اعتبر مدير مركز تونس للسياسة أحمد إدريس أن أهم ما ميز عام 2015 في تونس الانشقاق الحاصل في حزب نداء تونس بعد خروج مؤسسه الباجي قايد السبسي إضافة إلى التهديدات الإرهابية الجسيمة.

وأضاف إدريس في حلقة (28/12/2015) من برنامج "الواقع العربي" التي ناقشت التجربة السياسية التونسية في العام 2015 وتحدي مواجهة تهديد الجماعات المسلحة، أن العمليات الإرهابية التي حدثت في تونس كانت محدودة لكنها كانت نوعية وأصبحت أخطر وانعكاساتها أعمق.

وأشار إلى أن التحدي الذي يواجه تونس الآن هو تحد سياسي في الأساس "فهناك استقرار سياسي ظاهري لكن في المقابل هناك تهديد أمني يجعل الاستقرار السياسي بلا معنى".

وعن الظروف التي جعلت تونس تحافظ على توازنها بعد الثورة، قال إدريس إن الطبقة الوسطى المتماسكة والمتعلمة والمتشبعة بثقافة سلمية هي التي أدت لإنجاح الانتقال الديمقراطي، مشيرا إلى أن هذه الطبقة التي ساندت الثورة ميالة للاستمرارية في اعتماد حلول سلمية لأزمات البلاد.

ورأى أنه ليست هناك ظروف موضوعية تقود لعودة تونس إلى الماضي الاستبدادي بسبب تهددات العمليات الإرهابية والمساس بالحريات بعلة التحجج بالأمن، "فهناك مجتمع مدني قوي وأحزاب سياسية متعددة عانت من القمع ولا تميل اليوم إلى إعادة إنتاج القمع والاستئصال".

الحنين إلى الماضي
من جهته قال الأكاديمي والباحث السياسي التونسي محمد ضيف الله إن ما شهده حزب نداء تونس من انشقاقات هو أمر طبيعي باعتبار أن مكونات هذا الحزب مختلفة واتفقت فقط قبل الانتخابات على مواجهة حركة النهضة وبعد الانتخابات تحالفت معها.

وتوقع أن يشهد نداء تونس المزيد من الانشقاقات، مشيرا إلى أن هناك انشقاقا بين الحزب وقاعدته الانتخابية كذلك حيث تخلى عنها ولم يف بالوعود التي قطعها لها.

واعتبر أن العمليات الإرهابية التي شهدتها تونس في 2015 كانت مؤلمة وانعكاساتها عميقة على الاقتصاد والسياحة والاستثمار في البلاد، موضحا أن هذه العمليات الإرهابية أعادت لدى البعض الحنين إلى ماضي العنف والاستبداد" لكن المؤسسات الاستبدادية انتهت ولا مجال لعودتها".

ورأى أن تونس بحاجة إلى تجديد الطبقة السياسية الحالية التي قال إنها نشأت في ظل الاستبداد، معتبرا أن ثقة المواطن التونسي في هذه الطبقة كادت تتلاشى بسبب ترهلها.

وقال إن المجتمع المدني بكل مؤسساته ونقاباته والرباعي الراعي للحوار الفائز بجائزة نوبل والطبقة الوسطى لعبت الدور الأكبر في أن تكون الثورة التونسية ذات طبيعة هادئة وبعيدة عن الدموية والتشفي، "ورغم أن هناك من يميل إلى العنف والاستئصال، لكن طبيعة المجتمع المدني تحول دون انزلاق البلاد إلى العنف".

