يصنف مؤشر الدول الفاشلة 178 دولة في العالم مستخدما 12 معيارا رئيسيا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا لقياس مدى فشلها، من تلك المعايير شرعية الدولة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون، ومظالم المجموعات، والتنمية غير المتوازنة.

وجاء تقرير عام 2014 -الذي غير المسمى إلى دول هشّة- ليضع عددا كبيرا من الدول العربية والإسلامية ضمن قائمة الأكثر فشلا وهشاشة.

أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية غسان العزي أكد موضوعية معايير تقييم الدول، لكنه أشار إلى أنها غير قانونية ولا يُعنى بها القانون الدولي.

وقال العزي -في حلقة الأحد (28/9/2014) من برنامج "الواقع العربي"- إن عددا كبيرا من معايير الفشل ينطبق على البلدان العربية، موضحا أن الفشل جاء نتيجة تراكمات بدأت بالاستعمار وصولا إلى الفشل في بناء المؤسسات بصورة ناجحة.

وأضاف أن المعايير تتفاوت من دولة إلى أخرى، قائلا "تغيب بعض المعايير في ديمقراطيات عريقة كما حدث في حالة المشاركة البريطانية في الحرب على العراق، أما في دول العالم الثالث فعدد كبير من معايير الفشل ينطبق علينا".

وحول معيار شرعية الدولة، نفى العزي وجود اتفاق كامل بين فقهاء السياسة حول معايير "شرعية الدولة"، وأشار إلى وجود عاملين يحددان هذا الشرعية هما: الشعب، والاعتراف الدولي.

وفي ما يتعلق بمواصفات الدولة الناجحة، قال إن المواطنة هي المعيار الأول لنجاح الدول، وكذلك كفالة الحرية للمواطنين، بالإضافة إلى التطبيق الكامل للدساتير.

العرب والفشل
وفي محاولة لتفسير سبب احتلال دول عربية صدارة قوائم الدول الفاشلة، قال أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية منير سعيداني إن الاستعمار ورّث الدول العربية لسلطات غير مستقلة القرار الوطني في المجالات الاقتصادية والسياسة والعلاقات الخارجية.

وأضاف "أن الدولة الفاشلة ليست "قضاء وقدرا"، ويمكنها التحول لتصبح نماذج إيجابية عبر اتباع سياسات ديمقراطية وإصلاحات تشعر المواطن بأنها حريصة على مصالحه".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: معايير وأسباب فشل الدولة

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيفا الحلقة:

-   غسان العزي/أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية

-   منير سعيداني/أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية

تاريخ الحلقة: 28/9/2014

المحاور:

-   مواصفات الدولة الناجحة

-   الدول العربية من سيء إلي أسوأ

-   الدولة تحتكر ممارسة العنف

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على مفهوم الدولة الفاشلة في ضوء تطورات الأوضاع في كثير من دول المنطقة في الفترة الأخيرة.

يصنف مؤشر الدول الفاشلة 178 دولة في العالم مستخدماً 12 معياراً رئيسياً اجتماعيا وسياسياً واقتصادياً لقياس مدى فشلها، من تلك المعايير شرعية الدولة احترام حقوق الإنسان سيادة حكم القانون ومظالم المجموعات والتنمية غير المتوازنة، جاء تقرير عام 2014 الذي غير المسمى إلى دول هشة ليضع عدد كبيراً من الدول العربية والإسلامية ضمن قائمة الأكثر فشلاً وهشاشة.

