداخل اجتماعي فرضته الجغرافيا وعلاقات اقتصادية تؤثر في البلدين في حالات الود والخصام، ما بعد إعدام التنظيم الدولة لـ 21 مصريا لا يترك مساحة للسياسة لاحتواء الأزمات التي طالما انتهجتها مصر مع ليبيا وفي نفس الوقت أي تدخل عسكري طويل المدى ستكون تداعياته كارثية في الداخل المصري، وفي علاقات القاهرة مع بعض دول شمال إفريقيا التي قد لا تقف مكتوفة الأيدي، والأخطر أن تجد مصر يوما نفسها غير قادرة على سياسة النأي بالنفس في حال نفذ مشروع تقسيم ليبيا، حينها ربما ستبدأ أزمة من المستحيل احتواءها ولا وقف أثارها السلبية على المنطقة برمتها.

[نهاية التقرير]

علاقات ساهمت في النسيج القائم بين البلدين

الحبيب الغريبي: لمناقشة موضوع حلقتنا ينضم إلينا من واشنطن الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، ومن طرابلس عبد الحميد نعمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس، مرحبا بكما ضيفي الكريمين، هذه الحلقة هي اقرب كما نطمح إلى استقراء تاريخي لهذه العلاقات في مراحل تطورها وربما انتكاستها مقاربة إنثروبولوجية أن صحت العبارة من منطلقات اجتماعية سوسيولوجية وكذلك سياسية، ولكن في بحثنا واستقصائنا لم نقف حقيقة على عقدة كبرى في هذه العلاقات على الأقل في منذ نشوء دولة الاستقلال كانت إلى حد كبير علاقات انسيابية تآلفية وحتى الخلافات التي نشأت أحيانا كانت عابرة إلى حد كبير، دكتور خليل كيف يمكن أن نفهم هذه الخصوصية وما هي العوامل التي ساهمت في بناء هذا النسيج.

خليل العناني: يعني أنا اعتقد في البداية أهم عامل هو عامل الحتمية الجغرافية ليبيا ومصر بلدان تتشاركان في أكثر من ألف كيلو متر باعتبارها كحدود بين البلدين، هناك عمق جغرافي عمق تاريخي، في فترة من الفترات يعني في الماضي القديم أو في التاريخ القديم مصر كانت وهي وإقليم شرق ليبيا لما يطلق عليه إقليم برقه كانت جزءا واحدا إداريا تحت حكم الفاطميين في القرن العاشر والقرن الحادي عشر، في القرن الحديث كما تفضلت حضرتك حدثت هناك بعض الاختلافات أو بعض الخلافات يمكن القول بأن مصر منذ الخمسينات وحتى الآن العلاقة بين مصر وليبيا مرت بعدة أطوار، الطور الأول المرحلة الأولى كانت العلاقة نوعا من التماهي الإيديولوجي والسياسي بين البلدين، كان هناك تأثر كبير في الداخل الليبي خاصة في الكتلة الثورية الليبية عام 69 عندما تم القيام بانقلاب ضد دولة السنوسي وتمت محاولة استنساخ النموذج المصري الثوري أو التحرري، في ليبيا كانت علاقات قوية جدا بين الطرفين الليبي والمصري من عام 69 وحتى منتصف السبعينات، المرحلة الثانية مرحلة التوتر وعدم الانسجام وهذه بدأت عندما بدأت مصر تأخذ منحى السلام مع إسرائيل وتجري مفاوضات بشكل منفرد فأدى ذلك إلى بعض التوتر مع القيادة الثورية الليبية في ذلك الوقت معمر القذافي، وصل الأمر كما جاء في التقرير إلى حد الحرب حرب أربعة أيام في 21 من يوليو 77 حتى 24 بعدما حدثت مناوشات أو نوعا من الاشتباك على الحدود بين الطرفين، ثم بعد ذلك علاقات إلى حد ما حذرة حتى آخر التسعينات ثم بعد ذلك حتى تحالف الاستراتيجي قوي بين نظام مبارك وبين نظام العقيد معمر القذافي في السابق على المستوى الرسمي، على المستوى الشعبي هناك تداخل قبائلي وتداخل يعني عوائلي بين مصر وبين ليبيا، هناك عائلات ليبية نزحت إلى مصر في الماضي البعيد والماضي القريب هناك تواصل بين هذه العائلات خاصة في الأطراف الغربية من مصر في السلوم في مرسى مطروح كفر الشيخ في البحيرة حتى أيضا في الصعيد صعيد مصر هناك تواصل قبائلي وعائلي  بين قبائل ليبية وقبائل مصرية أو اسر وعائلات مصرية، هناك رابط أخوة وأواصر لعلاقة قوية جدا موجودة، بعد ثورة يناير حدث نوع من التوتر في العلاقات وهذا التوتر جاء نتيجة عدم قيام القاهرة برسم سياسة واضحة للتعامل مع الموقف الليبي على سبيل المثال في بداية الثورة الليبية في 17 فبراير 2011 لم يتخذ المجلس العسكري أي موقف من هذه الثورة، البعض رآه موقفا متخاذلا، البعض رآه موقفا ذكيا واستراتيجيا لأنه كان يمنع من التورط في أي حرب داخل ليبيا قد تأتي بالسلب مستقبلا، بعد فترة للأسف التوتر في مصر انقلب أو اثر في الوضع في ليبيا بعد الانقلاب في يوليو 2013 أصبحت ليبيا هي يعني احد الدول..

