في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961 خرج عشرات الآلاف من المهاجرين الجزائريين بباريس في مظاهرات سلمية، للاحتجاج على قرار فرض حظر جزئي للتجوال عليهم، ودعم الثورة في بلادهم.

لكن الشرطة الفرنسية بتوجيهات من قائدها موريس بابون قمعت المظاهرات بشكل وحشي، مما أدى إلى مقتل وفقدان المئات وإصابة الآلاف، واعتقال نحو ثلاثين ألفا، تم ترحيل نحو عشرين ألفا منهم للجزائر، حيث وضعوا في المعتقلات.

وبعد أكثر من خمسين عاما، ما تزال فرنسا ترفض الاعتذار عن هذه المجزرة وغيرها، حتى أنها لم تقرّ بوجودها سوى مؤخرا فقط وسط تعتيم تاريخي، مما يثير تساؤلات عن انعكاس أحداث الحقبة الاستعمارية على العلاقات الفرنسية الجزائرية الحالية.

حلقة 18/10/2015 من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على تفاصيل لا تزال غير معروفة عما جرى في ذلك اليوم، وسط تعتيم فرنسي مقصود منذ عشرات السنين، وكيف أسهمت تلك المجزرة  في الإسراع باستقلال الجزائر بعد عدة أشهر.

جريمة وتبرير
وبحسب الباحث في العلاقات الدولية زيدان خوليف، فإن نحو 250 جزائريا سقطوا في هذه المجزرة، رمت بهم قوات الشرطة الفرنسية في نهر السين بعد أن ثبّتت أرجلهم في الإسمنت،  ورأى أن ما جرى نقطة سوداء في تاريخ فرنسا.

وقال إن المفارقة هي أن الشرطة الفرنسية التي أوكل إليها مهمة حفظ النظام هي من ارتكبت الجريمة.

ولمعرفة تفاصيل ما جرى يضيف خوليف أن مواد التاريخ الموجودة في الأرشيف لا يمكن الوصول إليها بقرار من الرئيس السابق فرانسوا ميتران، متسائلا "لماذا ترفض فرنسا الإفراج عن الأرشيف المتصل بتلك الأحداث حتى اليوم؟"

في المقابل، قال رئيس تحرير مجلة "مغرب مشرق" الفرنسية جون إيف مواسيرون إنه يجب وضع ما جرى في سياقه التاريخي والحرب والأحداث التي كانت تعيشها فرنسا في تلك الفترة.

وقال إن تلك الفترة شهدت حالة توتر بين فرنسا والجزائريين، وإن العشرات من أفراد الشرطة تم اغتيالهم على الأراضي الفرنسية، ودعا إلى مناقشة تلك الأحداث بعيدا عن العواطف حتى يتم طي الصفحة.

وأعرب عن اعتقاده بأن النقاشات التاريخية عندما توضع في خدمة السياسة، فإن الأمور تتعقد، ولذلك يجب إبعاد التاريخ عن جميع المزايدات السياسية.

لا اعتذار
وعن رفض فرنسا تقديم اعتذار للشعب الجزائري عن المجازر التي ارتكبت في حقه، يتساءل خوليف قائلا "لماذا تعاتب فرنسا تركيا وتطالب بالاعتذار عما تسميه جرائم ارتكبتها ضد الأرمن في حين ترفض هي الاعتذار للشعب الجزائري عن جرائمها؟"

ولفت في السياق إلى أن الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) قامت في 2005 بتمرير قانون يمجّد الاستعمار، وعدّ ذلك استفزازا لمشاعر الجزائريين.

ويعتقد بأن فرنسا تتعالى عن تقديم الاعتذار للجزائريين، وترى ذلك إهانة لها، مشيرا إلى أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.

في المقابل، يرى مواسيرون ضرورة تجاوز الأحقاد لبناء علاقات قوية ومتينة بين البلدين عبر التوصل إلى جيل جديد من المثقفين والسياسيين لتأهيل العلاقات بين البلدين.

