ما أسباب انخراط الشباب غير المؤطر سياسيا في الهبة الفلسطينية الحالية؟ وما الوسائل التي يستخدمها لمقاومة الاحتلال؟ تساؤلات طرحتها حلقة (13/10/2015) من برنامج "الواقع العربي" على ضيفيها الناشط الحقوقي والسياسي حازم أبو هلال، وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت الدكتور بدر الأعرج.

أبو هلال قال إن الشباب الذي يقوم بالهبة هو جزء وامتداد للثقافة الفلسطينية، وهو يتعرض كغيره من الشعب للقمع والاعتداءات من طرف الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف أن هؤلاء الشباب يأخذون اليوم زمام المبادرة في مقاومة الاحتلال، لأنه تم تغييبهم من الأطر السياسية بسبب الانقسام الفلسطيني الداخلي وغيره من العوامل، وأشار إلى أن هدفهم هو مقاومة الاحتلال الذي قال إنه يسعى إلى نفي الفلسطيني عن أرضه، وإعادة صياغة الهوية الفلسطينية في ظل محاولات تدجين الشباب.    

ومع تأكيده أن هناك من الشباب من ينتمي لأطر سياسية، قال أبو هلال إن كوادر شبابية لبعض الفصائل الفلسطينية قامت بمبادرات ذاتية لمقاومة الاحتلال في ظل غياب توجهات ملبية لمطالب هؤلاء الشباب.

وبشأن الوسائل الجديدة التي يعتمدها الشباب الفلسطيني في الهبة الحالية، أشار أبو هلال إلى وسائل التواصل الاجتماعي رغم أن الاحتلال يقوم بمراقبة واعتقال نشطائها، إضافة إلى الجامعة الفلسطينية التي قال إنها أخذت دورها.

ملامح الهبة الفلسطينية ضد الاحتلال (الجزيرة) video

خيارات
وفي تفسيره لانخراط الشباب في العمل المقاوم دون انخراطهم السياسي، أوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت، أن هناك عوامل ساعدت في ذلك، أبرزها ممارسات الاحتلال وعربدة المستوطنين، وشعور الشباب بأن الصراع مع هذا المحتل قد طال دون أن يكون حل، زد على ذلك أن هذه الفئة لديها الاستعداد للتضحية.

كما أن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ساهمت -يضيف المتحدث- في دفع الشباب للانخراط في الهبة، حيث يشعر بأن حياته معرضة للخطر وأنه لا مستقبل له، خاصة أن نسبة البطالة في أوساط الشباب الفلسطيني تقدر بـ25%.

وبشأن التأطير قال الأعرج إن الهبة لا تزال في بدايتها، وقد أثبتت تجربتا الانتفاضة الأولى والثانية وكذلك الربيع العربي أن الثورات تبدأ عفوية ثم تأتي عملية التأطير، ولكنه تساءل عما إذا كانت الفصائل والقوى الفلسطينية ستشارك في هذه الهبة، وهل ستتحول هذه الأخيرة إلى هبة انتفاضة ثالثة أو إلى انتفاضة استقلال.

واستبعد حدوث انتفاضة ثالثة بسبب الانقسام الفلسطيني الداخلي، وموقف السلطة وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، لكنه لم يستبعد أن يقوم الشباب بتجاوز الفصائل في أطر شعبية تنظيمية.

وبشأن خيارات السلطة في ظل الوضع الراهن، قال الأعرج إن الفرصة متاحة للرئيس محمود عباس كي ينهي مسيرته السياسية ويصبح غاندي القرن الـ21 من خلال مقاومة سلمية في الضفة الغربية وأخرى مسلحة في قطاع غزة.

يشار إلى أن المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال تصاعدت منذ بداية الشهر الجاري، ونفذ عدد من الشباب هجمات على إسرائيليين في القدس ومناطق أخرى.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: دور الشباب غير المؤطر في الهبة الفلسطينية

مقدم الحلقة: حسن جمّول

ضيفا الحلقة:

-   حازم أبو هلال/ناشط حقوقي وسياسي

-   بدر الأعرج/أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت

تاريخ الحلقة: 13/10/2015                         

المحاور:

-   واقع مغاير لجيل فلسطيني جديد

-   فصائل تجاوزتها طموحات الشباب

-   خيارات السلطة والفصائل

حسن جمّول: أهلاً بكم مشاهدينا الأعزاء في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على دور الشباب الفلسطيني غير المؤطر سياسياً في الهبة الحالية في الأراضي الفلسطينية.