عامل التأثير السياسي في التوتر القائم

الحبيب الغريبي: سنأتي تفصيلا، دكتور معلش سنأتي تفصيلا يعني نحاول أن نفكك إذا ما سمح الوقت يعني كل هذه المراحل، دكتور عبد الحميد يعني هذه قراءة كرونولوجية أن صح التعبير زمنية تاريخية بطعم سياسي لهذه العلاقات منذ البداية، نسأل أين كان المنعطف في عامل التأثر والتأثير السياسي الذي أدى إلى توتر يبدو انه قائم الآن؟

عبد الحميد النعمي: طبعا فيما يتعلق بطوال المرحلة التاريخية طبعا هناك تأثر متبادل، تأثير وتأثر متبادل ما بين المجتمعين وما بين الدولتين نتيجة العوامل التي أشار إليها ضيفك الكريم والعوامل التاريخية والبشرية، لكن طبعا إذا أردنا أن نتحدث عن المشكلة التي نعاصرها الآن  بداية التحول في هذه العلاقات نشأت من بداية تعثر التجربة الديمقراطية في ليبيا، في البداية كانت هذه التجربة أو انطلقت انطلاقة واعدة وكانت تحقق انجازات مهمة ولكن بعد طبعا على الأقل في مرحلة المجلس الانتقالي حدثت تعثرات في مسيرة البناء الديمقراطي في ليبيا مما أتاح المجال لكثير من مراكز النفوذ وخاصة ما يتعلق بالليبيين اللي نزحوا نتيجة أحداث الثورة في ليبيا وأقاموا في مصر، طبعا تعثر البناء الديمقراطي أتاح لهذه الفئات التحرك انطلاقا من الأراضي المصرية وأيضا ظهرت في الداخل الليبي بعض الحركات وبعض التنظيمات تقدم مشروعات متقاربة أو متماهية مع تطور النظام المصري واخص بالذكر نظام السيسي ولذلك طبعا هذه النقلة أتاحت المجال لتدخل أكثر من جانب النظام المصري في الشؤون الليبية وأيضا امتعاض أكثر من جانب المسؤولين الليبيين لما يأتيهم من مصر من نفوذ ومن تهديد ومن تدخلات مباشرة وغير مباشرة ومن دعم لبعض المجموعات اللي تمثل تيار الثورة المضادة في ليبيا ولذلك فعلا دخلت العلاقات الليبية المصرية في مسار مختلف تماما عما كان في السابق وهذا المسار طبعا يهدف إلى توظيف العناصر الليبية المقيمة في مصر لإمكانياتها وقدراتها ولمواردها المالية والاستثمارات الليبية، حتى الاستثمارات التي كانت مملوكة للدولة الليبية يتم توظيفها ضد التجربة الليبية، طبعا هذا تحت نظر وتحت أنظار الحكومة المصرية أو النظام المصري ولم تُحرك الحكومة المصرية ساكنا في هذا الاتجاه، في مرحلة أخرى طبعا تم السعي للزّج بالنظام المصري بشكل أكثر عمليا وبشكل مباشر في الصراع الليبي من خلال دعمه لبعض المجموعات خاصة في المنطقة الشرقية وبالتالي شفنا الآن طبعا تحركات ضد..

