قال الإعلامي والمحلل السياسي المغربي مصطفى الطوسة إن عدم عرض القنوات التلفزيونية الفرنسية مشاهد لضحايا هجمات باريس يعود إلى أوامر من المجلس الأعلى للإعلام البصري بعدم عرض صور أي هجمات إرهابية لكي لا تشارك هذه الأجهزة في بث حملة الرعب التي يريد الإرهابيون توصيلها للرأي العام الفرنسي.

وعزا في حلقة 21/11/2015 من برنامج "الواقع العربي" التي ناقشت تناول وسائل الإعلام للصور الدامية بين مبررات العرض ومسوغات الامتناع عدم بث صور أحداث باريس إلى موقف أخلاقي تمثل في الالتزام بالخط التحريري لهذه القنوات والذي اختار عدم بث هذه الصور "فهذه الصور ليس للاستهلاك الآني، لكنها تبقى في ذاكرة المشاهد الفرنسي وتثير الزعزعة والبلبلة وسط الرأي العام الفرنسي".

ونفى الطوسة وجود ازدواجية في المعايير لدى الإعلام الفرنسي أو حجب للمعلومة عن المشاهد، وقال إن "الإعلام الفرنسي لا ينشر الصور الرهيبة في العراق وسوريا ولم ينشر صور عناصر تنظيم الدولة الإسلامية وهم يذبحون الضحايا".

وأشار إلى أن التلفزيون الفرنسي امتنع عن نقل صور واضحة لضحايا الهجمات الكيميائية في سوريا وضحايا العنف في العراق "بسبب أخلاقيات المهنة التي منعت التعامل مع هذه الصور الصادمة حماية للمشاهدين وعدم المشاركة في زرع الرعب الذي يريده الإرهابيون".

ازدواجية المعايير
من جهته، قال أستاذ الإعلام والاتصال في جامعة قطر الدكتور نور الدين الميلادي إن وسائل الإعلام الغربي لديها ازدواجية في المعايير، حيث إننا لا نرى الواقع المرير الذي يتعرض له الفلسطينيون على أيدي الجنود الإسرائيليين في هذه الوسائل.

وأضاف أما وسائل الإعلام العربي فهي تنشر الصور مهما كانت قاسية لأنها تريد أن تنقل الواقع المأساوي بكل تشكلاته في توصيف واقعي وحقيقي لهذا الواقع.

واعتبر أنه لا ينبغي للصحفي أن يتغاضى عن هذه الصور التي يعد حجبها حجبا للحقيقة التي يتوجب على وسائل الإعلام إبرازها، معربا عن قناعته بأن ما يحدث من جرائم في سوريا والعراق وفلسطين لا يمكن محاسبة مرتكبيها إلا بتوثيق هذه الجرائم من خلال المشاهد والصور.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: هل ينبغي لوسائل الإعلام بث الصور الدامية؟

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيفا الحلقة:

-   نور الدين الميلادي/أستاذ الإعلام والاتصال في جامعة قطر

-   مصطفى الطوسة/إعلامي ومحلل سياسي مغربي

تاريخ الحلقة: 21/11/2015

المحاور:

-   ازدواجية التعامل مع حرية الإعلام

-   أخلاقيات التعامل مع الصورة

-   دور الصورة في ملاحقة المجرمين

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على تناول وسائل الإعلام للصور الدرامية بين مبررات العرض ومسوغات الامتناع.

اليوم العالمي للتلفزيون، نعم لقد أصبح للتلفزيون يوماً عالمياً هو يوم الواحد والعشرون من نوفمبر تشرين الثاني من كل عام، أقرته الجمعية العاملة للأمم المتحدة من عام 96 إثر انعقاد أول منتدى عالمي للتلفزيون وبالنظر إلى أهميته المتزايدة وتأثيره البالغ في عملية صنع القرار وتشكيل الرأي العام، لكن موضوع حلقتنا اليوم ليس هذا الجهاز العجيب الذي رافق البشرية منذ تسعين عاماً وقام بأدوارٍ كبيرة اختباراً وتوعيةً وترفيها وإنما ما نعرض فيه من صورٍ قد تكون داميةً وصادمة وما لا نعرضه، أي فلسفةٍ تقف وراء بثها أو الإحجام عن عرضها والمزيد في تقرير محمد الكبير الكتبي:

[تقرير مسجل]

