استقبلت الهبّة الفلسطينية شهرها الثالث بمزيد من الشهداء وعمليات الطعن، مدججة بصدور شبان وأطفال وفئات فلسطينية أخرى حسمت أمرها -فيما يبدو- باتجاه الرد الميداني المباشر على وطأة الاحتلال الإسرائيلي.

ووجد الاحتلال نفسه أمام أشكال من النضال الفلسطيني غريبة عن تصنيفاته وأدواته التقليدية، مما خلق صعوبة لديه في حشرها في زاوية حزبية فصائلية ضيقة، فضلا عن تحويلها إلى مادة للإمعان في التنصل أمام السلطة الفلسطينية من مسيرة سلام ميتة سريريا حسب منتقديها.

تقول المعطيات المتعلقة بالهبة الشعبية الفلسطينية إن أعمار غالبية الشهداء المشاركين في فعالياتها والذين تجاوزوا المئة شهيد، لم تتعدّ العقد الثاني من العمر.

عمليات الطعن والدهس هذه أسفرت من الجانب الفلسطيني عن 62 شهيدا، 17 منهم دون سن الثامنة عشر، في حين تراوحت أعمار 36 آخرين بين العشرين والثلاثين.

حلقة الجمعة (4/12/2015) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على عفويّة الهبّة الفلسطينية في وجه الاحتلال الإسرائيلي، في ظل المعطيات المتعلقة بالمشاركين فيها.

تردد فلسطيني
حول هذا الموضوع يقول الكاتب والمحلل السياسي معين الطاهر إن الهبة مستمرة حتى الآن بدون حاضنة سياسية، مؤكدا أن هذا لا يعيبها، فكذلك بدأت الانتفاضة الأولى بمبادرة عفوية.

وأوضح أن السمة العامة للقيادات السياسية الفلسطينية -سواء في السلطة أو الفصائل- هي التردد وعدم القدرة على تبني هذه الانتفاضة لما سيترتب على ذلك، وهم في نفس الوقت لا يستطيعون الوقوف أمام هذا الحراك لأنهم سيضعون أنفسهم أمام حالة غضب.

وأكد الطاهر أن أي محاولة من جانب الاحتلال لردع الهبة ستأتي بنتائج عكسية جدا، مشيرا إلى الإنجازات التي حققتها حتى الآن من حيث حالة الخوف والهلع في الشارع الإسرائيلي.

جيل جديد
من جهته، اعتبر الباحث في علم الاجتماع محمد فرحات أن من يشاركون في فعاليات الهبة الفلسطينية الحالية هم جيل جديد من المقاومين، مشيرا إلى الديناميكية الجديدة التي يظهرونها في المقاومة.

واعتبر أن السبب هو الاحتلال وما أفرزه في حياة الفلسطينيين الذين لا يستطيعون ممارسة حياتهم كباقي البشر، "حتى إنهم لا يستطيعون أن يحلموا".

ويرى فرحات أن السياسة الإسرائيلية أظهرت عقما وبؤسا في وضع حد لرد الفعل الفلسطيني المقاوم، لكنها لم تتوقف للحظة لإعادة النظر في هذه الممارسات، ولذلك فنحن أمام حلقة من التصعيد ولسنا أمام وضع يمكن فيه تخفيف إمكانية هذا التصعيد بسبب حماقة وعقم ورداءة وبؤس السياسة الإسرائيلية والثقافة التي تقوم عليها.

جدل إسرائيلي
هذه الهبة الفلسطينية فاجأت صناع الرأي والقرار في الساحة الإسرائيلية، وفرضت نفسها كمادة للجدل حول جذورها وسبل التعاطي معها.

وفي ظل إصرار حكومة بنيامين نتنياهو على تشدّد سياساتها تجاه الحقوق الفلسطينية، ذهب مركز أبحاث الأمن القومي في إسرائيل إلى أن الجيش الإسرائيلي يفتقر إلى الأدوات المناسبة للقضاء على الهبة الفلسطينية.

