قال أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية مهدي مبروك إن القاسم المشترك بين جميع البلدان العربية التي بلغت حالات العنف فيها درجات قياسية هو "قيادتها بواسطة أنظمة عسكرية"، مضيفا أن "العسكر العربي" إذا وصل إلى السلطة يبرر العنف والإقصاء.

وأكد في حلقة الجمعة (26/9/2014) من برنامج "الواقع العربي" أن وصول العنف إلى هذه الدرجة غير المسبوقة بالبلدان العربية يعني عجز النخب عن إقامة حوار وطني يضم مختلف الفاعلين السياسيين، لا سيما في ظل تمحور الاستقطاب بين مجتمع سياسي وآخر عسكري.

وأشار مبروك -وهو وزير الثقافة التونسي الأسبق- إلى افتقار معظم البلدان التي تشهد أحداث عنف لوجود روابط لحقوق الإنسان أو نقابات أو اتحادات عمالية أو منظمات مجتمع مدني تقوم بدور في التقريب بين الأطراف تحت مظلة وطنية.

وحول دور النخب الثقافية في تكريس ثقافة الحوار، لفت مبروك إلى أن القاسم المشترك بين ثورات الربيع العربي التي بدأت شراراتها نهاية عام 2010 يتمثل في أن النخب الفكرية والثقافية لم تقدها رغم أنها شكلت أساسا لهذا الحراك، وقادتها جموع عامة غير متأطرة.

وألمح أستاذ علم الاجتماع إلى دور العامل الخارجي في الأحداث التي تشهدها الدول العربية، مؤكدا وجود "عوامل خارجية تغذي العنف واقتصاد سياسي لتمويله".

وردا على سؤال بشأن التجربة التونسية بوصفها استثناء في غلبة الحوار على العنف، عزا مبروك ذلك إلى البنية السياسية والاجتماعية لتونس، لافتا إلى أنها تشهد حكما مدنيا منذ الاستقلال عن فرنسا، وأكد أن "الاستثناء التونسي ناجم عن تاريخ".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: طغيان العنف على الحوار بالبلدان العربية

مقدم الحلقة:  الحبيب الغريبي

ضيف الحلقة: مهدي مبروك/أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية

تاريخ الحلقة: 26/9/2014

المحاور:

-   استخدام العنف بدل اللجوء إلى الحوار

-   النخب السياسية ودورها في عملية الانتقال الديمقراطي

-   الربيع العربي وإشكالية التدخل الخارجي

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نُسلّط فيها الضوء على مستقبل الحوار الوطني في عالمنا العربي في ضوء دعوة الأمم المتحدة للأطراف الليبية للجلوس إلى طاولة الحوار والمفاوضات.