اسم البرنامج: الواقع العربي
عنوان الحلقة: التجربة السياسية التونسية عام 2015.. ما لها وما عليها
مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض
ضيفا الحلقة:
- أحمد إدريس/مدير مركز تونس للسياسة
- محمد ضيف الله/أكاديمي وباحث سياسي
تاريخ الحلقة: 28/12/2015
المحاور:
- هزات ارتدادية متوقعة
- تحديات أمام المؤسسة الأمنية
- خصوصية التجربة التونسية
- انعكاسات سلبية على الاقتصاد التونسي
عبد القادر عيّاض: أهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على التجربة السياسية التونسية في عام 2015 وتحدي مواجهة تهديد الجماعات المسلحة.
تونس منطلق ثورات الربيع العربي والتجربة الاستثنائية في بلدانه، نصيبها من الدماء والأزمات كان في حدودٍ دنيا مقارنة مع دول عربية أخرى وأنموذجها في الحوار لتذليل العقبات التي اعترضت المرحلة الانتقالية صالح لئن يحتذي به، وقد كافأته لجنة نوبل بأهم جوائزها اليوم من الصعب القول إن تونس تجاوزت كل المطبات لاسيما ما يتعلق منها بالأمن وتحدياته الجسيمة وما يترتب على زعزعته من تداعيات على الاقتصاد وموارده.
[تقرير مسجل]
حافظ مريبح: بدأت تونس عام 2015 بحكومة جديدة يرأسها الحبيب الصيد وعكس كل التوقعات كانت حكومة ائتلافية شاركت فيها حركة النهضة مع منافسها حزب نداء تونس الفائز في الانتخابات وحزبين آخرين لكن الائتلاف الرباعي لم يكن في مأمن من التقلبات الأمنية التي حدثت في البلاد، الهجوم على متحف باردو في شهر آذار/ مارس الماضي قتل فيه أكثر من 20 سائحا أجنبيا شكل الهجوم ضربة شديدة لتونس وسرعان ما تبعه هجوم آخر على فندق في مدينة سوسة مطلع الصيف الماضي فزاد المخاوف وأزم الأوضاع خاصة وأن السياحة تعد مصدر الرزق الوحيد لعشرات الآلاف من التونسيين.
اللافت هذا العام أمنيا هو التحول النوعي للعمليات واستهدافها قلب العاصمة تونس وقد وصل الأمر حد تفجير انتحاري نفسه وقتله 12 من رجال الأمن الرئاسي في مقابل ضربات استباقية تقوم بها قوات الأمن باستمرار أسفرت عن مقتل عدد من الإرهابيين وإيقاف مئات من المشتبه بهم في قضايا الإرهاب، على الصعيد السياسي اتسم عام 2015 باستقرار نسبي وإن كان الحدث الأبرز خلاله هو انقسام حزب نداء تونس بعد خروج مؤسسه الباجي قايد السبسي فالحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة لم يسلم من الهزات والأزمات التي غدت تعرض حتى بقاءه للخطر بعد استقالة أمينه العام محسن مرزوق.
أما اقتصاديا فقد كان للإرهاب أثر جلي ومباشر في اقتصاد تونس فتراجعت كل المؤشرات الاقتصادية وانتهى هذا العام بمؤشر نمو قارب 0% بعد أن كان 2.3% العام الماضي.
وبالرغم من كل ذلك ظلت شعلة الأمل متقدة في البلاد فحصول تونس ممثلة في الرباعي الراعي للحوار على جائزة نوبل للسلام اعتبر هنا اعترافا من العالم بنجاح النموذج التونسي السلمي إذ نجح التونسيون رغم كثرة العقبات حيث فشل آخرون في إدارة خلافاتهم وصراعاتهم وحلها سلميا، فثورة تونس وإن لم تحقق كل أهدافها فقد حافظت على سلميتها. حافظ مريبح- الجزيرة- تونس.