ورقة المركز البحثية التي أعدها الباحث كوبي ميخائيل والعقيد أودي ديكل، أقرت أن الهبة الفلسطينية فاجأت جزءاً من القيادة السياسية -كما الجمهور الإسرائيلي- خاصة لجهة تركيزها على المبادرة الفردية.

المركز نسب الهبة إلى استفحال حالة اليأس والإحباط بين الشباب الفلسطيني حيال مسيرة السلام وقيادة السلطة.

ودعت الورقة إلى التنسيق مع السلطة الفلسطينية في مجابهة ما وصفته بالإرهاب، معترفة بأزمة الثقة القائمة بينها وبين الفلسطينيين.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: عفوية الهبّة الفلسطينية وطبيعة المشاركين فيها

مقدم الحلقة: جمال ريان

ضيفا الحلقة:

-   معين الطاهر/ كاتب ومحلل سياسي

-   محمد فرحات/ أستاذ وباحث في علم الاجتماع

تاريخ الحلقة: 4/12/2015

المحاور : 

-   جيل فلسطيني جديد

-   غياب زعامة حقيقية فاعلة

-   السبيل الأمثل لتطوير الفعل النضالي

جمال ريان: أهلا بكم في هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على عفوية الهبّة الفلسطينية في وجه الاحتلال الإسرائيلي على ضوء المعطيات المتعلقة بالمشاركين فيها.

بمزيد من الشهداء وعمليات الطعن استقبلت الهّبة الفلسطينية استقبلت شهرها الثالث مدججة بصدور شبان وأطفال وفئات فلسطينية أخرى حسمت أمرها فيما يبدو في اتجاه الرد الميداني المباشر على وطأة الاحتلال الإسرائيلي، احتلالٌ وجد نفسه أمام أشكال من النضال الفلسطيني غريبة عن تصنيفاته وأدواته التقليدية ما خلق صعوبة لديه في حشرها في زاوية حزبية فصائلية ضيقة، فضلا عن تحويلها إلى مادة للإمعان في التنصل أمام السلطة الفلسطينية من مسيرة سلام ميتة سريرياً بحسب منتقديها.

[تقرير مسجل]

 أحمد مرزوق: منذ اندلاع الهّبة الفلسطينية الأخيرة تتوالى الإحصاءات يوميا لتضيف مزيدا من الضحايا واللافت في هذه الهّبة أن الناشطين الرئيسين فيها هم من فئات لم تكن في حسبان أحد فأغلبهم لا ينتمي لأي تيارات أو حركات سياسية أو توجهات أيديولوجية كما أنهم ليسوا من مستوى تعليمي واحد أو متقارب بل وحتى المراحل العمرية ليست واحده وتشمل الأطفال والبالغين، هذه الحقائق دفعت بتساؤلات كثيرة عما دفع هؤلاء إلى تضحية بحياتهم أو بحريتهم وما الذي سيفضي إليه ذلك والنتائج التي قد يحققها؟ وإلى أي مدى ستستمر الهّبة؟ وهنا قد تفيد المقارنات فالانتفاضات السابقة كان البارز فيها هو الرمي بالحجارة أما الحالية فهو الطعن كان هناك غطاء ودعم فلسطيني رسمي حاليا لا دعم ولا غطاء، وضع فلسطيني داخلي متماسك ومتقارب حاليا، وضع داخلي منقسم ومتصارع، كان هناك زعيم فلسطيني مجمع عليه وهو عرفات، حاليا غياب زعامة حقيقية فاعلة بل وارتباك فلسطيني على كل المستويات، كان في إسرائيل قيادات لديها قدر من حس المسؤولية، حاليا زعامات ضعيفة تركت نفسها نهبا لمتطرفين، كان هناك أمل أن تسفر المفاوضات عن شيء، حاليا لم يجد الشباب أي أمل فأي مفاوضات مع إسرائيل، كان هناك وضع سياسي متأزم، أما الآن فوضع سياسي أكثر تأزما، كانت هناك زعامات عربية أغلبها لديه اهتمام قوي بالقضية، حاليا أغلب الزعامات منشغل بقضاياه الداخلية، كان هناك دعم شعبي ورأي عام عربي مناصر، حاليا هناك وسائل إعلام عربية تهاجم الفلسطينيين بل وتصف الإسرائيليين فقط بالضحايا، كان هناك وضع عالمي مهتم ومتداخل بالقضية الفلسطينية أما الآن فوضع عالمي منشغل بنتائج ما صنعت يداه تاريخيا، في ظل كل تلك المتغيرات وجد الشباب الفلسطيني نفسه أمام حالة انسداد عام، انسداد أفق التوافق الفلسطيني الكامل بين جميع الفصائل وفي أفق الوصول إلى أي حل عن طريق المفاوضات وانسداد في المعابر وتحت الأرض وفي أفق الأمل في حياة كريمة، ويزيد العبء بما تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي كل يوم على الفلسطينيين من الحرمان والتعذيب والإذلال والإرهاب والتخويف على الحواجز وفي المعتقلات وفي غرف التحقيق وفي الشارع وفي كل مكان، تقول الحكمة القديمة ليس أخطر من إنسان يائس، وها هي الأمور كلها قديمها وجديدها تدفع بالأجيال الفلسطينية المتعقبة إلى حافة الإحساس باليأس لتصبح في النهاية ليس لديها ما تخسره ليجد البعض منهم نفسه ليس أمامه إلا أن يصرخ في وجه محتليه وظالميه وفي وجه العالم بالطريقة التي قد تجعل صوته يصنع بعض الصدى حتى لو كان الثمن حياته.  