شكّلت الدعوة الدولية التي أُطلقت من الأمم المتحدة للأطراف الليبية للشروع في حوارٍ سياسي يُنهي الصراع شكلت مدخلاً للتساؤل عن سبب إخفاق الأطراف السياسية خاصةً في بلدان الربيع العربي من حلّ خلافاتها بالحوار بدل الركون إلى السلاح، وتعيش عددٌ من دول الربيع العربي حالةً من العنف تتعدّد أسبابه وأطرافه والنافخون في نيرانه من الداخل والخارج.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: في الشرق الأوسط الآن حربٌ بل حروبٌ مفتوحة، حربٌ أميركيةٌ دوليةٌ من السماء وعلى الأرض يواصل العرب الاقتتال دون أن يفهم أحد لما يستشري كل هذا العنف في بلدان الربيع العربي؟ ولِم لا تسود ثقافة الحوار ولِم السلاح هو الوسيلة الفضلى لتبادل وجهات النظر والقتلى؟ يقرأ كثيرون ما يجري كرسالةٍ موجهة لإبقاء شعوب المنطقة أسرى الثنائية القاتلة، الاستقرار مع الاستبداد أو الحرية مع الفوضى، في ليبيا وقّع 13 بلداً ومعهم الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة وثيقةً تدعو إلى وقفٍ لإطلاق النار وإجراء حوارٍ سياسي وأكدّوا رفضهم لأي تدخلٍ أجنبي، من بين الموقّعين مصر والإمارات. دعمت الدول جهود الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا لضمان التوصل إلى تسويةٍ عن طريق التفاوض، يبدو ذلك صعباً فنظرةٌ على الوضع الليبي كافيةٌ لإظهار كمّ التدخلات الخارجية لكن وبالرغم من ذلك ومن انعدام الثقة يرى كثرٌ أنّ الأطراف في ليبيا يمكنها ما تزال احتواء الخلافات بأن تعصم نفسها عن التدخلات الخارجية، تونس المجاورة مثالٌ نموذجيٌ لدولةٍ تمكنت من تحقيق الاستقرار والحرية، تُحافظ قوى الثورة هناك على آليات عملٍ سياسي تمنع التصادم، لعلّ التأثير التونسي المحدود في محيطه ساهم في ذلك لكن لا يمكن إغفال الوعي السياسي لدى التونسيين ونخبهم ليبراليةً وإسلامية. في العراق يُخفق العراقيون منذ 11 عاماً في تحقيق شراكةٍ سياسية حقيقية مع استشراء الطائفية والمحاصصة، مشكلةٌ معقدة تبدو معها مقاربة الحل عبر تغيير وجوهٍ في الحكومة أقرب إلى المزاح. في اليمن تبدو التسوية والحوار في وادٍ والبلاد تحت أمرٍ واقعٍ يسوقها إلى وادٍ آخر. سوريا الصراع المفتوح على المجهول من البداية استعصى الحوار مع رفض النظام الاعتراف بثورةٍ في وجهه بل تمسك بمقولة المؤامرة الخارجية، بعد طول كلام جلس الأسد مع من كان يصفهم بالمتآمرين في جنيف مرتين انتهت إلى لا شيء قبل أن ينتهي به الأمر الآن مُصفّقاً للمؤامرة التي تقصف المؤامرة على أرض بلده، لبنان الحديقة الخلفية لسوريا بلا رئيس جمهورية منذ 125 يوماً، يختلف اللبنانيون على كل شيء ويبدو البلد الصغير واقعاً تماماً تحت تأثير الإقليم الذي استطاع بحلٍّ سحري قبل عقدين ونصف إنهاء حربٍ أهليةٍ طويلة باتفاقٍ أُنجز في الطائف. إنّه الواقع العربي الذي يردُّ كثيرون السبب فيه إلى طغيان ثقافةٍ سياسيةٍ تحكمها عوامل التعصب ورد الفعل وتركيبة أنظمةٍ ورثت الاستعمار فلم تُقم دولاً بل سلطات، وفي غياب عقدٍ سياسي واجتماعي يُحدّد لكلٍ ما له وما عليه لا يكون الحوار مهمةً صعبةً وحسب بل ممتنعةٌ من الأساس.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: موضوع حلقتنا اليوم نناقشه مع ضيفنا مهدي المبروك وزير الثقافة التونسية الأسبق وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، مرحباً بك سيد المبروك. إذن نحن أمام أمثلة ونماذج لعديد الدول العربية التي هبّت عليها رياح التغيير والثورات، بعضها والعدد قد ينحصر في واحدة هي تونس وجد طريق خلاصه بإتباع أُسلوب ومنهج الحوار والتوافق والبقية تعسرت فيها هذه الآلية بشكل كبير وبعضها محتكم إلى السلاح منذ فترة، سيد المبروك كيف نفهم هذه الغلبة للعنف وهذا الاحتكام إلى حُجّة القوة بدل قوة الحُجّة؟

