تنوعت توجهات الأحزاب العربية خلال عشرات السنين من عمرها، بين الشيوعي واليساري والليبرالي والقومي والإسلامي.

ويطرح هذا التنوع الفكري -على الأقل شكليا- أسئلة حول إسهام الأحزاب العربية في النهوض بأمة عانت -ولا تزال- من الفقر والجهل والمرض، أو أن العكس هو الصحيح، وبدلا من الإسهام إيجابا، تتحمل الأحزاب جانبا كبيرا من اللوم في تردي الأوضاع بالمنطقة سياسيا واجتماعيا.

واشتكت أحزاب كثيرة من التهميش بسبب قمع السلطة في الماضي، ولكن بعد مساحة الحرية التي أوجدتها ثورات الربيع العربي اختفت هذه الأحزاب، ثم عادت إلى حضن السلطة مجددا، بل وزايدت عليها.

وفي الأثناء، ظهرت حركات وتنظيمات- يوصف بعضها بالاعتدال والآخر بالتطرف- لتجذب عقول وقلوب الكثيرين على حساب قوى وأحزاب وتنظيمات تقليدية.

قيادات متحجرة
ولتقييم العلاقة بين الأحزاب السياسية والأنظمة التي حكمت الدول العربية منذ الاستقلال، قال الأمين العام لمنتدى الفكر العربي الصادق الفقيه لحلقة الخميس (1/1/2015) من برنامج "الواقع العربي"، إن عدم تداول السلطة وطول فترات الحكم في الدول العربية ألحقا الأذى بالأحزاب، وتعطلت فاعليتها كما تعطلت فاعلية الحكومات أيضا.

وأضاف الفقيه أن حرمان الأحزاب الطويل من أي شكل من أشكال المشاركة جعلها متشككة في أيديولوجياتها، الأمر الذي دفعها لانتهاز كل الفرص المتاحة حتى تلتحق بالمشاركة مع السلطة الحاكمة، وتؤدي دورا يُرسم لها ولا تستطيع أن ترسمه، وظلت هذه الأحزاب "متحجرة" في قياداتها و"تحنطت" في خطابها السياسي.

وأرجع الفقيه بروز التيار السياسي الإسلامي إلى طبيعة التدين، وعلاقة هذه الأحزاب المباشرة مع المواطن العربي، وأوضح أن الثورات أوجدت فرصا للمشاركة في الحياة السياسية، ولكن لم يستطع الجميع ترتيب أوضاعهم للاستفادة من هذه الفرصة، باستثناء التنظيمات الإسلامية التي كانت أكثر استعدادا من غيرها لخوض تجارب الانتخابات التي أعقبت ثورات الربيع العربي.

الثورات المضادة
ومن جانبه، رأى زعيم "حزب غد الثورة" أيمن نور أن الحياة الحزبية ذات تاريخ طويل وقديم في مصر، إذ بدأت منذ القرن الـ18، ومرت بالعديد من المراحل المختلفة، وأكد أنها عاشت "موتا إكلينيكيا" في عهدي الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات والرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك.

ورأى نور أن انحسار الحياة السياسية يفتح الأبواب "للتطرف"، ويجعل "المتطرف" هو الأقرب للناس باعتبار عدم وجود البدائل الأخرى، وأوضح أن العمل السياسي يعتبر من الأنشطة التراكمية.

وأشار إلى أن نجاح الخارطة السياسية العربية مرتبط ببناء خارطة حزبية حقيقية، وحذّر من حالة التشرذم والتشظي التي أصابت الخارطة السياسية عقب بروز الثورات المضادة لثورات الربيع العربي، والتي تخطط للاستيلاء على السلطة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الأحزاب العربية وصعود التنظيمات غير التقليدية

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   أيمن نور/ زعيم حزب غد الثورة

-   صادق الفقيه/ أمين عام منتدى الفكر العربي

تاريخ الحلقة: 1/1/2015

المحاور:

-   الأحزاب وعدوى السلطة

-   فراغات أوجدها غياب الأحزاب

-   لا ديمقراطية بغير أحزاب سياسية

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نُسلط فيها الضوء على حال الأحزاب العربية وصعود حركاتٍ وتنظيماتٍ غير تقليدية.

