قال الخبير العسكري المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع التونسية العميد مختار بن نصر إن تصريحات القائد السابق للجيش التونسي الجنرال رشيد عمار بشأن دعوات تلقاها للانقلاب والاستيلاء على الحكم أثناء الثورة، لم تأت بإرادته وإنما دفع لها دفعا، وكانت ردا على ما جاء في برنامج تلفزيوني من طرف أراد اتهام الجيش بقتل المتظاهرين أثناء الثورة، ولذلك تدخل الجنرال لتوضيح موقف الجيش الذي كانت لديه تعليمات صارمة بعدم التدخل ضد الثورة.

وأضاف بن نصر في حلقة برنامج "الواقع العربي" بتاريخ 13/11/2015 التي ناقشت دور الجيش التونسي في حماية الثورة والتزامه الحياد تجاه الساحة السياسية في تونس، أن السلطة كانت أمام الجيش وفي ليلة 14 يناير/كانون الثاني 2011 التي هرب فيها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وعرض على الجنرال عمار ليلتها تولي الرئاسة، لكنه رفض ولو كانت له غايات سياسية لقبل تسلم السلطة.

وقال إن الجيش أدى واجبا كبيرا في حفظ ودعم الثورة، ومنذ انتشاره في الميدان قرر ألا يتصدى للشعب.

وأكد أن الحملات الحالية التي يتعرض لها الجنرال عمار ليست جديدة، فهو يتعرض لها منذ كان قائدا للجيش، ومن تقوم بهذه الحملات هي جهات تريد زج الجيش التونسي في حرب نفسية للتشكيك في قيادات هذا الجيش الذي يعد العمود الفقري للدولة التونسية، مشيرا إلى أن الثورة التونسية لها أعداء هم جماعات إرهابية وأطراف سياسية.

وعما إذا كانت هناك مقارنة بين الجيش التونسي ونظيره المصري الذي انقض على السلطة وعزل الرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي، قال بن نصر "هناك اختلاف جوهري في العقيدة والمبادئ بين الجيشين، فالجيش المصري قدم لجمهورية مصر عدة رؤساء ومسؤولين وسفراء، وهو يتحكم في 20% من الاقتصاد المصري، أما الجيش التونسي فهو جيش محايد ويقوم بمهامه في كنف الدستور وله عقيدة مؤمنة بالديمقراطية، وهو ملتزم بحدوده ومهامه العسكرية والعملياتية ويعد إقحامه في السياسية إضعافا له". 

ضرب الجيش
من جهته قال الأكاديمي رئيس مركز تونس للسياسة الدكتور أحمد إدريس إن تصريحات الجنرال عمار الأخيرة قد دفع لها دفعا، ولم يدل بها إلا لإبلاغ صوته بعد أن ظل صامتا، معتبرا أنه ليس غريبا أن يكون قد طلب من الجيش استلام السلطة في ليلة هروب بن علي.

وبشأن من المستفيد من ضرب الجيش التونسي وقائده السابق، قال إدريس "إن المستفيد هو كل من له مصلحة في ألا يرى نجاحا في تونس التي يميزها حياد المؤسسة العسكرية التي لم تتدخل في السياسة، كما يميزها الوفاق على الساحة السياسية بين الشقين الإسلامي والعلماني، فكل من لا يريدون نجاح التجربة التونسية يحاولون هز الثقة في الجيش والتوافق السياسي وزج المؤسسة العسكرية في هذا المسار".

وعما إذا كان يرى طموحا سياسيا للجنرال عمار، قال إدريس "أعتقد أن الجنرال عمار لم يسع للحصول على السلطة، سواء عرضت عليه أم لم تعرض، وكان بإمكانه ملء القراع الرئاسي في 14 يناير/كانون الثاني 2011، لكنه لم يفعل، كما أنه ليست هناك ظروف موضوعية الآن تسمح له بالدخول في المعترك السياسي، فالرجل ليست له قوى سياسية تسانده، كما لا أرى رغبة للجنرال عمار في ذلك".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: هل التزم الجيش التونسي الحياد وحمى الثورة؟

مقدم الحلقة: حسن جمّول

ضيفا الحلقة:

-   مختار بن نصر/متحدث سابق باسم وزارة الدفاع التونسية

-   أحمد إدريس/رئيس مركز تونس للسياسة

تاريخ الحلقة: 13/11/2015

المحاور:

-   جيش فوق التجاذبات السياسية

-   مستفيدون من تشويه صورة الجيش

-   أدوار مختلفة للجيشين في تونس ومصر

حسن جمّول: أهلا بكم مشاهدينا الأعزاء في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على دور الجيش التونسي في حماية الثورة والتزامه الحياد تجاه الساحة السياسية في تونس.

