انعكست مشاهد التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية ورفض الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى وتداعياتها, في مسيرات ووقفات متواضعة في المغرب وموريتانيا والسودان والأردن ولبنان وتونس, بينما غابت تماما في دول عربية أخرى.

ويرجع محللون هذا التراجع الشعبي العربي إلى تحول بوصلة اهتمام الشارع العربي من قضايا الأمة المركزية إلى القضايا الداخلية والمعيشية, خاصة بعد الربيع العربي.

لكن على الرغم من ذلك, بقي المسجد الأقصى في بؤرة اهتمام من يعيشون في أكثر مناطق الوطن العربي اضطرابا وهموما, مثل مخيم اليرموك الجائع وحلب المدمرة في سوريا ومدينة تعز المحاصرة في اليمن.

حلقة الاثنين 19/10/2015 من برنامج "الواقع العربي" ناقشت أسباب تراجع الحماس والتفاعل الشعبي العربي ضد الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة للمسجد الأقصى وتداعياتها.

أزمات داخلية
حول هذا الموضوع يرى وزير الخارجية التونسي السابق والقيادي في حزب النهضة الدكتور رفيق عبد السلام أن الشارع العربي يراقب عن كثب ما يجري في الساحة الفلسطينية لكنه منشغل ومثقل بأزماته ومشاغله الكثيرة.

وأضاف أن المشهد العربي به الكثير من الأزمات والمشاكل المفتوحة في مصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، لكن ورغم ذلك تبقى القضية الفلسطينية هي البوصلة للشارع العربي.

وطالب عبد السلام بعدم المبالغة في الحنق على الشارع العربي، وقال إن ما يجري في فلسطين قد ينعكس على الشارع العربي قريبا، مشيرا إلى أنه في ظل العالم الافتراضي لم يعد هناك شيء محلي، والقضية الفلسطينية تهم الشارع العربي من المشرق للمغرب ولكنه مثقل بأعباء كبيرة ووضع اقتصادي مترد.

وأرجع ضعف التفاعل في الشارع العربي مع ما يحدث في الأقصى وفلسطين بشكل عام إلى أن مساحات الحرية ضاقت كثيرا في البلدان العربية خاصة بعد الحراك الشعبي في الربيع العربي وما بعده.

وأضاف أن الفلسطينيين مسؤولون عن جزء من هذا التراجع لأن الانقسام الفلسطيني انعكس على الساحة الفلسطينية وعلى الخارج العربي، وأصبح هناك شعور عام بأن القضية تحولت إلى شأن محلي فلسطيني.

video


أبعاد القضية
ويتفق مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات هاني المصري مع الوزير التونسي السابق في اهتمام الشارع العربي بمشاكله الداخلية، وقال إن القضايا المحلية وصلت إلى حد الشرذمة والحروب الأهلية.

ومع إقراره بوجود تراجع في الأولويات لدى الشارع العربي، فإنه أكد أنه ليس تجاهلا كاملا، فالقضية الفلسطينية فلسطينية أولا وعربية ثانيا وإسلامية ثالثا، ولا يجب أن تعزل عن محيطها العربي والإسلامي.

وأضاف أن المنطقة العربية مستنزفة ومستهلكة إلى حد كبير، وخاصة مصر بعد اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل، مما جعل الخيار العسكري العربي مفقودا لأن العرب من دون مصر لا يمكنهم محاربة إسرائيل، الأمر الذي جعل إسرائيل أكثر شراسة في انتهاكاتها وجرائمها.

وختم بأن الفلسطينيين يتحملون مسؤولية أساسية منذ اتفاق أوسلو وبسبب الانقسام الداخلي، الذي ساهم بشكل أو آخر في عزل القضية وإضعافها بشكل كبير وأدى إلى تجزئتها إلى قضايا، فضلا عن تجزئة الشعب إلى تجمعات.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: ماذا تراجع التفاعل العربي مع قضية الأقصى؟

مقدم الحلقة: جلال شهدا

ضيفا الحلقة:

-   هاني المصري/مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات

-   رفيق عبد السلام/وزير الخارجية التونسية السابق

تاريخ الحلقة: 19/10/2015

المحاور:

-   تضامن المحاصرين والمعذبين

-   عدالة القضية الفلسطينية

-   مطلوب وحدة فلسطينية

جلال شهدا: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على تراجع الحماس والتفاعل الشعبي العربي مع الانتهاكات الأخيرة للمسجد الأقصى وتداعياتها.

