تراجع الإنتاج الفكري العربي ليس مجرد رأي يتردد في المنتديات الفكرية والثقافية من المحيط إلى الخليج، بل هو واقع تعززه إحصاءات تقول إن الدول العربية مجتمعة تنتج سنويا كتابا واحدا لكل 13 ألف مواطن عربي، ما يكشف عن فقر مدقع بالإنتاج المعرفي العربي، وذلك إذا ما قورن مثلا بألمانيا التي تنتج سنويا كتابا لكل ستمائة مواطن، أو إسرائيل التي تساهم بـ1% في الإنتاج العالمي من المعارف الإنسانية.

وقد شدد رئيس تحرير صحيفة الآداب اللبنانية، الدكتور سماح إدريس على ضرورة معرفة الأسباب التي أدت إلى حدوث تراجع فكري وثقافي بالوطن العربي، وقال إن الأنظمة الرابضة على مليارات الدولارات تكرسها لخدمة أنظمتها الديكتاتورية وليس لخدمة الإنتاج الثقافي، واستثنى من ذلك بعضها مثل نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وشكك إدريس في الأرقام التي تقول إن المواطن العربي لا يقرأ سوى ست دقائق في السنة بالمقارنة مع نظيره في الدول الغربية، وتساءل عن نوعية الكتب التي يقرأها الإنسان في الغرب، كما اعترض على ما ورد في تقرير "الواقع العربي" من أن العرب لم يعرفوا روائيا كبيرا منذ نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للرواية، وتساءل: لماذا ننتظر المؤسسات الغربية لتحدد لنا من هو الكبير ومن هو الصغير؟  

والسبب الآخر الذي أدى لتراجع مستوى الإنتاج الفكري العربي يتمثل -وفق رئيس تحرير صحيفة الآداب اللبنانية- في الرقابات المتعددة التي تفرض على الإنسان العربي، وكذلك مستوى التعليم في المدارس والذي يعتمد على التلقين والحفظ بدل الإنتاج.

وربط إدريس خلال تدخله في حلقة 14/1/2015 من برنامج "الواقع العربي" موضوع الإنتاج الفكري بمسألة الحرية وبدعم الدولة للنشاطات العلمية والأكاديمية، إضافة إلى ما اعتبره إستراتيجية التنسيق بين الدولة والفعاليات الاقتصادية والعلمية والثقافية.

العرب يستهلكون ولا ينتجون video

دور الجامعات


من جهته، الروائي والناشر، إلياس فركوح، أكد أن هناك سببين رئيسيين لتراجع الإنتاج الفكري العربي، وهما: السلطة العربية التي قال إنها احتلت الفضاء العام، ثقافيا واجتماعيا، وضربت بكل القوى الثقافية، ونتج عن ذلك أن الجامعات العربية تقلصت ودورها بدأ يتحلل من الداخل، وهذا أثر على مستوى من يتخرجون من هذه الجامعات.

والسبب الثاني -يواصل فركوح- يتمثل في النزعة الاستهلاكية عند المواطن العربي بسبب الثروة البترولية، حيث أدى ذلك لزرع قيم معينة في المجتمع، فصار من يملك المال والنفوذ هو من يقرر، وليس من يملك المعرفة والعلم.

ووفق الروائي والناشر الذي كان يتحدث من العاصمة الأردنية عمان، فإن طريقة تقديم المعارف للطالب العربي والتي وصفها بالجافة والمنفرة ساهمت بدورها في تراجع الإنتاج الفكري والمعرفي، وقال إن هناك حالة من العداء بين القارئ العربي والكتاب.

وخلاصة: تساءل فركوح عن ما إذا كانت الدول العربية لديها مشاريع إستراتيجية للنهوض بالمجتمع، في ظل التدني التدريجي للتعليم سنة بعد سنة، وارتهان الدولة إلى إرادات الدول الكبرى في العالم، وأشار إلى أن التقدم العلمي لا يمكن تحقيقه إلا عبر دعم الدولة والشركات للأنشطة العلمية.    