الحبيب الغريبي: طيب هذه.. معلش دعني اسأل الدكتور خليل يعني  هذه النقلة التي يتحدث عنها السيد عبد الحميد وهي نقلة حديثة زمنيا، هل هي صناعة داخلية مصرية ليبية يعني ربما لها سياق ثنائي بيني بين البلدين أم أن علاقات كل طرف بالأطراف والقوى الإقليمية والدولية ساهم في تأجيج هذه العلاقة

خليل العناني: يعني اعتقد الأمرين، الأمر الأول هناك سياق خاص بالعلاقات الثنائية بين الطرفين وهناك سياق إقليمي، السياق الثنائي الخاص كما قلت في السابق كنت أود الاستدراك في ذلك، منذ ثورة السابع عشر من فبراير الثورة الليبية وحتى الانقلاب الثالث من يوليو 2013 العلاقات المصرية الليبية كانت تقوم على قدر عالٍ من الحذر وعدم التورط في الصراع الليبي، ليبيا يعني دولة لا توجد بها مؤسسات قوية، هناك حالة فراغ هناك حالة صراع داخلي، صراع يعني ميلشياوي وصراع قبائلي وصراع يعني يتدخل فيه العنصر القبائلي من عنصر الإيديولوجي وبالتالي كانت مصر تحاول ألا تتورط في هذا الصراع الداخلي بشكل أو بآخر، منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن هنا يدخل السياق الإقليمي السياق الإقليمي يقوم على عدة أمور، الأمر الأول هو محاولة وقف حُمّى الربيع العربي وقف الثورة الثورات العربية محاولة وقف عملية التغيير في العالم العربي بشكل أو بآخر تكوّن حلف إقليم مضاد للثورات، حلف يضم بعض الدول الخليجية ومصر والأردن مقابل قوى أخرى تسعى للتغيير، الأمر الثاني هو مسألة الفراغ الأمني الشديد وتأثير ذلك على الداخل المصري، هناك هدف رئيس للثورات المضادة هو التخلص من قوى الإسلام السياسي وفي قلبها طبعا جماعة الإخوان المسلمين  يتم وضع كل هذه القوى تحت غطاء الحرب على الإرهاب، وبالتالي السياق الإقليمي يصعب فصله عن السياق الثنائي يعني بين مصر وبين ليبيا، المشكلة الرئيسية إنه إذا كانت هناك مخاوف مشروعة للجانب المصري واعتقد أنها مشروعة تماما، هناك حالة فراغ كما قلت في السابق في ليبيا، فراغ سياسي فراغ أمني هناك تصدير للفوضى في ليبيا للداخل المصري هناك تصدير للسلاح من جانب ليبيا من جانب بعض الميلشيات الليبية والجماعات الليبية للداخل المصري هناك عدم استقرار على الحدود وبالتالي المخاوف المصرية مخاوف مشروعة ولا جدال في ذلك ولكن السؤال كيف يتم التعامل مع هذه المخاوف كيف يتم وقف حالة الفوضى في ليبيا من عدم الدخول إلى مصر هل يتم التعامل معها من خلال التورط أكثر أو من خلال إتباع سياسة أكثر عقلانية، أتصور أن التعامل حتى هذه اللحظة لا يتمتع إلى حد بعيد بالحكمة ولا بقدر عالي من وزن الأمور هو تعامل إلى حد بعيد انفعالي ورد فعل على جريمة طبعا جريمة بشعة يعني تستحق الإدانة كامل الإدانة من الجميع لكن التعامل معها لا بد أن يتم وفق منطق أكثر ذكاء حتى لا يُحدث نوعا من رد الفعل السلبي في المستقبل، أنا أتصور إنه الآن نحن إزاء مرحلة جديدة في هذه العلاقات، ما حدث اليوم ما حدث الأمس قد يُمهد لمرحلة جديدة قد تؤثر على هذه العلاقات مستقبلا كما تفضل الزميل أو الصديق من ليبيا مصر كانت تنأى بنفسها عن الدخول في هذا الصراع، مصر أصبحت جزءا رئيسيا في الحرب الداخلية في ليبيا، الحرب الأهلية في ليبيا، الآن أصبحت مصر للأسف الشديد جزءا من هذه الحرب وهذا قد يأتي بنتائج سلبية على مصر في المستقبل

