لم تكن الطائفية أو المذهبية أحد الأسباب أو العناوين التي كانت سبباً في الخلافات بين اليمنيين، رغم تعدد الأسباب والعناوين التي اختلف على أساسها اليمنيون.

بيد أن المراقب للتطورات السياسية والعسكرية والأمنية الأخيرة في اليمن لا يمكن أن يخطئ محاولات منح الصراع السياسي صبغة طائفية، يعزز من فرصها الغياب المفاجئ لأجهزة الدولة، والتراجع الخطير في فرص العمل السياسي السلمي، في ظل هيمنة السلاح على المشهد العام في اليمن.

تعدد مذاهب
الباحث في التاريخ اليمني محمد محسن صلاح قال لحلقة الجمعة (9/1/2015) من برنامج "الواقع العربي" إن اليمن يعد من أكثر الأقطار التي دخلتها المذاهب الدينية المختلفة، وأرجع ذلك لأسباب سياسية تاريخية مختلفة مرت بها البلاد.

وأضاف أن قبيلة همدان حاولت أن تعبر عن خصوصيتها باتخاذ المذهب الزيدي عنوانا في مناطق شمال اليمن، وسعى أبناء تلك المناطق لاعتناق المذهب على أمل أن يخفف ذلك من حدة الصراعات الدامية بينهم.

وأكد أن الزيدية تمكنت من حكم اليمن بعد الفترة العثمانية الأولى، وكانت موجودة في مناطق صغيرة بصعدة في حوالي القرن الـ14.

ولفهم العلاقة بين الزيدية والحوثيين، أوضح صلاح أن الحوثية خرجت من رحم المذهب الزيدي، وأن الحوثيين يحاولون أن يتقمصوا الدور الذي يقوم به حزب الله في لبنان.

نظرية كهنوتية
ومن ناحيته، رأى الكاتب والباحث السياسي نبيل البكيري أن الحوثيين لديهم مشروع واحد في إطار الأجندات التي يعملون عليها منذ ظهورهم، ويتمثل في تمرير مشروعهم الذي يهدف إلى إدارة سياسة فرض الأمر الواقع التي يتبعونها الآن.

ونفى الباحث السياسي أن يكون هناك صراع بالبلاد، ولكنه أشار إلى ما أسماه "صراعا مذهبيا وطائفيا محدودا" يدور في إطار النخبة الحاكمة، وقال إن المذهب الزيدي هو نظرية "كهنوتية" واضحة للحكم باستخدام سياسة الولاية "للبطنين" (ذرية الإمامين الحسن والحسين رضي الله عنهما).

وأوضح البكيري أن المجتمع اليمني يتميز بتنوع كبير ينعكس على التعايش الذي حدث بين كل المذاهب التي دخلت البلاد، ولكنه حذّر من إمكانية تحول هذا التعايش إلى كارثة في حال تحولت الجماعات المذهبية إلى تنظيمات سياسية.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الطائفية في اليمن.. عوامل التنافر والتجاذب

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيفا الحلقة:

- محمد محسن صلاح / باحث في التاريخ اليمني

- نبيل البكيري/ كاتب وباحث سياسي

تاريخ الحلقة: 9/ 1/ 2015

المحاور:

-   عوامل انتشار الزيدية في الشمال

-   تعدد المرجعيات  عند الزيديين

-   صراع سياسي مذهبي وطائفي

-   متناقضات المجتمع اليمني

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذهِ الحلقة من الواقع العربيّ والتي نُسلط خلالها الضوء على واقع التركيبة الطائفية في اليمن ومُحاولاتِ توظيفها سياسياً في الآونة الأخيرة.