محمد الكبير الكتبي: وصفت التفجيرات التي هزت باريس منذ نحو أسبوع وأسقطت عشرات القتلى والجرحى بأنها غير مسبوقة من حيث عددها وعدد منفذيها وضحاياها ومن حيث الوسائل المستخدمة في تنفيذها لكن الملاحظ كما هو الغالب في معظم وسائل الإعلام الغربية عدم نشر أي صور تبين تفاصيل الحدث ليحيي الأمر من جديد الجدل الكبير حول عرض صور القتلى والجرحى في مثل هذه الحوادث من عدمه وانسجام ذلك مع الأعراف الصحفية، وكان التعامل من قبل على ذات الشاكلة في أحداث الهجوم على مجلة شارل إيبدو في يناير الماضي، ربما يتعامل الإعلام الغربي مع مثل هذه الجرائم باعتبار أنها غير مختلفٍ في تصنيفها ويكون الجاني معروفاً ومداناً في مختلف اتجاهات العالم ولا خلاف على بشاعة ما ارتكبه ويحجم بالتالي أي صورٍ تتعلق بالأمر ومن الأمثلة غير تفجيرات باريس الراهنة والسابقة أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 20001 فرغم بشاعتها وحجم ضحاياها الكبير لم تكن وسائل الإعلام الأميركية في حاجةٍ لنشر صور الضحايا لتؤكد الواقعة، لكن كثيرين يجزمون خاصةً في العالم العربي بأن الحدث ومكانه وظروف وقوعه ومنفذوه وأغراضه والجهة العارضة وطريقة عرضها وهدف الجهة العارضة إضافة إلى اهتمام المتلقي بالحدث وبحثه عن مصداقية التغطية هي التي تحدد حتمية عرض الصور القاسية، وبالنظر إلى وسائل الإعلام العربية وبينها الجزيرة فإن عرض الصور رغم قساوتها يراد منها تقديم الوقائع كما هي مع الاحتفاظ طبعاً باللمسة الإنسانية المطلوبة، والأمثلة متعددةٌ منها عرض صور ضحايا هجوم النظام السوري بالسلاح الكيميائي على الغوطة شرق دمشق وإسهامها في كشف الحقيقة ومخالفة الجريمة لمختلف العهود والمواثيق الدولية ونشر نتائج القصف بالبراميل المتفجرة الذي ينفذه نظام الأسد على المدن والبلدات السورية وسكانها ما يفضح جرائم النظام ضد مواطنيه وتدميره البنية التحتية للبلاد ويدحض سياسة التضليل التي يمارسها بدأبه على نفي الأمر وفي الذهن ما تقدمه له روسيا من دعمٍ لا محدود بالدفاع عنه وعن سياسته والتشكيك في ارتكاب أية مجازر ضد شعبه والتاريخ حافلٌ بمثل هذه الأمثلة فالمساندة الأميركية الكاملة لإسرائيل معروفةٌ ومشهودة وبدت سافرةً خلال الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين في غزة بمجازرهما المختلفة وكان لا بد لوسائل الإعلام العربية من كشف أبعاد العدوان بالصورة مهما كانت بشاعتها وتوضيح عمق وبعد الحقائق الغائبة أو المغيبة عمداً في عددٍ من وسائل الإعلام الغربية وكذا الحال في العراق حيث جعل الدعم والسند الأميركي لحكومة العبادي وقبله المالكي جعلهما يتجاهلان ممارسات كثيرةً ارتكبتها ميليشيات الحشد الشعبي استهدفت الإنسان في عددٍ من المواقع من بينها التعذيب والتهجير والقتل وهدم المنازل وقبل ذلك ما عرفه سجن أبو غريب من فضيحةٍ ارتكبها الجنود الأميركيون وصوروها ولم تكن لترى النور لولا عرضها عبر أجهزة الإعلام.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: نناقش هذا الموضوع هنا في الأستوديو مع الدكتور نور الدين الميلادي أستاذ الإعلام والاتصال في جامعة قطر ومن باريس مع الإعلامي والمحلل السياسي المغربي مصطفى الطوسة مرحباً بالضيفين الكريمين، سيد مصطفى الطوسة نحن في هذه الحلقة حتى نضع الإطار للنقاش نحن هنا لا ننتقد أو نؤيد هذا الأسلوب أو ذاك نحن هنا نعرض أسلوبين مختلفين أحدهم عربي والأخر غربي في التعامل مع صور التلفزيون وبالتالي ولا مجال أيضاً للشك في نوايا عدم العرض وما علاقة ذلك بالأحداث، ما وقع في باريس لم نرى صورا وهذا الأمر هو قرار تحريري للمؤسسة الإعلامية الفرنسية نريد فقط أن نفهم لماذا؟