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: أسباب تراجع مستوى الإنتاج الفكري العربي

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيوف الحلقة:

-  سماح إدريس/ رئيس تحرير مجلة الآداب اللبنانية

- إلياس فركوح/ روائي وناشر أردني

تاريخ الحلقة: 14/1/2015

المحاور:

-         الإنتاج المعرفي في الدول العربية تاريخياً

-         علاقة اللغة بالإنتاج الفكري

-         أهمية التعليم في إحداث واقع جديد

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلط خلالها الضوء على أسباب تراجع مُستوى الإنتاج الفكري العربي بمختلف أشكاله الإبداعية الأدبية والفنية والعلمية. 

تراجع الإنتاج الفكري العربي ليس مُجرد رأي يتردد في المنتديات الفكرية والثقافية من المحيط إلى الخليج بل هو واقعٌ تُعززه إحصاءات تقول إن الدول العربية مُجتمعة تُنتج سنوياً كتاباً واحداً لكل 13 ألف مواطن عربي وهذا كما يرى باحثون يكشف عن فقرٍ مدقع في الإنتاج المعرفي العربي وذلك إذا ما قورن مثلاً بألمانيا التي تُنتج سنوياً كتاباً لكل 600 مواطن أو إذا ما قورن بإسرائيل حيث تساهم بـ 1% في الإنتاج العالمي من المعارف الإنسانية، يعزو خبراء تراجع مستوى الإنتاج الفكري العربي إلى التدهور الشديد في البحث العلمي إضافةً إلى عوامل أخرى نناقشها في حلقتنا هذه من الواقع العربي لكن نتابع أولاً التقرير التالي في الموضوع.

]تقرير مسجل[

سعيد بو خفة: الفاجعةُ عربياً ليست سياسيةً وحسب بل ثقافية، تلك الصورة هذه وانعكاس لها هنا جامعةٌ عربية تتحول إلى ساحة معارك صغيرة بين طلابها وبدل من انشغال هؤلاء بالبحث العلمي وأسئلة ما بعد الحداثة كما يفعل أقرانهم في العالم نجدهم ينقسمون عشائرياً ومناطقياً ويستخدمون الأسلحة البيضاء في شجاراتهم والأسلحة النارية أيضاً داخل الحرم الجامعي، أما الأسوأ فيحدث غالباً تزحف عائلات هؤلاء إلى الجامعات فتُبدونُها وتعيدها إلى  تشكيلات ما قبل الدولة وتنتكس بالمجتمعات إلى معادلة البحث عن الكلأ والماء لا البحث العلمي وأسئلة الحداثة وتحديات العصر، جامعاتٌ تتحول إلى خزان عنف أو تغرق في الإهمال وتكون النتيجة محتومة فلا جامعةً عربية واحدة من ضمن أفضل 100 جامعة في العالم الصورة مختلفةٌ تماماً في الجوار، 6 جامعات إسرائيلية ضمن أفضل 100 جامعة، المساهمة الإسرائيلية في الإنتاج العالمي في المعارف الإنسانية 1% أي 5 آلاف ضعف ما تُنتجه الدول العربية مجتمعة على ما خلص باحثٌ فلسطيني، وبحسب الباحث نفسه فإن عدد الأبحاث العلمية الإسرائيلية المُعترف بها عالمياً خلال شهرٍ واحد تزيد على ما أنتجته مصر كبرى الدول العربية خلال الـ 20 عاماً الماضية، الصورة قاتمة فبينما تتواصل معارض الكتاب في المنطقة العربية فإن إنتاج الكتب والمعرفة في تراجع مطرد وبحسب دراسات متفائلة يُقدر الإنتاج العربي مجتمعين من الكتاب 1% من الإنتاج العالمي رغم أن هؤلاء يمثلون 5% من سكان العالم وإنتاجهم السنوي في مُجمله أقل مما تُنتجه تُركيا للفترة نفسها رغم أن سكان تركيا نحو ربع تعداد العرب، أكثر من ذلك فإن ما يترجمه العرب عن اللغات الأخرى لا يزيد على خُمس ما تُنتجه اليونان، أما أوضاع القراءة عربياً فأسوأ وأقرب إلى الكوميديا السوداء، فمعدل ما يقرأه العربي نحو 6 دقائق في العام أو ربع صفحةٍ من كتابٍ في مقابل نحو 200 ساعة قراءة في دول الغرب، ينطبق هذا على الإنتاج السينمائي والمسرحي العربي حيث تراجع عدد الأفلام ومستواها الفني أيضاً فيما غرقت التلفزة العربية في فيضانٍ من الدراما التُركية أو تلك المُقتبسة عن المكسيكية، أهو عصر الانحطاط يعود يتساءل البعض، فلا روائيين كباراً حقاً بعد نجيب محفوظ رغم تخصيص جوائز خاصة بالرواية يقول البعض، إنها ساهمت في زيادة الإنتاج العربي في هذا الفن  لكنها كما يذهبون لم ترتقِ بمستوى المُنتج نفسه ولا قامةً فنيةً تجرأ على الوقوف إلى جوار فيروز رغم وفرة الساحات والمسارح ويُسرى وسائل الاتصال الجماهيري، وحده نمط هيفاء وهبي من يتسيد الساحة الآن وعليها يُهيمن وسوى ذلك سيزيف يحمل صخرة ويصعد الجبل ولا يكل.

