كيف تستخدم حكومات عربية -تقول إنها مدنية- الدين لتغيير أولويات المواطن؟ وكيف تختلف المسطرة التي تحدد حرية التعبير محليا عن المسطرة الخارجية، فتجد زعماء عربا يشدون الرحال إلى باريس بعد الهجوم الدامي على صحيفة شارلي إيبدو تضامنا مع حرية تعبير مختلفة المقاييس والحدود؟

سلطت حلقة "الواقع العربي" يوم 18/1/2014 الضوء على هاتين المنطقتين فرأى أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس نور الدين العلوي أن "النفاق السياسي" للزعماء العرب في باريس يصب الماء في طاحونة التطرف الذي ينتج الإسلام العنيف، كما تتجلى مظاهره "الشديدة القسوة" في تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.

ما يسميه العلوي نفاقا سياسيا يرده إلى أن الزعماء المشاركين ينتهزون المناسبة لتقديم فروض الولاء للأنظمة الغربية بما يساهم في إبقائهم على عروشهم، على حد قوله.

واستهجن على سبيل المثال كيف يقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك الأردني عبد الله الثاني متضامنين مع القتلى في باريس، وهم الذين لم يجرؤوا على زيارة غزة والتضامن مع قتلاها بينما الجار المصري يميتها بردا وجوعا، حسبما أضاف.

أما عن استخدام الدين كلما وضعت شرعية النظام العربي على المحك، فلم يتردد العلوي في وصفه "بالبغاء السياسي" الذي قام دائما ليس على أكتاف علماء، بل عارفين بالنص الديني يفتون للسلطة بما يسمح لها بالبقاء، معتمدين على المخزون العاطفي الديني لدى الجمهور يعودون إليه عند الأزمات.

وضرب مثلا على ذلك من بلاده تونس حيث قال إن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة عندما كان نظامه يمر بأزمة، يلبس بورقيبة الجبة ويخطب في الناس ويؤمهم يوم الجمعة ويمرر بالتالي برنامجه السياسي.

سيكولوجية الدونية
من جانبه قال المستشار بمكتب البحث العلمي في جامعة قطر حسن بن حسن إن علماء الإسلام في الغالب هم ضمير الأمة، رغم ما يحاوله الحاكم لاستثمار الدين من أجل إضفاء شرعية زائفة.

ووصف الأنظمة بأنها انتهت رمزيا وتعيش الآن في مرحلة التعري ولم تعد أوراق تسترها، فوصلنا إلى أن يمارس الحاكم البلطجة وأن تكون الوقاحة في أجلى مظاهرها، حسب قوله.

دور الدين حين تستخدمه حكومات عربية في التأثير (الجزيرة) video

ومضى بن حسن يقول بشأن استغلال الدين لمآرب سياسية من قبل الأنظمة إن "في تاريخنا كله عمليات كبرى لتوظيف الدين في الحقل السياسي".

ورفض أن يكون الاستخدام السياسي للدين مؤديا إلى تدجين الفرد والجماعة، معتبرا أن ثورات الربيع العربي وما قبلها من تحولات كان الدين جزءا ملهما لها لأنه محل كرامة الإنسان، وإن أي توظيف لخدمة السلطة لا تنطلي بسهولة على الناس.

لكن بن حسن من ناحية أخرى رأى وجوب الانتباه إلى أن السيكولوجية الدونية الحضارية مبثوثة في مختلف أنحاء الحياة لدينا، "حيث كثير من المثقفين يرون أننا مجال تطبيق للعلوم الإنسانية التي أصلها من الغرب وليس لدينا أي قدرة على الإضافة".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: كيف تنظر الحكومات للدين عربيا ومن باريس؟

مقدم الحلقة: حسن جمّول

ضيفا الحلقة:

-   حسن بن حسن/مستشار في جامعة قطر

-   نور الدين العلوي/أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس

تاريخ الحلقة: 18/1/2015

المحاور:

-   دور الدين في تدجين الشعوب

-   محاولة لعلمنة المجتمع

-   تطرف يولد التطرف

حسن جمّول: أهلا بكم مشاهدينا الأعزاء في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على دور الدين عندما تستخدمه حكومات عربية توصف بالمدنية في التأثير في مواطنيها وذلك في ضوء موقف تلك الحكومات من الهجوم على أسبوعية شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة.
كما يبدو هناك إشكالية في علاقة أنظمة حكم عربية طالما رفعت شعارات الحداثة والمدنية في تعاملها مع المشاعر الدينية لمواطنيها، كشفت عنها موقف تلك الحكومات من الهجوم على أسبوعية شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة والمعروفة برسومها المسيئة للرسول الكريم فقد هرع قادة دول عربية وممثلون عنها إلى المشاركة في مسيرة دعما لحرية التعبير في باريس رفعت فيها الرسوم المسيئة لكنهم سمحوا لمواطنيهم بمظاهرات في أضيق نطاق ممكن رفضا لهذه الرسوم كما ترك للمؤسسات الدنية ورموزها في بلدانهم إعلان الاحتجاج على إعادة نشر تلك الرسوم ومطالبة المسلمين بعدم رد الإساءة وهذا دور جرى التساؤل عن وجوده في خضم التقلبات التي شهدتها دول عربية عدة عندما دنست مساجد وقتل الآلاف وجرى التعريض بالسنة النبوية ومصادرها من أذرع إعلامية لتلك الحكومات.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: مثير وجدير بالاهتمام الزخم الذي يوفره انتهاك ديني قادم من الغرب في تحريك الشعور الجمعي لدى المسلمين ودفعهم إلى الشوارع بغضب حقيقي عند المس بالمناطق المحرمة المتصلة بعقائدهم، صحيح أن انتهاك أقلام موتورة في الغرب لم تحمل سوى كتابات أو رسوم هي نتاج متخيل تنميطي لأشخاص هم على الأرجح لم يختلطوا بمسلمين في أوطانهم خارج الصورة المستهلكة المصدرة إليهم إلا أن مثل هذه الرسوم كان يمكن أن لا تغادر دوائر متتبعيها المحدودين وتملأ الآفاق لولا ما واجهته من رد فعل عنيف أدخل الكل في حلقة من التحدي والاستفزاز ترجع بداياته إلى عام 88 مع رواية مصنفة أدبيا بالرديئة والبذيئة لكاتب مغمور أسمه سلمان رشدي جعلت منه فتوى الإمام الخميني بإهدار دمه آنذاك أيقونة للحرية في الغرب فهل المشكلة في هذه الحرية على النمط الغربي أم في فهمها أم في رد الفعل عليها؟ هناك الآن رأيان لدى العرب والمسلمين في مقاربة الإساءات المتكررة رأي يقول بضرورة مواجهتها بحزم يردع المهانة، ورأي يقول بتجاهلها حتى تضمحل كفقاعة في الهواء فلدى المسلمين ما هو أجدى من مطاردة الرسوم، لكن المفارقة تبقى في محاولة فهم تفاعل جموع المسلمين تجاه قضايا تمس رموزهم الدينية عندما تأتي من الآخر البعيد وتفاعلهم شبه الغائب في قضايا تنتهك ليس فقط حرمتهم الدينية بل حرمتهم الإنسانية داخل أوطانهم، في سوريا الآن نحو ربع مليون قتيل معظمهم مسلمون وتدمير مئات المساجد على أيدي النظام وممارسات بشعة ممتلئة بالتجديف والمس بالذات الإلهية ولا تتحرك الجموع، في مصر وتحت شعار سياسي جرى اقتحام مساجد وقتل مسلمين داخلها ولم يتحرك ملايين المسلمين للرد بل تم ذلك على مرأى منهم وبرضا بعضهم، هناك أيضا من أندفع في تمجيد قائد سياسي حد تشبيهه برسل السماء، يمتد التناقض صعودا فترى أنظمة حاكمة تسكت وتبارك وأحيانا تشارك في الحراك الجماهيري ضد رسوم مسيئة وهي لا تسمح بالتظاهر أو حتى التعبير عن رأي مخالف حيث تحكم حرف الغضب المكبوت والمزمن لجماهير تتجرع الخيبات في اتجاه خارجي تبدو دائما فكرة جيدة للأنظمة المستبدة، مثلما يبدو ذلك الغضب الجماعي تنفيسا ذاتيا للجماهير في تعبيرها عن اختناقات داخلية تبدأ من الخبز ولا تنتهي بالحرية، أنه شيء وضده يتكثف ويتشابك لينتج ما يبدو لكثيرين مشهد كاريكاتوريا، هذا شرق يضيق بالجثث والصحفيين والسجون يزحف إلى باريس نائحا عن الحريات وعلى شارلي ورسومه.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: نرحب بضيفينا في هذه الحلقة في الأستوديو حسن بن حسن المستشار بمكتب البحث العلمي في جامعة قطر ومن تونس الدكتور نور الدين العلوي الأستاذ في علم الاجتماع في جامعة تونس، وأبدأ معك سيد حسن كيف يمكن أن نفهم هذا التناقض في التعاطي مع قضايا المسلمين يعني رسوم كاريكاتورية تنتج ما يشبه الثورات في حين أن الدم يراق في بلدان إسلامية ومن قبل أنظمة وحكام وكأن شيئا لم يكن؟