على تعُددِ الأسباب والعناوين التي اختلف على أساسها اليمنيون لم تكُن الطائفية أو المذهبية أحدَ تلك الأسباب أو العناوين التي كانت سبباً في تلكَ الخلافات، بيدَ أن المُراقب للتطورات السياسية والعسكرية والأمنية الأخيرة في اليمن لا يُمكنُ أن يُخطأَ مُحاولات منحِ الصراع السياسيّ صِبغةً طائفيةً مذهبيةً يُعززُ من فُرصها الغيابُ المفاجئ لأجهزة ِالدولة، والتراجعُ الخطير في فُرصِ العمل السياسيّ السلميّ في ظل هيمنة السلاح على المشهدِ العام في اليمن، ونشاط ِالدور الخارجيّ الساعي لافتعال بُعد ٍطائفيٍّ للصراع.

]تقرير مُسجل[

أحمد الشلفي: غابت الدولةُ فحظرت جميع العناوين الملغومة بالطائفيةِ المذهبيةِ والمناطقيةِ، هذا هو حالُ اليمن الآن وإن حاولَ البعضُ تناسيَ أو تجاهلَ المشهد الذي يُحاول فرض نفسه ِاليوم، فالوقائعُ تقولُ إن غياب الدولة اليمنية وهشاشة مؤسساتها العسكرية الأمنية وتسلُطَ جماعة الحوثي ومليشياتهِ المُسلحة وسيطرتها على العاصمة وتغوّلها في محافظاتٍ أُخرى عواملُ مُنتجةٌ لصراعٍ قادم إن لم تتم مواجهتهُ عنوانهُ الرئيسيّ غيابُ الهوية الوطنية وتسيُّدُ منطقِ العُنف، لكن؛ هل كان اليمنُ في يومٍ ما عنواناً لصراعٍ مذهبيٍّ وطائفيّ؟ يقولُ التاريخُ إن اليمن لم يشهد صراعاً مذهبياً من قبل وكانت الصراعاتُ المذهبيةُ تتمُ على الدوام تحتَ لافتةٍ سياسيةٍ أكثر منها مذهبية، فمُنذُ القرنِ الثالث الهجريّ سيطر على اليمن بخارطته ِالجُغرافية والسياسية مذهبان رئيسيان هُما المذهبُ الشافعيّ والمذهبُ الزيديُّ الهدَويّ نسبة للإمام الهادي بن يحيى بن الحسين الذي عُقدت لهُ الإمامة باليمن مع وجود الطائفة الإسماعيلية، لكن المذهبين الرئيسين أثبتا أنهما قادران على التعايُش، وفي الخمسينياتِ من القرن الماضي شهدت المناطق الشافعية نشوء حركات ٍسياسيةٍ قوميةٍ ويساريةٍ وإسلامية بينها حركةُ الإخوان المُسلمين السُنيةُ الفكرِ والتكوين التي لم تُقدِم نفسها بصفتها حركةً مذهبية، الأمرُ الذي مكّنها من النموِ والانتشار في المناطق الشافعية السُنية والمناطق الزيديّة الهدويّة أيضاً، ما عدّهُ البعض اختراقاً سُنيّاً للجُغرافية الثقافية الزيدية الهدوية، تاريخياً ظلت الزيديةُ الهدويةُ تحكُمُ اليمن ما يُقاربُ ال 1000 عام من دون أن يشعُر سُنةُ اليمن وهُم نحو ثلاثةِ أرباع سُكان البلاد بأن هذا الأمر يُمثلُ تُسلط أقليةٍ طائفيةٍ أو مناطقيةٍ عليهم، واقع ٌربما ساعد عليه التقاربُ الفقهيّ بين المذهبين الزيدي ّوالشافعيّ الذي كان الإمام محمد بن علي الشوكاني أبرز مؤسسيه، وبعد قيام ثورةِ 26 من سبتمبر عام 1962 التي أطاحت بحُكمِ الأئمة حاولت الحركة الوطنيةُ السياسيةُ بمُختلف