وأعرب عن قناعته بضرورة تجاوز مرحلة طلب العفو والاعتذار والانتقال إلى مرحلة تنقيح الأحداث التاريخية، معترفا بأن المجازر التي ارتكبت آنذاك غير شرعية، ويجب أن نضعها في إطارها التاريخي.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: مذبحة باريس بحق الجزائريين.. هل تسقط بالتقادم؟

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيفا الحلقة:

-   زيدان خوليف/باحث في العلاقات الدولية في جامعة باريس

-   جون ايف مواسيرون/رئيس تحرير مجلة مغرب مشرق الفرنسية

تاريخ الحلقة: 18/10/2015

المحاور:

-   موقف النخبة الفرنسية من المجزرة

-   قانون تمجيد الاستعمار

-   تاريخ معقد ومركب

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على الذكرى الرابعة والخمسين لمجزرة باريس والتي وقعت في مثل هذه الأيام عندما قمعت الشرطة الفرنسية بشكل دموي مظاهرات سلمية نظمتها الجالية الجزائرية هناك.

في السابع عشر من أكتوبر عام 1961 خرج عشرات الآلاف من الجزائريين في باريس في مظاهرات سلمية للاحتجاج على قرار بفرض حظر جزئي للتجوال عليهم ودعما للثورة في بلادهم، الشرطة الفرنسية وبتوجيهات من قائدها موريس بابون قمعت المظاهرات بشكل وحشي مما أدى لمقتل الآلاف واعتقال نحو 30 ألفا ثم ترحيل نحو 20 ألفا منهم إلى الجزائر حيث وضعوا في المعتقلات، الآن وبعد أكثر من خمسين عاما لا تزال فرنسا ترفض الاعتذار عن هذه المجزرة وغيرها وسط تعتيم تاريخي مما يثير تساؤلات عن انعكاس أحداث الحقبة الاستعمارية على واقع العلاقات الفرنسية الجزائرية الحالية، تقرير محمد إبراهيم:

[تقرير مسجل]

محمد إبراهيم: هل تموت حقوق الشعوب بالتقادم؟ يقول الجزائريون لا، شاهدهم بما بات يعرف بيوم الهجرة الوطني، في كل عام رغم مرور أربعة وخمسين عاما ما زالت الجزائر تحيي الذكرى السابعة عشر من أكتوبر عرفانا لمئات الجزائريين في الاغتراب والذين سجلوا بدمائهم تاريخ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي، جثمت فرنسا أكثر من مئة وثلاثين عاما على الجزائر، وضعت البلاد خلالها تحت نير احتلال وقتل وتعذيب قبل أن تخرج مكرهة في عام 1962 وتنتصر إرادة الشعب الجزائري بالحرية والاستقلال، جريمة موثقة بأسماء أهلها ارتكبتها فرنسا بحق المتظاهرين الجزائريين السلميين عندما خرجوا بالآلاف في باريس مطالبين بالاستقلال ومناصرين لثورة أهلهم في الداخل لكنهم جوبهوا بالقمع من قبل الشرطة الفرنسية، لم يكن نهر السين الوادع اليوم إلا شاهدا على الجثث التي رميت فيه وطفت لأيام على سطحه، أحيا الجزائريون الذكرى كدأبهم في كل عام مستذكرين جريمة قائد شرطة باريس موريس بابون الذي نفذ ورجال أمنه واحدة من أبشع المجازر بحق المهاجرين من طلاب الحريات، يقول المؤرخ الفرنسي جان لوك أيوندي مؤلف مشاهد حرب الجزائر في فرنسا إن الجثث التي نقلت إلى مصلحة حفظ الموتى ألقيت في نهر السين من نوافذ البناية التي تضم هذه المصلحة، في عام 2012 عشية الذكرى الحادية والخمسين للمجزرة أقر الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند لأول مرة بالقمع الدموي الذي تعرض له جزائريون إبّان تلك الفترة حين كانوا يتظاهرون في باريس من أجل حقهم في الاستقلال، أول إقرار رسمي فرنسي لمسؤوليتها عن هذه الجريمة لكنه لم يرتقي لدرجة الاعتذار سواء عليها أو على الجرائم المشابهة التي ارتكبت قبلها أو بعدها، يجيب التاريخ نفسه بنفسه بأن الحريات تنتزع ولا تعطى، بعد تضحيات أكثر من مليون شهيد انتزع الجزائريون استقلالهم في ركب موجة تحرر سادت الدول العربية والأفريقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أفضى لدول مستقلة، عقود مرت على الذكرى أقامت الجزائر وفرنسا علاقات دبلوماسية وتبادل الأطراف المصالح المشتركة لكن آثار تلك المذبحة وغيرها من فضائح عهد الاستعمار ما زالت تلقي بظلالها على علاقات البلدين وتظهر في كثير من المحطات حتى اليوم.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: ينضم إلينا في حلقة اليوم من باريس الدكتور زيدان خوليف الباحث في العلاقات الدولية في جامعة باريس ومن باريس أيضا جون ايف مواسيرون رئيس تحرير مجلة مغرب مشرق الفرنسية، نرحب بالضيفين الكريمين، دكتور زيدان خوليف إضافة إلى ما قاله التقرير الذي أعددناه وإضافة إلى ما نسمع وما شاهدناه في برنامج وثائقية كثيرة يعني كان موضوعها هذه المجزرة وأشهرها لوسيناس ديفلوف وهو فيلم وثائقي لمهدي العلاوي، لماذا ظلت بعض الجوانب يعني تحت أو معتمة حينما تسرد تاريخيا هذه الأحداث؟