استخدام العنف بدل اللجوء إلى الحوار

مهدي مبروك: نعم ربّما شكّلت تونس حالة استثنائية ولكنّها حالةٌ استثنائية يمكن ردّها إلى أسباب اجتماعية سياسية، ورغم هذا الاستثناء التونسي فإنّ الحالات المتعددة في الوطن العربي كما ذكرتم من سوريا إلى اليمن إلى العراق إلى ليبيا، باستطاعتنا أن نجعل لها خيطاً ناظماً نُفسّر به ما يحدث بعلاقة مباشرة بتصاعد موجة العنف السياسي، أقول أنّني عليّ أن أستبعد تماماً التفسير الثقافي والذي يجعل العنف وكأنّه ميزة جوهرية للشعوب، فنُصنّف أنّها شعوب عنيفة وشعوب هادئة، هذه اكتشافات الأنثروبولوجيا تقريباً منذ سنة 1940 بيّنت أن العنف لدى المجموعات البشرية مرتبط بالتنشئة بالتربية بالهياكل الاجتماعية بالبناء، وفيما يخُصّ الحالة العربية الراهنة أعتقد أنّه لا بُدّ أن نعود إلى التاريخ السياسي الحديث تقريباً منذ أواخر القرن التاسع عشر التجارب الاستعمارية التي تركت أثرها في الجزائر في أكثر من حالة تركت بُنى اجتماعية آلت تقريباً تجارب التخلص من الاستعمار آلت إلى بنية تسلّطية يقودها العسكر في أكثر من حالة هذا عامل، العامل الثاني الذي لا يمكن أن نغفله قضية تجربة البناء الوطني وقدرة الدولة الوطنية على إدماج مختلف الفاعلين السياسيين على البناء الوطني، وكلما كان الاستثناء والإقصاء في تجربة البناء الوطني تجربة ما بعد الاستعمار وبناء دولة الاستقلال إلا وزرعنا بذور العنف السياسي، قضية النموذج الأيديولوجي المُتبناة في النخب الحاكمة، نماذج في أكثر من دولة بينّت مثلاً كيف تم التعامل مع السلطة في العراق يعني منذ تجربة الجمهورية المبكرة والتخلص من الملوكية وأعتقد ظاهرة السحل، ذاكرتنا العربية السياسية تستحضر في أكثر من حالة كيف تم التخلص من الأنظمة الملوكية على تهرّمها وعلى عدم حداثتها، في الكثير من الأحيان تم استعمال فائض من العنف في التخلّص من الملوكية ثم ونصل يعني إلى آخر مراحل البناء الوطني وهو الثمانينات والتسعينات حينما بدأ التفطّن إلى أهمية الانفتاح وأهمية استيعاب ما يحدث في محيطنا الإقليمي والعالمي بعد انهيار الأنظمة الشمولية وبعد الموجة الثالثة من الديمقراطية، يعني الأنظمة العربية لم تستمع إلى هذا الصوت وظلّت مغلقة وبالتالي هذا ما دفع إلى قيام أشكال من المعارضة العنيفة والمسلّحة للأسف يعني تسلّحت في أكثر من حالة ومع الظرف الإقليمي والظرف الدولي، كل هذه العوامل ساهمت في تجدّد بنية العنف في ثقافتنا السياسية وظلّت لأسبابٍ تاريخية قد أعود إليها الحالة التونسية هي حالة استثنائية ولكنّها ليست حالة فوق التاريخ وحالة تعود إلى جوهر وطبع الإنسان التونسي إنّما إلى تاريخ سياسي قريب أساساً.

الحبيب الغريبي: طيب معلش يعني هي مقدمة جميلة جداً تضعنا ربّما على السكة، ولكن السؤال إلى أي حد يمكن القفز على خصوصيات هذه البلدان، هناك خصوصيات سياسية اقتصادية ديمغرافية هيكلية بنيوية في داخلها وتنميط المقاربة في البحث ربّما عن منتوج لهذا الربيع العربي؟