عمرها عشرات السنين وتتنوع من شيوعي إلى يساري إلى ليبرالي إلى قومي إلى إسلامي، لكن هل أسفر التاريخ الطويل والتنوع الفكري على الأقل شكلياً في إسهام الأحزاب العربية في النهوض بأمة عانت الفقر والجهل والمرض ولا تزال أم أن العكس هو الصحيح، وبدلا من الإسهام إيجاباً تتحمل الأحزاب جانباً كبيراً من اللوم في تردّي الأوضاع بالمنطقة سياسياً واجتماعياً، هناك أحزاب كانت تشكو التهميش بسبب قمع السلطة لكن بعد مساحة الحرية التي أوجدتها ثورات الربيع العربي اختفت هذه الأحزاب ثم عادت إلى حضن السلطة مجدداً بل زايدت عليها، في الأثناء ظهرت حركاتٌ وتنظيمات يوصف بعضها بالاعتدال والآخر بالتطرف لتجذب عقول الكثيرين وقلوبهم على حساب قوى وأحزابٍ وتنظيماتٍ تقليدية، تقرير فاطمة التريكي.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: بين 60 و 70 عاما يتراوح عمر معظم الدول العربية منذ خروجها من الاستعمار ودخولها في عباءة الحكم الوطني الذي سرعان ما أخذ شكلاً عسكرياً ودكتاتورياً، بالتوازي مع ذلك شهدت تلك المرحلة ولادة عدد كبير من الأحزاب العربية الأيديولوجية مثل البعث وقبله بقليل السوري القومي الاجتماعي وبدأت تتبلور كينونة أكبر للأحزاب اليسارية والإسلامية فضلاً عن أحزابٍ قديمةٍ كان لها وجودها في مصر الملكية، باستثناء البعث في سوريا والعراق وفي مرحلة عابرة الشيوعيين في العراق لم تصل هذه الأحزاب إلى السلطة لسببٍ بسيطٍ هو أن الدول العربية ما كانت تشهد تداولاً ديمقراطياً للسلطة من الأصل، ظلّت الأحزاب السياسية العربية على هامش الحكم وكثيراً ما تعارضت معه كما في حالة مصر حين بدأ جمال عبد الناصر عهده بتعطيل الأحزاب وتعظيم شأن الحاكم الفرد مما جرّف الحياة السياسية الحقيقية بالتوازي مع قمع اليساريين والإسلاميين المعارضين، أما في سوريا من زمن حافظ الأسد تم حشر الأحزاب كلها على نحو ديكوري فيما تسمى الجبهة الوطنية التقدمية وبانتخاباتٍ صورية كان أمر الحكم كله بيد الرئيس والدائرة الضيقة حوله، هكذا في أجواء من التناحر والتضييق السياسي عاشت الأحزاب اليسارية والليبرالية والعلمانية على هامش السلطة الحاكمة في علاقة مدٍ وجزرٍ يشوبها الحذر، أما الإسلاميون وأكبرهم جماعة الإخوان المسلمين فواجهوا تضييقاً أشد وملاحقةً وقمعاً، اندلعت ثورات الربيع العربي عام 2011 وكانت مفترق طرق بقدر ما كانت اختباراً لتلاءم الشعارات مع التطبيق والمبدأ مع الممارسة، كانت سوريا الاختبار الأكبر الشعارات التقدمية الداعية إلى تحرر الإنسان والحق والكرامة تداعت كلها أمام شعارات الممانعة والقومية التي رفعها نظام الأسد، تلقى بشار الأسد دعم الأحزاب القومية وكثيرٍ من اليساريين والليبراليين في معظم الأقطار العربية التي أغمضت عينيها عن دماء الشعب السوري.