هم شبابٌ فلسطيني أغلبهم مجردٌ من الانتماءات السياسية أو الفصائلية، هم فقط في مواجهة محتلٍ اغتصب أرضهم وضيق عليهم حياتهم وانتهك مقدساتهم، بل إن أغلبهم ممن ولد بعد إبرام اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين وما تبعها من تنسيقٍ أمني استوجب بالضرورة أن ينشأ هذا الشباب على فكرة وجود المحتل بعصاه الغليظة، واقعُ ما يحدث حالياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة يكشف أن هؤلاء الشباب والفتيات يحاولون فرض معادلةٍ جديدةٍ في مواجهة المحتل، نحاول تلمس أسباب انخراط هذا الشباب غير المؤطر سياسياً في الهبة الفلسطينية الحالية بعد تقرير فتحي إسماعيل.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: لكأن الزمن الفلسطيني الحديث يقتضي هبةً شعبيةً ضد الاحتلال كل نحو عقدٍ ونصف، حدث ذلك عام 1987 وكانت انتفاضة الحجارة ثم تكرر الأمر خريف 2000 وكانت انتفاضة الأقصى وها هي المواجهات تشتد مع الاحتلال الإسرائيلي على امتداد فلسطين نصرةً للأقصى ولعلها إرهاصات لانتفاضة ثالثة، على أن الهبة الجديدة فاجأت النخبة الفلسطينية وأرعبت الإسرائيليين الذين باتوا منذ بداية أكتوبر الحالي أمام ظاهرةٍ غير مسبوقة فمعظم أبطال الحراك شاباتٌ وشبانٌ يافعون لا انتماءاتٍ ولا نشاطاتٍ سياسية أو فصائليةً لهم في الأغلب هم من جيل ما بعد أوسلو والتنسيق الأمني وخرائط دايتون وانهيار التسوية أيضاً، إنهم فتيةٌ ككل البشر محتفون بالحياة شغوفون بها دون أن تشوش انتماءهم القوية لفلسطين، حتى الآن استشهد نحو عشرة أطفالٍ في القدس والضفة والقطاع وأصيب واعتقل عشراتٌ آخرون بينما يواصل أقرانهم مقارعة جنود الاحتلال بأيديهم وبالحجارة والسكاكين، هجماتٌ شبه يومية فرديةٌ غير منسقة طعناً ودهساً لإسرائيليين، هذا الشهيد فادي علوان الذي قضى برصاص الاحتلال يوم الثالث من أكتوبر بحجة أنه حاول طعن مستوطنين في القدس لم يكن فادي إلا شاباً يهوى الرياضة وركوب الدراجات النارية والسيارات عاشقاً للأناقة والموضة كما تُظهر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي لكن ذلك لم يمنعه من التضحية بحياته لأجل القدس فكان من أوائل الشهداء، وهذا مهند الحلبي الذي قتل وأصاب مستوطنين في البلدة القديمة بالقدس قبل أن يستشهد بوابلٍ من رصاص جنود الاحتلال هذا ألبوم صوره محملاً بملامح عن حياته واهتماماته حتى عشية استشهاده، أحمد الهرباوي ذو العشرين عاماً استشهد شرق غزة خلال مظاهراتٍ حاول خلالها طعن جنديٍّ إسرائيلي قبل استشهاده بساعات كتب على صفحته في الفيسبوك متمنياً سجدةً طويلةً في المسجد الأقصى وطعن إسرائيليٍّ حتى الموت، لا يختلف أحمد عن كثيرين آخرين كما لا يختلف الأمر بين شبانٍ وشابات كلهم من أجل القدس سواء فهذه الطفلة مرح بكري ذات الخمسة عشر ربيعاً من بلدة بيت حنين في القدس وهي تنزف دماً بعد أن أطلقت قوات الاحتلال النار عليها بشبهة محاولة طعن مستوطنين، انخراط النشء الفلسطيني في مواجهات الاحتلال بدا ملفتاً وتحول إلى ظاهرةٍ سمتها إسرائيل انتفاضة الأطفال حتى قبل أحداث الأقصى بنحو شهرين اعترف الاحتلال باعتقال مئات الأطفال والتحقيق معهم بقسوة منذ استشهاد الفتى محمد أبو خضير على أيدي مستوطنين اختطفوه، هبةٌ جديدة في ظروفٍ مغايرة بأيادٍ فتية لعلها هي الربيع العربي في نسخته الفلسطينية رغم حراب الاحتلال وومضة أملٍ بإمضاء أطفال فلسطين في واقعٍ عربيٍّ مثقلٍ بالمرارات والانكسارات.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: ينضم إلينا في حلقة اليوم من رام الله الناشط الحقوقي والسياسي حازم أبو هلال مرحباً بك سيد حازم، كما تابعنا اعتدنا على الشباب الفلسطيني المنتمي إلى الفصائل السياسية، اليوم نحن أمام مشهد مغاير من هم هؤلاء الشباب ما الذي يجمعهم مع بعضهم ما هي علاقتهم بالأطر السياسية الموجودة؟