[نهاية التقرير]
عبد القادر عيّاض: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من تونس كل من الدكتور أحمد إدريس مدير مركز تونس للسياسة ومحمد ضيف الله الأكاديمي والباحث السياسي، أهلا بضيفي الكريمين دكتور أحمد ما الذي سجله مقياس ريختر السياسي من هزات ومن تحركات في هذا العام في تونس؟
أحمد إدريس: طبعا الهزة الأساسية هي الأزمة التي يعرفها الحزب الذي فاز بأكثرية المقاعد في انتخابات 2014 يعني الأزمة التي يعرفها حزب نداء تونس اليوم بالإضافة إلى التهديدات الإرهابية الجسيمة التي وإن كان عددها أقل من السنوات التي سبقت وإنما من الناحية النوعية أصبحت أخطر وبالتالي تهديدها أكبر وانعكاسها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أعمق فبالتالي التحديان الأساسيان خلال هذه السنة تحدي سياسي بالأساس لأن حسب الاستقرار الظاهري فهنالك شلل عميق ينعكس على الحياة السياسية وفي المقابل تهديد أمني يجعل من يعني كل الاستقرار السياسي لا معنى له عندما تكون السلطات مطالبة بالتصدي للإرهاب بمواجهته وبالبحث عن وحدة هم يعني كل سياسيين الآن يجرون ورائها دون أن يلحقوها ودون أن يحققوها.
عبد القادر عيّاض: عندما نتكلم أستاذ محمد ضيف الله عندما نتكلم عما جرى أو يجري في حزب نداء تونس الحزب الأساسي في تونس، هل نتكلم عن هزة حدثت ويجري الآن معالجتها أم نتكلم ربما عن هزات ارتدادية متوقعة في مقبل الأيام؟
هزات ارتدادية متوقعة
محمد ضيف الله: هو في الحقيقة شكرا أولا على هذه الاستضافة والحقيقة ما يشهده نداء تونس كان أمرا طبيعيا باعتبار أن مكونات نداء تونس هي مختلفة على كل الأصعدة اتفقت فقط على مواجهة حكومة الترويكا سابقة مواجهة النهضة تحديدا ولكن بعد الانتخابات وجدت نفسها تتحالف مع حركة النهضة وبالتالي كل الوعود وكل من كانت تزرعه من آمال ومن انتظارات لدى ناخبيها إذن قد وقع التخلي عنه وهذا كان له انعكاسه بحيث انشق الحزب إذن إلى شقين في الوقت الحاضر ولكن اعتقد هذان الشقان اعتقد لا مستقبل لأي اتحاد بينهما وربما ستكون هناك إذن انشقاقات أخرى متوالية وأيضا انشقاق ما بين هذا الحزب وقاعدته الانتخابية أيضا باعتبار أن الناخبين هذا انشقاق سبق الانشقاق داخل الحزب باعتبار أن كل ما وعده الحزب لناخبيه إذن قد تخلى عنه وقد لم يكن وفيا لتلك الوعود الواسعة التي منحها للناخبين ولتونس وأنه جاء من أجل إنقاذ تونس و أنه جاء لكي يحقق نسبا مرتفعة للتنمية ولكن كل هذه إذن تبين فيما بعد أنه لم يكن صحيحا والحصيلة كما نعرفها في الوقت الحاضر على مستوى اقتصادي إذن هناك نسبة تنمية تجاوز الصفر هناك على مستوى أمني أيضا هناك رغم أن النجاحات الكبيرة التي حققتها إذن قوات الأمن إلا أن هناك ضربات كانت في الحقيقة مؤلمة ومؤلمة جدا على مستوى إذن أمني وعلى مستوى أيضا لها انعكاساتها وارتداداتها على المستوى الاقتصادي وبالتالي كل الوعود إذن وكانت لم يقع الوفاء بها.
عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد إدريس ذكرنا في بداية هذه الحلقة بأن تونس وإن كانت لا توصف بالنموذج الإيجابي حتى الآن ولكنها على الأقل هي النموذج الأقل أقل دموية حتى الآن فيما يتعلق بالبلدان التي شهدت ربيعا عربيا، ما الذي أبقى السفينة التونسية حتى الآن رغم الموج العالي إلا أنها ما زالت إلى الآن تحافظ على كثير من توازنها؟
أحمد إدريس: الحقيقة هي الظروف التي هي حثت باندلاع الثورة التونسية نعلم جميعا بأن الطبقة الوسطى هي التي ساندت الثورة هي التي ساهمت في الانتقال الديمقراطي فيما بعد وهي التي تسعى اليوم إلى مساندة ما تبقى من استكمال هذا المسار للانتقال الديمقراطي، وهذه الطبقة هي طبقة متعلمة متشبعة بثقافة سلمية إن شئنا ولا تميل إلى العنف بطبيعتها وربما في السابق يعني قبل أن تساهم في الثورة نفس هذه الطبقة هي التي كانت مساندة للنظام السابق فبطبيعتها هي ميالة إلى الاستمرارية بطبيعتها ميالة إلى اعتماد حلول سلمية فربما هذه التركيبة هي التي وفرت أسباب نجاح هذا الانتقال الديمقراطي في تونس ولم توفر ربما مجالا للعنف أو إلى الحلول السيئة، فيعني إن شئنا اليوم هذا الظرف الخاص بتونس وهو ظرف خاص جدا يعني بتونس لا يمكن ربما أن نجد مثيلا له في الأقطار الأخرى بالنظر إلى التركيبة الاجتماعية في تونس بالنظر إلى وجود هذه الطبقة الوسطى المتماسكة إلى درجة تعلمها وإلى ميلها إلى الحلول السلمية ربما إذا نظرنا إلى الوضع الحالي.
تحديات أمام المؤسسة الأمنية
عبد القادر عيّاض: ضيفي أستاذ محمد ضيف الله تكلم الدكتور أحمد عن الطبقة الوسطى وارتباطها بهذا الاستقرار حتى الآن في تونس هل هذه الطبقة وحدها كانت كفيلة بإحداث هذا النوع من التوازن في بلد ضرب فيه الإرهاب بشكل قوي بلد يتعرض لأزمات اقتصادية نتيجة الوضع الأمني وبلد أيضا مس حتى على المستوى السياسي من خلال ما يحدث في واحد من أهم أحزابه هو نداء تونس، هل فقط وجود طبقة بهذا المستوى وهذه المواصفات كان كفيلا بأن يحدث هذا التوازن في هذه السفينة؟
محمد ضيف الله: اعتقد يمكن أن أضيف أيضا هناك العامل التاريخي فتونس بجغرافيتها حيث السهول كانت دائما في ثوراتها كانت ثورات نستطيع أن نقول سلمية ناهيكم أن الثورة على الاستعمار الفرنسي لم يكن ضحيتها إلا بضع مئات فقط من شهداء الوطن آنذاك في سنوات 1952- 1954 كذلك كل الثورات التي حدثت في تونس في الحقيقة لم تصحبها الكثير من الدماء والكثير من الدموع وإنما كانت فيها نوع من الاعتدال ونوع من الهدوء وبالتالي اعتقد هذا عنصر أيضا يلعب دورا كبيرا ولكن يمكن أن نضيف أيضا وجود هناك مؤسسات للمجتمع المدني التي لعبت دورا كبيرا في أن تكون هذه الثورة سلمية ويمكن أن نذكر هنا الرباعي الراعي للحوار الذي فاز بجائزة نوبل ولكن أيضا هناك نسيج من الجمعيات ومن المنظمات التي تؤثر الكثير من الفئات المهنية وغيرها هذه الجمعيات أعتقد قامت بدور كبير في الثقافة السياسية والثقافة المدنية في تونس رغم أنها كانت هي أيضا من محاصرة وكانت متابعة من قبل النظام السابق، يمكن أن نذكر إضافة إلى الرباعي الراعي للحوار هناك جمعيات ثقافية هناك جمعيات الصحفيين وهناك جمعيات أو عمادات للمهندسين للأطباء، إذن المجتمع المدني اللي عندنا في تونس إذن مجتمع مهيكل وبالتالي هذا ساهم في أن تكون إذن نتيجة لهذه الثورة لا تميل إلى الاعتدال وتميل إلى الهدوء ولا تميل إلى الدماء والتشفي واعتقد أنه لا يعني ذلك وجود انعدام وجود من يميل إلى العنف والدليل على ذلك العمليات الإرهابية وحتى آخرون أيضا على الساحة ربما في خطابهم يحملون هذه النزعات من العنف ومن الاستئصال ولكن اعتقد بأن طبيعة التونسي وطبيعة الطبقة الوسطى وطبيعة وجود منظمات المجتمع المدني تحول دون أن تنزلق البلاد نحو استعمال العنف والحلول العنيفة والحلول المتطرفة.