شيء من أسرار الثورة التونسية وما تيسر من ألغازها هكذا وصف البعض ما كشفه القائد السابق للجيش التونسي رشيد عمار في شأن دعوات تلقاها للانقلاب وللاستيلاء على الحكم أثناء الثورة لمنع وصول حركة النهضة الإسلامية للحكم، تصريحات الجنرال الذي امتنعت قواته عن إطلاق النار على المتظاهرين أيام الثورة التونسية أثارت ردود فعل لدى جهات عدة كان منها القول أنه يقوم بحملة انتخابية رئاسية مبكرة وهو ما رد عليه بالحديث عن حملة وصفها بالمسعورة لتشويه صورة الجيش والنيل من دوره في حماية الثورة التونسية.

[تقرير مسجل]

محمد الكبير الكتبي: وضع الظهور المفاجئ لقائد الجيش التونسي السابق الجنرال رشيد عمار وحديثه عن رفضه تسلم السلطة بعد هروب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وتفضيله الديمقراطية على الانقلاب العسكري وضع علامات استفهام عديدة في غمرة الواقع السياسي المتشابك الذي تعيشه تونس حاليا، ُيفهم من تصريحات الجنرال رشيد عمار أن الجيش لعب دورا أساسيا في حماية أمن البلاد خلال الثورة وحرص على عدم التدخل في الشؤون السياسية في ظل مختلف الحكومات التي تعاقبت، وبهذا المفهوم فإن تونسيين كثيرين يعتبرون الجيش مساهما مهما في إنجاح الثورة لرفضه أوامر بن علي بالتصدي للمتظاهرين بالقوة العسكرية، لكن حديث الجنرال أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية حيث نفى رئيس آخر حكومة في عهد بن علي محمد الغنوشي ووزير داخليته محمد فريعة وغيرهما تصريحات الجنرال ووصفها الغنوشي بالغريبة وتساءل عن مغزى إطلاقها ولمصلحة من إثارتها في هذا الوقت بالذات، جاء حديث الجنرال بعد عام تقريبا من إتمام تونس تجربتها الديمقراطية ودخولها في مواجهة تحديات البلاد المختلفة وبينها الملف الأمني وآثاره المختلفة المباشرة وغير المباشرة على استقرار الدولة وملف الاقتصاد الشائك ومحاولة إنعاشه بجانب معالجة القضايا الاجتماعية الكثيرة الموروثة عن نظام بن علي والتي كانت من ضمن مطالب الثورة، ويتساءل كثيرون عن دلالات تصريحات الجنرال رشيد عمار وشكل صلتها بالواقع السياسي التونسي الراهن وما وصف ببوادر الصراع حول الرئاسة وخلافة الرئيس الباجي قائد السبسي خاصة في غمرة الاعتقاد الواسع بأن للأمر تداعياته المختلفة على مجمل المشهد بأطرافه المختلفة، خلال الفترة القصيرة الماضية كانت خلافات حزب نداء تونس الحاكم واضحة من خلال استقالة اثنين وثلاثين نائبا من كتلة الحزب البرلمانية وتزايد الحديث عن أثر ذلك على الاستقرار والتوازن السياسي في البلاد رغم أن المستقيلين أكدوا على أن الأمر لا يشكل أي تغيير للمشهد السياسي حاليا ولن يؤثر في مؤسسات الدولة وأن الثقة في رئيس الحكومة حبيب الصيد لا تزال قائمة، وبين ثنايا تصريحات الجنرال رشيد عمار وباصطحاب مختلف التطورات الراهنة على الساحة التونسية فإن الجدل مرشح للاستمرار بين من وجد في تصريحات عمار حملة انتخابية رئاسية مبكرة ومن اعتبرها كشفا لجانب مستور في أسرار الثورة التونسية وصدى لكل من يريد تشويه دور الجيش التونسي في حماية الثورة التونسية خلافا لما فعلته جيوش عربية أخرى.