مشاهد التضامن الشعبي مع الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى وتداعياتها انعكست في مسيراتٍ ووقفاتٍ وصفت بالمتواضعة في المغرب وموريتانيا في السودان والأردن ولبنان وتونس بينما غابت تماماً في دولٍ عربيةٍ أخرى، محللون ارجعوا ذلك إلى تحول بوصلة اهتمام الشارع العربي من قضايا الأمة المركزية إلى القضايا الداخلية والمعيشية خاصةً بعد الربيع العربي لكن على الرغم من ذلك بقي المسجد الأقصى في بؤرة اهتمام من يعيشون في أكثر مناطق الوطن العربي اضطراباً وهموما مثل مخيم اليرموك الجائع وحلب المدمرة في سوريا ومدينة تعز المحاصرة في اليمن،  أبدأ النقاش مع ضيوفي بعد تقرير فتحي إسماعيل:

[ تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: قدماً يمضي شباب فلسطين في هبتهم من أجل القدس والأقصى، لا يهابون في ذلك جيش الاحتلال المتأهب ولا المستوطنين المدججين بالسلاح، لكن عزم هؤلاء الفتية يختلط بمرارةٍ وخيبة من صمتٍ أطبق على بلاد العرب فلا الرسميات تحركت ولا الشعوب غضبت عدا قليلٍ من مظاهرات التضامن جاءت باهتةً خجولةً وبلا زخم، في تونس مهد ثورات الربيع العربي وبالرغم من سقف الحريات المرتفع وحق التظاهر المكفول خلت البلاد من أي تحركاتٍ تضامنيةٍ واسعةٍ مع الفلسطينيين، فقط بعض مسيراتٍ ووقفاتٍ نظمتها الجبهة الشعبية وطلابٌ جامعيون لم يتعدى المشاركون فيها بضع مئات بينما غابت عن الشارع أحزابٌ كبرى كتلك المؤتلفة في الحكم، في المغرب رئيس لجنة القدس شهدت شوارع طنجة والعاصمة الرباط وقفاتٍ متواضعة عقب صلاة الجمعة الماضية، شوارع مصر البلد العربي الأكبر خلت هي أيضاً من أي مظاهراتٍ حقيقية مساندةٍ للفلسطينيين، مجرد عشراتٍ من المصريين نظموا وقفةً احتجاجيةً أمام السفارة الفلسطينية بينما خرجت مظاهراتٌ مناهضةٌ للانقلاب تحت شعار نكمل ثورتنا وننصر أقصانا فيما أطبق الصمت على شوارع الجزائر وليبيا والعراق وبلدان الخليج العربية رغم تصاعد الهجمة الإسرائيلية على المسجد الأقصى والقدس وهي توشك على أن تدخل أسبوعها الثالث، لكن في خضم هذا الإحباط والخذلان ثمة ساحاتٌ مضيئةٌ للأقصى ففي حلب رغم القصف والمعاناة أبى السوريون إلا أن يتضامنوا مع الفلسطينيين في محنتهم ربما لأنهم في المعاناة سواء وفي  مخيم اليرموك جنوب دمشق حيث يعيش نحو عشرين ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين وسط حصارٍ وجوعٍ ومرض لم تمنعهم تلك الظروف من التضامن ولو بالكلمة مع إخوانهم في الأراضي المحتلة، أما هذه تعز اليمنية وقد نسيت جراحها ولو مؤقتاً وتضامن أهلها مع فلسطين وأوجاعها، وباستثناء الأردن التي جاء رد الفعل الشعبي فيها متأخراً في صورة مظاهراتٍ في عمان وعددٍ من المدن الأخرى يبدو صمت الشوارع العربية هذه المرة مخجلاً مقارنةً بما تعود عليه الفلسطينيون في منعطفاتٍ سابقةٍ مشابهة من حركة تضامنٍ واسعة تناصرهم ضد الاحتلال وانتهاكاته.

[ نهاية التقرير]

جلال شهدا: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا في حلقة اليوم من رام الله هاني المصري مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات ومن تونس الدكتور رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق والقيادي في حزب النهضة أهلاً بكما، لنفهم أولاً البعد العربي دكتور عبد السلام معك ما السبب في تراجع تفاعل وحماس الشعوب العربية مع القضية المركزية الأم فلسطين المحتلة وكل ما يجري من انتهاكات إسرائيلية للمسجد الأقصى والقدس المحتلة أيضاً.