زيدان خوليف: أولا مساء الخير وتحية لمستمعي ومشاهدي القناة، هذه المجزرة وقد أجدت وأشكرك على ذلك في تصنيفها، هذه المجزرة التي قام التي ذهب ضحيتها ما يفوق 250 جزائري رمت بهم قوات الشرطة ها هي النقطة العاتمة في تاريخ الجمهورية الفرنسية أن الشرطة هي التي رمت بهم في نهر السين عندما وكبلتهم ومنهم من وضعت في أرجلهم إسمنتا حتى لا يصعدوا إلى أعالي إلى أعلى النهر فغرقوا وماتوا وكانت في ذلك اليوم التقارير تدل على أن هناك بعض العشرات بالكاد لكن هناك من أنصف الجزائريين حقهم وذلك بإطلاعهم على يسمى دفاتر المشرحة في باريس ومن هنا كان عددهم أكثر ما يتعدى 250 جزائري لم يكن لهم هوية لأن الشرطة لأن الشرطة نزعت هوياتهم منهم وألقتهم وألقت أجسادهم فأصبحوا جثثا هامدة، المشكلة أن الجيش أو الشرطة الفرنسية التي كانت أوكل إليها حفظ النظام العام أصبحت هي المجرمة وكان في ذلك الوقت مجرم فرنسي توبع كذلك حتى بقتل بعض اليهود ألا وهو موريس بابون هذه هي المشكلة..

عبد الصمد ناصر: طيب سنتوسع أكثر في النقاش دكتور سنتوسع في النقاش أريد فقط أن أشرك معنا جون ايف مواسيرون اسأل الآن بعد حوالي أكثر من نصف قرن على هذه الأحداث سيد مواسيرون والتي ما زالت تمثل جرحا عميقا في ذاكرة الجزائريين وفي ذاكرة حرب التحرير والثورة الجزائرية، السؤال الذي ما زال يطرح لماذا تعاملت الشرطة الجزائرية بتلك الوحشية وتلك القسوة بحسب وصف الجزائريين؟