]نهاية التقرير[

عبد القادر عيّاض: نناقش موضوع  هذه الحلقة مع ضيفينا في بيروت الدكتور سماح إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب اللبنانية، ومن عمّان الروائي والناشر إلياس فركوح، أهلا في ضيفيّ الكريمين، دكتور سماح إدريس، تاريخياً هل ارتبط نموذج الدولة العربية الحديثة طبعاً مع الفارق بين الدول العربية بهذا الوضع تردي في المنتوج المعرفي في الدول العربية؟

سماح إدريس: مساء الخير.

عبد القادر عيّاض: مساء النور.

سماح إدريس: أخي اسمح لي أولاً أنه أُبدي بعض الملاحظات على التقرير الذي قدمتموه.

عبد القادر عيّاض: تفضل.

سماح إدريس: أولاً للأسف الشديد هذا التهليل للإنتاج الإسرائيلي وجلد الذات هذا علينا أن نضعه في سياقه التاريخي وأن نحدد الأسباب، إن لم نحدد الأسباب التي وصلنا إليها فذلك لن يكون إلا جلداً للذات ودعايةً لإسرائيل.

عبد القادر عيّاض: طيب.

سماح إدريس: لم يتوصل الكيان الصهيوني الغاصب إلى هذه النتيجة بغض النظر عن التشكيك فيها أو في صحتها أو عدم صحتها إلا على أنقاض عشرات بل مئات القرى والبلدات الفلسطينية وعلى حساب تهجير شعبٍ بأكمله ثم إن والندب الطويل هذا واحد.

عبد القادر عيّاض: لكن دكتور سماح، دكتور سماح.

سماح إدريس: ثانياً، نعم تفضل.

الإنتاج المعرفي في الدول العربية تاريخياً

عبد القادر عيّاض: مع تفهمنا، عفواً مع تفهمنا لهذه الملاحظة ولكن لنتكلم بلغة الأرقام، ما قُدم هي أرقام دقيقة طبعاً فيما يتعلق بالإنتاج الإسرائيلي في مقابل الإنتاج العربي هذه حقيقة وواقع الآن لنبحث في الأسباب بغض النظر إن كان نموذج إسرائيل أو دولة أخرى، فيما يتعلق بالأسباب، هل تاريخياً الدولة العربية الحديثة كانت بهذا المستوى من المنتوج والإنتاج المعرفي؟

سماح إدريس: طبعاً لا، تاريخياً كان عندنا بيت الحكمة وكان عندنا إنتاج ثقافي واهتمام من قِبل السُلطة العربية بالإنتاج الثقافي، عندنا الآن مشكلة، المشكلة أن السُلطات العربية.