مهدي مبروك: قواسم مشتركة نعم، طبعاً لا يمكن تماماً إلا أن نراوح بين ما هو محلي وما هو عام مشترك، نحن في وطن عربي هناك عدّة قواسم مشتركة يمكن أن نعود إليها كطبيعة الثقافة السياسية ما يُسمّيه شوشرة البنية الأبوية في منظومة السلطة العربية يعني الحنين أو Nostalgia إلى القبيلة سواءً كانت كبنية اجتماعية أو متخيل ثقافي كلّها هذه قواسم مشتركة، ولكن أيضاً كما ذكرتم أستاذ الحبيب لا بُدّ أن نعود إلى التاريخ المحلي لكل حالة، الحالة التونسية نعلم تماماً أنّها تقريباً منذ أواخر القرن التاسع عشر ذهبت تونس إلى التحديث وهنا نتذكر أن تونس كانت ورشة مع تركيا ومع مصر على الإصلاحات الكبرى المفتوحة على القيم الكونية، خير الدين التونسي الصادّقية المدرسة العسكرية إلى غيره، كل ذلك ظهيرة الجمعيات الرائد الرسمي الصحافة كل هذا ساهم بشكلٍ مبكر وكانت تونس مع هذا الثالوث شكلت حظيرة للإصلاحات السياسية الكبرى والثقافة المدنية، ثانياً الحركة النقابية منذ الأربعينات وكانت استثناء في العالم العربي ثم لا تعلم أنّا كنا أول دولة عربية ألغت الرّق وألغينا فيما بعد تعدّد الزوجات، ثم جاءت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان كعمود فقري للمجتمع المدني في السبعينات وكانت هذه ظاهرة، فبالتالي أيضاً طبيعة النخبة الحاكمة وكانت استثناء في الوطن العربي، لأول مرّة بعد الاستقلال تمسك نخبة مدنية بورقيبة ومجموعة الإصلاح التي انفتحت على الثقافة الفرنسية، القادمون من فرنسا بقطع النظر عن توجهاتهم كانت نخبة مدنية، في شرقنا شرق الحال التونسي العسكر يعني جنوبه العسكر مصر العسكر، أينما الشرق كلّها يعني إما بنية عشائرية أبوية قبلية عسكرية وكانت الحالة التونسية كانت حالةً مدنية استثناء، يعني أن يحكم المدنيون بعد خروج الاستعمار بقطع النظر عما وقع من مفاوضات وترتيبات كبرى فهذه استثناء، بنية السلطة في تونس كانت بنية مدنية وكان مجتمع مدني قوي، تتذكر المناكفة التي صارت بين الاتحاد العام التونسي للشغل منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات كانت هذه كلها صمام أمان وقوة توازن لم تتغول السلطة السياسية حتى في أقصى عنفوانها وأحاديث السلطة تغولت السلطة ولكن لم يكن لها القدرة على أن تمسح الطاولة من بذور مجتمع مدني كما ذكرت الرابطة كما ذكرت الاتحاد العام التونسي للشغل وفيما بعد هذه يعني عمادة، كل هذا شكل الاستثناء التونسي لأنّ الاستثناء التونسي هو ناجم ونتيجة تاريخ.

النخب السياسية ودورها في عملية الانتقال الديمقراطي

الحبيب الغريبي: طيب يعني هذه خاصية تونسية وربّما حتى مناطقية، ولكن سيد المبروك أنت تعلم أنّ النخبة السياسية والثقافية هي دائماً ما كانت تُشكّل القاطرة في كل الثورات الكبرى في تاريخ البشرية أو ما يُسمّى بـ Intelligence، إلى أي مدى تعتقد أنّ النخبة الثقافية والسياسية العربية لعبت دورها كاملاً في التحفيز على هذا الانتقال الديمقراطي في بناء أو تركيز دعائم ثقافة الحوار والتوافق في الوطن العربي ككل؟