ألوانها الفكرية تجاوز المذهبية من خلال إعداد مناهج تعليميّة مزجت الاجتهادات الفقيهة في كِلا المذهبين الشافعيّ والزيديّ لتُكرّسَ ثقافة الوحدة والتعايشِ والتكاملِ والانسجام في الوطنِ الواحد، وشهِد عهدُ الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح استخداماً سياسياً للورقةِ المذهبيةِ في صعدة بتحجيمِ وتصفية ِخصومهِ وأفرزت جماعة الشباب المؤمن التي انطلقت من ضحيان بصعدة شمالِ البلاد باعتبارها جماعة ًشبابيةً زيدية ذات طابعٍ ثقافيٍّ وفكريّ وقدمت نفسها كحركة ٍإحيائيةٍ للمذهبِ الزيديّ الهدويّ، وحاول صالح توظيفها لمواجهةِ حزب التجمُع اليمينّ للإصلاح ومعهدِ دمّاج الذي كان يُدّرسُ العلومَ الشرعيةَ السُنيّة، رغم ذلك ظل طابعُ الصراع أقربَ إلى السياسيّ قبل أن تختلط الأوراق بعد حروب صالح على الحوثيين وتُمكنَّهم من الحصولِ على سلاحٍ وعتادٍ وتنظيمِ أنفسهم وحصولهُم على الدعمِ السياسيّ والماليّ من إيران، عبّر الحوثيون عن أنفُسهم بما يُشيرُ إلى بروزِ بُعدٍ مذهبيٍّ في الصراع بدءاً من إعلانهم عن الوثيقة الفكرية عام 2012 التي أعادت تعريفَ المسألة السياسية وفقاً للنظريةِ العقائديةِ للمذهبِ الزيديّ الهدويّ القائلةِ بوجوبِ الإمامة وحصرها في البطنين أي ذُرية الحسن والحُسين أو من يُطلقُ عليهم الهاشميين في اليمن، مروراً باستهدافهم للكيانات السُنيّة وشخصياتها كحزب الإصلاح المُتفرعِ عن الإخوان المُسلمين، وكذلك استهدافهم المساجدِ والمدارس الدينية التابعةَ لهم ومُحاولتهم السيطرةَ على منابرِ المساجد وفرضَ شعاراتهم ومُناسباتهم الدينية داخل مناطق عُرفت بأنها عُمقُ المذهب الشافعيّ كتعز وإب والحُديدة أو مناطق جنوب اليمن التي تنتمي للمذهب الشافعيّ كُليّاً، ولم يكُن حاضراً يوماً ما في اليمن هذا الشكل المُعبِّرُ عن البُعدِ العقائديّ للصراعِ السياسيّ لكن الحوثيين باستيلائهم على مناطقَ صنعاء وصعدة وذمار وعمران ذات العُمق الزيديّ الهدويّ أرادوا تغيير التركيبة الديمغرافية واستغلالَ الكُتل السُكانية في صراعهم وتوسُعِهم، وأخيراً بدت مُحاولتهم السيطرة على تعز ذاتِ العُمق الشافعي  جُزءاً من هذا الهاجس لاختبار قُدرتهم على ذلك، وعموماً لا يُمكنُ عكس الرغبة الحوثيةِ بتغييرِ التركيبةِ العامةِ السياسيةِ والديمغرافية على أساسٍ طائفيٍّ ومذهبيّ واستغلالِ ذلك الصراع، فالحوثي ّ ليس كُل الزيدية واليمنُ كان دائماً بلد التناقُضات المُتصالحة إن جاز التعبير، غيرَ أن موجاتِ العُنف الأخيرة فتحت مجالاً للحديثِ عن بروزِ الطائفية بعد أن بدا أن تنظيمَ القاعدة يُريد أيضاً استغلال المشهد للقول أنه ُ النقيضُ المذهبيُّ المُقابل للشرور الحوثيّة كما يقول.