عبد القادر عيّاض:  أنا أُشير للدولة العربية الحديثة يعني أحكي في مجال زمني ربما يقل قليلاً عن 100 سنة.

سماح إدريس: نعم تماماً أنا أتحدث عن السُلطات العربية الرابضة على مليارات الدولارات التي تُكرسها لخدمة عائلاتها وأستاذها وأنظمتها الدكتاتورية في حين أنها لم تُقدم إلا أقل من القليل من هذا الإنتاج المعرفي والإنتاج الأكاديمي والثقافي، طبعاً باستثناءات قليلة ومنها نظام الناصري الذي قدم الكثير على صعيد الإنتاج الفكري والمسرحي والترجمي ولذلك ولكن علينا أيضاً وأيضاً أن نُشكك واسمح لي بهذا أستاذي الكريم أن نُشكك في بعض الأرقام ما معنى من قال إن العربي يقرأ 6 دقائق فقط في السنة من أين أتوا بهذه الأرقام، كيف استفتوا الناس وما معنى أن يقرأ الغربي 200 ساعة، ما هي هذه القراءات التي يقرأها في 200 ساعة يعني أنا عشت في الولايات المتحدة أكثر من 7 سنوات وأعرف ما هي هذه الكتب التي يقرؤونها في المترو وفي الباصات، علينا أيضاً يعني من أجل أن لا نجلد ذاتنا إلى أبد الآبدين أن نُقيّم هذه الكتب التي يقرأها ما يُسمى بالغرب.

عبد القادر عيّاض: طيب، أستاذ إلياس فركوح.

سماح إدريس: ثم وأخيرا وهذه ملاحظة أخيرة.

عبد القادر عيّاض: سأعود لك أستاذي دكتور سماح.

سماح إدريس: آسف.

عبد القادر عيّاض: لكن دعني أسأل ضيفي في عمّان الأستاذ إلياس فركوح، هل الصورة كما قدمناها قبل قليل في التقرير وهو أيضاً تُؤكدها التقارير المُقدمة من كثير من الجهات أم أن الصورة فيها بعض العلامات المُضيئة فيها بعض المراحل وبالتالي يجب التمييز بين مرحلة وأخرى وواقع وآخر في مجموع الدول العربية؟

إلياس فركوح: هو الحقيقة أنه الأرقام التي قُدمت قد نختلف قليلاً أو كثيراً حولها لكن الأساس في هذه الأرقام هو أن تِبيان الفرق الواضح بين المجتمعات العربية في حالة نُكوص وفي حالة تراجع على المستوى المعرفي والثقافي وهذا شيء أو هذه مسألة لا يمكن أن نقوم بإنكارها على الإطلاق من جهة ومن جهة ثانية علينا أن كما يعني أبدى ضيفك الكريم أن نُشّرح الأسباب التي أدت هذا الواقع الأليم فعلاً والمرير فعلاً الذي تعيشه البلدان العربية.

عبد القادر عيّاض: وهي؟

إلياس فركوح: أنا في اعتقادي، أنا في اعتقادي أنه في سببين رئيسيين لعبوا دور في وضعنا في هذه الزاوية الحرجة، أولاً السُلطات العربية احتلت الفضاء العام على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الثقافي بحيث أملت شروطها على الواقع الاجتماعي وعلى أبناء المجتمع هذه من جهة، السُلطات بمعنى السُلطات التي لا تعرف سوى رأياً واحداً هو الرأي الذي تتحلى به هي زائد إنه هي كمان ضربت معظم القوى التحررية ذات البعد التنويري في أفكارها وبالتالي تقلصت الجامعات تقلص دور الجامعات وبدأت تتحلل من الداخل وهذا أثر تأثيراً كبيراً على مُستوى الخريجين الذين يعني لا نقول وفدوا إلى سوق العمل بين قوسين سوق العمل هذا سبب، السبب الثاني إن سعة الاستهلاك عند المواطن العربي بسبب الثروة البترولية التي عمت وطمت المجتمعات العربية وبالتالي أرست مجموعة من القيم ذات البعد الاستهلاكي غير المُنتج وغير المعرفي بالتالي بات الإنسان العربي يُحاكم أو يُحَاسب أو يقَيّم بحسب ما يملك من مال ما يملك من نفوذ وليس بما يملك من معرفة  وعلم.