جون ايف مواسيرون: اعتقد أن علينا أن نضع هذا الأمر في سياقه التاريخي وفي سياق الحرب التي كانت تدور رحاها في ذلك الوقت بين فرنسا والجزائر والتي قادت لاستقلال الجزائر كانت تلك الفترة فترة صعبة للغاية وكانت تمثل نهاية تلك الحرب، كانت فترة تشهد محادثات كانت محادثات قوية وصعبة تقود إلى الاستقلال، كما كانت هناك أيضا جالية مهاجرة من الجزائريين في فرنسا، في هذه الفترة من التاريخ كان هناك ما يمثل حالة توتر كبيرة بين الطرفين، علينا أيضا أن نذكر بأن العشرات من أفراد الشرطة تم اغتيالهم من لدن جبهة التحرير الوطنية على الأراضي الفرنسية وبالتالي من الواضح أن هذه الأمور مجتمعة يجب أن نتعامل معها من ناحية عاطفية لكن أعتقد أنه يجب أن نتحدث عن هذه الأحداث وأن يفتح المؤرخون الأرشيف وان يكون هناك نقاش بشأن هذه الأحداث بعيدا عن العواطف وأن يكون هذا النقاش بهدف التوصل إلى حقيقة تاريخية حتى نتمكن من طي الصفحة، لقد حدثت هذه الأحداث منذ 50 سنة واعتقد أن الطريقة التي نعرض بها مسلسل الأحداث وسبل فهمها يعني أنه يجب أن نتحدث عن الموضوع لنتجاوزه ونتجاوز المشاعر التي صاحبته حتى نتمكن أن نتواصل إلى علاقات بين فرنسا والجزائر، علاقات جيدة وتسمح بالتنمية المشتركة والتفاهم المشترك بين شعبنا وهما شعبان متقاربان ويعرفان بعضهما البعض بشكل جيد، وحتى نتمكن في نهاية المطاف من أن نتوصل إلى جيل جديد من السياسيين والمثقفين الذين سيعيدون تأهيل العلاقات بين البلدين متماشيا ذلك مع الصداقة التي تربط شعبينا.

عبد الصمد ناصر: طيب سيد زيدان خوليف سيد حون ايف مواسيرون يقول بأن ما مضى مضى وأننا يجب أن ننظر إلى الواقع اليوم وبالتالي يعني التاريخ سيحكم عليه المؤرخون ويجب أن ننظر إلى المستقبل ولكن أنتم في الجزائر حينما تخلدون هذه الذكرى ماذا تريدون من فرنسا؟

زيدان خوليف: يا حبذا لو تركت هذه المسألة للمؤرخين، المشكلة أن المؤرخين الآن وهذا ما أضيفه إلى ايف إلى ضيفكم الكريم أن التاريخ أو مواد التاريخ الموجودة في الأرشيف مغلقة وليس لها الحق في أن تفتح ومن والذي غلقها، غلقها فرنسوا ميتيران الذي مدد مدة الغلق، وإذا أردنا أن نترك للمؤرخين وهذا ما أوافقه في ضيفكم الكريم إذا أردنا أن نترك التاريخ وللمؤرخين العمل على هذه الأمور حتى نتحدى أو نتعدى ما يسمى العاطفة فلا تكون هذا الطريقة انتقائية، فنحن نرى بأن فرنسا تعاتب تركيا عتابا شديدا على ما يسمى بالأرمن وتقول أي نعم وتقول بأنها مجزرة في حين أن تركيا تطالب بالمجتمع الدولي والأتراك والأرمن أن يدخلوا حلبة التاريخ وأن يدرسوا هذه الحقبة فلماذا هذه الطريقة الانتقائية إذا أردنا أن نتكلم عن الجزائر فإن مصادر التاريخ مغلوقة وأن مادة التاريخ مغلقة إلى يوم يبعثون ولكن في حالة أخرى إذا تكلمنا عن تركيا التي تطالب بنفس المطلب نهاجمها سياسيا الآن على ذلك..