في مصر شكلت هذه الأحزاب جزءاً من حراكٍ التحق بالشباب الذين فجروا الثورة واصطفت أحزاب مثل الوفد والتجمع وراء المد الشبابي ثم حاولت الالتفاف عليه بإنجاز تسويات سياسية قبل تنحي مبارك، الإخوان المسلمون كانوا إلى حد ما في وضع شبيهٍ في بداية الثورة، الموقف انقلب عندما أفرزت صناديق الاقتراع 5 مرات تصدُّر الإسلاميين والإخوان نتائج انتخاباتٍ حرة، من جديد عاد الصراع على السلطة وليس على المبادئ الديمقراطية فوافق الليبراليون واليسار والعلمانيون على انقلابٍ عسكري ومن ثم سكتوا بل هلّل بعضهم لمجازر ارتُكبت في حق الإسلاميين، من هذه البوابة تسلّلت الثورات المضادة وتمكنت ويصف البعض الوضع في تونس بأنه قريبٌ من ذلك مع تحالف قوى من فلول النظام السابق في الانتخابات الأخيرة لتعود الأمور إلى نقطة البداية.

[نهاية التقرير]

الأحزاب وعدوى السلطة

الحبيب الغريبي: نناقش موضوع حلقتنا مع ضيفنا من بيروت دكتور أيمن نور زعيم حزب غد الثورة، ومع ضيفنا في عمان الدكتور صادق الفقيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي مرحباً بكما، دكتور صادق في جرد سريع وموضوعي كيف يمكن تقييم التجربة الحزبية العربية منذ ظهور دولة الاستقلال سواء تعلق الأمر بالأحزاب الحاكمة أو تلك المعارضة؟

الصادق الفقيه: الأحزاب والأنظمة التي حكمت منذ الاستقلال تناوبت في كثير من الإشكالات يعني القوى الحزبية أصابتها عدوى الحكم كذلك، أولاً لم تتح لها الفرصة في أن تحكم أو تتداول السلطة لأن الأحزاب لا تستطيع أن تنمو بشكل صحي دون تداولٍ للسلطة، وتطاول عهد الحكومات العربية بعد الاستقلال عطل فاعلية القوى الحزبية في الوطن العربي كله لأن تطاول الأزمان هو الذي سرّب للقوى الحزبية عدوى الحكومات نفسها فصار ما أصاب الحكومات أصاب الأحزاب كذلك شاخت كما شاخت الحكومات توارثت الحكم كما توارثته الحكومات، صار القائد الملهم هو القائد الملهم كذلك في الحزب، لا تداول للسلطة داخل القوى الحزبية لا حريات لا حراك سياسي داخل القوى الحزبية كما الحكومات فبالتالي تعطلت فاعلية الأحزاب كما تعطلت فاعلية الحكومات العربية وبالتالي لم تعد خياراً يتطلع إليه الشعب أو يتطلع إليه المواطن فصارت كما الحكومات تعيش ضعفا على ضعف بالنسبة للتأييد العام من الجماهير.

الحبيب الغريبي: هذه وجهة نظر، دكتور أيمن باعتبارك خضت تجربة حزبية طويلة منذ انتمائك إلى حزب الوفد ثم تأسيسك لحزب الغد هل ترى أن هناك حياة حزبية جادة وفاعلة الآن، نتحدث مثلاً عن مصر كنموذج أم أنّ هناك ما يُبرر هذا الشعور بالخيبة لدى الشارع العربي أن الكثير من هذه الأحزاب وربما تنازلت كثيرا عن مبادئها أصبحت تلعب أدوارا موكلة إليها وتحولت إلى جزء من الديكور السياسي؟

