لا تكاد الفلوجة تنام على قصف إلا وتصحو على آخر، مدينة أرغمت تطورات المواجهة بين الحكومة العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية أهلها على دفع ضريبة إنسانية فادحة، قائمة مفتوحة من القتلى والجرحى لا تشبع من أبناء المدينة، وخدمات شبه معدومة.

كل ذلك تحت أنظار مجتمع دولي يتجاهل بعين -حسب منتقديه- مأساة الفلوجة، بينما يذرف بالأخرى دموعا سخية على ضحايا هجمات باريس وغيرها كما لو أنه كتب على العراقيين ألا يساووا غيرهم من بني البشر لا في حقوق الحياة، ولا حتى في استحقاقات الموت.

وتعليقا على هذا الموضوع قال مكي نزال -أحد وجهاء الفلوجة- إن استهداف وحصار الفلوجة بدأ منذ أبريل/نيسان 2003 بسبب موقفها ضد الغزو الأميركي حيث خرجت في المدينة أول مظاهرة سلمية ضد الأميركيين الذين قتلوا المشاركين فيها بدم بارد.

ووصف نزال في حلقة برنامج "الواقع العربي" بتاريخ 28/11/2015 التي ناقشت التجاهل الغربي للكلفة الإنسانية المتصاعدة لحصار الفلوجة وقصفها في العراق الفلوجة بأنها "رمز للمقاومة لمعظم الناس في العراق، وهي أيقونة الحرية والمقاومة والتي يحاول المحتل وأتباعه شيطنة المدينة واعتبارها مدينة إرهابية".

وقال إن الوضع الإنساني في المدينة لم يتحسن أبدا ليرقى إلى وضع طبيعي، حيث تتعرض لقصف متواصل ويتعرض مواطنوها للقتل والمضايقات والاعتقالات والسجن "وعندما أرادت القوات الأميركية تحرير الفلوجة عام 2004 دمرت المدينة عن بكرة أبيها"، مشيرا إلى أنها تدفع ضريبة موقفها المقاوم حيث يعاني سكانها الموجودون فيها القصف بينما يعاني الذين خرجوا منها العوز والإذلال.

واعتبر نزال أن كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة في العراق بدءا من حكومة إياد علاوي مرورا بحكومة نوري المالكي وانتهاء بحكومة حيدر العبادي هي حكومات مجرمي حرب بحق الفلوجة وكذلك التحالف الدولي والحكومة المتحالفة معه، مشيرا إلى أن هناك تحريضا من جهات رسمية ومحلية وأجنبية على المدينة.

وعن الموقف الغربي إزاء ما يحدث للفلوجة قال نزال إن الموقف الغربي مخز ومفضوح، والغرب هو المحرك الرئيسي لحكومات بغداد، وأميركا هي المسؤولة الأولى، وكذلك حلفاؤها الذين يزودون الحكومة العراقية ويدربون جنودها لقتل أهل الفلوجة.

كما حمل الأمم المتحدة والعرب مسؤولية ما يحدث للفلوجة، وقال "موقف العرب مما يحدث في الفلوجة لا يمت للعروبة ولا الإسلام بصلة، وعليهم أن يستحوا ويتخذوا موقفا مشرفا".

ذبح بصمت
من جهته، قال فادي قاضي الخبير الحقوقي الدولي والمتحدث السابق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش إن الفلوجة تذبح بصمت، مشيرا إلى أن حالها كحال الرقة في سوريا وإن كان هناك نشطاء في الرقة يفضحون ما يجري فيها.

وأضاف أن هناك صمتا وشللا سياسيا من المجتمع الدولي إزاء ما يحدث في الفلوجة، وإن هناك صورة سوداء لخريطة اهتمامات المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن حجة الحكومة لمحاصرة الفلوجة بهدف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على المدينة هي سياسة مستهترة وخاطئة، حيث لا تقوم أي دولة عاقلة باتخاذ قرار بقصف مدينة ومحاصرة سكانها لمدة طويلة.