[نهاية التقرير]

جيش فوق التجاذبات السياسية

حسن جمّول: لمناقشة موضوع حلقتنا ينضم إلينا من تونس كل من العميد مختار بن نصر الخبير العسكري والمتحدث السابق باسم وزارة الدفاع التونسية والدكتور أحمد إدريس الأكاديمي ورئيس مركز تونس للسياسة، وابدأ مع السيد مختار بن نصر، سيد مختار في أي سياق يمكن أن تندرج تصريحات الجنرال عمار ولماذا احتفظ بما يمكن اعتباره أسرارا حتى هذا الوقت؟

مختار بن نصر: في الحقيقة تصريحات الجنرال عمار هي لم تأتِ بإرادته ولم تأتِ في وقت اختاره هو وإنما جاءت كرد على برنامج تلفازي تبين خلاله أن أحد الأطراف أراد أن يوجه أصابع الاتهام للجيش بأنه مورط في قتل المتظاهرين، فدخل الجنرال ليرفع اللبس ويقول أن الجيش هو أولا لم يتورط في قتل المتظاهرين إلى غاية يوم 14 يناير وبعد ذلك التاريخ حيث كلف بحماية المؤسسات والنقاط الحساسة والمرافق العامة وكان عليه أن يستعمل السلاح لحفظ الأمن لكن قبل تلك الفترة كانت هناك تعليمات صارمة ومنع أو أراد الجنرال أن يبين بأن الجيش أعطيت له تعليمات لكي لا يطلق النار على المتظاهرين مهما كانت الأسباب، إذن هذا هو الإطار، إذن لم يختر الوقت ولم يأتِ ليبلغ أي معلومات وأضاف أنه لو كان الجيش يرغب في السلطة لحصل عليها لأنه عرضت عليه تلك السلطة ليلة 14 يناير بحضور بعض الأشخاص الذين ذكرهم و السؤال المتبادر للذهن هو..

حسن جمّول: لكن أنت تعرف عفوا سيد مختار يعني أنت تعرف أنت تعرف بان الإجابة على سؤال من هذا النوع كان يمكن أن تكون مقتضبة أكثر ودبلوماسية أكثر لو لم يرد الجنرال عمار أن يستفيض في الحديث وأن يشرح لأنه فتح جدالا وأثار تساؤلات عمن كان المستفيد ومن كان المحرض على أن يستلم الجيش السلطة إثر هروب الرئيس بن علي.

مختار بن نصر: نعم تماما هو الجنرال عمار حتى في وقت سابق قبل هذا الإعلان الأخير تحدث بنفس هذه المعلومات دون توضيح أكثر لكنه أشار إلى أن السلطة كانت أمام الجيش وعرضت عليه لكنه أبى أن يعني يأخذ هذه السلطة وفضل أن يظل جيشا فوق التجاذبات السياسية وجيشا ملتزما بالدستور بالقانون وبمهامه التي يضبطها لها القانون، إذن هذه التصريحات الأخيرة أثارت ضجة كبيرة جدا وإن كان لا بد أن ينظر لها في سياقها وفي إطارها وهناك السؤال جوهري اعتقد هو ما الذي يدعو الجنرال عمار في هذا الوقت أن يقول هذا الكلام وإن كان هذا الكلام مجانب للصواب لماذا يصرح به الآن، أنا اعتقد الجنرال عمار يعني ليست له غايات سياسية لأنه لو كان الأمر كذلك لأمكن له أن يتسلم السلطة علما انه حتى بعد ذلك عرض عليه منصب وزير الدفاع الوطني وفي حكومة السيد الجبيلي لكنه كذلك لم يرد أن يتسلم أي سلطة سياسية وفضل الانسحاب من الساحة علما أنه أدى واجبا كبيرا وهو الحفاظ على هذه الثورة ودعمها، ونذكر أن هذا الجنرال نفسه كان ولمدة 12 سنة كان مسؤولا عن الأمن في تونس وعن الجيش التونسي، وكان في تلك الحقبة الجيش يقوم بمهام أساسية، نقطة أخرى أضيفها الجنرال عمار كوّن أكثر ضباط الجيش والديوان والحرس والأمن الموجودين اليوم..