واقع مغاير لجيل فلسطيني جديد

حازم أبو هلال: مساء الخير، أعتقد أن هؤلاء الشباب هم جزء وامتداد للثقافة الفلسطينية وهم من رحم المجتمع الفلسطيني هم غير منفصلين عن هذا المجتمع وهم يعانون مثل باقي أفراد الشعب الفلسطيني من أشكال القمع والاضطهاد والظلم والاحتلال والاستعمار والاعتداءات الشبه يومية من قبل جنود الاحتلال والمستوطنين، هم موجودون في كل مواقع الحياة الفلسطينية ويمكن لطبيعة المجتمع الفلسطيني كونه مجتمع فتي هم يأخذون اليوم زمام المبادرة فيما يتعلق بالواقع السياسي الفلسطيني ومقاومة الاحتلال، الفارق في هذه المرحلة باعتقادي هو خلال عشرين عام من غياب أو تغييب النشطاء في الأحزاب والأطر السياسية نتيجة لظروف سياسية مختلفة من بينها سياسات الانقسام وغيرها من السياسات التي جرت الفلسطينيين للوضع الحالي أعتقد أن هؤلاء هم جزء من النظام الاجتماعي الفلسطيني لا يمكن فصلهم عن المجتمع الفلسطيني وثقافة المقاومة التي غرست لديهم.

حسن جمّول: سيد حازم مع غياب هذا الإطار التنظيمي والسياسي الذي أشرت إليه سؤال يطرح: كيف اجتمعوا على هدفٍ واحد وفي مرحلةٍ سياسيةٍ واحدة بحيث كانت هذه الهبة الشعبية؟

حازم أبو هلال: في البداية لا يمكن القول أن كل هؤلاء الشباب هم غير مؤطرين جزء منهم هم ينتمي لأطر وأحزاب سياسية والجزء الأكبر لا ينتمي لهذه الأطر والأحزاب السياسية الفلسطينية المختلفة، اجتمعوا على هدف واحد هو ثقافة مقاومة الاحتلال ونظاماته العنصرية وبالأساس كل هذه الهبة قائمة على محاولة الاحتلال نفي الفلسطيني وقتله بغض النظر عن مكان تواجده، فما يحدث في القدس هو صراع بقاء وصراع وجود بمعنى أن هؤلاء الشباب اليوم يدافعون على بقائهم في هذه الأرض ودفاعهم عن هويتهم الوطنية وهي جزء واستمرار للمراحل السابقة من المقاومة ومن خلال الأطر المختلفة.

حسن جمّول: هذا يؤكد بأنه حركة الشباب ليس بالضرورة أن تكون في إطار سياسي معين أو ضمن فصيل سياسي معين أشرت إلى أن الأغلبية منهم لا ينتمون إلى أي فصيل لماذا ربما هل أصبحت هذه الفصائل غير ملبية لطموحات هذا الجيل من الشباب؟