خصوصية التجربة التونسية
عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد فيما يتعلق بخصوصية التجربة التونسية خلال هذا العام، هل تعتقد بأن تونس بمؤسساتها وبمختلف القوى فيها تتعلم من تجربتها أم هناك احتمال أن تتكرر نفس الأخطاء في ظل ما يجعل صعيد النخب السياسية وخاصة في حزب نداء تونس؟
أحمد إدريس: يعني هنالك أخطاء قد تتكرر ونلاحظ أن بعضها اليوم يعود إلى السطح من جديد مثلا المساس بالحريات وإن كان هذا مدعوما بسبر آراء يقول أن غالبية التونسيين يفضلون اليوم القيود على الحرية مقابل تحقيق الأمن فربما بعلة تحقيق الأمن يعود من جديد المساس بالحريات أو على الأقل إنزال السقف الذي تعود به التونسيون خلال الأربع سنوات ونيف الفارطة، فيما عدا ذلك أرى أن هنالك ظروفا موضعية قد تقود إلى الرجوع إلى الماضي بكل سلبياته يعني لا أرى اليوم مثلا في تونس إمكانية رجوع الديكتاتورية على النمط الذي كان سائدا خلال العشريتين السابقتين فاليوم أولا هنالك الحريات حتى وإن كانت ربما مهددة بالخطر بالنظر إلى التهديدات الأمنية ولكن في نفس الوقت هنالك مجتمع مدني قوي وأصبح قوي جدا بالنظر إلى ما كان متاحا في الماضي، هنالك أحزاب سياسية متعددة لها وعانت في الماضي من القمع والاستئصال ولا أراها اليوم تميل إلى إعادة إنتاج القمع والاستئصال وهنالك حتى أحزاب معارضة التي وإن كانت ليست لها القدرة للوصول إلى الحكم أو حتى إلى الدخول إلى البرلمان ولكنها فاعلة ولها آراء محترمة جدا داخل المجتمع ومؤثرة حتى يعني مؤثرة في الرأي ومؤثرة في صياغة القرار وإن كانت ليست فعلا فاعلة على مستوى اتخاذه داخل المؤسسات، فكل هذا يقود إلى القول أنها ليست هنالك ظروف موضوعية تقود إلى العودة إلى الماضي ولكن مع ذلك لا بد من الحذر لأن يعني طبيعة الإنسان في النهاية قد تميل إلى أن يكون قمعيا عندما يحتاج إلى أن يكون قمعيا فقط درجة ميله إلى القمع هي التي تختلف ومدى التزامه بدولة القانون، ما يجب الوصول إليه اليوم في تونس هو أن تكون هنالك ثقافة دولة القانون قوية ولا بد على العمل على تأصيلها فعلا يعني يمكن أن تكون الدولة قمعية لمواجهة التحديات الأمنية وتحديات الإرهاب ولكن في نفس الوقت عليها أن تحترم القانون.