أيمن نور: الحقيقة في البداية أستطيع أن أقول أن هناك حياة حزبية طويلة وقديمة في مصر وربما بدأت هذه الحياة الحزبية منذ نهاية القرن الـ18 مروراً بمرحلة صعود وتوهج في بداية القرن الـ19 ارتباطا بثورة 1919 مروراً بالانتكاسة الكبرى التي حدثت للحياة الحزبية عقب ثورة مارس 1954 على يد الحكم العسكري في هذا الوقت ثم فكرة الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي التي هي فكرة الحزب الواحد مروراً بمحاولة تفكيكها إلى منابر كانت شكلية ومصنوعة من نظام مروراً بمرحلة الحياة الحزبية مرة أخرى التي لم تتسم في أي وقت من الأوقات منذ 1977 وحتى الثورة المصرية بالجدية بل كانت كيانات شكلية بعض هذه الأحزاب كانت أحزابا تنشأ بالقرار الإداري يعني يجيء نظام مبارك يُنشئ أحزابا كي تدافع عنه أو كي تخترق الحياة السياسية في مصر، مصر عاشت في سنوات مبارك الـ30 وفي بعض سنوات الرئيس الأسبق السادات حالة من حالات الموت الإكلينيكي للحياة السياسية والحياة الحزبية بشكل عام وكان هذا قتل عمد ولم يكن فقط موتاً طبيعياً، جاءت مرحلة ما قبل الثورة المصرية كان هناك أحزاب حقيقة موجودة وتقليدية وكبيرة مثل الأحزاب التي أشرت إليها حزب الوفد له تاريخ طويل من 1918، حزب التجمع وهو خرج من رحم نظام السادات والمنابر، لكن هذه الأحزاب لم تكن جزءاً حقيقياً من الثورة المصرية لذلك خرج من باطنها أحزاب أخرى خرج من داخل الوفد حزب الغد خرج من داخل الحزب الناصري العربي خرج حزب الكرامة، خرج من داخل حتى حركة الإخوان التي لم تكن حزبا خرج من داخلها حزب الوسط، وبالتالي نشأ جيل جديد أكثر جدية هو الذي ارتبط بالثورة وكانت بعض هذه الأحزاب وتحديداً التجمع وجزء كبير من الوفد كان لديهم موقف شخصي من الثورة، لذلك في أول فرصة للانقلاب على الثورة أو للتحالف مع قوى الثورة المضادة لم يألوا جهدا في هذه الخطوة التي أعتقد أنها انتكاسة حقيقية لقيمة الحياة السياسية في مصر وقيمة وتاريخ هذه الأحزاب.

الحبيب الغريبي: ومن هنا أطرح السؤال على الدكتور فقيه، دكتور المعمار الحزبي العربي كان دائماً قائماً على دعني أقول بروتوكولات أو نمطية معينة من حيث المضامين الأيديولوجية لهذه الأحزاب وتشبثها بثوابتها الفكرية، ما الذي جعل الكثير من هذه الأحزاب بعد الربيع العربي تحديدا في مصر وتونس تخرج عن هذه المحددات سواء بالتماهي مع السلطة القائمة أو بقبول الاصطفاف أو حتى باللاموقف؟