فصائل تجاوزتها طموحات الشباب

حازم أبو هلال: يعني يمكن الحديث عن مجموعة من لأمور لا يمكن أيضاً وضع كل الفصائل بكل المقام ولا يمكن الحديث عن كل الفصائل كأنها فصيل واحد هناك توجهات وأيديولوجيات مختلفة في هذه الفصائل هناك غياب نوعاً ما غياب ما بين القيادات والأطر العليا لهذه الفصائل عن القواعد الشعبية من كوادرها فجزء أيضاً ممن قاوموا ونفذوا هم من الكوادر الشبابية الموجودة لهذه الفصائل والتي انفصلت والتي قامت مبادرات ذاتية نتيجة لغياب وجود توجهات سياسية ملبية لطموحاتهم على الأقل بحمايتهم من منظومة القمع والاضطهاد والظلم الذي يتعرض له هؤلاء الشباب، اليوم هم رأوا واجتمعوا على هدف واحد هدف إن فلسطين هي الوجهة هي البوصلة وما يميز هذا الحراك أيضاً هو هذا التجمع الفلسطيني إعادة صياغة الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة من خلال هؤلاء الشباب، نحن نرى فلسطينيين من الأرضي المحتلة عام 48 من الشباب الفلسطيني الموجودين هناك محاولة فصل وتدجين الشباب خلال الأعوام الماضية فصلهم عن واقعهم بأمور سواء كان ذلك من خلال منظمات دولية أو محلية أو كان ذلك من خلال فصائل وأحزاب سياسية التي حاولت توجيه الشباب لأمور مختلفة، ولكن اليوم الشباب يعودون لصياغة الهوية الفلسطينية الجامعة وما شاهدناه اليوم على سبيل المثال في..

حسن جمّول: الهوية واضحة سيد حازم الهوية واضحة الفكرة واحدة والهدف لدى هؤلاء الشباب واحد هذا الشباب غير المنتمي وغير  المؤطر، السؤال الوسائل الجديدة التي اعتمدها الشباب هل يمكن هنا القول بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد حلت محل الاجتماعات التنظيمية ومحل البلاغات السياسية بحيث هي باتت ساحة النقاش وساحة أيضاً التحضير للعمل أو للهبة الشعبية؟

حازم أبو هلال: يعني يمكن القول بأن الحاجة أم الاختراع واليوم بكل عصر وبكل زمان هناك الوسائل التي يمكن استخدامها في مرحلة من المراحل كانت الأطر والتنظيمات التي تقوم بالتثقيف والتوعية والعمل بشكل جماعي اليوم نشاهد أن هذه الحركات هي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وغيرها من الوسائل ليس فقط وسائل التواصل الاجتماعي كما تشاهد أيضاً حتى في الأماكن العامة الموجودة والتي تعتبر تاريخياً هي بوصلة النضال مثل الجامعات الفلسطينية هذه واحدة من أهم الوسائل اليوم التي عادت للظهور وأخذ دورها، بالتأكيد كل ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي هي أحد الوسائل التي نستخدمها بالرغم من خطورتها وبالرغم من قيام الاحتلال الإسرائيلي بمراقبتها بشكل كبير وحتى محاسبة من بين قوسين ما يسمى بتحريض هؤلاء الشباب واعتقال عدد منهم خلال الأعوام الماضية نتيجة للكتابة أو التعبير والدعوة لتحركات، ولكن هذه الوسائل بقيت وتطورت وباعتقادي الشخصي أن هذه الوسائل سيتم استخدامها بالطريقة الفضلى سواء كان على الصعيد المحلي من خلال تجميع الفلسطينيين أو الشباب الفلسطيني أو من خلال إيصال رسالة الفلسطينيين للعالم من خلال هؤلاء الشباب سواء كانوا في الميدان أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

حسن جمّول: أشكرك جزيلاً حازم أبو هلال الناشط الحقوقي والسياسي ومشاهدينا نتابع بعضاً من تغريدات الشباب المشاركين في هذه الهبة الفلسطينية نتعرف فيها على أفكارهم ووجهات نظرهم.

[تغريدات الشباب الفلسطيني]

*خرج من بيته سعيداً بعد أن شاهد فيديو الطفل بالأمس، وردد في نفسه: كان من الضروري ذلك. استقل باص العمل ليطعن هناك بأريحية كان من الضروري.

*دم بدم ونار بنار.. لازم ترحل يا استعمار.

*بالأمس كانت الفصائل تفجر العمليات والثأر والشعب يبارك.. اليوم أصبح الشعب هو من يثأر غاضباً فتبارك الفصائل غضبته وتحاول إلصاق الإنجاز بها.