مهدي مبروك: أعتقد أنّه سأعود إلى حالة بحالة، ربّما القاسم المشترك أنّ ثورات الربيع العربي التي انطلقت منذ أواخر 2010 والتي تعثرت وما زالت وربّما يُلتف حولها من هذا أو ذاك يعني لم تكن بالفعل قادتها بشكلٍ مباشر النخب الثقافية والفكرية، النخب الثقافية والفكرية ربّما في معارك الديمقراطية التي كانت في الثمانينات والتسعينات شكّلت تقريباً أهم رديف لهذا الحراك الديمقراطي من خلال التمسك بالمبادئ العامة كحقوق الإنسان المجتمع المدني الجمعيات التقارير يعني فعل الاحتجاج النخبوي، ولكن الثورات العربية قادتها يعني جموع منفلتة تماماً من أي تأطير، ولكنّها ربّما بشكلٍ أو بآخر استفادت من هذا التراكم الذي بنّت عليه وبنته النخب يعني النخب النقابية النخب الحقوقية في الوطن العربي النخب النسائية كلها ساهمت في إيجاد مُثل عُليا ينشدّ إليها المواطن ولكنّها ربّما لم تكن هي التي استطاعت أن تؤثّر وتقود على النمط الذي كنا به نحلم بالمعنى الطلائعي للكلمة كما كان يقول خطابة الستينات، الثورة التي تقودها الطلائع وهي طلائع المفكرين والمثقفين هذا لم يحدث للأسف أو ربّما من حسن حظنا.

الحبيب الغريبي: أو بمعنى المثقف العضوي الغرامشي..

مهدي مبروك: الغرامشي ربّما يعني المثقف العضوي الذي يبني الكتلة التاريخية مثقفين وعمال وفلاحين إلى غير ذلك، لم نشهد يعني هذا الدور العضوي الذي يلعبه المثقف والنخبة ولم نشهد حينها هذه الكتلة التاريخية، ربّما الآن لذلك ما زال البعض يحن إلى إعادة بناء الكتلة التاريخية حيث يتبوأ المثقف دوره العضوي على النحو الذي صاغه غرامشي.

الربيع العربي وإشكالية التدخل الخارجي

الحبيب الغريبي: طيب سيد مبروك أخشى أنّه ربّما أن نكون مُتجنيين في حديثنا عن موانع أو معوقات التحول السلمي الديمقراطي في بعض بلدان الربيع العربي إذا لم نأخذ في الاعتبار عامل رئيسي وهو التدخل الخارجي، إلى أي حد يلعب هذا العامل دور مفصلي ومهم فيما يجري الآن في بعض هذه البلدان؟

مهدي مبروك: بالفعل يعني لا يمكن تماماً الآن أن نعمد إلى تحليل دقيق لأي وضع سواءً كان على المستوى العربي أو على المستوى المحلي دون استحضار العامل الأجنبي، لأنّ هناك جمع في العلوم السياسية globalist-locality  أي الجمع بين Le global،  Le Local، بين ما هو محلي وما هو إقليمي وما هو دولي، تعولمت السياسة ولا يمكن لأي شخص أن يدعي أنّ حقله السياسي حقل مُسيّج باسم السيادة الوطنية وباسم الشرعية، هذا ربّما ما نطمح إليه ولكن على الواقع، على واقع الساحة السياسية في أي مدينة صغرى من مُدننا وهي حتى في العالم يعني احتلوا وول ستريت أو في أي تظاهرة كبرى المحلي ينفتح على الكوني وعلى العالمي بالمعنى الإيجابي وبالمعنى السلبي، لذلك أعتقد أنّ العنف مثلاً خذ حالة العنف السياسي في الوطن العربي لا يمكن تماماً أن نعزل فيه العامل العشائري، مثلاً ما يحدث في اليمن هل بالفعل يمكن تماماً أن نذهب إلى أطروحة أنّ ما يحدث في اليمن هي مسألة بين الحوثيين وبين أقلية أو أغلبية لا أريد أن أدخل في منطق الأقلية يعني بين مجموعات شيعية وبين أغلبية سنية أو العكس يحدث، وهناك أيضاً عامل دولي يُغذّي وهناك صناعة العنف هناك اقتصاد سياسي للعنف تتمعّش وتنتشي معناها طبعاً عصابات تهريب السلاح مع عملاء ولوبيات كل هذا لا بُدّ أن نستحضر العامل الدولي تأجّج أكثر من دولة، التوقيت..