حسن بن حسن: هو هذا بدون أدنى شك جزء من سيكولوجية أعم، يعني نحن العرب أشربنا ما يمكن أن نسميه بالمهانة التاريخية وبالدونية الحضارية، لا فقط في الحقل السياسي بل في الحقل المعرفي والثقافي وفي مختلف حقول الحياة لكأن الإنسان الغربي من طينة خاصة لكأنه نصف الإله الذي تتحدث عنه الأساطير اليونانية والرومانية دمه غير دم الآخرين ومعدنه غير معدن الآخر، تعرف أنه سيكولوجية الدونية الحضارية والمهانة التاريخية مبثوثة في مختلف أنحاء الحياة، نحن حتى في مجال العلم والمعرفة كثير من المثقفين العرب يتصورون ويتخيلون أننا مجرد مجال تطبيقي في العلوم الإنسانية، العلوم التي أنتجها الغرب وأن ليس لنا قدرة للإضافة ولا للإبداع ولا للإضافة النظرية فهذا أنا أقول جزء من سيكولوجية..

حسن جمّول: لكن هذه السيكولوجية عندما تقول أنه الإنسان العربي أشبع مهانة وذلا عندما نشهد رسوم كاريكاتورية ويقوم العالم الإسلامي وأيضا العالم العربي رفضا، هذا يعني بأنه يعني غير صحيح أنه قد أشبع بالفعل هذا الذل وأنه بات قابلا به بدليل أنه يعني يثور عندما يكون هناك تدنيس لرموزه ومقدساته؟
حسن بن حسن: وهذا جوهر جوهر الثورات العربية هو هذا، جوهرها هو خروج إرادة للخروج من منزلة ومن وضعية تاريخية بائسة من وضعية الدونية الحضارية ومن وضعية المهانة التاريخية، الغضب الذي حرك الثورات العربية غضب عميق ولا يمكن أن نرجعه إلي مجرد أسباب اجتماعية مباشرة، هو غضب حضاري البعد الاجتماعي هو أحد أبعاده وما يحصل الآن في المشهد العالمي هو شعوب تريد أن تتحرر وأن تكسر هذا الطوق الذي ضرب عليها وإرادة لإرجاعها إلى القفص الذي كانت فيه بين قوسين، أنا أحيي أخي وصديقي العزيز الدكتور نور الدين علوي يعني وهو رجل حبيب إلى نفسي ومثقف من الطراز الأول..