[نهاية التقرير]

جيل فلسطيني جديد

جمال ريان: لمناقشة موضوع هذه الحلقة ينضم إلينا من عمان معين الطاهر الكاتب والمحلل السياسي، ومن بيت لحم محمد فرحات أستاذ وباحث في علم الاجتماع، نبدأ أولا من بيت لحم، سيد محمد ما الذي يجعلنا نجزم ربما أننا أمام جيل جديد من الناشطين الفلسطينيين في وجه الاحتلال الإسرائيلي على ضوء الهبّة الجارية ضده الآن؟

محمد فرحات: مساء الخير أستاذ جمال ومساء الخير لضيفك الكريم من الأردن، الذي يجعلنا نجزم هو واقع الحال كما نراه وكما نعاينه وكما نشاهده، المجريات والمعطيات أبناء الجيل تفاوت في أعمارهم، التفاوت في مستوياتهم، الدينامكية الجديدة التي يظهرونها كشكل مقاوم في وجه الظلم والعسف والاستبعاد والإقصاء الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، جمع المؤشرات حول الظاهرة لا يحتاج إلى أيما جهد وبتالي الظاهرة تجزم بحد ذاتها نحن هنا إزاء، إذا بتسمح لي في سياق العنوان العام يجري الحديث عن عفوية الهّبة أننا أعتقد أننا إزاء ارتجالات مقصودة لأبناء شعب مظلوم ولسنا إزاء فعل عفوي، عند الحديث عن الفلسطينيين نحن نتحدث عن مجتمع تاريخي من العذاب كما يقول إدوارد سعيد وهذا المجتمع ثلاثة أجيال على الأقل تتوارث رواسب من العذابات ومن الإقصاء ومن المظلومية ومن القهر ومن الاستعباد والاستبعاد وبالتالي نستطيع أن نفهم أشكال رد الشعب الفلسطيني وأبناء الشعب الفلسطيني في كل حقبة من الحقب إزاء هذا الظلم المتراكب والمتراكم في حياتهم، المسألة تكمن هنا في السياق الذي يجد الفلسطينيين أنفسهم إزاءه وعلى القوة المتمثلة بثقافة الاحتلال وبطشه وما ترتب عن ذلك في حياة الفلسطينيين.