الحبيب الغريبي: ولكن سيد مبروك هل كان لهذا التدخل الخارجي أن يُكتب له النجاح لولا وجود قابلية لهذا التدخل لدى هذه الدول، يعني وكأنّ هناك استدعاء مُبطّن لدور خارجي وعملية ضرب ممنهج لهذه السيادة الوطنية؟

مهدي مبروك: هذه تُعيدنا أستاذ الحبيب إلى نظرية المؤامرة، هل أنّ كل ما يحدث هو مؤامرة؟ لماذا مثلاً ما يحدث في أميركا لا نُفسّره بالمؤامرة؟ لماذا ما يحدث في روسيا لا نُفسّره بالمؤامرة؟ ويكثر استحضار نظرية المؤامرة في دراسة الحالات العربية، أعتقد أنّه حتى وإن آمنا بنظرية المؤامرة صلبة وصائبة فإنّ لا يمكن لمن يتآمر عليك أن يصل بمؤامرته إلى الاكتمال والتمام لولا وجود أرضية كما ذكرت ووجود أسباب لتلقّف نظرية المؤامرة، نظرية المؤامرة لا تتدخل ولا تتسرب إلا إذا وجدت أشرعة ووجدت أبواب مفتوحة لأنّ هناك طلب محلي على نظرية المؤامرة، أؤكد وأقول وأُكرّر أنّ هناك طلبا محليا في أكثر من حالة عربية على نظرية المؤامرة، حالة الانغلاق السياسي حالة تكميم الأفواه حالة العنف المُعمّم من قِبل السلطات العربية حالة عدم الاستماع إلى المعارضة حتى الأكثر اعتدال ووطنية، حالة الاعتداء على حقوق الإنسان بشكلٍ سافر لا يمكن تماماً أن يقبله الضمير الكوني الآن، كلها أشكال تدعو حينما تُقفل جميع أبواب التحاور إلى طبعاً الالتجاء إلى العامل الخارجي تفسيراً أو استناداً أو طلباً أو إلى غير ذلك.

الحبيب الغريبي: طيب حتى نعود ربّما لربط الأشياء بتمظهراتها بتجلياتها، ما يجري الآن في بعض بلدان الربيع العربي من الاحتكام إلى العنف، إلى أي حد قد تكون الثورة المضادة مسؤولة عن ذلك لأنّها لها مصلحة تستثمر في كل هذه التناقضات تُغذّيها وربّما تموّلها؟

مهدي مبروك: يعني ربّما هذا قاسم مشترك أنّ جميع حالات العنف التي بلغت درجات قياسية كلّها إما قادتها أنظمة عسكرية لمدة أكثر من..، ليبيا كانت تحت نظام عسكري، مصر كانت ولا زالت تحت نظام عسكري بقطع النظر عن لعبة ومسرحية العسكر الذي ينزع بدلته ويلبس ربطة عنق هذه لعبة كلها مسرحية، اليمن حالة عسكرية العراق حالة عسكرية وسوريا حالة عسكرية، يبدو وكأنّ العسكر العربي إذا ما مسك السلطة وكأنّه يُهيّج كل مبررات استمرار حالة العنف وإقصاء النخب المدنية وعدم الإيمان بأنّه يمكن أن تكون شريكاً في الوطن شريكاً في البناء الديمقراطي البناء السياسي، هذه حالة ليس من الصدفة ولكن أعتقد أنّه أيضاً أن يصل العنف في أكثر من دولة عربية هذه الدرجة معنى ذلك أنّ النخب الحاكمة بقطع النظر عن طبيعتها إن كانت مدنية أم عسكرية وهي كلها قادمة من جلابيب العسكر والنخب المدنية التي تدعي أنّها بديل ما زالت بالأساس عاجزة عن إقامة حوار وطني عن تبني ثقافة سياسية خصوصاً وأنّ حالةً من الاستقطاب الحاد ليس بين إسلاميين وحداثيين أو علمانيين وليبراليين هذه كلها تقسيمات ثانوية، ولكن ما يحدث الآن بالأساس الاستقطاب الحاد هو بين مجتمع سياسي سياسي ومجتمع يتعسكر نحو القوة وغياب مجتمع مدني يلعب دور الوسيط يعني في أكثر من حالة مثلاً أنت تعلم الطيب التيزيني وبرهان غول وكل هذه الأصوات المثقفة التي نشأ عليها جيل كامل جيل الثمانينات في تونس، أنت تعلم تماماً أنّنا يعني بقدر ما كانت ثقافتنا منفتحة تجاه منتجات الفكر الفرنسي والغربي فأيّاً ما كان كنا منفتحين عليها، لكن أين دور مثلاً هذه النخب؟ لا يوجد اتحاد عمال قادر في سوريا أو في ليبيا أو كذا كذا، لا توجد روابط لحقوق الإنسان قادرة أن تكون وسيطاً..