[تقرير مسجل]

عبد القادر عراضة: خلال السنوات العشر الماضية دأبت مجلة foreign policy الأميركية على إعداد مقياس لمدى سوء أوضاع دول العالم المختلفة وذلك حسب عدة معايير منها المؤشرات الاجتماعية وتضم تصاعد الظروف الديمغرافية والحركة السلبية والعشوائية للاجئين والأفراد والمؤشرات الاقتصادية ومن بينها غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة وتراجع المؤشرات الكبرى كالدخل القومي وسعر الصرف والميزان التجاري والمؤشرات السياسية كفقدان شرعية الدولة بسبب فساد النخبة الحاكمة وغياب الشفافية والمحاسبة السياسية وضعف الثقة في المؤسسات إضافة إلى عدم التطبيق العادل لحكم للقانون وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الأمن، هذا العام أطلقت منظمة الصندوق من أجل السلام والتي تعنى بمنع النزاعات مصطلح قائمة الدول الهشة بدلاً من الدول الفاشلة في تقريرها السنوي وكانت دول عربية وإسلامية عديدة في مراتب متقدمة، جاء ترتيب دولة جنوب السودان الأول من حيث الهشاشة بين دول العالم متبوعة بالصومال والسودان وحلت اليمن ثامنة والعراق وسوريا في المراتب الثالثة عشر والخامسة عشر على التوالي، أما مصر الدولة الأكبر عربياً فجاءت بعد الانقلاب العسكري في المرتبة ال31 بالقرب من ميانمار ونيبال ورواندا، وفي مراتب ضمن الربع الأسود للدول الأكثر فشلاً كانت ليبيا وتوغو وإيران ولبنان بينما تغلبت تونس على نصف الدول فحلت في المرتبة الحادية والثمانين متبوعة بالأردن وفي رواق أحسن حلت المغرب، دول الخليج جاءت في مراكز متأخرة من حيث الهشاشة فحققت بذلك مراتب ناجحة إذ جاءت السعودية في المرتبة 96 بينما حلت الكويت وُعمان وقطر والإمارات في مراتب متقدمة وجاءت أقل الدول فشلاً أو بعبارة أخرى على رأس الدول الناجحة كل من فنلندا والسويد والدنمرك والنرويج وسويسرا.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: مفهوم الدولة الفاشلة نناقشه مع ضيفنا من بيروت الدكتور غسان العزي أستاذ العلوم السياسية من الجامعة الأميركية، أهلاً بك دكتور غسان، دكتور غسان عادة يعني لا نلقي بكثير بال لتقارير المنظمات الدولية فيما يتعلق بتصنيف الدول بين ناجحة وفاشلة أو هشة، عادة نخرج من بيوتنا نشاهد الشرطي الأمور تسير وبالتالي ما الذي يعنيه وجود دولة هشة أو دولة فاشلة.

غسان العزي: سيدي في القانون الدولي هذا لا يعني شيئا، ليس هناك من تصنيف متفق عليه يعني كل المعايير التي تفضلت بها والتي يعني تبنتها مجلة foreign policy وتصدر قائمة تضم 178 دولة كل عام هي معايير يعني يمكن الاستهداء بها، نحن كباحثين ولكنها ليست معايير قانونية متفق عليها بين كل الفقهاء، حتى أكاد أقول بأن باحثاً كبيراً شخصاً معروفاً مثل نعوم تشومسكي نشر كتاباً ذائع الصيت عنوانه الدولة الفاشلة وهو يقول طبعاُ أنا لا أتبنى ما يقول وهو يخلص في كتابه بأن الولايات المتحدة هي دولة فاشلة لأنها تهدد الاستقرار الدولي ولأنها تتسبب بكل هذا الفشل للدول التي تفضلت بذكرها..

عبد القادر عيّاض: دكتور غسان ماذا عمّا هو متفق عليه على الأقل من حيث معايير التمنية معايير الحريات فيما يتعلق بمفهوم دولة فاشلة أو هشة.

غسان العزي: يعني طبعاً نحن كباحثين نتفق يعني أنا عندما أقرأ هذه المعايير بالطبع يعني هذه المعايير من الناحية على الأقل الموضوعية ينبغي أن يكون هناك تنمية مستدامة ينبغي أن يكون هناك نمو متوازن هناك ديمقراطية هناك معايير موضوعية ولكن هذه المعايير تتفاوت من دولة إلى دولة حتى في الدول الأكثر ديمقراطية في العالم لنأخذ بريطانيا الأكثر عراقة في الديمقراطية فإن عدداً من هذه المعايير لا ينطبق على بريطانيا في بعض الأحيان، يعني إذا أخذنا حكومة توني بلير وتدخلها في العراق 2003 فإننا نجد أن بعض هذه المعايير لا تنطبق على بريطانيا، معايير أخرى لا تنطبق على الولايات المتحدة نفسها، ولكن للأسف الشديد دول العالم الثالث والتي نحن منها عدد كبير جداً من هذه المعايير معايير الفشل ينطبق علينا وبشكل مستدام يعني للأسف الشديد هناك دول يعني يمكن أن نقول هشة يمكن أن نقول ضعيفة يمكن أن نقول فاشلة وبشكل دائم فيها يعني..