عبد الصمد ناصر: هذه نقطة مهمة سيد دكتور ذلك نقطة مهمة نعم نقطة مهمة دكتور خوليف يعني هنا اسأل مواسيرون يعني فرنسا دائما ما تطالب تركيا بالاعتذار عن مجزرة أو الاعتراف بمجزرة تسميها مجزرة الأرمن والاعتذار هي بدورها لا تريد أن تعتذر للجزائريين عن المجازر التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري إبان الاستعمار وهذه نموذج ما وقع في باريس لماذا إلى الآن ما زالت فرنسا تريد أو ترفض الاعتذار للشعب الجزائري.

جون ايف مواسيرون: اعتقد بأن النقاشات التاريخية بشكل عام وليس حصرا بين الجزائر وفرنسا تعني أنه عندما يكون التاريخ يوضع في خدمة السياسة فهذا سيعقد الأمور بشكل كبير واعتقد بان الجانب الأول يتمثل في أن هذا التاريخ يجب أن ندرسه بشكل محايد وأن نخرجه عن كافة المزايدات السياسية الحالية، هذا هو الشرط الأول الشرط الثاني هو أن هذا الأرشيف يجب أن يفتح، شخصيا اعتقد بأننا خمسين سنة بعد هذا الحدث بات اعتياديا ومن الطبيعي أن يفتح هذا تفتح هذه السجلات التاريخية ليتمكن المؤرخون من دراسة هذا الموضوع وفعلا قد بدأ هذا الأمر فهناك عمل تاريخي اجري في هذا الصدد، أضف لذلك أن السؤال الذي تطرحونه هو يتعلق أساسا بالتوبة وبالعفو، اعتقد أنه يجب أن نتجاوز مرحلة نطلب فيها العفو المتبادل بشأن الأحداث التاريخية التي كان يطبعها التوتر لنمضي باتجاه مرحلة ننقح فيها المسؤوليات والأحداث التاريخية ذلك أن الوقائع التاريخية معقدة للغاية والأخطاء هي سبب علاقات لها مسببات ونتائج وبالتالي اعتقد أن احتلال الجزائر من قبل فرنسا والجرائم التي ارتكبت هناك غير شرعية والمجازر كذلك لكن يجب أن نضعها في ظل سياقها التاريخي الخاص لكي لا نخطأ بشأن فهمها.

موقف النخبة الفرنسية من المجزرة

عبد الصمد ناصر: طيب سيد مواسيرون سيد مواسيرون عذرا للمقاطعة سيد مواسيرون يعني هذه وجهة نظرك أنت ولكن كيف يرى الفرنسيون سيد مواسيرون كيف يرى الفرنسيون وتحديدا الطبقة السياسية والنخبة المثقفة أحداث السابع عشر من أكتوبر في باريس كيف ينظرون إليها.

جون ايف مواسيرون: اعتقد أن هناك تغيرا في الأجيال في فرنسا وفي الجزائر، هناك من عاشوا بشكل مباشر هذه الأحداث ضمن تاريخ كان مؤلما بشكل كبير فهناك أيضا مليونين من الفرنسيين الذين عادوا إلى فرنسا بتلك الفترة وذلك بعد توقيع اتفاق السلام وبالتالي حن نتحدث عن أحداث طبعها عنف كبير وهناك جيل كبير من الطرفين شعروا بأنهم طردوا وأنهم خسروا كل شيء بالنسبة لهؤلاء الناس وهذه الطبقة السياسية التي عاشت هذه الأحداث تشعر بألم كبير أنا وجيلي الجيل الذي ولد بعد الحرب الجزائرية مع زملائنا الجزائريين لدينا موقف مختلف تماما من السابقين بالنسبة لنا نحن هذا أمر يخص التاريخ ولم يعد جزءا من التحليل الذي نقوم به للعلاقات التاريخية ولعلاقات الحاضر بين البلدين.