رفيق عبد السلام: تقديري أن الشارع العربي يراقب عن كثب ما يجري في الساحة الفلسطينية وفي المسجد الأقصى على وجه التحديد ولكن بالتأكيد الشارع العربي أيضاً منشغل ومثقل بأزماته ومشاغله الكثيرة، نحن حينما نقرأ ونستقرئ الشاشة العربية والمشهد العربي بصفةٍ عامة نرى أزمات مفتوحة في بلدان عربية كثيرة، في مصر انقلاب عسكري يكمم أفواه المصريين، في ليبيا هناك ما يشبه الحرب الأهلية، في سوريا حرب أهلية مفتوحة، في اليمن في العراق حرب سياسية يختلط فيها البعد الطائفي بالبعد الاثني، أزمات العالم العربي ومشكلاته كثيرة لكن تقديري أن القضية الفلسطينية مع ذلك تبقى هي البوصلة الأساسية المحددة لاتجاهات الشارع العربي، وتقديري أن ما يجري في فلسطين هو مرآة عاكسة للاتجاه المستقبلي للشارع العربي، لا يجب أن نبالغ كثيراً في الحدب على الشارع العربي، هناك ديناميكية تجري اليوم في الساحة الفلسطينية ويمكن أن تنعكس في الشارع العربي لأن التحرك المدني أو التعبئة المدنية الاحتجاجية هي جهد تراكمي يتشكل بعامل الزمن وبعامل الوقت ولا يحب أن نجزم بأن الشارع العربي هو شارع ميت ولا يتفاعل مع القضايا القومية ومع القضايا الإسلامية وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى باعتباره الوجهة الأساسية التي تحدد الاتجاهات المستقبلية للشارع العربي والضمير العربي بصفةٍ عامة.

جلال شهدا: طيب يسأل المشاهد دكتور يعني ماذا يجب أن يحصل أكثر مما حصل في القدس المحتلة وفي المسجد الأقصى كي يتحرك الشارع العربي، سيد هاني المصري هل انشغال، سأعود إليك دكتور، سيد هاني المصري هل الانشغال بالقضايا المحلية هو سبب وجيه لعدم نصرة الأقصى وأيضاً فلسطين المحتلة في الشارع العربي؟

هاني المصري: نعم بالتأكيد هو سبب وجيه وخاصة أن القضايا المحلية وصلت إلى حد الشرذمة والاقتتال والحروب الأهلية وبروز تناقضات ثانوية باعتبارها أصبحت هي التناقض الأساسي سواء داخل البلد أو فيما يتعلق بموقف بعض البلدان العربية من أخطار خارجية بحيث تم وضع الخطر الإيراني بديلا عن الخطر الذي تمثله إسرائيل ومشروعها الاستعماري، كل هذه الأسباب لعبت دوراً كبيراً في تراجع الاهتمام الشعبي والرسمي العربي بالقضية الفلسطينية لكن هذا لا يعني أن هذا الأمر سيبقى للأبد أو أن القضية الفلسطينية تراجعت تماماً، هناك تراجع في الأولويات في الأهمية وليس غيابا كاملا أو مواتا كاملا وهذا بسبب موقع ومركزية القضية الفلسطينية وخصوصًا بسبب الدور الوظيفي لإسرائيل لأن إسرائيل عندما زرعت في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني لم يكن ذلك من أجل تجسيد حق تقرير المصير لليهود كما يزعمون وإنما من أجل خلق كيان وقاعدة أمامية استعمارية تمارس دورها في إبقاء المنطقة العربية أسيرة التبعية والتخلف والتجزئة والفقر ولكي يتم إبقاء الهيمنة عليها وتلعب إسرائيل دوراً كبيراً في هذا الاتجاه، لاحظنا ذلك من خلال الحروب التي شنتها إسرائيل على البلدان العربية سوءاً بعد حرب 48 حرب 56 وحرب 67 وحرب 82 وحرب 73 هناك حروب مستمرة جعلت المنطقة العربية مستنزفة ومستهلكة إلى حدٍ كبير وخاصة مصر الدولة العربية الكبيرة التي تحملت قسطاً كبيراً وخصوصاً بعد عقد اتفاقيات كامب ديفيد التي أخرجت مصر من حلبة الصراع وهذا جعل الخيار العربي العسكري مفقوداً لأن العرب بدون مصر لا يمكن أن يحاربوا إسرائيل وهذا أدى إلى استشراس إسرائيل وتوسع إسرائيل في تنفيذ مخططاتها إلى أن وصلت إلى الحد الأقصى الحد الأقصى الذي لاحظناه بأن إسرائيل أصبحت غير قادرة على القيام بالدور المأمول منها وأصبحت بحاجة إلى وجود قوات أميركية في المنطقة لحماية إسرائيل لأن الاحتلال الأميركي للعراق على سبيل المثال كما قال أنطوني زيني كبير الجنرالات الأميركيين جاء لهدفين، الهدف الأول النفط والهدف الثاني حماية إسرائيل، وهذا يدل على أن إسرائيل لم تعد قادرة على لعب الدور الذي أقيمت من أجله ولكن هذا جعل إسرائيل وقوى خارجية أخرى تستغل التناقضات العربية وتمارس نوعا من التقسيم الجديد للعرب على أساس تقسيم الشعوب، في اتفاقية سايكس بيكو تم تقسيم البلدان الآن يتم تقسيم الشعوب إلى شيعي وسني ومسيحي وكردي وغير كردي وهكذا تمت تجزئة البلدان العربية والبلدان التي لم تصل إلى حد الانقسام والحروب الأهلية شغلها الشاغل كيف أن لا تصل العدوى إليها وكيف حماية نفسها من وصول هذا التقسيم وهذه الشرذمة إليها.