عبد القادر عيّاض: هل يمكن دكتور غسان توصيف حالة الفشل بأنه في النهاية محصلة علامات فشل على مجموع مستويات وليس في مجالات معينة عندما يتعلق الأمر كما ذكرت النموذج البريطاني أو النموذج الأميركي ولكن نماذج دول العالم الثالث هي محصلة أو تراكمات لمجموعة فشل على مستويات متنوعة، هل يمكن توصيف حالة الفشل أو الهشاشة بهذه الصورة؟

غسان العزي: لا صحيح كما تفضلت هي تراكمات يعني هي دول خرجت من الاستعمار منذ فترة غير طويلة وهي حتى هذه اللحظة لم تنجح في بناء مؤسسات وحتى المؤسسات التي نجحت في بنائها لم تكن مؤسسات ناجحة أو لم تصمد مع التطور أو أن أمامها الكثير مما ينبغي عليها أن تحققه على الصعد كافة، الاجتماعية والسياسية..

عبد القادر عيّاض: طيب أنا أمامي جملة نقاط ذكرتها في بداية هذه الحلقة ربما يعني تحتاج إلى شيء من التفصيل حتى نفهم ما علاقة فشل الدولة بهذه العناوين عندما نقول شرعية الدولة كمعيار من معايير الفشل ما الذي نعنيه بذلك؟

غسان العزي: يعني شرعية الدولة يحددها عاملان أولاً الشعب، الدولة يعني تأخذ شرعيتها من الشعب، الآن كيف عن طريق الانتخابات، الانتخابات هل هي انتخابات صحيحة أم مزورة من يقرر أن هذه الانتخابات صحيحة أو مزورة؟ تأخذ شرعيتها من الاعتراف الدولي بها هناك اعتراف قانوني واعتراف واقعي، يختلف الفقهاء هل هناك ضرورة للاعتراف بالدولة حتى تكون هذه الدولة موجودة هناك فقهاء يقولون هي موجودة ولكن الاعتراف يؤمن لها تعاونا مع المجتمع الدولي يعني هناك جدل حول كل هذه المعايير، ليس هناك من اتفاق كامل بين كل الفقهاء في علم السياسة على القول بأن هذا المعيار هو أساسي ومن خلاله ينبغي أن ننظر إلى أن نقول هذه الدولة شرعية أو غير شرعية ممكن أن نقول حكومة شرعية أو غير شرعية ولكن دولة شرعية أو غير شرعية يعني هذا أمر فيه الكثير من اللغط والجدال الدولة قائمة أو غير قائمة معترف بها أو غير معترف بها، أما الحكومة فقد تكون يعني حكومة مستبدة وأنها استولت على السلطة..

عبد القادر عيّاض: طيب.

غسان العزي: فهي شرعية أو غير شرعية..

عبد القادر عيّاض: بالنسبة دكتور غسان بالنسبة للمواطن العادي يقول عندما أخرج من بيني أشاهد شرطي المرور عندما أخرج من بيتي، أشاهد الجندي عندما أذهب إلى مؤسسة وأستلم راتبي فهذا دليل بأنني موجود في دولة ودولة حقيقية هل هذا صحيح بوجود هذه العوامل الأمن.

غسان العزي: لا.

عبد القادر عيّاض: وثم الراتب معنى ذلك بأن هذه دولة حقيقية أو دولة غير هشة.