حسن جمّول: طيب بما أنك حييت الدكتور نور الدين أتوجه إليه مباشرة بالسؤال عن الأنظمة التي تظاهرت دعما لحرية التعبير في باريس بينما حرية التعبير في بلادها ثمنها كما نشاهد القتل وسفك الدماء والاعتقال ما رأيك في ذلك دكتور نور الدين؟

نور الدين العلوي: مساء الخير أستاذ حسن..

حسن جمّول: مساء النور.

نور الدين العلوي: مساء الخير للحسنين، أبو عمر مساء الخير شكرا للتحية، الحقيقة هذه الحادثة هي جزء من سلسلة طولية جدا من الحوادث لا يمكن أن نعزلها عما سبقها بل أكيد سيكون بعدها حلقات مشابهة وستتكرر نفس الفعال السياسية والإعلامية التي صاحبت شارلي، الذين ذهبوا من العرب للوقوف مع شارلي متضامين مع قتلى الصحيفة في الحقيقة يمارسون نفاقا سياسيا على شعوبهم وهذا النفاق يتمثل في تقديم فروض الولاء والطاعة للأنظمة الغربية والفرنسية منها بالتحديد والتي تساهم في إبقائهم على عروشهم بالتمويل المالي والسياسي والمخابراتي فهم في الحقيقة دعني أشبههم بشيء من المبالغة بأنهم خدم لدى هذه الأنظمة الغربية وفي مثل هذه المناسبات هم يقدمون فروض الولاء والطاعة حتى يستدروا عطف هذه الأنظمة لتبقيهم على عروشهم لأننا نستغرب ليس هناك منطق في أن يذهب الرئيس عباس مثلا من فلسطين ليقف مع القتلى الفرنسيين في حين لم يجرأ أن يضع قدمه في غزة حيث مات شعبه الذي يحكمه، نفس الأمر بالنسبة لملك الأردن الذي ذهب يبكي على القتلى في فرنسا ولم يجرؤ أن يذهب إلى غزة أو أن يقف على الأقل ضد حصارها وهو يرى جاره المصري يقيم المناطق العازلة ليميتها جوعا وعطشا وبردا فضلا على بقية الأنظمة، هذا المشهد الشرياني الذي رأيناه منذ أسبوع هو تكرر منذ تقريبا نهاية القرن التاسع عشر وهنا أنا يعني أختلف قليلا مع صديقي وأخي حسن في أن هذه المهانة التاريخية ليست شاملة ليست بالعمق الذي صوره، هناك باستمرار انتفاضات وعي جاءت بالاستقلال السياسي في منتصف القرن العشرين وأرادت إنتاج دول مستقلة ولكن لعبة القوى لم تكن لصالح هذه الشعوب فوضعت على رؤوسها أنظمة أعادت إنتاج الاستعمار بدون استعمار وبدون..

دور الدين في تدجين الشعوب

حسن جمّول: طيب بما أنك تتحدث عن هذه الثورات دكتور نور الدين بما أنك تتحدث هنا عن الثورات أسأل الأستاذ حسن هنا عن دور الدين أو دور الدين في تدجين الشعوب خصوصا عندما يتم استخدامه من قبل الحكام؟

حسن بن حسن: لا، أنا أقول الدين ما عنده دور حقيقي في تدجين الشعوب ربما بعض يعني بلد أو بلدين من العالم العربي قد يكون الدين يلعب فيه هذا الدور وأنا أظن أنه لم يعد يلعب هذا الدور، بالعكس الدين محرك رئيسي للوعي بالكرامة وللثورات العربية، يعني هذه حقيقة يعني خميرة الثورة العربية الربيع العربي تشكلت على مدى عقود طويلة من الزمان، والإسلاميون كانوا ممن دفع الضريبة غالية في مواجهة الأنظمة المستبدة..

حسن جمّول: لكن الثورة المضادة استخدمت أيضا أفكارا دينية لتسويق نفسها وأيضا الحكام الذين بقوا في السلطة استخدموا أيضا علماء دين في تسويق وجهات نظرهم علما أنهم يدعون في هذا المجال العلمانية.