جلال شهدا: طيب جميل، دكتور عبد السلام اتفقت أنت وهاني المصري على أن فقدان البوصلة في هذا الوقت يعتبر مؤقتاً، إذن ما الذي سيحرك الشارع العربي رغم كل ما حصل وكانت دائماً تبقى القضية الفلسطينية هي في صلب مواقف وأيضاً في صلب تحركات وردود فعل الشارع العربي؟

رفيق عبد السلام: يعني مثل ما ذكرت لا يجب أن نجزم بأن الشارع العربي مغيب تماماً، الشارع العربي يراقب ما يجري في الساحة الفلسطينية عن كثب وفي ظل العالم الفضائي أو العالم الافتراضي لم يعد هناك شيء محلي، ما يجري محلياً يأخذ الطابع القومي والطابع الإقليمي وحتى الدولي، القضية الفلسطينية ليست قضية محلية بكل تأكيد، الشارع العربي مشرقاً ومغرباً وخليجاً يراقب ويشعر بما يشعر به الفلسطينيون ويتألمون بألم الفلسطينيين ولكن مثل ما ذكر زميلي الدكتور هاني المصري بالتأكيد الشارع العربي مثقل بأعباء كبيرة مثقل بصراعات داخلية مثقل بحروب أهلية مثقل بأعباء اقتصادية، مكبل أيضاً بحكومات استبدادية، لا ننسى أن النظام الرسمي العربي أيضاً الذي جاء على رأس أولياته اليوم إسقاط الموجة الأولى من التغيير التي انطلقت سنة 2011 أصبح ينظر لعملية التغيير السياسي التي انطلقت من تونس ومنها إلى مصر وإلى بقية الدول التي صنفت بالربيع العربي أصبح ينظر لهذه التغييرات باعتبارها تهديدا مباشرا للأمن الوطني أو للأمن القومي، لم تعد القضية الفلسطينية ولم يعد التحدي الإسرائيلي أو التحدي الصهيوني حاضراً في أجندة النظام الرسمي العربي، والحقيقة أن النظام الرسمي العربي أصيب بإنهاك شديد منذ احتلال العراق منذ غزو العراق سنة 2003 العالم العربي يفتقد للبوصلة يفتقد الوجهة، يفتقد الرؤيا المشتركة والمشروع المشترك، بالتأكيد الشارع العربي جزء من الحالة السياسية العربية ولكن أستطيع أن أقول أن هذا وضع مؤقت لن يدوم طويلاً لأن هناك عملا تراكميا يتشكل بالوقت ويتشكل أيضاً بالأزمات التي تتراكم بدورها في الساحة الفلسطينية وفي ساحات أخرى من العالم العربي وتقديري أن القضية الفلسطينية تبقى مع ذلك رغم كل العقبات ورغم كل الصعوبات ورغم بعض الانعطافات هنا أو هناك تبقى القضية الأساسية وتبقى البوصلة الرئيسية للقضايا القومية العربية، مساحات الحرية أيضاً ضاقت كثيراً في بعض البلدان العربية وأنتم تلاحظون أن بعض الحراك الشعبي وجد أساساً أو وجد بالأساس في بعض البلدان العربية التي تتمتع ببعض مساحات الحرية كما هو الأمر في تونس ونسبياً في المغرب وفي الأردن أما بعض الدول العربية الأخرى التي تغيب فيها تماماً مساحات الحرية فلم نشهد فيها حراكا شعبيا أو احتجاجيا على الغطرسة الإسرائيلية واقتحامات المسجد الأقصى.