*صبايا مثل الورد بتنزل وسط المعارك وتتحدى بطش الجنود بالكبسية بتشارك صبية وحجة وختيار، للشباب يجيبوا حجار وكل ما زاد إطلاق النار ارتفعت المعنوية.

*قادم بالعز كبّر.. قادم جبل المُكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر..

*يا جرح تفتح يا جرح

يا أهلي هاتوا الملح

حتى يبقى حيّ هذا الجرح

لن اغفرها لك.. لن اغفرها لك

تلعني أمي إن كنت غفرت

وتلفظني القدس إن كنت نسيت

حسن جمّول: ينضم إلينا من رام الله أيضاً الدكتور بدر الأعرج أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت، سيد بدر مرحباً بك كمتخصص في علم الاجتماع السياسي كيف تفسر هذا الانخراط الشبابي في العمل المقاوم من دون أن يسبقه انخراط سياسي في إطارٍ معين؟

بدر الأعرج: أولاً أود التأكيد على كلمة وردت في سؤالكم وهي مفاجئ صحيح أن مشاركة الشباب الفلسطيني في الهبة الجماهيرية الباسلة الحالية كان مفاجئ للأعداء أولاً وثانياً لأصوات كثيرة كانت تشكك في انتماء الجيل الشاب وفي قدرته على التصدي للاحتلال وخصوصاً مثلما ذكرتم في التقرير أن أغلبية الشباب الذين يشاركون في الهبة الجماهيرية الحالية هم من مواليد بعد عام 1993 أي ما يسمى بجيل أوسلو، أيضاً يمكن النظر إلى مشاركة الشباب بالهبة الجماهيرية الحالية من زاويتين: الزاوية الأولى سياسية وهي الزاوية الأهم وهي الزاوية الأساسية مثلما ذكر زميلي حازم بأن ممارسات الاحتلال وعربدات المستوطنين وكذلك الإحساس بأن الاحتلال قد طال حيث سيحيي الشعب الفلسطيني خلال سنتين الذكرى الخمسين للاحتلال وخلال سنتين أيضاً في 2017 سنحيي الذكرى المأساوية ذكرى وعد بلفور مائة عام من الصراع دون أمل دون حل، هذا يعني بالإطار العام يضاف لذلك طبعاً بعض العوامل الاجتماعية والعمرية حيث أن جيل الشباب يميل ولديه استعداد أعلى للتضحية لأسباب كثيرة معروفة إضافة أيضاً لبعض العوامل النفسية لكن السبب الرئيسي والعامل الأساسي هو ممارسات الاحتلال وعربدة المستوطنين التي تستهدف الشباب بشكل أساسي.

حسن جمّول: طيب دكتور بدر ربما شاهدت أيضاً التقرير الشباب في العشرينات من العمر الشباب كما هو واضح مقبل على الحياة ولا يعاني من اكتئاب هو لا يعاني من أزمات نفسية من الواضح كما نشاهد في الصور يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون حياتهم بشكل طبيعي جداً، كما هو واضح من خلال الصور ما الذي يجعلهم مستعدين للتضحية بكل هذه الحياة التي يعيشونها لهدفٍ معين؟

بدر الأعرج: الذي يجعل حياة الشباب الفلسطيني رخيصةً هو بالأساس الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته فالشباب الفلسطيني دائماً معرض لخطر الموت إضافة إلى مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الاحتلال، وهذا بالتالي يشعر الشباب الفلسطيني بأنه يحيى حياة مختلفة عن باقي الشباب في العالم وحتى لو تحدثنا أيضاً عن بعض المؤشرات الاقتصادية مثلاً نسبة البطالة لدى الشباب في فلسطين 25% وطبعاً هذا بشكل أو بآخر نتيجة أو يتأثر بشكل كبير جداً بالاحتلال فبالتالي يشعر هذا الشباب أن لا مستقبل له في ظل الاحتلال.

حسن جمّول: طيب إذا تحدثنا هنا أيضاً عن فئة الفتيات أيضاً كان واضح بأنه هذا عامل جديد ربما خصوصاً الفتيات الصغار في السن اللواتي أيضاً يبذلن حياتهن رخيصةً في سبيل الوطن أيضاً هذه ظاهرة تحتاج إلى تحليل ما.