حسن جمّول: طيب ابق معي سأعود للحديث عن موضوع الجيش سأعود للحديث عن موضوع الجيش بتفضيل أكثر لكن سيد أحمد إدريس من وجهة نظرك كيف تنظر إلى هذه التصريحات في هذا التوقيت وفي مضمونها ولمن توجه الاتهامات في هذه التصريحات بالضبط؟

أحمد إدريس: نعم اعتقد أولا انه من بين الأسرار التي ستظل أسرارا  ما جرى يوم 14 يناير في وزارة الداخلية، وما لم يتم إعلام التونسيين جميعا بما حصل ذلك اليوم وبتفاصيله وبالحقيقة كاملة، سوف نبقى في هذا النوع من الجدل لمدة طويلة وسوف في كل مرة يتحدث فيها مسؤول عن ذلك اليوم بشيء من الغموض سوف نتساءل هل كان ذلك حقيقة أم لا؟ إلى أين يريد الوصول؟ ما هي معاني تدخله في ذلك اليوم بالذات؟ وبالتالي الإجابات لن تكون إجابات واضحة لأنها لن تستند بتاتا إلى معطيات دقيقة وحقيقية وإنما فقط هي مجرد تحاليل لظاهر الأمور، اعتقد بأن الجنرال عمار وقع دفعه دفعا وإقحامه في ذلك اليوم الذي قام به بهذه التصريحات ولا أتصور بأنه تدخل فقط لمجرد إبلاغ صوته بعد أن ظل صامتا لمدة طويلة واعتقد وأنا شاهدت يعني عدة مرات الكلام الذي صار في تلك الحلقة حتى أتأكد من الطريقة التي تمت بها ورأيت بان أحد الحاضرين أو أحد المعلقين المشاركين في الحلقة أعاد السؤال مرات ومرات على الجنرال لكي يدفعه حتى يذكر أسماء وحتى يقول ما قاله واعتقد بأن يعني ربما هذا تصادف أيضا مع رغبة القائد السابق للجيش بأن يبلغ التونسيين عما خالج بعض السياسيين في ذلك اليوم.

حسن جمّول: مثل من مثل من؟

أحمد إدريس: واعتقد كذلك ما خالج السياسيين في ذلك اليوم الثلاثي الذي ذكره نعم..

حسن جمّول: مثل من السياسيين من بالضبط؟

أحمد إدريس: الثلاثي.. لا هو ذكر الثلاثي الذي كان حاضرا في وزارة الداخلية، يعني وزير الداخلية السابق في تلك الفترة، الوزير الأول في تلك الفترة، وذكرهم بالأسماء وليس من الغريب أيضا أن يفكر هؤلاء في إعطاء السلطة إلى قائد الجيش أو الجيش أو لمؤسسة الجيش يوم 14 ..

حسن جمّول: وهم الذين نفوا ..

أحمد إدريس: أنكروا لأنهم اليوم في وضع يدفعهم إلى النفي ولكن ليس من الغريب أن يكونوا قد طلبوا من قائد الجيش أن يتسلم السلطة، يعني نعلم جميعا ما حدث يوم 14، اهتزاز في حفظ النظام، هروب الرئيس السابق، خوفهم ربما من عودة الرئيس السابق إلى تونس ومحاسبتهم على بعض هذه الأفعال، وكل هذا قد يدفعهم في لحظة ما يعني اليوم هم يشككون ولكن ما الذي كان يمنع فعلا بأن يطالبوا فعلا قائد الجيش أن يقوم بذلك، وفي حقيقة الحال لو طلب منا أن نفصل بين ما يقوله وما قاله القائد السابق للجيش فربما نرجح ما قاله القائد السابق للجيش.