جمال ريان: سيد محمد معين الطاهر في عمان، واضح بأن هذه الهّبة كانت دون دعم أو غطاء رسمي هذا الموقف هل تراه هو اختيار أم هم ضرورة؟

غياب زعامة حقيقية فاعلة

معين الطاهر: بسم الله الرحمن الرحيم،  أنا أعتقد أنه الانتفاضة حتى الآن أو الهّبة ما شئت أن تسميها ما زالت حتى هذه اللحظة بدون حاضنة سياسية في الحقيقة هذا الكلام لا يعيب هذه الانتفاضة، الانتفاضة الأولى عندما بدأت أيضا بدأت بمبادرة عفوية من الطبيعي في كثير من الأحوال أن تسبق الجماهير قياداتها، ولكن القيادات التاريخية القيادات الملهمة القيادات التي تستطيع أن تقدر تماما ما هو نبض الجمهور وأن تقدر تماما طبيعة الواقع السياسي وموازين القوى السائدة فيه وتبتكر الحلول والمخارج والتكتيكات والإستراتيجيات اللازمة للخروج من هذا المأزق الموجودة فيه هي التي تلتحق بنبض الجماهير وتقوم فورا بتوفير هذه الحاضنة السياسية، بكل أسف نحن الآن دخلنا في الشهر الثالث من الانتفاضة وحتى هذه اللحظة السمة العامة للقيادات السياسية سواء كان ذلك في السلطة أو في الفصائل الفلسطينية هي سمة التردد هم ما زالوا حتى الآن مترددين لا يستطيعوا أن يأخذوا على عاتقهم مسؤولية احتضان هذه الانتفاضة لما يرتبه ذلك من نتائج سياسية ومن إستراتيجية بديلة عن الإستراتيجية التي ساروا بها طوال الربع القرن الماضي تقريبا، وفي نفس الوقت لا يستطيعوا أن يقفوا أمام هذا الحراك الشبابي الجماهيري الموجود في داخل الأرض الفلسطينية المحتلة لأنهم بذلك سيضعون أنفسهم في مواجهة الجمهور الغاضب الذي سئم من دائرة المفاوضات العبثية التي لم تسمن ولم تغنِ من جوع طوال الفترة الماضية، هذه الحقيقة هي إحدى المعضلات الحقيقية التي نواجهها هذه الأيام، هذا الجيل من الشباب الذي يقوم بعمليات الطعن بالسكين أو بعمليات الدعس إنما هو يدق على جدران الخزان ويدق على جدار الخزان بقوة يقول لكل المؤسسات السياسية والشعبية للسلطة للفصائل آن الأوان أن تأخذوا دوركم آن الأوان أن تشكلوا حاضنة سياسية حقيقية آن الأوان أن تضع إستراتيجية جديدة للشعب الفلسطيني لمرحلته القادمة من أجل دحر الاحتلال دون قيد أو شرط.

 جمال ريان: اسمح لي أن أقدم بعض المعطيات المتعلقة بهذه الهّبة الشعبية الفلسطينية في وجه الاحتلال الإسرائيلي وبالمشاركين في فعاليتها المستمرة، هذه المعطيات تقول إن أعمار غالبية الشهداء الذين تجاوزوا ال100 شهيد لم تتعد العقد الثاني من العمر والمعطيات تضيف أن عمليات الطعن والدهس أسفرت من الجانب الفلسطيني عن سقوط 62 شهيدا سبعة عشر منهم دون سن الثامن عشر في حين تراوحت أعمار 36 آخرين بين العشرين والثلاثين سنة، على الجانب الإسرائيلي رصد مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي سقوط 20 قتيلا و309 جرحى وذلك نتيجة لتنفيذ مشاركين في الهبة 56 حادث إطلاق نار و62 عملية طعن و31 محاولة طعن، في هذه الأثناء قامت إسرائيل في إحصاء مؤقت باعتقال ما يزيد عن 2030 فلسطينيا في الأراضي المحتلة، سيد محمد فرحات في بيت لحم ما الذي تقرأه في الحضور البارز للأطفال والشباب في فعاليات هذه الهّبة الفلسطينية؟