غسان العزي: يعني الدولة المستبدة هي دولة حقيقية دولة موجودة، يعني الدولة من مهام الدولة هي تأمين ازدهار تأمين أمن المواطن تأمين رفاهية المواطنين تقدمهم ازدهارهم، الدولة المستبدة هي دولة حقيقية موجودة وقد تكون معترفا بها وقد تكون دولة قوية وموجودة على الساحة الدولية ولكن إذا كان الشعب راضٍ عن هذا الاستبداد وقانع به لأسباب تكون هذه الدولة شرعية ونكون بإزاء دولة موجودة قائمة وشرعية ولكن إذا كان المواطنون مقموعين ومضطرين للقبول فهذه دولة غير شرعية وسوف تأتي ظروف ليتم الانتفاض عليها، الآن مفهوم المواطنة يعني هو الذي يحدد ما إذا كانت هذه الدولة أيضاً شرعية أم غير شرعية، إذا كان المواطن يعتبر نفسه بأنه مواطن يتمتع بحرياته..

مواصفات الدولة الناجحة

عبد القادر عيّاض: في هذه الحالة دكتور غسان أعذرني على المقاطعة فقط لأن الوقت يداهمنا والموضوع شائك ومتشعب جداً، قلت في البداية بأنه من الصعب الاتفاق على جملة المفاهيم التي من خلالها نستطيع تصنيف هذه الدولة أو تلك بأنها فاشلة أو هشة، دعنا نقلب المعادلة ما المواصفات التي يجب أن تتوفر في دولة حتى نقول بأنها دولة ناجحة أي عكس هشة أو عكس فاشلة.

غسان العزي: يعني أو المعيار الأول هو المواطنة أن يشعر المواطن بأنه مواطن حقيقي بمعزل عن انتمائه الديني أو العرقي أو الاجتماعي والسياسي بأنه يتمتع بالحريات الأساسية وبأن الدولة موجودة لكي تقوم بحماية حرياته الأساسية والحريات الأساسية معروفة ومحمية من الدستور وأن يكون هناك تطبيق فعلي للدساتير للدستور المتفق عليه وللقوانين المنبثقة عنه، يعني هذه أمور متعارف عليها، في هذه الحالة نستطيع أن نقول أن هناك مواطن وبأن هناك دولة، طبعاً الحكومة أو الطبقة السياسية تختلف عن الدولة لأنها تتغير، الحكومات ينتخبها الشعب بموجب يعني نصوص قانونية متفق عليها سلفاً برضا هذا الشعب وهو الذي يقرر..

عبد القادر عيّاض: أشكرك.

غسان العزي: بقاء هذه الحكومات أو تغييرها، تداول السلطة هناك مئات من المعايير ينبغي أن يكون هناك حلقة كاملة لكي نتكلم عن هذه المعايير، عندما نقول ديمقراطية ماذا تعني الديمقراطية؟ لا يكفي أن نقول ديمقراطية، هناك معايير كثيرة جداً بالعشرات كي نستطيع أن نتكلم عن الديمقراطية الحقيقية وهناك..