]نهاية التقرير[

عبد القادر عيّاض: ينضمُ إلينا من صنعاء الأستاذ محمد مُحسن صلاح الباحث في التاريخ اليمني، أهلاً بك أستاذ محمد، أستاذ محمد كيف استطاع اليمن على مدى كُل هذهِ القرون أن يُحافظ جُغرافياً على هذهِ الثُنائية، الزيديّة في مَناطق شمال الشمال والشافعيّة في بقية المناطق في اليمن دون أن تمتد الشافعيّة إلى مناطق شمال الشمال أو تمُدد الزيدية إلى بقية المناطق في عموم البلاد؟

محمد محسن صلاح: أولاً أشكُر مُعِد التقرير فقد كان التقرير حقيقة مُستوفياً وقارئاً للوضع التاريخي للمذاهب في اليمن..

عبد القادر عيّاض: جيد.

محمد محسن صلاح: بالنسبة للمذاهب في اليمن، اليمن تُعد من أكثر الأقطار التي دخلتها المذاهب والمِلل الدينية بمُختلف تكويناتها، وكان دخولها في البداية هو في الأصل هو أساس سياسي، الهدف منهُ سياسي فاليمن مثلاً بعد دخول الإسلام بدأت تثور أو تضُج ضد الدولة الإسلامية أو الولاة وجابيي الضرائب داخل اليمن، فكُلُ مرة كان يخرج اليمنيون ضد الأمراء والولاة كان يُرمى اليمنيون بتُهمة الزندقة والمروق إلى غيرها من التُهم الجائرة، حاول اليمنيون أن يجدوا سَنداً شرعياً لهُم يُجيز ويُبرر خروجهم، فوصلت أولاً الخوارج والأباضية وصلت إلى اليمن واستطاعت أن تُسيطر على صنعاء وحضرموت وكانت موجودةً في شمال الشمال وأعالي الشمال، ولم ينتهِ أو يذهب أو يزول مذهب الخوارج من اليمن إلّا مع حوالي مُنتصف القرن الخامس هجري أو بعدهُ هذا الأمر، الأمر الأهم هو أنهُ اليمن الأساس فيهِ هي الاختلافات المناطقية والصراع الدائر على السُلطة وعلى الموارد، مُشكلة شمال الشمال في اليمن أن مواردها قليلة لا تستطيع ولا تفي ولا  تُمكِّن أي سُلطة ناهضة هُنالك أن تعول الدولة أو تعول الحُكم فاضطرت تلك المناطق أو خصوصاً قبيلة همدان نفسها، قبيلة همدان حاولت أن تجذُب أو تُعِّبر عن خصوصيتها أولاً داخل الخصوصية اليمنية من خلال المذهب الزيديّ بأخذهِ كلافتة أو كذلك الإسماعيلية..

عوامل انتشار الزيدية في الشمال

عبد القادر عيّاض: طيب ما ذكرتهُ أستاذ مُحمد، نعم ما ذكرتهُ ملمح مُهم في فهم العقلية التي أسست لهذهِ الحالة المعروف بها اليمن الآن، ولكن فيما يتعلق بسؤالي لماذا بقيت الزيديّة مُنتشرة في مناطق شمال الشمال ولم تتمدد إلى بقية المناطق، والعكس لماذا بقيَ المذهب الشافعي طبعاً كثُنائية الأبرز في اليمن، هُناك الإسماعيلية وهُناك أيضاً الأباضية وهُناك أيضاً  اليهود، ولكن ما يتعلق بالثُنائية الشافعية والزيدية لماذا انحصرت في هذهِ الأماكن بهذهِ الصورة، ما هي العوامل برأيك؟

محمد محسن صلاح: العوامل أن المنطقة شحيحة بالموارد في أعالي الشمال بحثت عن صيغة مرنة، والحقيقة أنهُ المذهب الزيدي هو مذهب مُنفتح من الناحية الفكرية وليس السياسية، الناحية الفكرية المذهب الزيدي مذهب مُنفتح وحاولت المناطق هُنالك وأبناء المناطق هُنالك أن يتبنوا قيم تُعبر عن حُرية الإنسان ومسؤوليتهِ وتحريك الحقائق وعدم جمودها من ناحية اتخاذ مبدأ الاجتهاد، في تلكَ المناطق مُمكن أن تُصبح الصراعات صراعات دامية خصوصاً على الموارد، هُنا حاولت هذهِ المناطق أن تستوعب أو أن تتمذهب بالمذهب الزيدي من أجل أن تُخفف أولاً من الصراعات الداخلية فيما بينها بحيث أنهُ المذهب الزيدي يتكلم عن حُرية الإنسان وعن مسؤوليتهِ عن أفعاله، ولا يؤمن بالقضاء والقدر وإنما الإنسان هو من يصنع أفعالهِ وهو المسؤول عنها...