محمد فرحات: نعم أستاذ جمال نحن بإزاء ظاهرة مباغتة في الحقيقة مباغتة لكل الأطراف تباغت إسرائيل وأدواتها التقليدية أولا، وهي مباغتة أيضا للطرف الفلسطيني في نفس الوقت، في تحليل هذه الظاهرة يتعين أن نقف عند الجذر المركزي والأساسي الذي يولد الأسباب والدواعي ويقدم لنا إمكانيات التفسير والذي يتمثل أساسا بالاحتلال وما أفرزه الاحتلال في حياة الفلسطينيين، الفلسطيني كائن لا يستطيع أن يعيش الحياة العادية أسوة بباقي عباد الله وهذا الأمر يمتد على مدار قرن، والفلسطيني ممنوع أيضا من الحلم هؤلاء تلقوا أيضا خيبات متعددة في مسألة الفشل في التوصل أو وصول النضال الوطني الفلسطيني عبر مراحل مختلفة إلى أرض واعدة أو إمكانيات واعدة أو تكون مبشرة لهم حتى ولو بعد حين، إذن نحن نتحدث عن ظاهرة مركبة مباغتة ويمكن أن نفهم كمؤشرات جوهرية أساسية ويتعين على إسرائيل أن تفهم ذلك جيدا أنها بإزاء جيل فقدان الأمل وما يحيط به من حصار ومن ظلم ومن قهر ومن استبعاد سيفضي به إلى إبداع أو ابتداع أشكال لم تكن تخطر على بال..

جمال ريان: اسمح لي سيد محمد إلى أي مدى برأيك سيد محمد أنت في الضفة الغربية وربما تعرف أكثر مني خاصة في هذه القضية بالذات إلى أي مدى صدّر الإسرائيليون خاصة المستوطنين أعمال العنف والقتل التي يقومون بها دون حساب ودون عقاب، إلى أي مدى صدروها إلى الأطفال والشباب الفلسطيني؟

محمد فرحات: العفو لا يمكن الحديث عن مسألة تصدير يمكن الحديث عن مسألة رد فعل إزاء ظلم وقهر، عندما نلاحظ أو نرى حجم الحصار الذي يعيشه الفلسطيني ماديا ومعنويا ووجوديا نستطيع أن نفهم طريقة رد الفعل القائمة؛ ثقافة الاحتلال سواء من السياسة الرسمية لدولة إسرائيل أو الممارسات التي يقوم بها المستوطنون في مكان ما من غير الممكن أن لا تولد ردود فعل ذات صبغة خاصة وبغض النظر عن الذين يفعلون ذلك ويقومون بذلك لدينا جذر مركزي أساسي يرتبط بممارسات الاحتلال وكافة القوى التي..، على غرار المستوطنين، السياسة الإسرائيلية إزاء الشعب الفلسطيني على مدار العقود المتواصلة من الاحتلال أظهرت عقما وبؤسا في مسألة وضع حد لرد الفعل الفلسطيني المقاوم ولكنها لم تقف ولا للحظة ولم تعقد أي خلوه بينها وبين نفسها لإعادة النظر في مثل هذه الممارسات وبالتالي نحن إزاء حلقة من التصعيد ومن التوتير المتصاعد وليس إزاء إمكانية من أي نوع كان لئن نكون في وضع من شأنه أن يخفف من إمكانية التوتر والتصاعد، الجذر المركزي والأساسي يتمثل في حماقة وعقم ورداءة وبؤس السياسة التي يمثلها الاحتلال والثقافة التي تقوم عليها.