عبد القادر عيّاض: وصلت دكتور غسان العزي أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية شكراً جزيلاً لك. هذا ربما مفهوم أو مفاهيم الدولة الفاشلة، الآن هذا التقرير الذي سنقدمه بعد قليل يلقي مزيدا من الضوء على مفهوم الدولة الفاشلة مع التطبيق على نماذج بعض دول المنطقة قبل وبعد ثورات الربيع العربي.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: الدولة الفاشلة مصطلح بات يتكرر كثيراً في السنوات الأخيرة مع اتساع نطاق الاضطراب الأمني وعدم الاستقرار وتراجع مستويات المعيشة في كثير من دول المنطقة، ولا يقتصر الحديث عن الدول الفاشلة كما يرى كثيرون على بلدان الربيع العربي فالسودان كان مثالاً واضحاً على دولة فاشلة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً كنتاج طبيعي للحروب الطويلة التي خاضتها الدولة السودانية وسوء الإدارة ما أدى إلى اضطرابها ثم تعثر مشروع الوحدة لينفصل الجنوب عن الشمال لكن هذا الحديث يقود إلى رصد مآلات ثورات الشعوب في دول الربيع العربي وخروجها على الحكام في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فقد كانت الشعارات التي رفعتها تلك الثورات تدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم بعدما اختنقت تلك الشعوب بمشاكل فشلت الحكومات في حلها ولا تزال، والأحداث الأخيرة كشفت عن مستوى الهشاشة التي تعانيها المنطقة العربية مع تحولها لبؤر للصراع العسكري ما يثير إشكالية ما كان يسميه بعض الحكام لتخويف شعوبهم بنموذج الصوملة، قد تبدو جمهورية الصومال منذ أكثر من 20 عاماً المثال الأبرز على صعوبة العودة إلى الدولة المركزية وغياب أفق إمكانية تعافي الدولة والأمن والمواطن إذا انهارت الدولة كلياً، أما العراق الذي دخله الأميركيون بحجة نشر الديمقراطية فقد أصبح منذ عام 2003 دولة فاشلة ومفككة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي، ومع سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة منه أصبح من الصعب عودته إلى مفهوم الدولة، أما سوريا التي يخوض فيها النظام حرباً للدفاع عن نفسه بعد الثورة التي قامت لإسقاطه منذ  العام 2011 فأصبحت بيئة حاضنة للجماعات المسلحة، وها هو اليمن ليس ببعيد عن حال الدول الفاشلة، فالثورة على الرئيس المخلوع علي صالح ورثت يمناً منهكاً اقتصاديا واجتماعياً ومجزئا مناطقياً ولم تستطع الصمود أمام مؤامرة إسقاط العاصمة ومدن أخرى في وقت قصير، الغالب أن هذه الدول الفاشلة لن تشكل خطرا على نفسها ومحيطها فقط بعدما أصبحت حاضنة للجماعات المسلحة والعنيفة بمختلف توجهاتها الطائفية والمذهبية كما أن عدم قراءة فشلها بشكل صحيح وتبني مفاهيم الدولة الحقيقية في هذه البلدان قد يكون سبباً رئيساً في انفجارات جديدة للوضع في المنطقة والعالم، وقد تؤدي سياسات تلك الدول كما يرى المفكر الأميركي نعوم تشومسكي إلى توحد العالم ضدها وضد سياساتها وتحجيم نفوذها في العالم.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: إذن هذه نماذج من الدول العربية التي وصفت بالهشة أو الفاشلة ولكن التقارير الدولية تضم أيضاً عددا أكبر من الدول العربية الموصوفة بهذه الحالة، لفهم لماذا هذه الحالة خاصة ما بعد ثورات الربيع العربي معنا من تونس الدكتور منير سعيداني أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، أهلاً بك دكتور منير، دكتور منير في السنوات السابقة كان يعزى تصنيف الدول العربية بشكل طبيعي إلى حالة الاستعمار، الآن ما الذي يفسر دائماً ازدحام قوائم الدول الموصوفة بالفشل أو الهشاشة بأسماء عدة من الدول العربية.

منير سعيداني: يعني بالنسبة للدول ما قبل ثورة تونس مثلاً 17 ديسمبر وما قبل الحركات الأخرى التي وجدت في أقطار عربية أخرى في الحقيقة الدولة كانت دولة ما بعد الاستعمار أو الدولة ما بعد الاستعمارية، بمعنى أنها دولة كانت وريثة لجملة من الأوضاع سطرتها السلطات الاستعمارية سواء السلطات الاستعمارية الفرنسية أو السلطات الاستعمارية الإنجليزية ثم بعد ذلك أشكال الاستعمار غير المباشر المتعددة والتي ورثتها أساساً الولايات المتحدة الأميركية، إذن هناك تنسيب أول لم نكن إزاء دول مستقلة استقلالا تاماً، بمعنى أن القرار الاقتصادي الوطني وكذلك القرار السياسي وما يتبع ذلك من سياسات خارجية وداخلية تسمى عادة السياسات العمومية لم تكن في حقيقة الأمر يعني مجال سياسة مستقلة أو قرار وطني مستقل، هذا توضيح أول من الضروري فهمه، التوضيح الثاني هو أن في حقيقة الأمر إذا ما أخذنا تونس مثلاً بإمكاننا أن نعدد كل 4، 5 سنوات نوعاً من الحركة الاجتماعية الكبرى الذي يمكن حتى أن تتخذ شكل انتفاضة اجتماعية عارمة لأوضاع عادة تكون فيها الكثير من مظاهر فشل الدولة في إدارة الشأن العام كالاستجابة لمطالب الناس، كتحقيق الرفاه الاقتصادي، كتحقيق توازن بين الجهات أو توازن بين القطاعات إلى آخره، إذن لم يكن النموذج ناجحاً والآن نحن بصدد انتقاد نموذج فاشل...