حسن جمّول: طيب وهنا وهنا سيد سيد أحمد سيد أحمد إدريس هنا يطرح سؤال أريد أن أطرحه على العميد مختار بن ناصر، إذا كان الأمر من الطبيعي لهذا الثلاثي أن يطلب من الجيش تسلم السلطة، نفس هذا الثلاثي ينفي ويقول إن قائد الجيش السابق يجافي الحقيقة ومن ثم كانت هناك حملة موجهة ضد قائد الجيش السابق رشيد عمار لماذا برأيك سيد مختار؟

مختار بن نصر: والله هو طبيعي جدا أن نفكر بهذه الطريقة نظرا وإنه في تلك الفترة هي فترة اضطراب وخوف كبير وضبابية ولا أحد يضمن يوم 14 يناير أن الرئيس لن يعود وتم اتخاذ القرار في ساعة متأخرة من الليل، إذن هؤلاء الذين كانوا معه أنا أرجح أيضا أنه من الممكن أن يكونوا قد طلبوا هذا الطلب لكن الجيش ومنذ أن انتشر على الميدان فقد أخذ إجراءات حاسمة بأن لا يتدخل في الأمر وأن لا يعتدي على الشعب وأن لا يتصدى له وأن يترك هذه المسيرة تتواص إلى أن  آل الأمر إلى انصراف الرئيس..

حسن جمّول: لماذا جوبه لماذا جوبه بهذه الحملة؟ لماذا جوبه بعد هذا التصريح بهذه الحملة واتهامه بأنه بدأ حملة رئاسية مبكرة لماذا؟

مختار بن نصر: هذه الحملات ليست جديدة والجنرال عمار منذ أن كان هو على رأس وزارته يعني قيادة الجيوش الثلاثة حدث تشكيك كبير وكنت أنا متحدث باسم وزارة الدفاع الوطني وكنت اخرج بكل مرة لأقول بان الجيش يجب أن يظل محايدا ابتعدوا عن هذه الأساليب التي تريد من حين لآخر أن تزج بالجيش بهذه المتاهات السياسية وكان الجيش يعلن تقريبا كل 15 يوما بأنه محايد بأنه ملتزم بالدستور بأنه لا غاية له من السلطة لكن تكررت هذه الأصوات، وهؤلاء من هم؟ هم مجموعات تريد أحيانا أن تربك هذه المسيرة، أن تزج بالجيش بالرغم من كل ما قيل، يعني رأينا كيف أن هذه الحرب النفسية تواصلت وهناك من يريد أن يشكك بالقيادات ومن يشكك في أداء الجيش، من طلع علينا حتى بأشياء من شأنها أن تغرق المؤسسة العسكرية في عدة تساؤلات، هناك من هم ذهب إلى حد أن الجيش كان مشرفا على أراض فيها نفايات نووية في الجنوب ودفع وزارة الدفاع ووزارة الصحة إلى القيام بإجراءات ميدانية للتثبت من ذلك، هناك من ذهب للحديث عن قواعد عسكرية أجنبية، إلى غير ذلك كانت هي محاولات تريد أن تربك هذه المسيرة وأن تشكك في هذا الهيكل الذي يمثل بالنسبة لكل التيارات..

حسن جمّول: من هي هذه القوى اليوم سيد مختار من هي هذه القوى اليوم التي اتهمها الجنرال عمار بأنها تريد تشويه صورة الجيش والنيل من دوره اليوم؟

مختار بن نصر: الثورة التونسية التونسيون والسياسيون يعرفون جيدا بأن هذه الثورة لها أعداء والأعداء هم أنواع، هناك مجموعات إرهابية متمسكة ببعض الجبال وتحاول أن تؤذي التونسيين وتربك المسيرة، ولكن هنالك كذلك أطراف أخرى سواء كانت سياسية أو يعني مهما كان نوعها هي تريد من حين إلى آخر أن تخرج على التونسيين ببعض الإشارات أو ببعض الأفكار أو ببعض التوجهات بحيث يتم التشكيك في هذه القوة التي هي ظلت متماسكة على امتداد هذه السنوات، ونذكر فقط أن الجيش الوطني يعني عمل على أكثر من ميدان، هو لم يحرس فقط المؤسسات الحساسة والنقاط الحساسة ويعني مواطن القوة في الدولة لكنه كذلك شارك في الامتحانات والانتخابات والفيضانات..