حسن بن حسن: نعم أنا أقول أنه الدين في تاريخنا كله العلماء لم يكونوا مؤسسة دينية بالمعنى الموجود في التاريخ الغربي كانوا ضمير في الغالب أقول في الغالب الأعم كانوا ضميرا حيا للأمة، كانوا ضمير الأمة ولا يزالون إلى يوم الناس هذا، الاستثمار بدون أدنى شك الحاكم يحاول أن يستثمر كل ما يمكن استثماره في إضفاء شرعية زائفة ووهمية على نفسه لكن أظن أننا في المرحلة الحالية التي نمر بها في العالم العربي نحن في مرحلة التعري السياسي بأتم معنى الكلمة، لم تعد أوراق التوت تستر شيئا ولا الشرعيات الزائفة ولذلك نحن وصلنا إلى مرحلة الحاكم العربي فيها يمارس البلطجة والوقاحة السياسية في أجلى مظاهرها، يعني حتى الحرص على سلطان الوهم وعلى سلطة الوهم والإيهام لم يعد الكثير من حكام العرب يحرصون عليه إلا من باب الشكليات، الآن في دول عربية تحكم بالقتل وبالحديد والنار وليس أكثر من هذا لذلك أنا أقول أنه في مرحلة من النظام السياسي العربي انتهت من الناحية الفعلية والواقعية مازالت لم تنته لكن من الناحية الرمزية ومن ناحية الشرعية انتهت واستنفذت مبرراتها، الأنظمة التي تحكم فقط بالقتل وتحكم بالبلطجة وبالوقاحة السياسية وبالتعري السياسي في أجلى مظاهره هذه أنظمة رمزيا وأخلاقياً انتهت ومسألة زمن ومسألة وقت، حتى ما نراه من أزمة وعودة شرسة للحركة المضادة للثورة ولا أسميها ثورة مضادة هي ليست ثورة أقول بمنطق التاريخ وبعين التاريخ هذه مطبات ومرحلة وقتية ولكن بتاريخ الفكرة التي دفعت فكرة الحرية التي دفعت الأزمنة الحديثة الربيع العربي يتقدم ولا يتأخر..

محاولة لعلمنة المجتمع

حسن جمّول: دكتور نور الدين هذه الأنظمة التي يقول عنها أستاذ حسن بأنها تعرت ألا تعتقد بأنها لا تزال تحاول أن تلتحف برداء الدين من أجل أن تسبغ شرعية عليها وتنجح في بعض الأحيان في الحصول على هذه الشرعية من قبل علماء يسمون بعلماء السلطة؟

نور الدين العلوي: الحقيقة أخي حسن كان عفيف اللسان لم يستعمل الكلمة المناسبة في تقديري هذه الأنظمة تمارس البغاء السياسي بغطاء ديني فهي يعني أكثر انحطاطا مما قال صديقنا ووصفها وهذا ليس جديدا عليها هي كلما دخلت في أزمة شرعية اتكأت على الدين وحاولت استعماله لصالحها ولتشريع وضعها واستعملت علماء أو عارفين دعني أقول عارفين بالنص الديني يؤولونه لصالحها ويفتون لها الفتاوى التي تسمح لها بالبقاء كما قلت هذا ليس جديدا أنا لا أرى المسألة باستمرار معزولة عما سبقها، عندنا هنا في تونس تجربة طويلة جدا من محاولة علمنة المجتمع وأكثر رموز العلمانية العربية في تقديري وهو بورقيبة عندما كان نظامه السياسي يختنق كان يلبس الجبة ويخطب في الجامع ويؤم الناس بصلاة الجمعة ويمرر برنامجه السياسي داخل المسجد حتى يُوضع يعني حتى يُقبل بين الناس، هذه المحاولة للاعتماد على المخزون العاطفي الذي يخلقه الدين والذي خلقه الدين عند العرب والمسلمين منذ زمن طويل هي وسيلة يعاد إليها عند الأزمات السياسية والأنظمة الآن بعد الربيع العربي تعيش هذه الأزمات سواء في مصر أو في بقية البلدان العربية التي تحاول تعطيل قطار الربيع العربي المنطلق هي تحاول أن تبحث عن حجج وعن مرتكزات ومنها المرتكز الديني وبالتالي فهي يعني..