عبد القادر عيّاض: هل هذا الانفتاح سيد مُحمد، أستاذ مُحمد، نعم هل هذا الانفتاح هو الذي يُفسر حُكم الأئمة لليمن كُل هذهِ القرون ما يُقارب من 1000 عام في مناطق يتنوع فيها اليمن بين الزيدية وبين الشافعية وبين مذاهب أُخرى، هل هذا هو السبب؟

محمد محسن صلاح: لا دعني أول أن أُصحح لكَ أمراً مُعين..

عبد القادر عيّاض: تفضل.

محمد محسن صلاح: الزيدية هي من أو الأئمة لم يحكموا اليمن، لم يحكموا اليمن 1200 عام أبداً، اليمن يعني ظلت تُحكَم في أوقات عديدة من عدة دول أمثال الدولة الصُليحية وهي كانت إسماعيلية حكمت اليمن بأكملها قبل أن تحكُمها الزيدية، أيضاً الدولة الرسولية وقبلها الأيوبية، الرسولية حكمت اليمن وهي سُنيّة شافعية حكمت اليمن حوالي 200 عام، أيضاً جاءوا الطاهريين، الزيدية السياسية لم تتمكن من اليمن إلّا حينما بعد الغزو العُثمانيّ الأول وذلك بعد أن ضُربت كُل القوى اليمنية الداخلية والمحلية من خلال الصراعات التي ظلت تدور مع الأيوبيين ثم بعد ذلك مع المماليك ثم الأتراك، الزيدية كانت موجودة أحياناً في منطقة صغيرة مثل صعدة مثلما هو حاصل قبل عام 2014 وفي أحيان أُخرى كانت تتمدد وأحياناً أُخرى كانت تتقلص، لم تحكُم الزيدية أبداً اليمن بأكملها، أيضاً الزيدية حاولت عندما أرادت أن تحكُم اليمن وقد أصبحت تحكُم اليمن بأكملها نجد أنها بدأت تستغل مثلاً الإمام الشوكاني كقاضي قُضاة وهو خرج من رحم الزيدية لكنهُ كانت مُتأثراً ومُنفتحاً على السُنة، وبالتالي اختيرَ هو كقاضي من أجل يُصبح أن يُرضي الأشخاص الذين هُم الموجودين في النطاق الآخر وهو النطاق الشافعي في اليمن.

تعدد المرجعيات  عند الزيديين

عبد القادر عيّاض: طيب أشرت في بداية كلامك إلى نُقطة جداً مُهمة عندما ربطت بين الاختلاف والثورة على الحاكم ومُحاولة إيجاد لبَوس أو إيجاد سبب مرجعيّة من أجل تبرير هذا الخروج على الحاكم، فيما يتعلق الآن ببعض المُصطلحات التي أصبحت شائعة الآن في اليمن عندما نتكلم عن الحوثيّ، ما العلاقة بين الحوثي وبين الزيدية ومُصطلح الهواشم حتى ربما نفهم بأكثر تفصيل فيما يتعلق بهذهِ المُصطلحات؟