الدول العربية من سيء إلي أسوأ

عبد القادر عيّاض: ولكن لماذا ذكرت تونس كعينة، في التقرير تكلمنا عن الحالة السودانية والموصوف بها الآن سواء السودان أو دولة جنوب السودان كدولة تمخضت عن السودان، ما يجري في الحالة اليمنية في الحالة السورية في الحالة العراقية طبعاً مع التفاوت في حالة الهشاشة، ما تفسير وصول هذه الدول إلى هذه الحالات، الاستعمار كان أيضاً في دول أخرى كالهند وربما حالة مختلفة كالحالة التركية والحالة البرازيلية أو حتى في الجارة إيران واستطاعت أن تتجاوز إلى حد ما في مستويات معينة كالتنمية بينما في الحالات العربية القوائم من سيء إلى أسوأ.

منير سعيداني: نعم يعني أنت ذكرت الكثير من الأمثلة التي يمكن أن تناقش كل بحالها، يعني عندما نتحدث عن النموذج البرازيلي مثلاً علينا أن نضع نفسنا في سياق تلك الحركة التي شملت العديد من بلدان أميركا الجنوبية والتي بالضبط تميزت بسياسات أكثر فأكثر تحرراً من هيمنة الأوضاع الموروثة عن الاستعمار، أنت تعلم والسادة المشاهدون يعلمون أننا في السياق الأميركي الجنوبي نحن إزاء سياسات متتالية من النضال المرير ضد الدكتاتورية ومن النضال المرير من أجل التحرر من الاستعمار مثل تشيلي مثل البرازيل الذي ذكرته مثل بيرو مثل فنزويلا مثل كولومبيا إلى آخره، هذه كلها أمثلة تدل على أن التقدم في اتجاه دولة ناجحة بين ظفريين يمكن أن نعود إن سمح الوقت لمناقشة الفشل والنجاح إلى آخره ولكن نموذج الدولة الناجحة لا يمكن أن يكون إلا بإتباع سياسات محددة، أنا في اعتقادي أن أول ما يوضع على رأسها هو استقلالية القرار الوطني والبعد أكثر ما أمكن عن نموذج الدولة الوارثة لأوضاع الاستعمار بالنسبة إلى الأقطار العربية..

عبد القادر عيّاض: هل دكتور منير، هل يشعر المواطن العربي على الأقل في النماذج الصارخة التي ذكرناها أنه يعيش في دولة هشة وما هي مظاهر ذلك؟ مثلاً هل يمكن أن نسمي مثلاً قوارب الموت والهجرة بشكل جماعي مظهرا صارخا من مظاهر هشاشة الدولة، فقدان الأمل في هذه الدول؟

منير سعيداني: يعني فقدان الأمل في اعتقادي يختلف عن أو على الأقل يجب أن نميزه عن الهشاشة، من منظور المواطن ما هو مطلوب ليس أن تكون الدولة موجودة بل أن تكون الدولة خادمة لمصالحه ولذلك فإننا إن عدنا إلى شعارات الثورة التونسية مثلاً 17 ديسمبر سنجد أنها أشارت وبذلك الحس العفوي إلى أن هذه الدولة في حقيقة الأمر فيها الكثير من مظاهر الفشل، عندما يرفع شعار من نوع التشغيل استحقاق يا عصابة السراق، فإننا يمكن أن نرى في هذا الشعار أن الشعور العام لدى المواطنين هو أن هذه الدولة ليست دولة في حقيقة الأمر هي عصابة سُراق، لماذا توصف الدولة بهذا الوصف لأنها عجزت عن أن تكون جملة من الأجهزة المترابطة التي تحقق الرفاه الاقتصادي المطلوب التي تحقق المطالب الدنيا للحياة الكريمة بالنسبة للمواطنين..