الحبيب الغريبي: السيد مبروك أنت تسأل عن دور النخب والمجتمع المدني، هناك مَن يُفسّر الآن مثلاً ما يجري تحديداً في اليمن وليبيا بغياب الدولة القوية وهو ما لا أدري إن كنت معي أنّه مفهوم ملتبس، هل القوة تعني عودة الدولة السلطوية وتبرير ربّما البعض من القمع؟

مهدي مبروك: لا هناك من للأسف يختزل مفهوم الدولة في وجود جهاز عسكري قوي وأعتقد أنّ يعني الإعلام التونسي مثلاً يُصوّر على أنّ ما يحدث حالياً في ليبيا هو جيش وطني ليبي ويقوده حفتر وبقايا تنظيمات متنطيّة عن الإسلام المعتدل، هذه الثنائية نعلم تماماً أنّ ليبيا لم يكن لها بالمعنى الحديث جيش وطني جيش الدولة الوطنية، الكتائب ونعرف تقريباً تجربة العقيد مع الجيش حلّ الجيش بعد حربه مع تشاد وبني كتائب وأذرع لأبنائه مثلما حدث مع اليمن، نحن إذن مَن يختزل الدولة الليبية وأي دولة سواءً كان في سوريا بوجود مؤسسة عسكرية قوية هذا يختزل مفهوم الدولة، أنا لا أُذكر بأبجديات مفهوم الدولة، فلنعد إلى ما كتبه عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة هناك فرق بين الدولة كمشروع اجتماعي يتوافق حوله ويُبنى وله شرعية ومشروعية تاريخية وقبول بالدولة، وهناك اختزال للدولة في الوظائف العقبية والعسكرية للأسف إلى حد الآن أكثر الحداثيين في الوطن العربي ما زالوا يختزلون لأسبابٍ أو لأخرى مفهوم الدولة في أجهزتها العسكرية يعني احتكار العنف والشرعية هو إحدى وظائف الدولة ولكن ليست الدولة، على الدولة أن تحتكر استعمال العنف بمعنى الأمن والعسكر ولكن هذا لا يُعرّف الدولة هذه أداة الدولة هذه يعني أذرع الدولة ولكن ليس جوهر الدولة، جوهر الدولة هو أن تشعر بأنّ الدولة هي إطار جامع للانتماء للقاسم المشترك الذي ننتمي إليه وهناك شرعية ومشروعية أخلاقية بالقبول بذلك، الحالة الليبية والحالة اليمنية وفرت دولة بهذا المعنى.

الحبيب الغريبي: أشكرك جزيل الشكر سيد مهدي مبروك وزير الثقافة التونسي الأسبق وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية شكراً جزيلاً لك، تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي أشكركم أيضاً على المتابعة مشاهدينا الكرام وإلى اللقاء.