مصطفى الطوسة: يعني يمكن أن نقول بأن مختلف وسائل الإعلام الفرنسية والنافذة وأقصد بذلك قنوات التلفزيون الإخبارية كانت قد تلقت أوامر قبل حدوث هذه الاعتداءات الإرهابية منذ اعتداءات شارل إيبدو تلقت أوامر بأن لا تعرض مثل هذه الصور لكي لا تشارك في حملة ورسالة الهلع والخوف والفزع الذي يريد الإرهابيون زرعها في المجتمع الفرنسي فهناك قرار يعني هو موقف أخلاقي من هذه الصور يجب أن لا نعرضها لكي لا نساهم بطريقةٍ أو بأخرى في هذا العمل الإرهابي الذي تحمله هذه الاعتداءات الإرهابية، هذا الموقف يعني اتخذته مختلف إدارات قنوات التلفزيون الفرنسية ومن ثم لم نشاهد طوال هذه المحنة الأمنية التي عاشها المجتمع الفرنسي لم نشاهد صورة أشلاء أو صورة رؤوس مقطعة أو مفاصل مبعثرة لسببٍ بسيط وهو أن قرار خط التحرير لكل هذه القنوات اختار أن لا يظهر هذه الصور لكن الحدث وعدد الضحايا في حد ذاته يعمي يعكس المحنة الأمنية التي عاشها المجتمع الفرنسي عبر هذه الاعتداءات.

عبد الصمد ناصر: لكن أستاذ مصطفى تقول بأن وسائل المؤسسات الإعلامية تلقت تعليمات بعدم نشر الصور لكي لا تشارك في إشاعة الرسالة التي يريد الإرهابيون إرسالها ولكن ألم يساهم هذا الإعلام نفسه في إشاعة هذه الرسالة من خلال تضخيم لا أقول تضخيم الأمر ولكن رسائل من قبيل نحن في حرب وغير ذلك؟

مصطفى الطوسة: يعني نحن في حرب هذه جملة قالها رئيس الجمهورية فرنسوا أولاند عندما وقف على واقعٍ أمني متردي ذهب ضحيته أكثر من 130 ضحية وجرح المئات يعني هذا موقف سياسي لكن يبقى علينا كإعلاميين ما الذي استهلكه الرأي العام الفرنسي لكي لا ننسى بأن هذه الصور ليس فقط للاستهلاك الآني إنها تبقى في ذاكرة المشاهد الفرنسي وتتسبب له في أرق تتسبب له في مواقف يعني صعبة نفسياً صعبة فأعتقد بأن المجلس الأعلى السمعي البصري وهي هيئة عليا تتحدث وتجسد أخلاقية المهنة بين قوسين في فرنسا يعني اختارت ووجهت رسائل يعني منذ اعتداءات شارل إيبدو أن يتم التعامل مع هذه الأحداث الإرهابية بنوعٍ من الحذر والحيطة لكي لا تدخل ولا تقع هذه التلفزيونات الفرنسية في الفخ الذي زرعه منفذو هذه الاعتداءات الإرهابية ومن ثم هذه البلبلة وهذه الزعزعة التي يمكن أن تأتي كنتيجة مباشرة لمثل هذه الاعتداءات الإرهابية.

عبد الصمد ناصر: دكتور نور الدين هذا المنظور الغربي لعدم بث الصور يعني هو معاكس تماماً لما هو سائد في الإعلام العربي، نحن هنا في العالم العربي وسط أزماتٍ كثيرة ومآسي إنسانية يضطر فيها الإعلام لبث هذه الصور لأسباب ما لماذا؟

نور الدين الميلادي: يعني بدايةً لا شك أن الإعلام عموماً يعمل في سياقٍ ثقافي وتاريخي وإيديولوجي مختلف إذا أخذنا الواقع الغربي مقارنةً بالواقع العربي لا شك أن وسائل الإعلام في العالم العربي كما تفضلت هي ربما تنقل الحدث سواء كان تعلق الأمر بالتفجيرات الأخيرة في باريس أو إن تعلق الأمر بالحرب في سوريا، الصراع العربي الفلسطيني، ما يحدث في مصر سابقاً وما إلى ذلك بشكلٍ فعلاً مختلف فيما يتعلق بتوصيف واقعي لتشكلات المشهد نفسه المأساوي في العالم العربي فإن أخذنا مثال القنوات العربية المعروفة والمتميزة الجزيرة، العربية، الكثير من القنوات الأخرى فإنها تريد أن تصف الواقع في اعتباري كما هو، أنا كمحلل إعلامي أري أنها تريد أن تنقل الواقع كما هو حالة الواقع.