جلال شهدا: طيب هاني المصري إلى أي مدى يتحمل الفلسطينيون أيضاً مسؤولية هذا التراجع في الدعم العربي أي بمعنى الانقسام الداخلي الفلسطيني إلى أي مدى يتحمل مسؤولية عدم التكاتف العربي مع قضيتهم الأساسية؟

هاني المصري: بدون شك الفلسطينيون يتحملون مسؤولية أساسية ليس فقط بعد الانقسام السياسي والجغرافي الذي وقع في عام 2007 وإنما منذ توقيع اتفاق أوسلو لأن هذا الاتفاق أعطى رسالة للعرب بأن القضية الفلسطينية كأنها قضية تخص الفلسطينيين وأنها حلت أو في طريقها للحل وبالتالي لا يوجد أي حاجة إلى المباركة العربية والدعم العربي وأن هذه القضية قضية فلسطينية وهذا خطأ كبير جداً، القضية الفلسطينية قضية فلسطينية أولاً وعربية ثانياً وإسلامية ثالثاً وعالمية رابعاً، كل هذه الأبعاد يجب أن تأخذ بالحسبان وتتفاعل مع بعضها البعض حتى تستطيع القضية الفلسطينية أن تصل إلى الانتصار، عزل القضية الفلسطينية وجعلها قضية فلسطينية فقط أضعفها إضعافا شديداً وهذا أدى أيضاً إلى تجزئة القضية الفلسطينية لأن القضية الفلسطينية بحد ذاتها مكونة من عدة أجزاء هي تتعلق بوحدة الشعب والأرض والقضية، تم تجزئة القضية إلى قضايا وتم تجزئة الشعب إلى تجمعات في الضفة وفي غزة وفي 48 والقدس مفصولة عن بقية الضفة الغربية، والشعب الفلسطيني بالشتات مفصول عن بقية الأجزاء وكذلك الأرض تم تقسيمها إلى أ و ب و ج وقدس وغير القدس وهذا أدى إلى تفكيك وحدة القضية وترابطها مع الأرض والشعب وبالتالي نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى القضية الفلسطينية وإلى إعادة ترابط الشعب الفلسطيني حولها من خلال إعادة إحياء مؤسسات منظمة التحرير لكي تكون فعلاً وقولاً الكيان الوطني الجامع والمؤسسة التي تمثل الفلسطينيين جميعاً بغض النظر عن اختلافاتهم وألوانهم لأنها هي البيت الفلسطيني، منظمة التحرير أصبحت كأنها مجرد فريق نحن بحاجة إلى إعادة بناء المنظمة، عندما يكون للفلسطينيين رسالة واحدة هذا سيترك تأثيراً كبيراً جداً على العرب وعلى العالم وبالتالي الأولوية لدينا يجب أن تكون إنهاء الانقسام وإعادة الوحدة على أساس وطني وديمقراطي وعلى أساس شراكة سياسية حقيقة وهذا سيكون له تأثير مباشر على العرب وعلى الشعوب العربية التي لديها روابط لا حصر لها مع القضية الفلسطينية ولا يمكن أن تنتهي،  يمكن أن تتراجع ولكن لا يمكن أن تنتهي على الإطلاق.

تضامن المحاصرين والمعذبين

جلال شهدا: دكتور عبد السلام لنعطي بعض المناطق حقها أنت ذكرت طبعاً مظاهرات خرجت في بعض البلدان ولكن لنعطي أكثر بعض المناطق حقها مخيم اليرموك مثلاً الجائع خرجت مظاهرة خرجت مظاهرة في حلب المدمرة وأيضاً في تعز في اليمن تعز التي تعاني قصفاً وحصاراً، ما دلالات بقاء القضية الفلسطينية في وجدان هؤلاء الذين يعانون جوعاً حصاراً وقصفاً.