جمال ريان: نتحول إلى عمّان ومعين الطاهر سيد معين على الجانب الأمني كيف ترى تعاطي إسرائيل في نخبها الحاكمة وغيرها مع هذه الهبة الفلسطينية؟

معين الطاهر: أنا أعتقد أن الإسرائيليين بممارستهم لسياسة الإعدام الميداني المستمرة هم يعتقدوا أن هذا من شأنه أن يردع هذا الشباب، أنا أظن أن هذا الموضوع سيأتي بنتائج عكسية تماما لهذه القضية بالطبع هنالك، ونحن نواجه يجب أن يكون هذا واضحا نمارس حالات من الإعدام الميداني سمعنا قصص عن إلقاء سكاكين بجوار بعض جاثمين الشهداء وحتى إذا كان هذا الشهيد قد قام فعلا بعملية طعن لا أعرف ما هو المبرر الأمني أو العسكري لإطلاق ثلاثين أو أربعين رصاصة عليه رصاصة واحدة في قدمه تستطيع أن تنهي هذا العمل في ذات اللحظة، إذا هنالك قرارات بأحكام إعدام ميدانية على هؤلاء الشباب إلنا أن هذه السياسة بالتأكيد ستأتي بنتائج عكسية، من جانب آخر أود أن ألفت النظر إلى أن هذه العمليات حتى هذه اللحظة قد حققت إنجازا كبيرا حتى على المستوى الأمني الإسرائيلي يكفي أن نذكر أنه في بداية هذه الأحداث في يوم واحد وصل إلى الشرطة الإسرائيلية أكثر من خمس وعشرين ألف شكوى عن حالات عرب مشتبه بهم أنهم يسيرون في الشوارع ويحملون سكاكين، يكفي أن نذكر أن خطة التدريب للجيش الإسرائيلي قد ألغيت بالكامل وهي خطة كانت معدة بهدف إعادة تأهيل وحدات المشاة هذه الوحدات التي ثبت في حرب 2006 وفي حرب غزة 2014 أنها غير قادرة على الإطلاق على الاحتلال والتقدم والإنجاز، الصاروخ لا يختل والطائرة لا تحتل حتى يحتل..

جمال ريان: سيد معين أنت في الواقع تتحدث الآن في صلب هذا الموضوع وهنا نعرض إلى أن الساحة الإسرائيلية في هذه الهّبة فرضت نفسها على صناع الرأي وكذلك القرار مادة للجدل حول جذورها، سبل التعاطي معها في ظل إصرار حكومة نتنياهو على تشدد سياستها تجاه الحقوق الفلسطينية ذهب مركز أبحاث الأمن القومي في إسرائيل إلى أن الجيش الإسرائيلي يفتقر إلى الأدوات المناسبة للقضاء على الهّبة الفلسطينية ورقة المركز البحثية والتي أعدها الباحث كوبي ميخائيل والعقيد أودي ديكن أقرت أن الهبة الفلسطينية فجأة جزءا من القيادة السياسية كما الجمهور الإسرائيلي خاصة لجهة تركيزها على المبادرة الفردية، المركز نسب الهبة إلى استفحال حالة اليأس والإحباط بين الشباب الفلسطيني حيال مسيرة السلام وقيادة السلطة، ونبهت الورقة هذه إلى أن عناصر الجدية في الهبة تستدعي دراستها بعمق لتحديد الوسائل المناسبة للقضاء عليها، اقترح الباحثان أفكار في هذا السياق بينها: ترشيد استخدام الشبكات الاجتماعيّة والإتيان بأفكار جذابة ضد التطرف القومي والديني ودعت كذلك هذه الورقة للتنسيق مع السلطة الفلسطينية في مجابهة ما وصفته بالإرهاب معترفة بأزمة الثقة القائمة بينها وبين الفلسطينيين، وفيما لم ينس هذا العمل التوصية بتحسين معيشة الفلسطينيين وشدد أيضا على ضرورة رفع عدد وعتاد القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، نعود مرة أخرى للسيد محمد فرحات، ما رأيك في هذه الورقة البحثية؟