عبد الصمد ناصر: مهما كانت الصور قاسية؟

نور الدين الميلادي: مهما كانت الصور قاسية، أنا هنا أحاول أن أصف الواقع كما هو، هل هذا يعني أنه جزء من أخلاقيات الإعلام والصحافة جزء من المصداقية الصحفية جزء مما تنبني عليه الحيادية والموضوعية في نقل الخبر، أنا أقول جزء منها هو صحيح لأن وسائل الإعلام في العالم العربي هي في واقع الأمر تنقل واقعا مأساويا بكل تشكلاته وبكل مظاهره، هذه النقطة الأولى، النقطة الثانية حقيقةً أنا إذا قمت بمقارنة بسيطة بين الإعلام العربي والإعلام الغربي خاصةً في حادث مثلاً شارل إيبدو، تصوير القضية الفلسطينية، ما يحدث في العراق وما إلى ذلك، أنا أقول أن هناك ازدواجيةً في المعايير إذا ثبت مثلاً أن السلطات الفرنسية أو مجلس الإعلام البصري في فرنسا أعطى تعليمات مسبقة بعدم إظهار مثلاً بعض مشاهد الضحايا فانا أعتبر هذا تعدي على حرية الإعلام في حد ذاته إلى حدٍ كبير، إذن هنا نحن نتحدث على إعلام يساق وإعلام هو مطيع، إذا تعلق الأمر بتصوير العرب والمسلمين فإن الأمر يصير مختلفا أما إذا صار الأمر ببعض المصالح الوطنية الداخلية فإن وسائل الإعلام تنضبط، إذا أخذنا مثالا آخر من ازدواجية المعايير أنا أعود بكم إلى مثلاً الحرب على العراق يعني صحيح هناك الكثير من المشاهد التي تجنب الإعلام الغربي إظهارها من ضمنها مثلاً أشلاء الجنود الأميركيين، الجرحى من الجنود الأميركيين حتى الجرحى من بعض العراقيين وما إلى ذلك، ولكن كان هذا ضمن عدم التأثير على الرأي العام الغربي والأميركي في سياق الحرب نفسها، أن هذه حربٌ نظيفة أنه نحن أتون إلى نشر الديمقراطية وليس إلى تسييل الدماء وليس إلى الذبح والقتل فلذلك كان تصوير الإعلام الغربي وفي اتجاه سياق أن الصحفي الذي هو يكون تابعا للجيش الأميركي..

ازدواجية التعامل مع حرية الإعلام

عبد الصمد ناصر: يرافق الجيش في عملياته، هنا أسأل الدكتور مصفى الطوسة يعني هل تتفق مع من يقول بأن عدم نشر هذه الصور وإن كانت قاسية وطبعاً هناك درجات من القسوة التي يمكن أن تعرض وهناك صور طبعاً لا يمكن عرضها نظراً لتأثيرها على الجمهور والمتلقي هل هذا ربما يدخل في إطار حجب المعلومة المرئية عن المشاهد أو ازدواجية التعامل مع حرية الإعلام؟

مصطفى الطوسة: لا أنا لا أعتقد أن هناك ازدواجية في التعامل، دعني فقط أذكر دعنا نتحدث عن الإعلام الفرنسي الذي أنا أتابعه يومياً حتى يعني الإعلام الفرنسي لا ينشر الصور الرهيبة التي تأتينا من العراق وسوريا لم ينشر صورة داعش وهي تذبح الصحفيين والمدنيين، نشرها لكن حاول أن يحجبها عن المستهلك الفرنسي لأن هناك وعيا من أن هذا المشاهد لا يجب أن نعطيه هذه الصورة وهي بهذه الصدمة، يعني هناك تفكير في أن هذا المتلقي وهذا المستهلك لهذه الصور يمكن أن يتلقى وأن يعيش يعني صدمة كبيرة، أنا صراحةً لو كنت مسؤولا في أحد المؤسسات الإعلامية التلفزيونية سأتخذ نفس الموقف لأن هذه الصدمة كبيرة لكن لسوء الحظ يعني بغض النظر عن مرور هذه الصور أو عدم مرورها في قنوات التلفزيون العالمية هناك مواقع التوصل الاجتماعي الآن أصبحت تشكل فضاءً واسعاً تستهلك فيها هذه الصور بكل أريحية ويمكن أن يتصل إلى كل أنواع الوضوح حتى الجمهور الناشئ فمثلاً...

