لا تكاد أخبار العنف في كل أنحاء العالم من تفجير أو قصف أو مجزرة أو اقتحام أو ذبح في الآونة الأخيرة، إلا وكان مصدرها بلدا عربيا.

واقع يقف دليلا صارخا على صعوبات جمة أو فشل ذريع في تعايش شعوب هذه المنطقة مع بعضها البعض ضمن إطار الدولة.

وقد تباينت التأويلات في تفسير هذا الفشل المزمن، إلا أن الكثير منها رد الأمر إلى أنظمة الحكم الشمولي.

نزار كريكش:
التدخلات الإقليمية في ليبيا ذات طابع سلبي دفع إلى توتير الأجواء عبر الإعلام والسلاح مما أفسد مسار الثورة

لكن ثورات الربيع العربي وما تلاها جاءت لتقول قولا آخر أبعد وأعمق مما يقوله أصحاب نظرية الأنظمة الشمولية.

الدولة الجامعة
حلقة "الواقع العربي" يوم 23/9/2014 سلطت الضوء على التحديات التي تواجه العمل السياسي المدني في واقع عربي تسوده النزاعات وتتعثر سبل الوصول إلى توافق تحت دولة جامعة، كما هي الحال في النموذج الساطع في ليبيا.

يقول مدير مركز البيان للدراسات نزار كريكش من ليبيا إن العديد من الدراسات الأكاديمية تتحدث عن أن إمكانية التحول في أي بلد تترافق مع بارقة أمل وبيئة قادرة على تحقيق رغبات المكونات المجتمعية، والحال أن المواقف المتصلبة للأطراف المتصارعة في ليبيا ترجع إلى أن كل طرف يرى المستقبل غامضا.

ورأى أن ما ينقص ليبيا هو القدرة على دمج القبيلة والثوار وحل مشاكل التنمية، خصوصا أن البلاد خرجت من حكم طويل لنظام فوضوي.

وأوضح كريكش أن التدخلات الإقليمية في ليبيا ذات طابع سلبي دفع إلى توتير الأجواء عبر الإعلام والسلاح مما أفسد مسار الثورة، وأن دول الجوار تفعل ما تفعله روسيا في شرق أوروبا حين تسعى لإجهاض كل فعل ديمقراطي.

عبد الوهاب الأفندي:
لدى الدول العربية مشكلة الطوائف السياسية كما هي الطوائف الدينية، حيث تنظر الطائفة السياسية إلى أنها ليست جزءا من الكل

الديمقراطية ليست نظرية
من ناحيته قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة وست مانستر عبد الوهاب الأفندي إن الديمقراطية ليست نظرية بحد ذاتها، بل هي التعايش بين فئات المجتمع عبر توافق الناس على استبعاد العنف تجاه بعضهم البعض، وأن تكون لديهم مرجعية يرجعون إليها.

وأضاف أنه لا بد أن تكون الدولة فقط صاحبة الحق في استعمال العنف المشروع. والحال قبل الربيع العربي أن السلطات كانت بلا مشروعية ولديها قدرة هائلة على استخدام العنف، بينما الثورات لديها المشروعية بلا قدرات على استعمال العنف، مشيرا إلى أن الثوار لو كانوا متوحدين لما تجرأت الجيوش على التصدي لها.

وأوضح الأفندي أن لدى الدول العربية مشكلة الطوائف السياسية كما هي الطوائف الدينية، حيث تنظر الطائفة السياسية إلى أنها ليست جزءا من الكل.

وساق على ذلك أمثلة منها مصر وليبيا حيث تصبح الهيبة أن يتحول الجيش إلى مليشيا، وفي اليمن حيث ينعدم التوازن فتصبح الأقلية هي الجهة التي تحمل السلاح، بينما الدولة عاجزة عن ردع هذه القوة المتغولة، على حد قوله.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الدولة المتعثرة في الوطن العربي

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيفا الحلقة:

-   نزار كريكش/مدير مركز البيان للدراسات

-   عبد الوهاب الأفندي/أستاذ العلوم السياسية في جامعة وست مانستر

تاريخ الحلقة: 23/9/2014                        

المحاور:

-   غياب القدرة على الحسم السياسي

-   قدرة الخارج على ترسيم الحل لليبيين

-   مشكلة الهوية والطوائف

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي والتي نُسلّط خلالها الضوء على التحديات التي تُواجه آليات العمل السياسي المدني في واقعٍ عربي تسوده النزاعات انطلاقاً من النموذج الليبي.