انعكاسات سلبية على الاقتصاد التونسي
عبد القادر عيّاض: عن هذه النقطة أسأل ضيفي الأستاذ محمد ضيف الله عن هذا المحور ما خلفته العمليات التي قامت بها تنظيمات مسلحة في تونس ما جرى في باردو ما جرى في سوسة وما جرى حتى في العاصمة تونس وما خلفته، ما الذي تركته هذه العمليات وميز ربما صورة مهمة وجانب مهم من هذه السنة في هذا البلد في تونس؟
محمد ضيف الله: نعم هناك أولا بالأرقام العمليات الإرهابية التي حدثت خاصة في باردو وفي سوسة وكذلك العملية الأخيرة التي حدثت في شارع محمد الخامس في العاصمة غير بعيد عن وزارة الداخلية اعتقد هناك تأثير أولي هو تأثير على الاقتصاد لا ننسى ذلك، تأثير على السياحة ليس فقط وإنما تأثير أيضا على الاستثمارات في تونس، ولكن أيضا في نفس الوقت هناك نزعة أو نزوعا نحو الحنين ربما إلى الماضي هناك بعض التعبيرات من الحنين إلى الماضي حيث كان هناك الأمن وهناك إن شئنا تفضيل للأمن مع منسوب أو أقل من الحرية على أن تكون هناك حرية وكأنما مسألة الأمن هي التي أو الحرية هي التي فتحت المجال أمام الإرهاب وهذا غير صحيح، إذن خطر هذه النتائج لهذه العمليات الإرهابية والنشاط الإرهابي بصفة عامة هو أنه إذا فتح المجال أمام الحنين للماضي، الحنين للماضي الذي كان عنيفا وكان فيه الاستبداد ولكن اعتقد كما قال الأستاذ إدريس في تونس ليست هناك مؤسسات يمكن أن تضمن إذن قيام دولة عنيفة أو دولة استبدادية فالمؤسسات الاستبدادية اعتقد قد تهرسلت كما نقول في تونس إذن ولم تعد قادرة على أن تمارس الاستبداد الذي مارسته أو بمثل الحجم الذي مارسته في السابق، واعتقد أن الإرهاب خاصة الإرهاب هو ليس إرهابا محليا فقط وإنما هو إرهاب عالمي وهنا إذن صعوبة أن نتكلم عن أن الإرهاب هو الذي سيقودنا بالضرورة نحو الاستبداد ونحو الديكتاتورية وأعتقد أن التونسيين حتى وإن عبروا في نسبة هامة منهم عن أنهم يفضلون الأمن إذن أو على الحرية ربما إلا أني اعتقد في مستوى النخب ومستوى المجتمع المنظم ومؤسسات المجتمع المدني وأن جائزة نوبل بحد ذاتها اعتقد هي ضمانة اعتقد وهي إلزام والتزام للمجتمع المدني بالتمسك بالحريات.
عبد القادر عيّاض: إذن هناك مخاوف أستاذ محمد هناك مخاوف وبالتالي أسأل ضيفي الدكتور أحمد إدريس فيما يتعلق بهاتين النقطتين عامل الضغط الاقتصادي وكذلك العامل الأمني إلى أي مدى وكيف سيتم الاستثمار فيهما ربما ما قد يرسم معالم مرحلة قادمة تطبع السنة القادمة أو ربما ما بعدها في تونس؟
أحمد إدريس: من الصعب توقع ما سوف يحصل على الساحة الاقتصادية لأنها مرتبطة كذلك مرتبطة بما يحصل أمنيا فما تحتاجه تونس اليوم هو مزيد من الاستثمار وهذا يصعب تحقيقه إذا لم تتحسن المنظومة أو مردود المنظومة الأمنية ولم يتحسن الشعور بالأمن عموما الأمن على الاستثمار، فلا الاستثمار الأجنبي سوف يتحقق ولا حتى الاستثمار الداخلي سوف يتحقق إن لم يتحقق الأمن وما دامت التهديدات الإرهابية موجودة، ولكن في نفس الوقت لا بد كذلك من أن يكون هنالك استقرار سياسي فلا بد وأن تكون الحكومة حكومة قوية قادرة على اتخاذ القرارات وقادرة أن تخلق الثقة في الدولة وتخلق الثقة في قرارات الدولة.