أخلاقيات التعامل مع الصورة

عبد الصمد ناصر: نعم هذا صحيح لكن نحن في إطار الحديث عن وسائل الإعلام المرئية نخص هنا بالذكر التلفزيون طيب لو قلبنا الصورة وكان الوضع فيما يجري الآن في العالم العربي هو ما يجري في الدول الغربية كفرنسا مثلاً هل كان الإعلام سيمتنع عن نقل هذه الجرائم لفضح الجناة والجناة قد يكونوا مؤسسات أو قد يكونوا دولا وحكومات ولكنها غير مصنفة دولياً على أنها إرهابية عكس ما حدث في باريس؟

مصطفى الطوسة: صراحةً عبد الصمد أنا تابعت كيف نقل التلفزيون الفرنسي صور ضحايا الكيماوي وبراميل،
 النظام السوري على المدنيين السوريين حتى وفي الوقت الذي كانت فرنسا تريد أن توجه انتقادات لاذعة وأن تفضح أعمال النظام السوري فإن قنوات تلفزيوناتها امتنعت عن إظهار صورة واضحة لما يقع على الواقع السوري والواقع العراقي لسببٍ بسيط وهو ما يمكن أن نسميه أخلاقيات المهنة أخلاقيات التعامل مع هذه الصور، منعت ويعني أوصت بأن تمنع من أن تقدم هذه الصور العارية الصادمة للرأي العام الفرنسي يعني حمايةً منها من هذه القنوات لمشاهديها وفي عدم المشاركة في هذه الموجة الكبيرة في زرع الرعب والهلع في الرأي العام يعني الشعبي، هذه هي يعني أخلاقيات المهنة تفرض على أن نحمي أن نحاول أن نحمي الرأي العام من هذه المشاهد المروعة.

عبد الصمد ناصر: يبدو أن أخلاقيات المهنة تختلف من منطقة إلى منطقة وحسب الظروف السياسية والأمنية السائدة في البلدان يعني قد يقول البعض دكتور لماذا قد تلجأ وسائل الإعلام العربية المرئية إلى عرض هذه الصور وأخلاقيات المهنة ربما قد تمنع ذلك؟

نور الدين الميلادي: دور أساسي من أدوار وسائل الإعلام هو إبراز الحقيقة هو فضح الجناة هو فضح المجرمين هو فضح المستبدين، ما يحدث الآن في سوريا ما حدث سابقاً في مصر ما حدث في تونس ما يحدث الآن في فلسطين يومياً هو في واقع الأمر ينبغي أن يفضح ولا ينبغي لوسائل الإعلام لا ينبغي للصحفي سواءً كان رئيس تحرير سواءً كان صحفيا على الأرض ناقلا للخبر أن يتغاضى على هذه الصور، المشاهد العربي والمشاهد في كل أنحاء العالم ينبغي أن يعرف ما يفعله الجناة والمجرمون في كل مكان، أنا حقيقةً يعني أستغرب كيف أن يمكن أن نتحدث عن أخلاقيات الإعلام ونحن نرى مشاهد يعني نرى واقعاً عربياً متأزماً أليماً مدمراً في واقع الأمر ولا نعكسه، أنا في بعض...

عبد الصمد ناصر: طيب كيف يمكن دكتور وهنا باختصار حتى ننتقل إلى محور أخر كيف يمكن لهذه الصور بهذه القسوة والعنف أن تخدم الحقيقة؟

نور الدين الميلادي: يعني هي إذا أخذنا مثالا بسيطا صورة البوعزيزي التي كانت الشرارة التي انطلقت منها الثورة التونسية، لو لم تلتقط تلك الصورة من طرف بعض وسائل الإعلام الدولية مثل قناة الجزيرة وبعد ذلك  BBC والقنوات الأخر لما تحولت ربما الثورة التونسية إلى ثورة، ما حدث في مصر نفس الشيء، الكثير من المشاهد التي يتذكرها العالم ولكن العالم لا زال يتذكر وحرب فيتنام التي يعني صورة واحدة لفتاةٍ عارية حولت الرأي العام العالمي نحو وجهةٍ مختلفة تماماً وخاصةً المشاهد الأميركي..