واعتبر أن ما يجري في الفلوجة هو إفراط في سياسات غير واضحة لدى حكومة العبادي الذي لم ينجح في اجتثاث سياسات حكومة المالكي الذي استخدم البراميل المتفجرة وقصف مستشفيات المدينة وهو ما يعد جريمة حرب.

وأضاف أن حكومة العبادي أخفقت تماما في القيام بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، مشيرا إلى أنه لا وجود لأي فعل سياسي لا على مستوى مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان أو جامعة الدول العربية في ما يخص الفلوجة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الفلوجة.. قصف وحصار وقتل وتجاهل غربي

مقدمة الحلقة: إيمان عياد

ضيفا الحلقة:

-   مكي نزال/ أحد وجهاء الفلوجة

-   فادي القاضي/ خبير حقوقي دولي ومتحدث سابق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش

تاريخ الحلقة: 28/11/2015

المحاور:

-   أوضاع إنسانية متفاقمة

-   معايير الانتهاكات في الفلوجة

-   الكيل بمكيالين

إيمان عياد: أهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على التجاهل الغربي للكلفة الإنسانية المتصاعدة لحصار مدينة الفلوجة العراقية وقصفها من قبل القوات الحكومية.

لا تكاد الفلوجة تنام على قصف إلا لتصحو على آخر، مدينة أرغمت تطورات المواجهة بين الحكومة العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية أهلها على دفع ضريبة إنسانية فادحه، قائمة مفتوحة من القتلى والجرحى لا تشبع من أبناء المدينة وخدمات شبه معدومة، كل ذلك تحت أنظار مجتمع دولي يتجاهل بعين حسب منتقديه مأساة الفلوجة، بينما يذرف بالأخرى دموعا سخية على ضحايا هجمات باريس وغيرها كما لو أنه كتب على العراقيين أن لا يساووا غيرهم من بني البشر لا في حقوق الحياة ولا حتى في استحقاقات الموت.

[تقرير مسجل]

حسين دلي: الفلوجة مجددا ما ذكرت في الآونة الأخيرة إلا وارتبطت بيوميات الحصار والقصف والمواجهات، نحو أربعين شخصا من أبنائها معظمهم نساء وأطفال سقطوا بقصف طال منازل في منطقتين في محيطها الغربي أشدهما وقع في منطقة "الزوية" وحول ثلاثة منازل لأنقاض. القوات العراقية والجيش الأميركي يتبادلان الدور باستهدافها، يساعدهم الحشد الشعبي وأفراد عشائريون من مناطق محيطة بالفلوجة، كل ذلك تحت ذريعة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يبسط سيطرته على المدينة منذ قرابة عامين، وجد سكان الفلوجة أنفسهم بين فكي كماشة وهم الخاسر الأكبر في كل ذلك، نحو 3400 مئة قتيل خلال عامين بينهم ما يقارب 800 من النساء والأطفال وأكثر من 5500 جريح بحسب مصادر في مستشفى الفلوجة، المستشفى ذاته لم يسلم وطواقمه من القصف فضلا عن استهداف نحو 40 من مساجد المدينة، ثمة أرقام تشير إلى نزوح 80 بالمائة من أصل 700 ألف نسمة يعاني أغلبهم من مأساة النزوح في إقليم كردستان وفرضت عليهم حكومة بغداد توفير كفيل لتسمح بدخولها فاضطر بعضهم للهجرة خارج العراق لاجئا في تركيا والأردن أو أوروبا، وقله منهم في دول الخليج، أما العشرون بالمائة اللابثون داخل المدينة فقد باتوا ضحية لتصفية الحسابات بين طرفي المواجهة، معاناة المدينة ليست في القصف المستمر فحسب، فالحصار القاسي فرض عليها منذ أكثر من عام، فأغلب الطرق أغلقت بسبب العمليات العسكرية، منع عنها الدواء والغذاء إلا نزرا يسيرا يجتهد أهلها لتوفيره بطرق التفافية ووسائل قديمة، هذه المعابر والقائمون عليها لم تسلم في كثير من الأحوال من قصف المدفعية والطيران، وإذا تحدثت عن نقص غاز الطبخ ووقود المركبات فيصبح هذا شيئا من الترف، أما مستلزمات العمليات الجراحية واحتياجات الأمراض المزمنة فلا تكاد تذكر، لم تنفع النداءات المتكررة في إيقاظ المجتمع الدولي ولا المحيط الإقليمي فالتخاذل تجاه ما تتعرض له المدينة منقطع النظير يتساوى فيه القريب والبعيد فالكل يلزم الصمت فيما يبدو كلما تعلق الأمر بمحاربة تنظيم الدولة، بينما الإعلام العالمي وربما العربي أيضا يضج بصراخ كما هو الحال في هجوم باريس وأمثاله على أنه لا يكترث في نظر منتقديه بالفلوجة ونظيراتها، الفلوجة باتت مدينة لا تنام ليس من ضوئها وضوضائها بل من كثرة قصفها وطول استهدافها.