حسن جمّول: إلى أي مدى تنجح..

نور الدين العلوي: تحاول أن تدافع..

حسن جمّول: إلى أي مدى تنجح يعني إذا أخذنا النموذج المصري..

نور الدين العلوي: تتعرى تتعرى هذه إنها تتعرى وفي تعريها تزيد الأطروحة الدينية قوة لأننا نريد أن نخوض النقاش مع الأطروحة الدينية وأن نأخذ منها ما هو حديث..

حسن جمّول: طيب تتعرى في مقابل أي أطروحة..

نور الدين العلوي: ومتماشي مع العصر..

حسن جمّول: يعني عفوا إذا أخذنا النموذج المصري أو حتى النموذج السوري عندما يكون هناك أيضا من يفتي ومن يقف إلى جانب النظام أيضا تحت غطاء الدين وستار الدين إنما في مقابل أطروحة أيضا موضع بحث وموضع جدل وموضع شكوك إذن نصبح أمام أطروحتين مختلفتين والاثنين يعني موضع شكوك وبحث ونقاش.

نور الدين العلوي: هذه الأنظمة تتعرى في مواجهة شعوبها في مواجهة الديمقراطية وعندما تعود هي لتستند على الدين وعلى التدين وعلى منافقة الوعي الديني لدى شعوبها وشعوبها في قمة الوعي بهذا النفاق فإن الحل الأسلم لدى هذه الشعوب في فورتها العاطفية هي أن تتطرف في الدفاع عن الأطروحة الدينية وبالتالي فكأنما هذا النفاق السياسي يمول ويصب الماء في طاحونة التطرف وفي أطروحة التأويل القصووي للنص الديني الذي ينتج الإسلام العنيف أو الإسلام المسلح والذي يتجلى في مظاهر شديدة القسوة شديدة التطرف شديدة الأحادية تظهر الآن في داعش تظهر في القاعدة تظهر في كثير من الحركات التي تميل إلى فرض الأطروحة الدينية بقوة السلاح وينقطع ذلك النقاش الحضاري والفكري والفلسفي والفني الذي كان يجب أن ينطلق من وضع هادئ..

حسن جمّول: طيب.

نور الدين العلوي: ويذهب لتعديل الأطروحة الدينية ولتعديل الأطروحة الحدثية فنصل إلى مرحلة من الموائمة بين منجزات الغرب الحضارية المقبولة لدينا وبين منجزات أطروحتنا الدينية التي لا نعاديها ولكننا لا نراها..

حسن جمّول: طيب هذا يعني أريد سيد نور الدين عفوا.. 

نور الدين العلوي: هناك محاولة دعني أكمل الجملة..

حسن جمّول: نعم.

نور الدين العلوي: دعني أكمل الجملة هناك محاولة لتعطيل مشروع فكري وسياسي ديمقراطي ينطلق منذ القرن التاسع عشر ويتم إحباطه في كل مرة حتى لا نصل إلى محاولة توفيق بين منجزات الحضارة الإنسانية ومنجزات ثقافتنا وتاريخنا فإما أن نتفسخ تماما أو أن نتطرف تماما ونقطة الوسط التي نريدها ونبحث عنها منذ زمن طويل تخربها الأنظمة بنفاقها السياسي وتدفع شعوبها إلى التطرف.