قانون تمجيد الاستعمار

عبد الصمد ناصر: طيب وضحت الفكرة سيد مواسيرون واضح واضح سيد خوليف دكتور زيدان خوليف إذا كان الأمر في فرنسا كذلك هناك أجيال مختلفة، هناك أجيال نظرت نظرة مختلفة بحكم أنها عاشت تلك الأحداث والأجيال اليوم لها نظرة يعني مختلفة عن نظرة من سبقوهم، هل الأمر كذلك في الجزائر هل المقاربة واحدة والنظرة واحدة والتصور واحد وأيضا التعامل مع هذه الأحداث واحد في الجزائر بالنظر إلى اختلاف الأجيال واختلاف أيضا التباينات السياسية؟

زيدان خوليف: أي نعم سأجيب على ضيفكم الكريم إذا كانت هذه المقاربة مقاربة طنطوبة أو اسميها مقاربة طوباوية فلماذا في 2005 أي نعم فلماذا في 2005 قام البرلمان الفرنسي بتمرير قانون ما يسمى بقانون تمجيد الاستعمار فإذا أردنا أن ننسى وإذا أردنا أن تلتئم الجروح وأن تصل وأن يصل الشعبان اللذان هما جاران تفصلهما 700 كم من الماء وهم جاران فلماذا تقوم الجمعية الوطنية بتمرير ما يسمى تمجيد الاستعمار فأي فرنسي يضع نفسه في نفس الموقف أمام ألمانيا، إذا قامت ألمانيا بنفس الفعل الشنيع في ألمانيا فماذا قولهم نحن نريد هذا ولكن السياسيين والذين أغلبهم أو كثير منهم من ولد أو ومن لم يعش الثورة الجزائرية والمصادمات بين الجزائري وفرنسا ولكنه مع ذلك سار في هذا الخط وقام بانتخاب وتمرير قانون تمجيد الاستعمار، نحن نريد لذلك الشعب الجزائري والجزائريين ومنهم الأبناء الذين هم ماتوا في 17 أكتوبر حتى أن لم تتعدى هؤلاء الناس يطالبون بالاعتذار ولكن فرنسا تربط الاعتذار بهذه المجزرة أو عن مجازر أخرى كـ 8 مايو وغيرها تربطها بما يسمى شيئا أو إهانة لها، لا الشعوب التي تكبر يكبر شأنها هو الكبير شأنه إذا أراد أن يصل إلى قلوب الناس أن ليس الاعتذار إهانة ولكن الاعتذار رفعا من الشأن ومسحا لما مضى.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور السؤال لك دكتور زيدان خوليف السؤال لك أيضا قلت من مات مات والضحايا مضوا إلى ربهم ولكن هل حقوق الشعوب تموت بالتقادم هل ستموت هذه القضية وحق الشعب الجزائري وحق من راح ضحية هذه الأحداث سيموت بالتقادم هل هناك إمكانية لإعادة فتح هذا الملف قانونيا؟

زيدان خوليف: إن الفرنسيين أي نعم إن الفرنسيين يعتزون بما تسمى عدم إسقاط جريمة الحرب وجريمة ضد الإنسانية والتي لا تسقط بالتقادم، وإذا مر أحد من فرنسا فإنه يرفع رأسه ورأينا ما وقع بين الهوتو والتوتسي في رواندا ومن يتابعون اليوم فوق الأراضي الفرنسية، وحتى من الجزائريين في التسعينيات من توبع أمام المحاكم الفرنسية، هذه الأشياء لا تسقط بالتقادم أمام المحاكم، ولكن قد يقبل شعب ما أو فئة ما أن تعفو وأن تصفح وذلك خير شيء تقوم به هذه الدول ولكن ليس من مبدأ التعالي أو تعالي الظالم على المظلوم ولكن اعتذاراً من الظالم إلى المظلوم ومع هذا أذكر..