عبد القادر عيّاض: دكتور سماح من؟

إلياس فركوح: هذا ما أستطيع أن أقوله الآن.

عبد القادر عيّاض: نعم سأعود لك بعد قليل أستاذ إلياس، دكتور سماح من يُشكك أصلاً في العقل العربي ويقول بأنه لم يُنتج فالعرب لم يُقدموا فيلسوفاً بمعني الفيلسوف في تاريخهم، إلى أي مدى هذه النظرة ربما فيها الكثير من المبالغة والجانب الواقعي منها ربما هناك ما يُبرره؟

سماح إدريس: لا طبعاً أستاذي يعني العرب  أنتجوا الكثير ودعني أعترض أيضاً على مُصطلح العقل العربي هذا مُصطلح استشراقي ليس هناك شيء اسمه عقل عربي وعقل غربي وعقل إسرائيلي، هناك عرب ينتجون أو عرب لا ينتجون يعني خلينا نحدد الأمور خارج السياق العنصري أو ما يُسمى البيولوجي، وحين نقول إن العرب ليسوا جزءاً أساسياً من المنظومة الفكرية الغربية، من يُحدد هذا! يعني التقرير قال إنه منذ نجيب محفوظ لم يكن هناك روائيون كبار من حدد، نوبل حدد من هو الروائي الكبير؟ يعني لماذا نجيب محفوظ هو روائي كبير وليس بهاء طاهر وليس صنع الله إبراهيم وليس هاني الراهب وليس حنّا مينا! يعني انتظرنا نوبل والمؤسسات الغربية يحددوا لنا من هو كبير ومن هو صغير، على كل حال أنا أُضيف لما ذكره الزميل.

عبد القادر عيّاض:  طيب في هذه، في هذه الحالة دكتور سماح في هذه الحالة دعني أفهم وجهة نظرك فيما يتعلق بواقع الإنتاج الفكري العربي كيف تُقيمه كيف تجده؟

سماح إدريس: طبعاً الوضع الإنتاج، وضع الإنتاج الثقافي العربي في تراجع لا جدال في ذلك ولكن علينا أن نُحدد الأسباب وأُضيف إلى ما قاله زميلي الأستاذ إلياس فركوح دور الرقابات المُتعددة في المجتمع العربي من رقابةٍ رسميةٍ استبدادية إلى رقاباتٍ دينية إلى رقاباتٍ اجتماعية وكل ذلك يُؤثر في تشكيل رقابةٍ ذاتيةٍ على المؤلف والمنتج بحيث يتحول النتاج الأدبي تحديداً إلى نتاجٍ هجين لا يُعبر عن هوية كاتبه أو حريته، نُضيف إلى ذلك أيضاً مستوى التعليم الرديء في المدارس الذي يُشدد على التلقين والحفظ بدلاً من الإبداع والابتكار نُشدد أيضاً على مبدأ ضعف القراءة وكل ذلك ضُعف القراءة الناتج أيضا عن ضُعف ثقة أو ضُعف التواصل بين الكاتب العربي والمستمع العربي بحيث بات الكثير من المؤلفات العربية تتحدث بلغةٍ لا يفهمها القارئ العربي، إذاً علينا أن نُشّرح الأسباب وإلا سيُؤدي كل حديثنا إلى الإحباط وإلى الهجرة وإلى تمجيد عدونا الإسرائيلي وأعدائنا الاستعماريين.