رفيق عبد السلام: يعني ربما يعود هذا إلى الترابط في المباشرة الترابط الجغرافي خاصةً فيما يتعلق بسوريا رغم أن سوريا اليوم منكوبة وتعاني من مشكلات وأزمات كبيرة ولكن فلسطينيي الشتات وخاصةً في الساحة السورية هم مرتبطون بصورة مباشرة بالقضية الفلسطينية واستطيع أن أقول أن ما يجري في سوريا وما جرى في المخيمات السورية  يمكن أن يعمم على عواصم عربية أو بلدان عربية أخرى، لا يجب أن نقطع ونجزم بأن الشارع العربي قد فقد صلته بالقضية الفلسطينية تماماً ولكن أنا اتفق مع زميلي أيضاً بأن الفلسطينيين يتحملون جزءاً من هذه المسؤولية، الانقسام الفلسطيني انعكس ليس فقط على الساحة الفلسطينية فحسب بل انعكس أيضاً على الخارج العربي إن جاز التعبير، هناك شعور عام لدى قطاعات عربية بأن القضية الفلسطينية قد تحولت إلى شأن محلي فلسطيني وان الفلسطينيين يفاوضون وبالتالي هم معنيون بالدرجة الأولى بحل مشكلاتهم مع إسرائيل وان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وبالتالي أوكل الأمر لمنظمة التحرير الفلسطينية، نحن في حاجة فعلاً إلى إيقاظ الوعي العربي بأن القضية الفلسطينية لها أبعاد مترابطة، لها بعد وطني لا شك أن الفلسطينيين يتحملون العبء الأكبر من هذا الصراع في الدفاع عن القضية الفلسطينية والدفاع عن القدس وأكناف المقدس ولكن هناك الحلقة العربية الغطاء العربي شيء أساسي ومهم للقضية الفلسطينية، البعد الإسلامي بعد أساسي ومهم، البعد الدولي أيضاً، نحن نلاحظ هناك حالة تعاطف دولي كبيرة، هناك مجتمع يمكن تسميته بمجتمع مدني دولي متعاطف مع القضية الفلسطينية وهذه مسألة غير مسبوقة في حقيقة الأمر، نحن نشهد حراكا دوليا في مختلف العواصم الكبرى وفي مختلف الدول الكبرى متعاطفا ومتضامنا مع القضية الفلسطينية، كل هذه العناصر كل هذه المعطيات يمكن أن تمثل أرضية خصبة لتعزيز الصمود الفلسطيني ومؤازرة القضية الفلسطينية سواء تعلق الأمر بالمحيط العربي أو بالعالم الإسلامي الأوسع أو بالتضامن الدولي على صعيد أوسع.

عدالة القضية الفلسطينية

جلال شهدا: هاني المصري برأيك التحريض الإعلامي على القضية الفلسطينية وأيضاً على رموز المقاومة الفلسطينية حتى يعني هناك من حكم عليهم بالإعدام وهم شهداء كما حصل مثلاً في قضية الهروب من سجن النطرون في مصر هل أثر هذا التحريض الإعلامي العربي على رموز القضية الفلسطينية على الشارع العربي برأيك؟