عبد القادر عيّاض: دكتور منير.

منير سعيداني: نعم.

عبد القادر عيّاض: هل اللجوء إلى العنف أيضاً في ضمن ما ذكرناه من نماذج، اللجوء إلى العنف هل أيضاً هو مظهر من مظاهر هشاشة الدولة؟

منير سعيداني: اللجوء إلى العنف عند من؟

الدولة تحتكر ممارسة العنف

عبد القادر عيّاض: من طرف على الأقل بشكل فردي كظاهرة اجتماعية بارتفاع معدلات العنف أو بشكل سياسي من خلال جماعات معينة داخل هذه الدول لها مطالب معينة ولكن تعبر عنها بالعنف كوسيلة، شاهدنا في الحالة اليمنية شاهدنا في الحالة العراقية حتى في الحالة التونسية وفي حالات أخرى.

منير سعيداني: في تراث العلوم السياسية الدولة تمارس العنف الشرعي بمعنى أنها تحتكر ممارسة العنف ولكن ذلك لا يكون إلا إذا كانت قاعدتها الشرعية ليس فقط القانونية ولكن شرعية الإنجاز الاجتماعي وشرعية الإنجاز الاقتصادي إلى آخره معترفاً بها كلما قل الاعتراف كلما تقلصت شرعية السلطة، نحن نذهب إلى وضع يكون فيه استخدام القوة في مواجهة قوة الدولة أو العنف في مواجهة عنف الدولة أكثر فأكثر شرعية بين ظفريين بمعنى أن المواطن أو حتى المجموعات تشرع لنفسها استعمال العنف لأنها تعتبر أن عنف الدولة الكف على أن يكون شرعياً بمعنى أنه ظالم بمعنى أنه مستبد بمعنى أنه لا يراعي التوازنات الاجتماعية إلى آخره، بطبيعة الحال علينا أن نأخذ بعين الاعتبار جملة من الخصوصيات الأخرى التي تتعلق بالصراعات المذهبية والانقسامات الطائفية والانقسامات الجهوية إلى آخره، الوضع معقد جداً بطبيعة الحال لا نستثني من ذلك...

عبد القادر عيّاض: هل وصف دولة بأنها هشة دكتور منير هل هو قضاء وقدر، حالة يجب الاستسلام لها أم هناك نماذج ربما قد تعطي ربما نماذج عربية قد تعطي بصيص أمل فيما يتعلق بتجاوز هذه الحالة إلى حالة إيجابية؟

منير سعيداني: لا لا لا ليس قضاءً ولا قدراً ويمكن التحول في اتجاه يعني نماذج إيجابية هذا أمر مفروغ منه عندما ترى الجماهير وإن استعملنا مفهوماً غائماً بعض الشيء تناضل من أجل تحسين أوضاعها وتتحرك من أجل بناء دول قوية...

عبد القادر عيّاض: هل هناك نموذج عربي يمكن أن نقتدي به؟

منير سعيداني: إلى حد الآن لا أرى ذلك ولكن إن تمكنت الأوضاع في تونس من أن تتحول في اتجاه دولة للرعاية الاجتماعية تكون مستقلة القرار الوطني وعادلة وديمقراطية وتراعي أجيالها الشابة وتراعي كل مكونات المجتمع فيمكن أن نتحول إلى ما يقرب من التجربة الناجحة ولا أقول نموذجا لأن كلمة نموذج فيها الكثير من العناصر التي في اعتقادي لا نزال نفتقدها إلى حد الآن.

عبد القادر عيّاض: أشكرك الدكتور منير سعيداني أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، وبهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرجوه واقعاً ناجحاً نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي بإذن الله في حلقة جديدة إلى اللقاء.