[نهاية التقرير]

إيمان عياد: وللحديث حول هذا الموضوع ينضم لدينا من عمان كل من مكي نزال أحد وجهاء الفلوجة وفادي القاضي الخبير الحقوقي الدولي والمتحدث السابق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش، أهلا بكما وأبدأ معك سيد مكي نزال، الوضع الإنساني الصعب في الفلوجة سيد نزال ليس وليد اليوم ولا الشهر ولا حتى هذه السنة، عندما نتحدث عن هذا الوضع في الفلوجة نتحدث عن وضع عمره سنوات، أين لنا أن نضع هذه المأساة الإنسانية في المدينة في السياق العراقي وما يحدث في العموم على أرض العراق؟

مكي نزال: الفلوجة بدأت تعاني الحقيقة منذ شهر إبريل 2003، ابتداء موقفها واضح ضد الاحتلال الأميركي وكانت أول مظاهرة سلمية لفتيان صغار قتلتهم القوات الأميركية بدم بارد، منذ ذلك اليوم دق جرس الإنذار عند الجميع، الفلوجة أصبحت رمزا لمعظم الناس في العراق والوطن العربي بل والعالم والفلوجة صارت أيقونة للحرية وللمقاومة، ومن ناحية أخرى يحاول المحتل ومن تبعه من أتباعه أن يشيطن هذه المدينة، أن يبين أنها مدينه إرهابيه، الوضع الإنساني تذبذب منذ هذا التاريخ الذي ذكرت منذ 2003 ولكن لم يرقى في يوم من الأيام وأنا كنت هناك لأربع سنين ونصف من بداية الاحتلال إلى 2007 الوضع هناك لم يتحسن ليرقى إلى الوضع الطبيعي وأجزم في أي يوم من الأيام، هناك دائما مضايقات، قصف، سجون، اعتقالات، مداهمات، والقصف لما أقول قصف يعني مثلا في 2004 لما شاءت أميركا أن تحرر الفلوجة كما يشاء هؤلاء اليوم أن يحرروا الفلوجة دمرت المدينة عن بكرة أبيها، 20 ألف دار هدمت و40 ألف نصف مهدوم، يعني لا يصلح للسكن إلا بعد ترميم رئيسي، هذه المدينة اليوم تدفع ضريبة موقفها لا أكثر ولا أقل، المدينة كلها تقريركم الحقيقة لم يلم بمعظم جوانب القضية، الموجودون في المدينة يعانون من القصف والذين استطاعوا أن يخرجوا وينفذوا من المنافذ الحكومية والكفالات وما إلى ذلك يعانون العوز والإذلال، وقبلهم ناس هاجرت إلى خارج العراق هذا باختصار ما حصل في الفلوجة.