الصادق الفقيه: هي أشبه بحالة اليأس لأنّ هذه الأحزاب نتيجة لتطاول العهد بها والحرمان الطويل من أي شكل من أشكال المشاركة، تكلّست كثيراً حتى الأيديولوجية لم يعد معترفاً بها بشكل أساسي، نعم هنالك تمسك شكلي ببعض الشعارات التي رفعت في بداية تأسيس هذه الأحزاب ولكن بعد تطاول عهد هذه الأحزاب وابتعادها الطويل عن السلطة شككت حتى في أيديولوجياتها فبالتالي صارت تنتهز كل فرصةٍ ممكنة لتلتحق بالأنظمة الحاكمة في بلادها حتى تستطيع أن تستمر بالحياة، لأنها إن استمرت بعيدا عن السلطة وإن استمرت تحت رحمة السلطة وإن استمرت تحت القمع المستمر من السلطات فإنها إلى زوال لا محالة، فاقتنعت بأن الخير لها أن تلتحق بأي شكل من أشكال التمثيل، أي شكل من أشكال العلاقة مع السلطة الحاكمة حتى تستمر في الحياة تستمر في أداء دورٍ يُرسم لها ولا ترسمه لنفسها حتى تستطيع أن تبقى لأنها أيضا صارت كشعاراتها أشكال فيها كثير من التحنيط، القيادات تطاول بها العهد، القيادات عمّرت والأيديولوجية كذلك لم يعد يؤمن بها الذين تلقى على مسامعهم من عضوية هذه الأحزاب، وبالتالي لم تنمُ لم نشهد حزباً ينمو تنمو عضويته أو يزداد الالتحاق بصفوفه، ظلّت كما هي شخصيات معروفة لا تغيير في الأشكال لا تغيير في الشخصيات ولا تغيير حتى في نمط الخطاب الحزبي الذي بدأت به مسيرتها السياسية، فهذا التحنيط هذا البيات الطويل للقوى الحزبية العربية هو الذي أدى بها إلى هذه الحالة التي وصفت حالة البحث عن فرصة ما عن سانحة ما حتى تستطيع أن تجدد حياتها من خلال مشاركة لا تسعى بها بالجدية المطلوبة وإنما تٌلحق في هذه المشاركة.

فراغات أوجدها غياب الأحزاب

الحبيب الغريبي: دكتور أيمن لا أدري إن كنت موافقا على هذا الطرح يعني هذه الشيخوخة التي أصابت الأحزاب التقليدية أُفول أو خفوت صوت بعضها اندثار بعضها الآخر، هناك أحزاب انقرضت من الساحة السياسية مثلاً في تونس، هل تعتقد أن هذه الفراغات التي خلقها سقوط هذه الأحزاب هو الذي أدى إلى ظهور أحزاب وتنظيمات أخرى سواء كانت مدنية أو ما توصف بالمتطرفة مثلاً تنظيم الدولة الإسلامية؟

أيمن نور: لا شك أن انحسار الحياة السياسية أو تجفيف منابع الحياة السياسية يفتح الأبواب على مصراعيها للتطرف يجعل الأكثر تطرفا هو الأقرب للناس بوصف أن البدائل غير متاحة، ودائماً كنا نقول أنّ مواجهة الأفكار المتطرفة لن تأتِ إلا من خلال العمل السياسي وفتح العمل السياسي في الجامعات. . الخ، أنا أوافق الرأي السابق في بعض النقاط وأُحب أن أضيف بعض النقاط،هي المسألة ليست شيخوخة فقط لأنه الحقيقة العمل السياسي ربما عمل تراكمي والرصيد التاريخي أحيانا يكون جزءا من قيمة هذه الكيانات إذا كان لها رصيد تاريخي طويل، لكن لا بد أن يكون هذا الرصيد التاريخي وهذا التراكم متوافقا مع القيم والمبادئ التي ترفعها هذه الأحزاب، الأحزاب المصرية والتونسية وغيرها من الأحزاب العربية وقعت في عدة إشكاليات أبرزها: إشكالية فكرية إشكالية بنيوية إشكالية لها علاقة بالمواقف السياسية غير المدروسة، وخليني أدّي 3 أمثلة مثلاً في الموقف الذي اتخذته بعض الأحزاب اليسارية مثلاً في تونس عندما تحالفت مع بن علي في الثمانينات في مواجهة الحركات الإسلامية،على النقيض الموقف الذي اتخذته بعض الحركات الإسلامية بالتحالف مع السادات في مواجهة بعض الحركات اليسارية في الوقت الذي كان يريد فيه السادات أن يواجه هذه الحركات الناصرية واليسارية في هذا الوقت، هذه الأخطاء الحقيقة أخطاء منهجية خطيرة، أيضا عندما نكتشف أن هناك في الخلفية الذهنية لبعض قوى اليسار سواء كان في مصر أو في تونس أن الشارع لديه تحفظا على رؤيتها مثلاً للصراع العربي الإسرائيلي، وليس خافياً على أحد أن كثيرا من القوى اليسارية في مصر وفي تونس وغيرها بادرت بالاعتراف بدولة إسرائيل أو قبلت بفكرة التقسيم في وقت مبكر وكان هذا صادماً لمشاعر الرأي العام سواء في مصر أو في تونس، أيضاً الموقف مثلاً من قضية الاستقلال في تونس يعني معلوم أن الحركات اليسارية الرئيسية كان لديها رؤية ترى إمكانية الاندماج مع فرنسا في ظل حكم الحزب الشيوعي الفرنسي مثلاً فهذه أخطاء ارتكبت وتركت آثار سلبية في الصورة الذهنية لهذه الأحزاب، لكن دعني قول لك أن هذه الأحزاب تمثل تيارات فكرية وأنا أعتقد أن الأفكار لا تموت وأن التيارات بصورة عامة بغض النظر عن اللافتات الحزبية أو المظلات الحزبية الصغيرة هي أفكار مستمرة ولذلك هذه الأحزاب عندما شاخت وفقاً للتعبير السابق أنتجت من رحمها أحزابا وقوى ثورية وحركات ثورية تنتمي إلى هذه التيارات.