تاريخ معقد ومركب

عبد الصمد ناصر: هذه نقطة في غاية الأهمية نعم نقطة في غاية الأهمية مسألة التعالي دكتور أريد أن أوزع الوقت بينكما هنا السؤال للسيد مواسيرون على ذكر التعالي تعالي الفرنسيين في تعاملهم مع هذه القضايا قضايا الاستعمار ومع الشعب الجزائري ومطالبه، يقول البعض بأنه يلاحظ نوع من الاستعلاء في تعامل فرنسا الحالي مع الجزائر بل أن البعض يعتبر أن فرنسا ما تزال تعتبر الجزائر تابعة لها وهم يستدلون على ذلك بمعاملة السلطة الفرنسية الحالية وتعاملها مؤخراً مع وزراء في الحكومة الجزائرية والتضييق الذي لاقوه في المطارات الفرنسية،السؤال للسيد مواسيرون؟

جون إيف مواسيرون: في البداية يجب أن أقول أن فرنسا ليست وحدة متجانسة متكاملة فهناك كثيراً من الناس عارضوا هذا القانون المتعلق بمزايا الاستعمار، هذا القانون أثار الكثير من المعارضة والاحتجاج ليس فقط في الرأي العام الفرنسي، وأنا شخصياً كنت شاهداً على ذلك ولكن الاحتجاج والمعارضة حتى على مستوى البرلمان، السياسة الفرنسية عليها أن تقرر بذلك من 2005 تحت رئاسة ساركوزي وحتى 2012 أي منذ مجيء الرئيس للسلطة، هناك معارضة قوية في فرنسا فيما يتعلق بموقف الدولة حيال الجزائر أو حتى حيال شمال إفريقيا بشكل عام، أما فيما يتعلق بالجزائر تحديداً أود أن أتحدث عن الفراق في الأجيال لأنني أرى شخصياً لدي زملاء باحثين اعمل معهم في الجزائر، العفو هذا سؤال لا نطرحه على الإطلاق خلال محادثاتنا، بالتأكيد نحن نتقاسم ونتشاطر قصةً وتاريخاً مشتركاً تاريخ غلبة وتاريخ دموي لا ننكر ذلك، لكن نحاول أن نبني علاقات بالاستناد إلى تحليل هادئ مبني على قراءة هادئة للتاريخ وعندما يتعلق الأمر بالعفو والتوبة فيجب أن نتحقق من كلماتنا، بالتأكيد هناك رموز مهمة في هذا المجال لكن ما يهم أكثر من ذلك هو أن يكون لدينا نقاش تاريخي حول هذه الأحداث مجدداً نحن نتحدث عن تاريخ معقد ومركب .

عبد الصمد ناصر: سيد مواسيرون يعني وضحت الفكرة هنا أسأل في الأخير دكتور زيدان خوليف في دقيقة واحدة هل بناء على ما قاله سيد مواسيرون هل واقع العلاقات الفرنسية الجزائرية حالياً ومحاولة كما قال هو بناء علاقات على أسس وتوازن هل هذا يشفع لكي يتناسى الجزائريون أو ينسوا هذا الماضي ويطووا هذه الصفحة وباختصار من فضلك؟

زيدان خوليف: والله سيتجاوز وسأقول بأن هناك معارضة كانت ضد قانون تمجيد الاستعمار في 2005 فما هو القانون الذي يعوض أعضاء الجيش الفرنسي الذين اشتغلوا في ركان في أول ما يسمى انفجار القنبلة الذرية الفرنسية في 1960 في حين أنه يتجاهل الجزائريين الموجودين في ركان ويعتبرها منطقة خالية وليس فيها سكان مع العلم أن ركان قريبة لهذه المنطقة كانت هذه المنطقة آهلة بالسكان، أما اليوم الفرنسيون الذين شاركوا في هذا الانفجار لديهم تعويضات أما الذين بقوا في الجزائر فلا كلام عنهم، الجزائريون يتذمرون من الميثاق بل يتذمرون مما يسمى الكيل بمكيالين والانتقائية في التعامل مع الضحايا والانتقائية مع البشر.

عبد الصمد ناصر: شكرا دكتور زيدان خوليف الباحث في العلاقات الدولية في جامعة باريس كما وأشكر من باريس أيضاً جون ايف مواسيرون رئيس تحرير مجلة مغرب مشرق الفرنسية ، بهذا تنتهي هذه الحلقة شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.