إيمان عياد: سيد القاضي في ضوء كل هذه المعطيات التي تحدث عنها أو تفضل بها السيد نزال، بصفتك حقوقي سابق وعملت مع منظمة هيومن رايتس ووتش ومتابع أيضا للأوضاع في مدينة الفلوجة على مر سنوات، يعني هذه المدينة مدينة الفلوجة سجلت حضورا مرارا وتكرارا في التقارير الدولية في التقارير الحقوقية الدولية ومن بينها تقارير هيومن رايتس ووتش ما هي الخصوصية التي تميز بها أو توصف بها المدينة وأوضاعها اليوم في الوقت الحالي، نحن نتحدث أعطانا السيد نزال خلفية شافية عما تعرضت له منذ عام 2003 اليوم كيف تصفونها؟

فادي القاضي: شكرا لك، الفلوجة كحال الرقة إذا شئت وإن كان نشطاء الرقة العاملون على توثيق جرائم داعش أسسوا حمله أسموها "الرقة تذبح بصمت" فليس أقل من أن توصف الفلوجة في وضعها الحالي بأنها الفلوجة تذبح بصمت أيضا، الصمت السياسي المشار إليه فيما يتعلق بموقف ومجموع مواقف المجتمع الدولي من استهداف المدنيين واستخدام سياسات وتكتيكات عسكرية عشوائية أو لا تمييزية تطال المدنيين وأرواحهم وسكناهم وتدفعهم للهجرة والنزوح بما يشي به وضع الفلوجة الآن ومنذ سنوات عديدة هو مسألة لا أريد القول بأن هناك قرارا بشأنها لكن هناك مؤشرات واضحة على اتخاذ المجتمع الدولي لدور يساوي دور الصفر دور الشلل، فنذكر أن المجتمع الدولي في وقت سابق في وقت متأخر في العام الماضي حين ذهبت الحكومة العراقية إلى مجلس حقوق الإنسان لإصدار قرار بالتحقيق فيما يسمى بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتكبة في النزاع الدائر في العراق، نجحت باستصدار قرار أحادي الجانب، أحادي الجانب بمعنى التفويض الذي منح للجنة التحقيق منح لها بالتحقيق فقط في الجرائم المرتكبة من قبل ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية وليس كل الجرائم المرتكبة على الأراضي العراقية في السنوات الماضية بما يعني أن استخدام حكومة المالكي على سبيل المثال للبراميل المتفجرة في 2014 لم يتم اعتباره باعتباره ممارسة تهدد أرواح المدنيين، لم يتم اعتبار ما ذهبت إليه حكومة المالكي من قصف عشوائي واستهداف للمستشفيات في هذه المدينة بالذات باعتباره جريمة حرب ينبغي التقصي والتحقيق بشأنها هذه صورة سوداء في الحقيقة بخريطة سياسات المجتمع الدولي لكنها الحقيقة الماثلة الآن.

إيمان عياد: سيد نزال على ذكر حكومة المالكي ومن بعدها حكومة العبادي كيف تقيمون ما بين هذه الأزمة وهذه الأوضاع، ما بين حصار خانق للمدينة والنزوح، الباقون في المدينة يعانون والنازحون يعانون وما بين مواقف حكومة المالكي والعبادي كيف تقيمون، كيف تعاطت الحكومة مع هذه الأزمة، مع هذا الوضع؟