الحبيب الغريبي: دكتور أنت عرجت على لم تقله صراحة ولكن ما فهمته أنك استبطنت ربما حالة استقطاب موجودة وقائمة بين الأحزاب المدنية والأحزاب الإسلامية أو الإسلاميين، هنا أطرح السؤال على الدكتور الفقيه إن كان لبروز الإسلاميين خاصة بعد الربيع العربي ومرورهم بتجربة الحكم دور في قلب كل هذه المعادلات الحزبية وإحداث شروخ هامة في داخل البنية الحزبية خاصة بالنسبة لليسار؟ دكتور فقيه.

الصادق الفقيه: نعم لم أستمع إلى بقية السؤال..

الحبيب الغريبي: السؤال باختصار بروز الإسلاميين على الساحة مرورهم بتجربة الحكم هل هذا كان له دور رئيسي في قلب المعادلات الحزبية؟

الصادق الفقيه: بالقطع كان له دور بالذات في هذه المرحلة، الطبيعة المختلفة للأحزاب الإسلامية عن التشكيلات الحزبية الأخرى اليسارية والليبرالية في الوطن العربي أن هذه الأحزاب الإسلامية بطبيعة الدين بطبيعة التدين بطبيعة العلاقة المباشرة مع المواطن المحافظ في المجتمعات العربية جعل لها فرصة أوسع في أن تكون منتمية، هذا الذي فقدته الكثير من القوى السياسية اليسارية والليبرالية الأخرى في الوطن العربي أنه هذه الأحزاب حتى في فترات عدم المشاركة أو منع المشاركة الحزبية ومنع الحياة الحزبية في البلاد العربية كان لها وجودا اجتماعيا، هذا الوجود الاجتماعي المنظم أهّلها عندما أُتيحت الفرصة المفاجئة لأن الثورات أوجدت فرصة لم يتمكن فيها الجميع من ترتيب أوضاعه من توفيق أوضاعه للمساهمة والمشاركة الفاعلة، فكان للأحزاب الإسلامية نتيجة للطبيعة المختلفة الطبيعية الاجتماعية الطبيعية الدينية لهذه القوى الإسلامية أن تكون أكثر تنظيماً وأكثر استعداداً لأن تجد نفسها على استعداد أكبر من غيرها في أن تكون في هذه اللحظة التاريخية التي أُتيحت بفعل ثورات الربيع العربي وهذا لم يكن متوفراً لغيرها من القوى السياسية التي صارت أكثر نخبوية وأكثر انقطاعاً وأكثر حضارية العلاقة بينها وبين المجتمع بينها وبين المواطن العادي قد انقطع لأزمانٍ طويلة، وبالتالي لم تستطع أن تلتحق بفعل هذه الثورات بنفس الطريقة ونفس الفاعلية التي تمكنت بها الأحزاب الإسلامية في أن تعبئ عضويتها أن تعبئ صفوفها أن تعبئ حتى المواطن العادي بشعاراتها التي كانت مألوفة أصلا للمواطن العادي وأن يكون لها القدح المُعلّى في الانتخابات التي جرت هنا وهناك، فالطبيعة المختلفة للقوى الإسلامية هي التي أوجدت هذه المفاجئة التي كانت بالنسبة للكثيرين في القوى السياسية الليبرالية والقوى اليسارية أشبه بالمفاجأة غير المتوقعة أن وجدت أو استطاعت هذه القوى الإسلامية أن تحقق نسباً عالية في صناديق الاقتراع أو في الانتخابات التي جرت هنا وهناك للاستعداد القبلي الاجتماعي الذي لم تستطعه القوى السياسية الأخرى في فترات الضغط السياسي وفي فترات الحرمان السياسي.