عبد القادر عيّاض: وما الذي يمنعها من ذلك دكتور أحمد؟
أحمد إدريس: ما تتعرض له تونس اليوم من اهتزاز على المستوى السياسي، ما يمنعها هو عدم وجود قوى سياسية قادرة أن تدفع الحكومة إلى خلق هذه الثقة، الحكومة.. وهنا لا أحمل المسؤولية فقط إلى حزب نداء تونس الذي يعرف الأزمة وهو أولا وبالأساس المسؤول عنها ولكن كافة القوى المتحالفة اليوم في الحكومة هي لا تسعى إلى أن تعطي للحكومة الوسائل التي تمكنها من اتخاذ القرار فكلها مستفيدة تقريبا من ضعف رئيس الحكومة كلها مستفيدة من ضعف مردود الحكومة وكأنها تقول بأن الحكومة هي المسؤولة عن قراراتها ونحن فقط يعني نحاول أن نكون موجودون لمساندتها وبالتالي لا نتحمل وزر أخطائها وربما هذه حسابات خاطئة لأنه في النهاية الجميع خاسرون، الأطراف السياسية البلد خاسر ولن يتحقق الاستقرار فيه ولن يتحقق الاستثمار بالتالي لن يتقدم ولن يحقق خطاه على المستوى الاقتصادي.
عبد القادر عيّاض: لا بأس أن أختم هذه الحلقة بالسؤال عن كيف يتابع المواطن التونسي وهو المعني بهذه التجربة وتفاعلاتها كيف يتابع هذا الارتباك في المشهد السياسي في الأحزاب ذات الوزن كحزب نداء تونس، هل ما زال يثق في الطبقة السياسية في أن تجد له الحلول بما يعانيه من صعوبات اقتصادية وأمنية ضيفي الأستاذ محمد ضيف الله؟
محمد ضيف الله: أعتقد بأنه طوال السنوات الماضية الطبقة السياسية والنخبة السياسية بصفة عامة وقع إذن الحد من قيمتها والتهجم عليها بطريقة نفرت الناس منها في وسائل الإعلام المختلفة واعتقد أن ذلك إرث تحمله الطبقة السياسية بصفة عامة للوقت الحاضر زاد عليها اعتقد هذا الانشقاق الكبير الذي حدث في نداء تونس الذي إذن لم يعد خافيا على الجميع ويتابعه الجميع ولكن يتابعونه بمرارة باعتبار أن الكثيرين كانوا يراهنون على أن يكون نداء تونس هو الذي سينقذ البلاد من الوضعية التي كانت عليها والذي سيخرج بها من وضعية المؤقت إلى وضعية الدائم وهو الذي سيرسي الجمهورية الجديدة وهو الذي سيحقق التنمية، ولكن هذا الانشقاق وهذا الترهل في الطبقة السياسية إذن اعتقد زاد في نزع الثقة عن هذه الطبقة السياسية على المستوى الشعبي واعتقد هذا لا يخدم الحكومة ولا يخدم مستقبل الطبقة السياسية بحد ذاتها، واعتقد أن تونس مستقبلا بحاجة إلى تجديد هذه الطبقة السياسية باعتبار أن الطبقة السياسية الحالية هي طبقة قد كانت نشأت في ظل الاستبداد واعتقد أنها تحمل بعض البذرات من ذلك الاستبداد وأعتقد بأن طبقة جديدة هي مدعوة للنشأة في تونس.
عبد القادر عيّاض: أشكرك كنت معنا من تونس محمد ضيف الله الأكاديمي والباحث السياسي كما أشكر الدكتور أحمد إدريس مدير مركز تونس للسياسة، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.