محمد فرحات: ربما في شرحها لأسباب الظاهرة لم تجانب الصواب وإن كانت تفتقد إلى الكثير من العناصر ولكنها عقيمة وغبية في الاستنتاجات التي توصلت إليها، وجهت الأمر إزاء الفلسطينيين ورأت الأمر في سلسلة من الإجراءات هي تعرف مركز الأمن القومي الإسرائيلي يعرف بأنها لم تكن مجدية ولم تفضِ إلى وضع حد للمقاومة الفلسطينية وبالتالي هنا نجد ما يمكن وصفه بغياب الحكمة وبغياب القدرة أيضا على رؤية السبب الإسرائيلي في الظاهرة الفلسطينية، هو يحيلها إلى أسباب خارجية ويتحدث عن سلسلة من الإجراءات والعمليات التي من شأنها أن تضع حدا وهذا هو عين العقم، نحن إزاء وضع مركب على إسرائيل أكثر من غيرها أن تدرك بأنه من غير ممكن أن تضع حدا للفعل الفلسطيني المقاوم مها كان شكل هذا الفعل بدليل تجربتها السابقة وهنا يمكن أن توقف معطى جوهري وأساسي وهو غباء القوة في التعاطي مع واقع متحول وهذا ما  تشكو منه إسرائيل بصورة جوهرية وجذرية، دون أدنى شك نلاحظ ذلك وخصوصا في العقدين الأخيرين إن إذلال الفلسطينيين واستبعادهم وقهرهم وظلمهم لم يفضِ إلى استبعاد الفلسطينيين من المسرح التاريخي ولم يفضِ للأجيال الفلسطينية المتعاقبة للتنازل عن الحق في العيش وعن الحق في الحلم، المجزرة المرتكبة ضد حقوق الفلسطينيين وضد حياتهم هي وصفة عميقة للطريقة المهلكة التي تتبعها إسرائيل والتي سترتد عليها بصورة متفاقمة اليوم وغدا.

السبيل الأمثل لتطوير الفعل النضالي

 جمال ريان: في رام الله كيف ترى السبيل الأمثل لتطوير الفعل النضالي هذا لهذه الهبة بالتحديد في المستقبل والاستثمار في مكاسبها على الصعيد الداخلي والخارجي؟

محمد فرحات: أستاذ جمال هذه الهبة ليست استثناء في التاريخ الفعل الفلسطيني المناهض والمقاوم...

جمال ريان: عفوا السؤال لعّمان السؤال لعّمان سيدي، أنا أشرك سيد محمد ولكن السؤال للأخ معين الطاهر، فقط لضيق الوقت لو سمحت؟

معين الطاهر: أنا أعتقد أن هؤلاء الشباب عندما لجئوا إلى عمليات الطعن بالسكين أو الدهس أو حتى إطلاق النار هم لجئوا إلى ذلك في الحقيقة لأنهم يئسوا من مسار الحلول السياسية يئسوا من بيع الأوهام هذا الجيل هو الذي نطلق عليه جيل أوسلو هو الذي تربى وترعرع في خضم أوسلو، ما يجب أن يحدث تماما هو أن تتحول هذه الانتفاضة إلى انتفاضة شعبية جماهيرية وهذه في الحقيقة ليست مهمة هؤلاء الشبان فحسب؛ هذه مهمة أولئك الذين تركوا الأمور تصل إلى هذا الحد، أنا لا أعتقد بالمناسبة أن هؤلاء الشباب هم شباب يائس وشباب محبط، بالعكس أنا أعتقد أنه شباب مفعم بالأمل بقدرته على تحرير بلاده وعلى دحر الاحتلال دون قيد أو شرط، ولكن السؤال الأساسي هنا هو ما دور المؤسسات الفلسطينية؟ ما دور الفصائل؟ ما دور السلطة؟ حتى ننقل الحالة من حالة طعن بالسكين ودهس وإطلاق نار إلى حالة انتفاضة شعبية واسعة لها برنامج..

جمال ريان: يسمعون سؤالك سيد معين أشكرك في عمان معين الطاهر الكاتب والمحلل السياسي كذلك شكرا للأستاذ والباحث في علم الاجتماع محمد فرحات متحدث إلينا من بيت لحم، بهذا تنتهي الحلقة من برنامج الواقع العربي تحية لكم وإلى اللقاء.