محمد محسن صلاح: طبعاً شوف الحوثية هو نسبةً إلى مؤسسها، وهو النظام السابق في حروبه مُنذُ عام 2004 ظل يربطها بحسين بدر الدين الحوثي ثم بالعلّامة بدر الدين الحوثي وبعدها الآن بعبد الملك، الحوثية هي من الزيدية وخرجت من الزيدية ومُحركاتها هي مُحركات الزيدية وليست اثني عشرية بالمُطلق، ولا هي تابعة من الناحية الفكرية لإيران أو غير إيران هذا أنا أقولها بصراحة، الحوثية هي خرجت من نبع الزيدية نفسها، المسألة وما فيها من ناحية الحوثي أنهُ بدأ يُحاول أن يتقمص بعض الأدوار ويؤديها نوعاً من التقليد، مثلما عند حسن نصر الله في لُبنان أو غيرها لكنهُ لا يستطيع وليس مُعبر الحقيقة عن الزيدية بأكملها ولا حتى مُعبر ولكن أظنه مُعبرٌ عن التوجُه التي تعبر عنهُ حركة أنصار الله، أما أن نجعله ُهو المُعبر الوحيد عن الزيدية، الزيدية أهم ما في الزيدية والذي يجعل الزيدية دائماً في حالة حيوية وحِراك نشاط هو أنهُ لا يوجد لديها المرجعية الوحيدة، لديها تعدُد المرجعيات ومن تعدُد المرجعيات هذهِ حين كانت تُسيطر كانت تتحول هذهِ المرجعيات إلى أن تتعدد ليس القوى وإنما تتعدد مراكز الحكم الذي كان يؤدي بدورهِ إلى عدم الاستقرار.

عبد القادر عيّاض: الظاهرة الحوثية الآن لو عُدنا للتاريخ، هل هُناك ما يُقابلها حتى نفهم بشكل أفضل ما يجري وما قد يجري في مُقبِل الأيام أو الشهور أو السنوات القادمة فيما يتعلق بمصير هذا البلد؟

محمد محسن صلاح: ما يُقابلها كُل الأئمة كانوا كذلك، الأئمة كُلهم خرجوا من الأطراف ومن الجبال تحديداً وكانت تبحث دائماً عن قوى اجتماعية تقف إلى جوارها، أقولُ لكَ أحياناً ربما من القرن الثامن عشر أو فيما بعدهُ وما قبلهُ، كانت الأئمة حين يُريدون أن يخرجوا كانوا يذهبوا إلى القبائل يستجيروا بهم ويطلبون منهم النُصرة على أن يقفوا معهم من أجل أن يتولوا السلطة القبيلة هي كانت أكثر المتحكمين في التوازنات وفي إصعاد هذا الإمام أو يعني أو إنزاله، أما إنه نقول عنها من شبيه، الشبيه هو من أيام الإمام الهادي إلى الآن إلى اللحظة إلى التّو وهو الشبيه هذا، يعني هي حركة معروفة تاريخيا.

عبد القادر عيّاض: ماذا عن أدبيات الحوثيون  فيما يتعلق حصر السلطة فيما يعرف بالبطنين وفَهم ذلك بمعطى تاريخي برأيك أستاذ محمد؟

محمد محسن صلاح : هو حصر الإمامة في البطنين نعم، هي حصر الإمامة في البطنين في مجتمع متعدد القوى وفي مجتمع مترسخة فيه الندية في اليمن وبالتالي ظلت، هذا شوف الزيدية كيف استطاعت أن تكسب من الناحية الفكرية وتتوسع داخل الشمال الشمال لكنها لم تكن تستطع أن تسيطر أو أن تقبض على السلطة في اليمن، مشكلة الزيدية وهي كانت جنت ليست على الزيدية فقط، جنت على المذهب الزيدي هذه فكرة الحصر هي جنت على المذهب الزيدي وجنت على اليمن وجنت أيضا حتى على الأسر الهاشمية التي تقول بجواز البطنين والتي تحصر الإمامة في البطنين وبالتالي حينما نجد في حركة 1948، 1955 و1962 نجد أن الهاشميين كانوا من أوائل الثوار في ثورة 1948 وعلقت رؤوسهم بجوار إخوانهم، أيضا في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة سبتمبر كان الهاشميون موجودين داخل هذا التنظيم، يعني أصبح الناس وأصبحت هذه الفكرة فكرة الحصر هي فقدت سياقها التاريخي ومبررها يعني منذ حوالي أكثر من 200 عام ولكن كان الذي يعيدها ويبعثها مرة أخرى ويطلقها كان السبب بذلك الغزو الأجنبي كما تمثل في الغزو العثماني الثاني، وقد كانت قد أوشكت الإمامة أن تزول نهائيا وأن يقضي عليها اليمنيون حتى داخل صنعاء.