علاقة اللغة بالإنتاج الفكري

عبد القادر عيّاض: أستاذ إلياس فركوح، هل للغة علاقة بهذا الإنتاج ومستواه وعلاقة القارئ أو المتفاعل معه به؟

إلياس فركوح: أنا أعتقد إنه في علاقة يعني في حلقة مفقودة في العلاقة ما بين القارئ وما بين الكاتب في العربيين يعني الكاتب العربي والقارئ العربي، الحلقة المفقودة مضروبة وليست مفقودة هي بالتأسيس بمعنى في المرحلة التأسيسية في المدارس، طبيعة المناهج وطبيعة تقديم المعلومات والمعارف بصرف النظر عن تقييمنا لتلك المعارف، طريقة تقديم المعارف إلى الطالب العربي تكون جافة ومُنفرة بحيث يضطر هذا الطالب أن يُقدم الامتحان في نهاية العام، في نهاية العام الدراسي ثم يقوم بحرق كل المقررات خارج أسوار المدرسة بمعنى إنه خلقوا حالة من العداء ما بين أجيال وأجيال من العرب وما بين الكتاب بصرف النظر عن هذا الكتاب إن كان  هذا الكتاب مُقرر من قبل المدارس أو هو كتاب موجود في المكتبات العامة، فهذه الحلقة، في شيء في شيء.

عبد القادر عيّاض: نعم أستاذ إلياس نعرف أن هناك مشكلة في الاتصال بيننا وبينك، تسمعني؟.

إلياس فركوح: في شيء في شيء مش عماله بوصل الآن.

عبد القادر عيّاض: تسمعني الآن، تسمعني الآن؟ طيب ضيفي من بيروت الدكتور سماح تسمعني؟

إلياس فركوح: في شيء مش عم يوصل.

عبد القادر عيّاض: طيب فقط نأخذ فاصل في هذه الحالة ثم نعود لنواصل مع ضيفينا طرح هذه الإشكالية في حلقة هذا اليوم من الواقع العربي المتعلقة بالإنتاج العربي الفكري مدى وصوله إلى الناس مدى المشاركة والمساهمة العربية في الإنتاج العالمي فيما يتعلق بالإبداع الفكري أدباً وفناً وكذلك علماً، بعد الفاصل.

]فاصل إعلاني[

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم من جديد لهذه الحلقة من الواقع العربي والتي نناقش بها الإنتاج والمساهمة العربية في المجال الفكري، دكتور سماح إدريس أشرت قبل قليل إلى أهمية الحرية وعلاقتها بمستوى ونوع وكذلك ما يتعلق بالإنتاج الفكري ولكن الإنتاج العلمي ما علاقته بالحرية، لماذا أيضاً المساهمة العربية في المنتوج العلمي بهذا المستوى؟

سماح إدريس: بصراحة أنا لست مُتخصصاً في المنتوج العلمي ولكن أعتقد أن كل الموضوعات في النهاية مرتبطة بالحرية أولاً وبدعم يعني وبدعم الدولة للنشاطات الأكاديمية والعلمية والأدبية والأهم بقيام إستراتيجية تنسيق ما بين الدولة وبين المُجتمعات أولها المجتمع المحلي، ما دام التنسيق أو ما دامت إستراتيجية التنسيق غائبة بين الدولة والفعاليات الاقتصادية والعلمية والثقافية المحلية غائبة فإننا سنجد هذا التخبط وهذا الضعف في الإنتاج المعرفي والعلمي.

عبد القادر عيّاض: طيب أشرت قبل قليل دكتور سماح إلى الفترة الناصرية هل من علاقة بين الإيديولوجية ومستوى ونوعية الإنتاج الفكري؟

سماح إدريس: طبعاً ما دامت الإيديولوجية ليس إيديولوجيا قسرية وقمعية وما دامت هذه الإيديولوجية تنشد الصالح العام للمجتمع بحث تُقدم كتاباً في كل يوم وبحيث تُقدم إنتاجاً مهما على صعيد المسرح كما كان حال الوضع الناصري زمن في مصر فبالتأكيد الإيديولوجية تلعب دوراً إيجاباً لكن الإيديولوجية حين تتحول إلى هراوةٍ يستخدمها النظام بفرض نمطٍ معينٍ من التفكير ويسجن ويعتقل كل من يناهضه هذا الرأي ففي هذه الحالة تتحول الإيديولوجية إلى سجانٍ آخر.