مستفيدون من تشويه صورة الجيش

حسن جمّول: ابق معي سيد مختار ابق معي سيد مختار، أعود إليك سيد أحمد إدريس اليوم من المستفيد من ضرب صورة الجيش وصورة قائده السابق نظرا لدوره الحيادي والذي قام به ليلة هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي؟

احمد إدريس: اعتقد بأن كل من له مصلحة بأن لا يرى نجاحا يحصل في تونس، وهنالك أمران يميزان ما يحصل الآن في تونس، أولا حياد المؤسسة العسكرية التي لم تتدخل في الشأن السياسي والتي كان لهذا الحياد الفضل الكبير في نجاح على الأقل المرحلة الأولى من الانتقال الديمقراطي والمسألة الثانية هي الوفاق الذي طغى على الساحة السياسية بين الشق الإسلامي والشق العلماني، وفي في هاتين المسألتين قد لا يتوافقا مع ما هو حاصل الآن في بقاع أخرى من العالم العربي ومن لا يريدون النجاح للتجربة التونسية يحاولون بشكل أو بآخر هز الثقة في المؤسسة العسكرية، هز الثقة في الخيار السياسي القائم على التوافق بين الإسلاميين وغيرهم من القوى السياسية الأخرى وربما يعني دفع المؤسسة العسكرية والزج بها في مثل هذا الصراع السياسي بما يؤثر على المسار السياسي..

حسن جمّول: طيب ما رأيك ما رأيك بالقول أن هناك.. ما رأيك بالقول أن هناك طموحا سياسيا للجنرال عمار وهو قد بدأ بحملة انتخابية رئاسية مبكرة في ضوء ما تمر به تونس هذه الأيام تحديدا ما تمر به ما يمر به حزب نداء تونس من انشقاقات ما رأيك في ذلك؟

أحمد إدريس: والله المسألة لن تكون فقط في يد من يرغب في تولي منصب سياسي لأن لا بد من ظروف موضوعية تجعل الراغب في ذلك قادراً على خوض المعركة السياسية والوصول إلى السلطة إذا ما أراد، واعتقد أن القائد السابق للجيش لم ينوي الحصول على السلطة وتوليها عرضت عليه أو لم تعرض كان بالإمكان كذلك له وللمؤسسة العسكرية فك السلطة أو ملء الفراغ الذي كان سائداً في 14 يناير 2011 ولكن اليوم ليست هناك أي ظروف موضوعية تقول بأن هذا الشخص بإمكانه أن يدخل المعترك السياسي من جديد أو أن يفكر في الدخول إلى المعترك السياسي ويمكن له أن يحصل على ما يرغب..

حسن جمّول: لماذا؟

أحمد إدريس: لأنه ليست لديه قوى سياسية بالإمكان أن تسانده، واليوم السلطة في تونس لا تفتك وإنما يتم الوصول إليها عن طريق القنوات الديمقراطية أي عن طريق الانتخابات، والانتخابات تحتاج إلى قوى سياسية داعمة لا فقط الشخص الذي يأتي ويعبر عن رغبته في الوصول إليها ولا حتى المال بإمكانه أن يوصل الأشخاص إلى السلطة فلابد من التفاف قوى سياسية حول الشخص وهذا ما نراه على الأقل وهذا ما حصل في تونس في الانتخابات التي جرت والتي أوصلت الرئيس الحالي إلى السلطة، فأعتقد بأنه ليس هنالك ظروف موضوعية بالإمكان أن تساعد على مثل هذا التصور ولا أرى كذلك رغبة لدى من ربما ينعت اليوم بأنه يقوم بحملة انتخابية مبكرة في الحقيقة هي في غير حينها وليست حتى الطريقة المثلى للقيام بحملة انتخابية فلا أرى جدوى من هذا..