بدر الأعرج: مشاركة المرأة الفلسطينية والفتيات في النضال الفلسطيني قديمة جداً وابتدأت منذ أحداث البراق عام 1929 واستمرت في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وكان من الطبيعي أن تستمر في الهبة الجماهيرية الحالية لأنه وقبل كل شيء ما ذكرناه حول الشباب ينطبق على الفتيات ينطبق على الشابات وحتى لو نظرنا إلى طبيعة الاستهداف وطبيعة الإجراءات الفلسطينية نجد أن الفتيات أيضاً يدفعن ثمنا باهظا جداً أنظر فقط إلى الضحايا في الأيام الأخيرة السيدة التي استشهدت في غزة هي وطفلتها، الفتيات اللواتي تعرضن لإطلاق النار ويتعرضن لإطلاق النار الفتاة التي تعرضت إلى إطلاق النار قبل الهبة الجماهيرية في مدينة الخليل، وبالتالي تشعر المرأة الفلسطينية بأنها مهددة مثل نظرائها من الرجال وأيضاً المرأة الفلسطينية تشعر بغيرة قوية جداً فيما يتعلق بالمسجد الأقصى وفيما يتعلق بمدينة القدس وفيما يتعلق بعربدات المستوطنين..

حسن جمّول: طيب إذا كان كل هذا يعني هذه هي الصورة العامة وما يعتمل في صدور الشباب والفتيات الفلسطينيين، سؤال يطرح هنا لماذا لم يلجأ هذا الشباب إلى تأطير نفسه سياسياً بحيث تكون الفصائل السياسية هي المعبر عنه في السياسية وفي المقاومة أيضاً؟

بدر الأعرج: إذا نظرنا لتجربتي الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وحتى تجربة الانتفاضات العربية نجد أنها جميعها بدأت بحركات عفوية ثم تعرضت لنوع من عمليات التأطير، والهبة الجماهيرية الحالية ما زالت في أسبوعها الثاني أو الثالث ومن الطبيعي أن تبدأ بشكل عفوي وبشكل تلقائي وكما ذكر زميلي فإن من يشاركون بالانتفاضة صحيح أن أغلبيتهم من الشباب غير المؤطر لكن يوجد هناك من الشباب المؤطر، السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن برأيي هو ماذا سيحصل في الأسابيع والأيام القليلة القادمة من حيث مدى مساهمة ومشاركة الفصائل الأساسية وفصائل القوى السياسية المختلفة في هذه الهبة الجماهيرية وهي التي قد تدفع الشباب إلى تجاوز السقف أو عدم تجاوزه وهذا يعتمد على التطورات وموقف الفصائل بما في ذلك..

حسن جمّول: طيب ماذا يعني لك هنا دكتور بدر ماذا يعني لك هنا أنه الشهيد مثلاً بهاء عليان نشر عبر صفحته على  الفيسبوك الوصايا العشر لأي شهيد كما أسماها يقول أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي فموتي كان للوطن وليس لكم، عن ماذا يعبر هذا الكلام؟

بدر الأعرج: هذا يعبر عن ظاهرة معروفة لدى الباحثين والمختصين في المجتمع الفلسطيني منذ فترة طويلة نسبياً بأن هناك نوع من العزوف والابتعاد من قبل الشباب الفلسطيني عن الفصائل الفلسطينية في إحدى استطلاعات الرأي 70% من الشباب الفلسطيني اعتبروا أنفسهم مستقلين لا ينتمون لإطار محدد وهذا الجيل لأنه أكثر استقلالية فهو يعني انتمائه لا يأخذ طابع حزبي أو فصائلي ومن هنا التأكيد جاء على هذه النقطة بأنه نضال موجه ضد الاحتلال وليس لرفع سهم فصيل أو حزب سياسي معين.