أهمية التعليم في إحداث واقع جديد

عبد القادر عيّاض: أستاذ إلياس فركوح أشرت قبل قليل أيضاً إلى مسألة أهمية التعليم والتأسيس من البداية ويدفعني للتساؤل عن ما هي الحلول لتجاوز هذا الواقع وإحداث واقع مختلف في المستقبل القريب؟

إلياس فركوح: يعني في الحقيقة يعني نقطة البداية كما أراها هي في هذا السؤال تتمثل في هذا السؤال هل تملك هذه الدولة أو تلك مشروعاً يُبنى بنظرة إستراتيجية وبالتالي يمكن أن يُمرحل عبر  سنوات؟ بمعنى هل هذه الدولة تملك قرارها المستقل السياسي في بناء إستراتيجية تنهض بهذا المجتمع وتنهض بنفسها كدولة نِد في المنطقة وفي الإقليم؟ الإجابة على هذا السؤال، الإجابة على هذا السؤال يمكن أن تشرح لنا وأن تُفسر لنا لماذا نحن هكذا بهكذا تعليم يتدنى تدريجياً سنة بعد سنة وهكذا خريجين يتدنون في معلوماتهم سنة بعد سنة ودولة ترتهن أكثر فأكثر إلى الإيرادات الكبرى في العالم، التطور العلمي الأنشطة العلمية لا يمكن أن تُدعم إلا عبر مؤسسات الدولة بمعنى تمويل كبير من جهة ومن جهة ثانية عبر الشركات الكبرى في تلك الدول التي يمكن أن تُمول هكذا مشاريع علمية إذا افتقدنا هذين العاملين دعم الدولة لتلك المشاريع والشركات الكبرى لتلك المشاريع هذا يعني أنه لا يمكن للتقدم العلمي والأنشطة العلمية والابتكار العلمي أن يتقدم أو أن يُحرز تقدماً ملحوظاً في تلك المجتمعات، نرجع إلى السؤال الأساسي، هل تملك دولنا العربية إستراتيجية حقيقية في بناء دولة تتحول نحو المدنية حقاً؟ أن تكون نِداً لتلك الدول التي تُناكفها الآن في المنطقة مثل تركيا على سبيل المثال أو إيران .

عبد القادر عيّاض: على سبيل المثال.

إلياس فركوح: هذا هو السؤال، على سبيل المثال هذا هو السؤال .

عبد القادر عيّاض: طيب دعني أختم مع ضيفي من بيروت الدكتور سماح إدريس، الآن الوسائط تختلف الآن نتكلم عن عوالم افتراضية نتكلم عن عالم الإنترنت نتكلم عن العوالم الرقمية، كيف يمكن قياس المنتوج والتفاعل خاصةً من قِبل الشباب العربي مع هذه اللغة والمساحة الجديدة بالمقارنة مع ما كان عندما كان الورق مُتسيداً؟

سماح إدريس: عزيزي وسائل التواصل الاجتماعي خلقت مساحة من الحرية كانت مفقودةً وسط أو في خِضم هيمنة الدكتاتوريات العربية خلقت مجالات للتواصل ومجالات ومجالات للتظاهر ومجالات للعمل السياسي، لكن هذه الوسائل لا تستطيع أن تتحدى الدولة إلى ما لا نهاية ودليلنا على ذلك أن السُلطة العربية ما زالت قادرةً على أن تقبض على ناشطٍ ومُدونٍ مثل رائد بدوي وتجلده في وسط وتجلده في وسط الساحة، إذاً علينا أن نضع يعني التطورات على مستوى الحرية التي قامت بها وسائل الاتصال الاجتماعي في سياقٍ محدود لا أن نعتبرها وكأنها التطور النهائي أو كأنها بديل عن إسقاط هذه الأنظمة الاستبدادية والقمعية.

عبد القادر عيّاض:  أشكرك، أشكرك، كنت معنا من بيروت الدكتور سماح إدريس رئيس تحرير صحيفة الآداب اللبنانية، كما أشكر ضيفي من عمّان الروائي والناشر إلياس فركوح شكراً جزيلاً لكما.  بذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة دمتم بخير.