لا ديمقراطية بغير أحزاب سياسية

الحبيب الغريبي: ومع ذلك دكتور أيمن هل نحن أمام خارطة حزبية عربية ثابتة أم أن المسألة عابرة تحتاج إلى حالة فرز ربما قد تطول وأن الأحزاب التقليدية الكبرى قد تعود بقوة إلى الساحة، لست أدري كيف تنظر إلى مستقبل الأحزاب العربية في ظل كل هذه المتغيرات؟

أيمن نور: الحقيقة أنا مؤمن أنه لا ديمقراطية بغير أحزاب سياسية ومؤمن أن إعادة ترتيب الخارطة السياسية في مصر أو في العالم العربي مرتبط في بناء حقيقي لخارطة حزبية معبرة عن توجهات أصيلة ورئيسية في المجتمع المصري أو المجتمع العربي، أنا مؤمن وبشكل حقيقي أن هناك أزمة تمر بها الحالة السياسية في العالم العربي وجزء منها الحالة الحزبية التي أصيبت بحالة من حالات التشرذم والتشظي الشديد عقب ثورات الربيع العربي، وأنا لا أُبرئ الثورات المضادة والأنظمة القديمة من هذه المحاولات ودعني أقول لك أنه بعد الثورة المصرية العظيمة في يناير 2011 خرج أكثر من 90 حزبا، أنا أعتقد أنه على الأقل فيهم 40 حزبا خرجوا من رحم المجلس العسكري ومن رحم الثورة المضادة التي كانت تخطط مرة أخرى للاستيلاء على السلطة.

الحبيب الغريبي: أشكرك دكتور أيمن، فقط سؤال قصير للدكتور الصادق هل أنت متفق دكتور صادق مع من يقول الآن بأن المستقبل لن يكون للأحزاب السياسية بل للمجتمع المدني لكل تنظيماته وبكل هيئاته، باختصار؟

الصادق الفقيه: هذه قراءة مؤكد فيها كثير من الصحة أن منظمات المجتمع المدني صارت أكثر فاعلية، هذا ما كان يتوقع من القوى السياسية الحزبية أن تكون في خدمة المجتمعات حتى في فترات الحرمان السياسي أو التضييق السياسي من قبل السلطات الحاكمة، منظمات المجتمع المدني ليس مرضياً عنها بالكامل تحت كثير من الأنظمة العربية ولكن لارتباطها بالمواطن لارتباطها بأغذية المواطن واحتياجات المواطن استطاعت أن تخلق لها وجوداً محسوساً في المجتمعات العربية.

الحبيب الغريبي: أشكرك دكتور صادق الفقيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي من عمان، أشكر دكتور أيمن نور زعيم حزب غد الثورة من بيروت، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة دمتم بخير.