مكي نزال: كل الحكومات ابتداء بالحكومة المؤقتة بقيادة إياد علاوي الذين ينسون نريد أن نذكرهم، كل الحكومات كل من يمت للنظام السياسي في العراق وأنا هنا أؤكد من كافة الطوائف هم مجرمو حرب بحق هذه المدينة، هذه المدينة لم يتساهل معها أحد، لا الأميركان ولا حلفاؤهم ولا الطيران ولا القصف العشوائي الذي يسمونه عشوائيا ولكنه بشكل غريب هذا العشوائي يتركز على الأطفال والنساء، هناك تحريض دائما من جهات رسمية محلية وأجنبية على هذه المدينة، المدينة من سلمها لتنظيم الدولة؟ لم يسلمها المدنيون، المدني ليس مسلحا كي يسلم مدينته، الذي سلمها دون قتال هم أميركا وحلفاؤها، أنا لا أشمل ولا أخصص لأن الجميع بدون استثناء من التحالف الدولي إلى التحالف العراقي المشكل للحكومة والبرلمان هم مجرمو حرب بحق هذه المدينة، المحاصرون اليوم لا حول لهم ولا قوة إذا خرجوا من المدينة يتلقاهم المعبر حيث الموت بردا وجوعا وذلا، وإذا بقي في مدينته فالبراميل والصواريخ والراجمات والمدفعية وكل أنواع الأسلحة تقذف على الرؤوس، نحن على التواصل الاجتماعي ويقول لي صديقي أن القصف قريب، قريب جدا ونسمع القصف وبعد دقائق يقول العائلة التي قتلت البارحة قتلوا عن بكرة أبيهم، وتظهر الصور ليظهر ركام بيوت ويظهر من يحسب على الأنبار للأسف ويقول ليس ذنب الجيش ولا الحشد وإنما المخبر لم يعطي إحداثيات صحيحة وكأن المخبر يعمل عندي أو في متجر أو في مخبز .

أوضاع إنسانية متفاقمة

إيمان عياد: عديدة هي التقارير الحقوقية التي رصدت ما تعرض له المدنيون في الفلوجة من أوضاع إنسانية متفاقمة وهجمات من أطراف الصراع في البلاد، تقارير حملت بغداد والمسلحين الخارجين على سلطتها مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان، منظمة العفو الدولية وفي تقريرها لسنة 2014-2015 قالت أن القوات العراقية استخدمت القصف العشوائي للسيطرة على الفلوجة وأضافت أمنستي أن القصف الحكومي خلف باستمرار أعدادا متزايدة من القتلى والجرحى بين المدنيين، من جهتها أفردت هيومن رايتس ووتش مساحة للعراق والفلوجة في تقريرها السنوي الأخير والذي جاء فيه أن رئيس الوزراء العبادي عاد ليقصف الفلوجة ومناطق أخرى بعد أن تعهد منتصف سبتمبر أيلول الماضي بوقف ذلك، هيومن رايتس ووتش قالت أن القصف الجوي والمدفعي العشوائي التي نفذته قوات الحكومية في الفترة ما بين فبراير وشباط وشهر ديسمبر- كانون الأول أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنين، وأكدت المنظمة كذلك أن القصف الحكومي العشوائي طال مستشفى الفلوجة بقذائف الهاون بصفه متكررة، وأضافت هيومن رايتس ووتش أنه ومنذ بدايات شهر مايو أيار قامت القوات الحكومية بإلقاء البراميل المتفجرة على أحياء سكنية في الفلوجة والمناطق المحيطة بها مما تسبب بسقوط ضحايا من المدنيين وإجبار آلاف من السكان على الفرار من منازلهم، وفي النصف الأول من شهر يوليو- تموز قالت المنظمة أنه تم تنفيذ 17 غارة جوية بينها ست غارات تم خلالها إسقاط براميل متفجرة أسفرت عن مقتل 75 شخصا على الأقل.