الحبيب الغريبي: طيب سيد عبد الحميد نريد أن نفهم أكثر مصدر هذا التوتر في العلاقات، ما مدى تأثر الثورة الليبية بالمنعطفات والمنعرجات التي مرت بها الثورة المصرية وأهمها هذا الصراع الذي بدأ في شكل استقطاب حاد بين الإسلاميين والعلمانيين ومدى تأثيره على الداخل الليبي الذي كان يشهد أيضا صراعا من نوع شبيه بين التيارات الإسلامية والقوى الديمقراطية والمدنية

عبد الحميد النعمي: صحيح طبعا هناك طبعا علاقة مباشرة ما بين ما شهدناه في مصر من وصول الرئيس السيسي إلى سدة الحكم وما تبعه من إقصاء للتيار الإسلامي السياسي في مصر، طبعا في ليبيا في ذلك الوقت كان التيار الإسلامي السياسي يتمتع بأريحية كبيرة في العمل السياسي والمسار السياسي وكان يمثل جزءا كبير من المؤتمر الوطني وجزءا كبيرا من الحكومة وبالتالي طبعا كثير من العناصر وكثير من قيادات هذه التيارات تأثرت بشكل أو استاءت مما حدث لأقطاب ورموز التيار الإسلامي السياسي في مصر وأبدت طبعا اعتراضها أو معارضتها لتجربة وصول نظام السيسي إلى الحكم وطبعا زجّت بليبيا أو على الأقل دفعت بمواقف الكثير من المنظمات والأحزاب السياسية في ليبيا إلى خانة المعارضة لنظام السيسي وطبعا هذا أمر ربما لا يتفق عليه معظم الليبيين، طبعا كثير من الليبيين يعتبر أن مصر هي الشقيقة الكبرى أو الجارة الكبرى وأن نحن ليس من مصلحتنا تصعيد التوتر مع الجانب المصري وليس من مصلحتنا الدخول في مواجهة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة مع النظام المصري لأن هذه الأحداث سوف تنعكس سلبا على الجانب الليبي أكثر من انعكاسها على الجانب المصري وبالتالي الرأي العام السائد في ليبيا بشكل عام عدم التدخل في الشؤون الداخلية للنظام المصري وبالتالي أيضا عدم تقديم ذريعة للنظام المصري للتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، ولكن للأسف الشديد هذا الموقف طبعا لم يكن شاملا وجامعا جميع فئات المجتمع الليبي وجميع التنظيمات السياسية الليبية، طبعا في مرحلة لاحقة تم توظيف هذا الانقسام في مصر أو هذه الحملة ضد التيار الإسلامي السياسي تم توظيفها من بعض التنظيمات السياسية في ليبيا لتوريط مصر بشكل أكثر ولدفعها للاهتمام أكثر بما يحدث على الساحة الليبية وهذا شهدناه طبعا خاصة مع بداية ما يعرف بحركة الكرامة ومع نشاط السيد اللواء المتقاعد اللواء حفتر وبالتالي طبعا يعني..