عبد القادر عيّاض: أشكرك، أشكرك كنت معنا من صنعاء محمد محسن صلاح الباحث في التاريخ اليمني، ينضم إلينا أيضا من صنعاء الكاتب والباحث السياسي نبيل البكيري، دكتور نبيل أستاذ نبيل فيما يتعلق هل يقدّم الحوثيون أنفسهم بشكل واضح فيما يتعلق بمشروعهم السياسي، عسكريا هم الآن منتشرون ويفرضون أمر واقع، فيما يتعلق بأدبياتهم ومشروعهم السياسي هل هناك مشروع واضح بالنسبة للحوثيين برأيك؟

نبيل البكيري: بالفعل هناك مشروع واضح في إطار الأجندات التي تعمل عليها مسار هذه الجماعة منذ ظهورها إلى الوجود الإعلامي والسياسي في 2004 منذ..

عبد القادر عيّاض: وما هو هذا المشروع؟

نبيل البكيري: هناك مسار واضح، وهذا المشروع هو مشروع دولة طائفية أو سلطة طائفية تستطيع أن تتعامل مع الواقع الراهن بعيد عن المسميات القديمة هم أيضا فيما يتعلق في مسار الدولة والمسمى الجمهورية اليمنية التي قامت بها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هم يتعاملون معها كأمر واقع لكن مضمونها هو ما يراد له الآن أن يتحول ويتحول إلى مضمون شعار يستخدم من خلاله فقط تمرير مشروع هذه الجماعة التي اليوم تفرض طابعا مختلفا وطابعا شموليا في إداراتها لسلطة الأمر الواقع الراهنة بنوع من الصفة الطائفية الفاقعة في كثير من تعاملاتها حتى على مستوى الوظائف التي تم  تعيينها مؤخرا في أجهزة في العديد من أجهزة الدولة هي أخذت منحى طائفي واضح، الكثير من الضباط الكبار والمسؤولين الكبار ينتمون إلى هذه الجماعة. 

صراع سياسي مذهبي وطائفي

عبد القادر عيّاض: طيب، تاريخيا دائما كان يُقدّم المذهب الزيدي على أساس أنه الأقرب إلى بقية المذاهب السنية في العالم الإسلامي، الآن ما يجري من خطوات سياسية على رأسها ما تقوم به أو يقوم به الحوثيون، إلى أي مدى قد يؤثر على هذه الصورة التاريخية في العلاقة بين المذهب الزيدي وبين المذهب السني؟

نبيل البكيري: أولا دعني أقول أن هناك نوع من عدم وضوح بهذه الفكرة التاريخية في مسألة العلاقة، هنا في اليمن ليس هناك إشكالية مطلقة اجتماعيا، يعني ليس هناك مذهبية اجتماعية وصراع مذهبي اجتماعي على المستوى العام أو مستوى المجتمع، ولكن هناك في اليمن صراع مذهبي أو طائفي سياسي محدود في إطار النخبة السياسية الحاكمة، وهذه النخبة السياسية الحاكمة هي التي تعتمل أو تُخلق وتولد عناصر الصراع المذهبي والطائفي وهي بعيدة أيضا يعني ربما حتى هناك مفارقات غريبة أن بعض هؤلاء الحكام كانوا بعيدين جدا عن المسألة الدينية ولكن يحكمون بصبغة دينية لخلق شرعية سياسية تستمد وجودها من فكرة التقسيم الطائفي والمناطقي والمذهبي للمجتمع، وبالتالي اليوم أنا اعتقد أنه مسألة لا نستطيع أن نقول أن المذهب الزيدي هو مذهب فقهي بقدر ما هو مذهب أو نظرية سياسية واضحة في الحكم نظرية كهنوتية واضحة في الحكم تتعلق في مسألة البطنين والإمامة، وبالتالي ليس هناك إشكالية في العلاقة بين المذاهب الإسلامية فيما يتعلق بالمسائل المذهبية والفقهية بقدر ما هي الإشكالية اليوم كامنة في أن يتحول المذهب الفقهي إلى نظرية سياسية ثيوقراطية كما هو الحال في الزيدية، وبالتالي نعتقد اليوم أن هناك جناية كبيرة يعني.. 