أدوار مختلفة للجيشين في تونس ومصر

حسن جمّول: واضح سيد إدريس أعود إليك عميد مختار، إذا أردنا أن نقارن بين دور الجيش التونسي في تونس ودور الجيش المصري وما حصل من انقلاب بعد انتخاب أو في أثناء فترة الرئيس محمد مرسي هل ظروف ونشأة الجيش التونسي وعقيدته تختلف عن ظروف ونشأة الجيش المصري بما دفع الاثنين إلى الاختلاف أيضاً في التعاطي مع الثورات؟

مختار بن نصر: اعتقد أن هناك اختلافا جوهريا سواء كان من ناحية العقيدة العسكرية أو من ناحية المبادئ التي قامت عليها هذه الجيوش أو حتى من ناحية أدائها على امتداد سنوات الاستقلال الستين السنة الفائتة، الجيش المصري هو جيش أعطى للجمهورية المصرية عدة رؤساء قادوا البلاد وكذلك الجيش المصري أعطى عددا كبيرا جداً من الوزراء والمسؤولين الكبار ومن السفراء من قادته العسكريين، الجيش المصري يعني يتحكم بقرابة 20% من الاقتصاد المصري وبالتالي لا مجال للمقارنة بينه وبين الجيش التونسي الذي ظل منذ الاستقلال إلى اليوم أقول ظل جيشا محايدا سياسياً يقوم بمهامه في كنف الدستور، يقوم بكل مهامه وهو بمنأى عن السياسة، لم ينخرط يوماً في الجهد الوطني سواء كان اقتصاديا أو سياسيا لكنه له مهام أوكلها به الدستور والقانون حيث يساعد في التنمية وفي أعمال إغاثة وفي أعمال حفظ السلام في العالم وفي مهام الدفاع عن البلاد واكتفى بذلك وظل حتى في التكوين الذي شهدته التكوينات العسكرية والمنفتحة بشكل كبير على الغرب، يعني كل ضباطنا تقريباً تكونوا في المدارس الغربية الأميركية الفرنسية الألمانية الايطالية وقلما نجد ضباطا صغارا يتوجهون إلى الشرق إلا بعد أن يبلغوا مراتب معينة من رائد وما فوق في مدارس الأركان، إذن هذا كله جعل هذا الجيش له عقيدة مؤمنة بالديمقراطية مؤمنة بحدود الجيش الذي يجب أن يعتني فقط بمهامه العسكرية العملياتية وكان الجيش التونسي برمته مقتنع أن إدخال الجيش أو إقحامه في السياسة هو إضعاف له بشكل كبير وسوف يجد نفسه غير قادر على..

حسن جمّول: أريد أن أعود إلى السيد أحمد إدريس باختصار، إذن في ضوء هذا الاختلاف بين الجيشين برأيك سيد أحمد هل كان هناك في تونس من يريد أن يستنسخ التجربة المصرية تجربة الجيش المصري في تونس وإسقاطها على الجيش التونسي رغم الاختلافات بينهما؟

أحمد إدريس: ربما في لحظة ما واعتقد أنها لحظة قصيرة جداً اعتقدت فيها بعض الأطراف بأنه كان بالإمكان الزج بالجيش أو الدفع به للانقضاض على السلطة خاصة بعد التحركات السياسية التي سبقت بأشهر قليلة المصادقة على الدستور الحالي، كانت فترة أزمة سياسية والبعض ربما رآها فرصة ليدخل البلاد في متاهة تقترب كثيراً من المتاهة المصرية ولكن الجيش نفسه لم يكن معنياً بالمسألة وكذلك أغلب القوى السياسية الأخرى معارضة كانت أو في الحكم كانت مؤمنة أنه لا يجب الخوض في هذا الاتجاه ولا يجب إقحام الجيش في هذه المؤسسة فهو سيظل جيشا محايداً ومؤمناً..

حسن جمّول: شكراً لك أحمد إدريس الأكاديمي ورئيس مركز تونس للسياسة واشكر من تونس أيضاً العميد مختار بن نصر الخبير العسكري والمتحدث السابق باسم وزارة الدفاع التونسية، انتهت حلقتنا شكراً للمتابعة وإلى اللقاء.