دعوة إلى سيسي ليبي

الحبيب الغريبي: نعم من هنا من هنا معلش من هنا أريد أن أطرح سؤالا يعني طالما أنت يعني وصلت إلى ذكر ما يوصف بأنه ثورة مضادة دكتور خليل يعني الثورة الليبية انطلقت من الشرق وما يوصف الآن بأنه قوى الثورة المضادة بدأت وتشتغل من الشرق وقامت حالة تماهي إن صح التعبير لدى قطاع من الليبيين بالنموذج المصري والدعوة إلى سيسي ليبي إن صح التعبير يعني إلى أي حد مصر ودورها في هذه المناطق كانت له علاقة بهذه المواقف أو ببعض هذه المواقف في ليبيا؟

خليل العناني: يعني اعتقد العلاقة تبدأ قبل ذلك بقليل اعتقد أنه منذ ثورة 17 فبراير في ليبيا مصر احتضنت بعض رموز النظام القديم، بعض رموز نظام القذافي ووفرت لهم ملجأ سياسيا وملجأ اقتصاديا ومعيشيا، تمت مطالبة مصر أكثر من مرة بتسليم هؤلاء، تم تسليم بعضهم على سبيل المثال تم تسليم السفير الليبي في مصر أثناء حكم القذافي وتم التغاضي عن أطراف آخرين متورطين في بعض المشاكل في ليبيا على رأسهم أحمد قذاف الدم، وبالتالي مصر كانت جزءا إلى حد ما من الصراع داخل ليبيا، بعد الانقلاب في 2013 أصبحت مصر جزءا أصيلا كما قلت في السابق لأكثر من سبب، السبب الأول هو ما يطلق عليه محور الثورة المضادة في المنطقة العربية، ومصر تورطت بالفعل في عمليات عسكرية في أغسطس الماضي يعني لم تكن المرة الأولى التي تقوم بها مصر بقصف مواقع في ليبيا كما حدث اليوم ولكن أيضا حدث قبل ذلك عملية عسكرية إماراتية مصرية لكن طبعا معظم التقارير حتى باعتراف اللواء خليفة حفتر ذات نفسه عندما قال نحن نتلقى دعما قويا جدا من الإمارات ومن مصر فيما يحدث في ليبيا، الأمر الثاني أنه مصر تخشى أن يتم نقل الفوضى الليبية إلى الأرض المصرية لكنها قامت بمعالجة ذلك بشكل خاطئ بأنها تورطت أكثر في هذا الصراع، الأمر الثالث هناك سوء إدراك لدى القادة في مصر بأن الوضع في مصر شبيه للوضع في ليبيا أو العكس، لا الوضع مختلف لأن الإخوان المسلمين في ليبيا هم فصيل مهم ومؤثر داخل السياق الجديد في ليبيا بعد القذافي لا يمكن إقصاؤه..

الحبيب الغريبي: دكتور خليل معلش لم يبق لي وقت، معلش وضحت الفكرة لم يبقَ لي وقت كثير، فقط سؤال إلى السيد عبد الحميد، الآن نحن بدأنا بــ يعني بطرح البُعد الاجتماعي وننهي به الآن هناك مليوني مصري في ليبيا، مليون ليبي في مصر ما مستقبل هذه العلاقة إذا ما تأزمت أكثر وانعكاسها وتأثيرها على هؤلاء؟

عبد الحميد النعمي: أتصور أن الحل الأمثل لليبيا ولمصر هو احتواء مثل هذه القضايا وعدم الانجرار وراء عمليات التصعيد. نحن للأسف الشديد شهدنا بالأمس مثلا تعليقات على ما يُزعم من أنه حادث اغتيال أو حادث تصفية لبعض المواطنين المصريين في سرت، وشفنا بعض الصور اللي هي في الحقيقة غير مقنعة وهذه طبعا هذه الحادثة لا تتوفر دلائل حقيقة أو دلائل قوية على وجودها بالفعل ولكن للأسف تم استثمارها بشكل سيء.

الحبيب الغريبي: أشكرك، أشكرك سيد عبد الحميد أنا آسف الوقت انتهى شكرا لك سيد عبد الحميد النّعمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس، أشكر الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز من واشنطن، بهذا تنتهي هذه الحلقة شكرا لكم على المتابعة وإلى اللقاء.