عبد القادر عيّاض:  دخول العنصر دخول العنصر نعم، دخول العنصر السلفي في هذه التركيبة المذهبية في اليمن تقريبا منذ عشرين أو ثلاثين سنة، إلى أي مدى ساهم بشكل أو بآخر من خلال نموذج دمّاج ساهم بشكل أو بآخر في مسلك أنصار الله أو حركة الحوثيين هذا المسلك وبالتالي إحداث شيء جديد على المشهد اليمني؟

نبيل البكيري: لا شك أن دخول المتغير السلفي في خارطة المذهب أو في منطقة المذهب أو بما يسمى بكرسي المذهب الزيدي وهي صعدة كان له تأثير سلبي واستنهاض أيضا لفكرة الإحيائية الزيدية المتمثلة اليوم بالحركة الحوثية وبالجماعة الحوثية وبالتالي هذا أثر في أنه استنهض هذه المفاعيل الزيدية الهادوية الحوثية وجعلها تقوم بفعل رد مساوي لما أحدثته التركيبة أو لما أحدثه التأثير السلفي في الخارطة الاجتماعية للمنطقة الزيدية في صعدة تحديدا، وبالتالي أنا أعتقد أنه ليست الإشكالية هنا بقدر ما هي الإشكالية كامنة في أنها عقدة تاريخية، الزيدية في اليمن عمرها ما يتجاوز إحدى عشر قرنا 1200 أو 1150 سنة وبالتالي المتغير الجديد في مسألة السلفية هو لم يكن ذاك يعني المتغير الثانوي أو المؤثر الكبير بقدر ما هو عمل على محاولة إعادة الزيدية لمكانتها وليس الفقهية وإنما مكانتها السياسية وهي التي ترتكز عليها كمشروع سياسي بحت يعني يغلف المسألة الفقهية فقط لخطاب عام  ديماغوجي عام بينما في الحقيقة هي نظرية سياسية..

متناقضات المجتمع اليمني

عبد القادر عيّاض: كيف تفسر فيما أشرت له قبل قليل فكيف تفسر في داخل الأسرة الزيدية الواحدة يكون الأخ زيدي وقد يكون متشددا في مذهبه والشقيق الثاني قد يكون من الإصلاح وهي محسوبة على تيار الإخوان المسلمين والأخ الثالث قد يكون محسوب على حزب المؤتمر الشعبي المحسوب على الرئيس علي عبد الله صالح، قد تكون قبيلة من خارج إطار الزيديه ثم تدخل في هذا الإطار أو تخرج إلى، ما الذي يسهل هذه الحركية وهذا التعايش داخل المجتمع اليمني فيما يقدم من سلسلة متناقضات في هذا المجتمع؟

نبيل البكيري: الحقيقة هذا سؤال دقيق للغاية وذكي جدا في قراءته للتوصيفة الدقيقة للمجتمع اليمني، المجتمع اليمني مجتمع براغماتي في طبيعته ومجتمع لا يؤمن بالعقائدية الصارمة في توجهاته الفكرية والمذهبية وبالتالي هذا التنوع وهو يعكس حقيقة التنوع الموجود في الحالة الثقافية اليمنية والحالة المذهبية والدينية، هناك تنوع كبير يعني هناك تنوع، هذا التنوع ينعكس في مدى التعايش الذي حصل بين كل المذاهب الإسلامية، حصل تعايش بين الشافعية والزيدية وتعايش مع الإسماعيلية ولكن هذا التعايش في حقيقة الأمر هو تعايش اجتماعي في إطار البيئة الاجتماعية، ولكن في يتحول هذا التعايش إلى كارثة حينما تتحول المفاعيل أو تتحول النظرية المذهبية إلى نظرية سياسية كما هو الحال اليوم في الجماعات الحوثية.

عبد القادر عيّاض: أشكرك كنت معنا من صنعاء الكاتب والباحث السياسي نبيل البكيري شكرا جزيلا لك، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، ونلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.