عبد الصمد ناصر: أيضاً نتذكر أن في بداية الثورة السورية كان النظام السوري قد ادعى بأن الصور التي تعرضها الجزيرة للمظاهرات وغير ذلك والجرائم التي يرتكبها مفبركة، هنا جاءت الصورة لتفضح تلك الجرائم وتظهر الجاني، وكانت الكثير من الصور قاسية ولكن حاولنا بوسائل الجزيرة الفنية أن لا نوصلها بقسوتها إلى المشاهد وكنا دائماً نستخدم العبارة المعروفة وفي التسجيل صورة تمتنع الجزيرة عن بثها لما فيها من مشاهد قاسية وهي العبارة التي عودتكم الجزيرة عليها كل ما كانت هناك مواد لا ينسجم بثها مع السياسة التحريرية للقناة وغيرها من وسائل الإعلام العربية، ولعل هذا الأسلوب منزلة بين منزلتين أي بين تجاهل أحداثٍ تهز مناطق بكاملها وبين بث صورٍ جارحة لمشاعر المشاهدين، أما الأحداث في هذا المضمار فكثيرة وعلى امتداد خريطة العالم نستعرض بعضها في تقرير الزميل حسين دلي: 

[تقرير مسجل]

حسين دلي: لا تحوي الأعراف التحريرية الغربية إشاراتٍ عن المشاهد المؤذية بل يتم ذلك بشكلٍ مستقل مع توضيح سياق الصور الفظيعة ومبرر استخدامها، وتعمل وسائل الإعلام الغربية على صدم الجمهور بمشاهد بالغة القسوة حين تود التأثير في الرأي العام والسياسات في دولها مثل عرض صور هزيمة الجنود الأميركيين في فيتنام وجرائمهم ضد المدنيين أيضاً توطئةً لانسحابهم، بينما حاولت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش منع الإعلام الأميركي من تغطية صور جثث جنوده في الصومال والعراق، لا شك أن كارثةً ما تحصل في دولةٍ أوروبيةٍ أو أميركا تحظى بتغطية مضاعفةٍ عن مثيلاتها في العالم العربي، فهجوم باريس لا يقارن بما تتركه البراميل المتفجرة ومشاهد الإعدامات في سوريا والعراق واليمن واستهداف إسرائيل لمناطق المدنيين الفلسطينيين، وبينما يخفت الصوت عن القصف الغربي وصور ضحاياه يتم إبراز هجمات تنظيم الدولة وأساليب قتله للرهائن الغربيين، وسائل الإعلام الأميركية قد تتجاوز معايير نظيراتها الأوروبية أحياناً فقد عرضت صور أشلاء ودماء تفجير بوسطن عام 2013 منفردةً، الإعلام العربي من جهته يبدو مضطراً لعرض صور الضحايا إثباتاً للجريمة بهدف عدم المساواة بين الجاني والضحية، فكيف يمكن نقل حقيقة مآسي السوريين والعراقيين واليمنيين والفلسطينيين دون توثيقها؟ وكيف كان يمكن لانتهاكات القوات الأميركية في سجن أبو غريب في العراق أن تكون بهذا الحجم لو تم الاكتفاء بالكتابة دون الإرفاق بالصور الفظيعة؟

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: مصطفى الطوسة هناك من يقول بأن الصورة تخدم الحقيقة وغيابها لربما قد يساعد الجاني على الإفلات من العقاب.

مصطفى الطوسة: يعني صحيح إذا أردنا أن نقارن صورة أبو غريب صورة هذا المشهد الأميركي العراقي والرسائل التي كان يحملها إلى الرأي العام فصحيح أن هذه الصور كشفت وكانت لديها رسالة وهزت الضمير العالمي لما تحمله من مشاهد مؤلمة لكن ما الذي سيضيفه يعني وأنا أنطلق من منطق المشاهد الفرنسي أو الغربي ما الذي سيضيفه رأس مقطوع أو جثة متلاشية إلى عمل إرهابي، أنا صراحة أتفهم القرار الذي تتخذه بعض المؤسسات الإعلامية الفرنسية لأن نشر هذه الصور بطريقةٍ أو بأخرى سيساهم يعني يدخل في العملية..