حسن جمّول: هل يمكن لهبة من هذا النوع يمكن وصفها هنا بأنها عفوية أن تأخذ مداها حتى النهاية ويمكن أن تثمر إذا لم يتم تأطيرها سياسياً، برأيك؟

بدر الأعرج: هذا سؤال مهم جداً يعني وهو سؤال يعني ممكن نصيغه بطريقة أخرى هل ستتحول الهبة الجماهيرية الحالية إلى انتفاضة ثالثة أو هل ستتحول إلى انتفاضة الاستقلال الوطني والخلاص الوطني، هناك عاملين دعني أقول معيقين أما تحول الهبة إلى انتفاضة العامل الأول هو الانقسام الفلسطيني والعامل الثاني هو موقف السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح الرسمية، فمن الصعب اندلاع انتفاضة ثالثة بدون مشاركة قوية من حركة فتح ومن الصعب اندلاع انتفاضة ثالثة بدون تحقيق الوحدة الوطنية وهذا ما تأكده تجربتي الانتفاضة الأولى والثانية، ولكن إذا لم تتحقق الوحدة الوطنية وإذا لم تكن الفصائل الفلسطينية بمستوى المسؤولية فلا أستبعد أن يقوم الشباب الفلسطيني بتجاوز هذه الفصائل وثم قد تلجأ الجماهير الفلسطينية والشباب الفلسطيني إلى خلق أطر تنظيمية بديلة شعبية بالاستفادة من تجربة الانتفاضة الأولى بحيث تشكل هذه الأطر الشعبية التنظيمية هيئات قيادية للانتفاضة الفلسطينية في القرى والمخيمات والمدن.

خيارات السلطة والفصائل

حسن جمّول: أية خيارات هنا ستكون أمام السلطة والفصائل الفلسطينية؟

بدر الأعرج: أعتقد بأن الهبة الجماهيرية الحالية أمامها ثلاثة خيارات: الخيار الأول أو تبقى عبارة عن هبة جماهيرية عابرة شعبية وهذا لا يقلل من بطولتها وأهميتها وحتى لو اقتصرت الأحداث على وجود هبة جماهيرية فهذه رسالة قوية إلى المحتل بأن التصعيد الفلسطيني قادم، الخيار الثاني هو تحول هذه الهبة إلى انتفاضة ثالثة ليست انتفاضة نهائية ثالثة بحيث يتولها ممكن انتفاضة رابعة وإلى آخره في المستقبل أما الخيار الثالث فهو تحولها إلى انتفاضة الاستقلال الوطني والخلاص الوطني هذه المسألة تعتمد..

حسن جمّول: لكن السؤال الذي طرحته خيارات السلطة في المقابل بمعنى أنه أمام هذا الواقع أية خيارات يمكن أن تتخذها السلطة الفلسطينية كي تواكب هذا الواقع الجديد؟

بدر الأعرج: برأيي الشخصي وليس بالضرورة هذا أفضل خيار ولكن إذا أردنا فعلاً مقاومة فعالة وموحدة يجب أن نبحث عن القاسم المشترك، القاسم المشترك الذي يمكن إيجاده الآن بين الفصائل الفلسطينية المختلفة وبين السلطة الوطنية الفلسطينية هو مقاومة سلمية في الضفة الغربية ومقاومة مسلحة في قطاع غزة يكون طابعها دفاعي وأنا أعتقد أن هذه فرصة تشكل فرصة ذهبية للرئيس أبو مازن بالانخراط في انتفاضة أو بمقاومة سلمية تشارك فيها السلطة الوطنية الفلسطينية، ومناسبة يعني قد تشكل مناسبة حتى إنهاء مسيرته السياسية بشكلٍ مشرف وأمامه فرصة أن يصبح غاندي القرن ال21 أتحدث عن انتفاضة أو مقاومة سلمية على اعتبار أنها تشكل الحد الأدنى النضالي الذي يمكن أن تتفق عليه كافة الفصائل الفلسطينية وهنا أتحدث عن مقاومة سلمية مليونية يمكن أن يشارك فيها أو يشارك بها أكثر من نصف مليون تلميذ بالمدارس إضافة إلى عشرات الآلاف بالجامعات إضافة إلى مظاهرات مليونيه في قطاع غزة وبحيث يعني يمكن تطوير وتحويل هذه المسألة إلى انتفاضة خلاص وطني، وقد ينسجم هذا الآن الخيار مع التطورات الإقليمية والوضع الإقليمي الموجود فربما العالم لن يتأثر..

حسن جمّول: أشكرك شكراً لك دكتور بدر الأعرج أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت من رام الله، ونشكركم مشاهدينا على المتابعة حلقتنا من برنامج الواقع العربي انتهت نلتقي بإذن الله في حلقةٍ جديدة، إلى اللقاء.