هاني المصري: بالتأكيد يعني الصراعات الداخلية العربية كانت تفترض أن يبقى الفلسطينيون بمنأى عنها لأن القضية الفلسطينية قضية جامعة، إذا انخرطت في الصراعات الداخلية العربية ستفقد قدرتها على توحيد والحصول على دعم ومشاركة من كل الأطراف، لقد وقعت بعض الأطراف الفلسطينية في أخطاء في خطأ الاتجاه ووقعت أيضاً أطراف عربية يعني في أخطاء يمكن أن تكون أكبر في محاولة زج الفلسطينيين أو تحميلهم مسؤولية هم لم يكونوا مسؤولين عما اتهموا بها وبالتالي الموضوع الأساسي أو الخبرة الأساسية المستفادة مما جرى هي أن القضية الفلسطينية قضية عادلة قضية تحظى بتفوق أخلاقي قضية يمكن أن تحصل كما حصلت سابقاً على دعم كل الشعوب العربية كل الأطراف العربية هي بحاجة إلى هذا الدعم، لا يمكن أن تبقى حية ولا أن تسير على طريق الانتصار بدون أن تحصل على هذا الدعم وبالتالي عليها أن لا تتدخل بالشؤون الداخلية العربية شريطة عدم تدخل الأنظمة العربية في الأوضاع الداخلية الفلسطينية، يعني يجب أن يكون هناك يعني اتفاق ما بين كل الأطراف العربية على أن القضية الفلسطينية تجمعهم جميعاً وهم بحاجة إلى دعمها مثلما هي بحاجة إلى دعمهم وهذا الأمر هو خلاصة تجربة طويلة عريضة، يعني عندما ارتكبت القيادات الفلسطينية بعض الأخطاء في صراعات داخلية عربية في السابق أو في الوضع الذي حدث بعد الربيع العربي دفع ثمنه الفلسطينيون كثيراً وبالتالي نحن الآن وهناك شبه إجماع إذا لم يكن إجماعا فلسطينيا على ضرورة تجنيب الفلسطينيين هذه الصراعات بدون أن يعني ذلك أن الفلسطينيين لا يريدون الحرية والديمقراطية والتقدم للشعوب العربية ولكن هذه مسؤولية الشعوب العربية لأن على الشعب الفلسطيني مسؤوليات جسيمة جداً وإذا قام بها سيكون استطاع أن يوفر رافعة كبرى للنهوض العربي وللحرية العربية والديمقراطية العربية.

جلال شهدا: دكتور عبد السلام أختم معك، هناك من يسأل الآن خصوصاً في تونس التي يعني خلعت عنها عباءة الأمن الهش وسلكت طريقها نحو الديمقراطية الصحيحة، هناك من يسأل مثلاً أين دور حركة النهضة في شحذ همم الشارع العربي تجاه ما يحدث في فلسطين المحتلة مثلاً دكتور؟

رفيق عبد السلام: يعني حركة النهضة وبقية المكونات السياسية التونسية تراقب ما يحدث في الساحة الفلسطينية وهي حساسة جداً وتتفاعل مع النضالات الفلسطينية لا شك أننا نحن في تونس أيضاً مثقلين بأعباء داخلية محلية بمخاطر كثيرة تتهدد التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس بمخاطر متأتية أيضاً من المحيط العربي لأن تونس ليست معزولة عن مجمل الأزمات والمشكلات التي تجري في المحيط العربي القريب أو البعيد، نحن أيضاً مثقلون بأعباء اقتصادية مشكلة المعيشة اليومية للمواطنين بتحديات الإرهاب وغيرها ولكن مثل ما ذكرت القضية الفلسطينية تبقى حاضرة لدى الشارع التونسي ولدى الرأي العام التونسي ولدى المكونات السياسة والمدنية التونسية، ليس هناك من قضية يمكن أن توحد التونسيين أكثر من القضية الفلسطينية، نحن كتونسيين ربما ننقسم حول قضايا ومسائل كثيرة تتعلق بالسيارات الفكرية أو المجتمعية أو السياسية ولكن القضية الفلسطينية توحدنا جميعاً وبالتالي لا بد من بذل مزيد من الجهد لتحريك الشارع التونسي ولتحفيز الشارع العربي لتوفير الحزام الضروري والغطاء الضروري للقضية الفلسطينية ولنضالات أشقائنا في فلسطين وفي مختلف الساحات الفلسطينية سواءً تعلق الأمر بالضفة الغربية والقطاع أو القدس.

مطلوب وحدة فلسطينية

جلال شهدا: واضح شكراً دكتور، هاني المصري بنصف دقيقة فقط ما المطلوب لإعادة إحياء القضية الفلسطينية في قلوب وعقول العرب باختصار لو سمحت؟

هاني المصري: المطلوب وحدة فلسطينية تعطي رسالة تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني والكف عن الأوهام بأن هناك شيئا اسمه عملية سلام، يجب التركيز على تغيير موازين القوى واستخدام كل عناصر الضغط والقوة الفلسطينية والعربية والتحررية الدولية حتى تستطيع القضية الفلسطينية أن تتقدم وتهزم المشروع الاستعماري الصهيوني وتحقق الأهداف والحقوق الفلسطينية.

جلال شهدا: شكراً لك هاني المصري مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات في رام الله، وشكراً من تونس الدكتور رفيق عبد السلام وزير خارجية تونس السابق والقيادي في حزب النهضة، بهذا مشاهدينا الكرام تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، شكراً لكم على حسن الاستماع إلى اللقاء بأمان الله ورعايته.