عبد الصمد ناصر: سيد مصطفى نحن لا نتحدث هنا عن أشلاء أو دماء هذا طبعاً نحن حتى في داخل الجزيرة ممنوع منعاً باتاً.

مصطفى الطوسة: لكن نحن نتحدث الآن عن الصور التي تنتج عن عمل إرهابي أنا صراحةً كل مثلاً صور المطاعم والمقاهي التي تعرضت لقصف، أنا لم أرها في التلفزيون الفرنسي لم أراها حتى في المواقع الإعلامية الفرنسية رأيت بعضها في بعض المواقع الأجنبية بما يعني بأن هناك قرارا اتخذ لسببٍ أخلاقي أو سياسي أو إعلامي أن نحجب هذه الصور لأنها تحمل ونشرها والحديث عنها يعني بهذه الطريقة يدفع وسائل الإعلام إلى المشاركة بها عن وعي أو عن غير وعي في هذا المشروع الذي هدفه هو زرع الهلع والخوف في الرأي العام الفرنسي، هذه هي الفرملة الأساسية التي تمنع هذه القنوات من اتخاذ هذه المبادرة.

عبد الصمد ناصر: دكتور نور الدين الميلادي للصورة وظيفةٌ أخرى عدا عن وظيفتها الأمنية، وظيفة قد تكون تاريخية وأيضاً قد تكون قانونية هناك جرائم كثيرة عرفها العالم العربي وأشهرها مجزرة حماة في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ومع ذلك أفلت هذا النظام من الملاحقة القانونية لأنه كان هناك صورة غائبة، ما دور الصورة في ملاحقة المجرمين وإثبات الجريمة عليهم.

نور الدين الميلادي: يعني لا شك أن حجب الصورة أنا في اعتباري هو حجب للحقيقة فلذلك يعني مفروض على وسائل الإعلام أن تلعب دور إبراز الحقيقة للمشاهد سواء كان في العالم العربي أو في باقي دول العالم ولا شك أن يعني ولا شك إذا أخذنا مثلاً الحالة السورية وما يحدث من جرائم مثلاً لا يمكن محاسبة الجناة فيما بعد انتهاء هذه الحرب المأساوية التي تقع في سوريا مثلاً إلا انطلاقاً من توثيق الكثير من المشاهد سواء كانت بشكل فوتوغرافي أو بشكل فيديو مصور لما يحدث الآن في سوريا وقس على ذلك، أما إذا أخذنا مثلاً الحالة الفلسطينية فنحن نتحدث على نفس المثال، لا يمكن الحديث عن محاسبة الجناة من جنود إسرائيليين ومن سياسيين وما إلى ذلك في الواقع الفلسطيني وما يحدث الآن في ثورة القدس إلا بتوثيق هذه المشاهد التي كثير منها للأسف يتغاضى عنها الغرب وأنا أقول هنا يعني كما ذكرت سابقاً أن هناك حقيقةً يعني هناك يعني ضرب لمعايير الحيادية والموضوعية في الكثير من التغطيات لوسائل الإعلام الغربية ولا أريد أن أسمي مثلاً بعض القنوات ولكن أقول تغطيةً لما يحدث الآن مثلاً في فلسطين في ثورة السكاكين في القدس فإن هناك واقعاً مريراً يتعرض له الفلسطينيون لا نرى مشاهده سواء كان في الصحف أو في المجلات أو حتى في الإذاعة والتلفزيون في فرنسا أو في باريس أو في الدول الغربية الأخرى، إذن هنا نحن نتحدث أن الصورة هي الشاهد...

عبد الصمد ناصر: كيف أن الصورة حجبت في بورما ولم تخدم الروهينغا هنا كذلك هذا مثال أخر.

نور الدين الميلادي: نعم بالتأكيد والأمثلة في هذا الأمر هي كثيرة.

عبد الصمد ناصر: أشكرك دكتور نور الدين الميلادي أستاذ الإعلام والاتصال في جامعة قطر معنا هنا في الأستوديو كما نشكر مصطفى الطوسة الإعلامي والمحلل السياسي من باريس، طبعاً نحن في هذه الحلقة مشاهدينا الكرام لم نكن في وارد  نقاش هذا الموضوع أن نفاضل بين أسلوبين مختلفين من تصورات إعلامية مختلفة، شكراً للمتابعة وإلى اللقاء في حلقة أخرى بحول الله.