إذن نعود لك سيد قاضي، تحدث سيد نزال قبل قليل عن أن المدينة لم يتساهل معها أحد وكان هناك تحريض متواصل كما قال من جهات عديدة عليها لكن كيف تعلق على حجة الحكومة التي تقول دوما بأنها مضطرة لإدارة الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على المدينة وهذا بالتالي له أثمان؟

فادي القاضي: هذه السياسة أولا أقل ما يقال عنها بأنها سياسة مستهترة وسياسة خاطئة في المقام الثاني، لا يوجد دولة عاقلة بمعنى الدولة مسؤولة عن رعيتها وعن رعاياها تتخذ قرارا بأن تقصفهم وأن تحاصرهم من دون أي جدوى عسكرية لمدة طويلة، هذا إن صح التحليل القائل بأن هناك خطة عسكرية لإنقاذ المدينة، ما أراه ويراه مجتمع ليس بالقليل من المراقبين الحقوقيين وغيرهم بأن هناك إفراطا في سياسات غير واضحة للأسف لدى حكومة السيد العبادي لم تنجح إطلاقا في اجتثاث حكومة السياسات الفاشلة التي اتبعتها حكومة المالكي والتي ذهبت إلى حد ليس فقط الاستهتار بالأرواح ولكن أيضا التضحية بالأرواح في سياق ما يسمى بخطة الحكومة العراقية لمواجهة ما يسمي بتنظيم الدولة الإسلامية، هذه السياسات للأسف ترافقت أيضا مع صمت مطبق من قبل الحكومة العراقية عن ممارسات الميليشيات المتحالفة معها، وهذه المليشيات كان ينبغي على حكومة السيد العبادي كما تعهد إبان استلامه للحكم بأن يضبط وأن يعاقب وأن يحمل المسؤولية لمن سمح لهذه الميليشيات بارتكاب ما ارتكبته بالخروج عن القانون من استهداف للمدنيين وقتل من دون اللجوء للقانون .

معايير الانتهاكات في الفلوجة

إيمان عياد: عندما نقول بأن حكومة ما انتهكت قوانين الحرب ماذا يعني ذلك؟ ما هي المعايير والمقاييس التي تقاس فيها هذه الانتهاكات وتقاس فيها إجراءات حكومة تعاملت مع بقعة ما خرجت عن سيطرتها، باختصار؟

فادي القاضي: القانون الإنساني الدولي هو واضح ولا يحتاج إلى تأويل كثير في هذه المسألة سواء أن كانت الحكومة تخوض حربا ضد متمردين عليها أو سواء كانت الحكومة المعنية تخوض نزاعا مسلحا مع أطراف سياسية أخرى فيما يسمى إطار حرب أهلية أو كانت تخوض حربا لاستعادة مدن سقطت في أيدي الأعداء أو الخصوم أيا كانوا، فعليها نفس الالتزامات، الالتزامات يأتي في مقدمتها حماية المدنيين التمييز بين المدنين والمقاتلين، العمل على توفير كل الضمانات لسلامة غير المنخرطين وغير المشاركين في الأعمال العدائية بين قوسين الأعمال العسكرية وضمان وتأمين نزوحهم إلى مناطق آمنه بمعنى لجوئهم إذا تطلب ذلك الأمر، لكن حتى في هذه المسألة الأخيرة حين تحدثت المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية في شهر يوليو عن نزوح 70 ألفا من مدينة الفلوجة ما تزال الحكومة الراهنة تفرض قيودا على دخول هؤلاء إلى بغداد، فنحن لا نتحدث فقط عن إدارة العمليات العسكرية بل أيضا نتحدث عن مسؤولية الدولة تجاه رعاياها ومواطنيها وهو ما أخفقت به بشكل ذريع.

إيمان عياد: بالإضافة إلى مسؤولية الدولة سيد نزال كيف يرى أهل الفلوجة على سبيل المثال الموقف الغربي الذي يقول أنه يساهم في هذه الحرب على الإرهاب لحماية العراقيين أنفسهم؟