تطرف يولد التطرف

حسن جمّول: هذا ما قصدته بالسؤال عن الأطروحتين موضع النقاش والجدل أستاذ حسن الإسلام السياسي هنا الإسلام السياسي الرسمي إذا صح التعبير هل بالضرورة ينتج إسلاما شعبيا متطرفا يعني عندما يجد الشعب بأنه يقتل باسم الإسلام ويعتقل ويضطهد باسم الدين هل سيذهب بالضرورة إلى ما هو أكثر عفنا وتطرفا أيضا باسم الإسلام وباسم الدفاع عن حقه في العيش؟

حسن بن حسن: نعم تعرف أن التطرف يولد التطرف والعنف يولد العنف وفي حالات غلو التطرف والعنف في الحقيقة نحن لا نكون إزاء ظاهرة دينية بل إزاء ظاهرة سياسية بمسوح ديني، الدين هو مجرد غطاء خارجي وكل ظواهر الغلو والتطرف قابلة للتحليل والتفكيك النفسي والسسيولوجي إلى آخره هي أبعد ما تكون عن الدين بمعناه الحقيقي، الدين دعوة عميقة للتفكير ودعوة للارتقاء إلى أعلى مراتب التفكير التي يتيحها العصر والأداء العقلي التي يتيحها العصر، ظواهر الغلو كلها ظواهر فقيرة جدا من الناحية المعرفية وفقيرة جدا من الناحية الفكرية ولا تصمد لأي حجاج حقيقي فهي في الحقيقة ظواهر سياسية ذات مسوح ديني وليست ظواهر دينية، بطبيعة الحال يعني الإنسان عندما يعيش أوضاعا عسيرة جدا أوضاع تعيشها عديد البلدان العربية يحتاج إلى فكرة قوية يحتمي بها فالفكرة القوية موجودة يعني بالنسبة له اللجوء إلى الدين ما في أقوى من الدين يعني الذي يضخ كمية هائلة من طاقة وقوة..

حسن جمّول: يعني أنا أريد هنا أن أصور النقاش عفوا فقط في اتجاه كيف يتم استغلال الدين لمآرب سياسية من قبل الأنظمة يعني هذه هي النقطة الجوهرية التي تدفع..

حسن بن حسن: والله أنا على قناعة عميقة شوف..

حسن جمّول: نعم.

حسن بن حسن: قناعتي العميقة أنه نحن في تاريخنا كله فيه بدون أدنى شك يعني عمليات كبرى لتوظيف الدين في الحقل السياسي لكن هذا لم يفسد الدين إفسادا جوهريا لأنه أصل العقيدة واضح والقرآن موجود ولم يطله التحريف وأي مسلم ذو مستوى علمي ومعرفي بسيط يقرأ القرآن يمكن أن يميز في القضايا الكبرى بين الحق والباطل لكن المسألة ليست معرفية أنا أقول باستمرار توظيف الدين هو مسألة سياسية لكن حتى في تاريخنا رغم كل الذي جرى وحصل يبقى دائما العالم يلعب دور ضمير الأمة ودائما لدى المسلم العادي التمييز ممكن، تاريخنا في هذا يختلف عن تاريخ الغرب كثيرا لأن الغرب تاريخه في علاقة السلطة الدينية في السلطة الزمنية هو يعني الانحراف الكبير الذي وقع في هذه العلاقة يجد أصله في العقيدة نفسها لأنه ما دلالة التجسيد هي إمكانية التبادل والتنافذ كما يقول الفيلسوف الألماني هيغل بين المقدس والدنيوي وبين المطلق والمتناهي إلى آخره فإذن هذا التبادل وإدخال المطلقات لساحة الفعل التاريخي هو الذي أنتج هذه القصة الخاصة بالغرب، أنا أقول التوظيف يجري أي فكرة قوية يجري توظيفها في الحل السياسي لكن لا يعني هذا أنه هذا التوظيف عملية سهلة أو تنطلي بسهولة يعني.

حسن جمّول: أشكرك جزيلا حسن بن حسن المستشار بمكتب البحث العلمي في جامعة قطر وأشكر من تونس الدكتور نور الدين العلوي أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس. بهذا مشاهدينا تنتهي حلقتنا من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتوتير ونلتقي بإذن الله غدا في حلقة جديدة إلى اللقاء.