مكي نزال: الموقف الغربي موقف مخزي موقف مفضوح ولا نستطيع اليوم أن نجامل الغرب ونزوق الألفاظ، الغرب هو المسير الرئيسي لحكومات بغداد منذ وطأت أقدامهم العراق، أميركا هي المسؤول الأول ومعها كل من شارك في التحالف بدون استثناء، القتلة هم التحالف، لا يمكن أن نبرأهم من هذا الموقف ويقولون أنه صراع داخلي، صراع داخلي بين من ومن؟ أنهم يزودون هذه الحكومة بالسلاح، يدربون قواتها على قتلنا، هذه القوة المسيطرة على العالم المسماة الأمم المتحدة هي أيضا مسؤول كبير، العرب الذين جلبوا القوات الأجنبية في عام 90 و91 للمنطقة هم مسؤولون وموقفهم لا يمكن أن يكون يمت للعروبة أو للإسلام أو للإنسانية بشيء، هؤلاء يجب أن يستحوا على أنفسهم ويتخذوا موقفا حقيقيا لا أن يجاملونا ببعض الكلمات، نحن قلوبنا تحترق على أطفالنا، أطفال بعمر سنه وسنتين وعشرة وحتى على رجالنا الآمنين، خباز وسائق تكسي وغيره يقتلون، لماذا لإرضاء من؟ هل هي قضية عداء تاريخي؟ هل هي قضية انتقام؟ اليوم أقطاب في الحكومة سنه وشيعة في الحكومة العراقية يحرضون على ضرب الفلوجة بالكيماوي لماذا؟ قتلنا من نحن، نحن لم نقتل أحدا، نحن في مدينتنا والاعتداء على رؤوسنا منذ 13 عاما ونحن لدينا من مقومات الحياة والإبداع ما يجب دعمه إذا شاءوا أن يبنوا العراق فسيكون بناء العراق من هذه المدينة حصرا.

الكيل بمكيالين

إيمان عياد: سيد قاضي بالمقارنة أو القياس بحجم التعاطف والاهتمام الذي حظيت به على سبيل المثال هجمات باريس وهي الهجمات الأخيرة، هل ترى المجتمع الدولي يكيل بنفس المكيال الذي يتعامل فيه مع هذه المأساة في الفلوجة؟

فادي القاضي: أنا الحقيقة لا أستطيع أن أعقد أي مقارنه سواء هنا أو هناك في باريس أو غيرها، المسألة الحقيقية الأساسية هنا بالنسبة لنا ليست حجم التعاطف مع ضحايا الإرهاب سواء كانوا في باريس أو ضحايا العمليات العسكرية ذات الطابع الانتقامي مثلا في الفلوجة أو في غيرها من الأماكن في العراق وسوريا، المسألة الحقيقية والتحدي الحقيقي هو حجم الاهتمام السياسي، الاهتمام السياسي هو يترجم بحجم الفعل الذي قامت به الدول الغربية والعربية في سياق التوصل إلى إنهاء لبعض المظاهر التي لا يجب أن يسمح لها في النزاع الدائر، مثلا استخدام البراميل المتفجرة لأنها أسلحه عشوائية، استهداف المدنين قصف المستشفيات إلى آخره، المجتمع الدولي بشكل أساسي يرفض التعامل مع هذه الملفات بنفس الطريقة التي يتعامل معها بملفات أخرى إن كانت هذه هي الازدواجية السياسية فليكن، لكن الأهم من ذلك كله أن ليس هناك فعلا سياسيا لا على مستوى مجلس الأمن أو على مستوى الآليات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان مثل مجلس حقوق الإنسان، وفي الحقيقة ولا على مستوى الآليات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية التي نتذكرها بين الحين والآخر، ليس هناك أي فعل سياسي في هذا الإطار منذ زمن طويل فيما يختص بالفلوجة والمناطق المنسية الأخرى في النزاع العسكري المسلح القائم في العراق للأسف وبكل أسف أقول ذلك.

إيمان عياد: شكرا لك فادي قاضي الخبير الحقوقي الدولي والمتحدث السابق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش، وكذلك شكرا لمكي نزال أحد وجهاء الفلوجة كان معنا أيضا من عمان، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برامج الواقع العربي نلتقي غدا بأذن الله في حلقة جديدة إلى اللقاء.