لا تكاد عناوين الأخبار في كل أنحاء العالم تخلو من خبر تفجيرٍ أو قتلٍ أو قصفٍ أو مجزرة أو اقتحام ٍ أو ذبحٍ في الآونة الأخيرة مصدره بلدٌ عربي، واقعٌ يقف دليلاً صارخاً على صعوباتٍ جمّة إن لم نقل فشلاً ذريعاً في تعايش شعوب هذه المنطقة مع بعضها البعض ضمن إطار الدولة، تباينت التأويلات في محاولة تفسير هذا الفشل المزمن إلا أنّ الكثير منها التقى على ردّ الأمر إلى أنظمة الحكم الشمولية، وبينما رفض البعض هذا المنطق باعتبار التعايش مع الدكتاتوريات وجهاً من وجوه الأزمة وليس تفسيراً لها جاءت ثورات الربيع العربي وما تبعها في أغلب بلدانها دليلاً على أنّ العلّة أعمق مما تصوّر أصحاب نظرية الأنظمة الشمولية، ليبيا نموذجٌ لهذا التعثّر.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: الـتاسع والعشرون من سبتمبر الجاري هو موعد انطلاق الحوار بين الأطراف الليبية المتصارعة لإنهاء الأزمة في البلاد كما قال بيان الأمم المتحدة، الحوار سيُعقد على أساس مجموعة من المبادئ بينها الاعتراف بشرعية المؤسسات المنتخبة وهي مجلس النواب المنتخب في الـ25 من يونيو واحترام الإعلان الدستوري على أن يكون شاملاً ويحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي وينبذ الإرهاب. بيان الأمم المتحدة جاء بعد مشاوراتٍ عقدها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا، وتعاني ليبيا فوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011 ازدادت في الأشهر الماضية مع تصاعد المواجهات المسلحة في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي، وما زاد من التحديات وجود عشرات الآلاف من المسلحين والكتائب التي رفضت التخلي عن أسلحتها قبل تلبية مطالبها، كما تتواصل كذلك المواجهات بين الجماعات القبلية لتصفية حساباتٍ بينية أو في إطار الصراع على النفوذ وهو ما خلق صراعاتٍ حادة فرّقت البلاد إلى أقسام وتستقوي غالبيتها بالسلاح في مواجهة بعضها بعضا. اتفق الليبيون بعد الثورة مباشرةً على إجراء انتخاباتٍ لوضع بلدهم على الطريق لصياغة دستورٍ جديد ونظامٍ سياسي ديمقراطي، لكنّ غياب مؤسسة الدولة لإدارة المرحلة الانتقالية والفشل في بناء أجهزةٍ أمنيةٍ وعسكرية حال دون أن تُحقّق هذه العملية هدفها النهائي المنشود، في التفاصيل نجح الليبيون في إنجاز بعض المحطات فقد تمكنوا في الـسابع من يوليو عام 2012 من إجراء أول انتخاباتٍ برلمانية منذ نهاية حكم القذافي سلّم على إثرها المجلس الوطني الانتقالي رسمياً السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب الذي أُسندت إليه مهمة تشكيل حكومةٍ مؤقتة ووضع دستور لليبيا الحديدة ثم انتُخبت لجنة الستين ومهمتها وضع دستورٍ للبلاد تقرّر أن تتم الموافقة عليه في استفتاءٍ عام. فرص نجاح العملية الانتقالية رغم الدعوة الجدية للحوار تبدو ضئيلة بنظر مراقبين، فالدولة الليبية الغائبة تقريباً والانقسام القائم على الأرض ووجود عشرات الآلاف من المسلحين بمختلف توجهاتهم تُمثّل كلها عوائق أمام مهمة بناء الدولة الليبية واستكمال الخطوات الانتقالية كإجراء الانتخابات وصياغة دستورٍ جديد وإنشاء مؤسسات الدولة الديمقراطية، لكنّ بعض المراقبين ينظرون إلى أنّ الخلافات القبلية والمناطقية في ليبيا تبدو أقل ضراوةً من الانقسامات الطائفية والعرقية في بلدانٍ عربيةٍ أخرى كالعراق وسوريا التي أصبحت ساحاتٍ للصراع والاقتتال الطائفي والعرقي دون وجود أدنى محاولاتٍ لإجراء حواراتٍ أو جهودٍ من أي نوعٍ باتجاه حلول، ووفق هذا القياس النسبي تبدو ليبيا أفضل من دولٍ عربية أخرى تُراوح مكانها في غياهب اقتتالٍ يبدو بلا نهاية تُغذّيه الطائفية والعرق.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: ولمزيدٍ من التعرّف على ما يكشفه الواقع العربي الليبي فيما يخصُّ الإشكالية التي تطرحها حلقتنا هذه معنا من طرابلس ضيفنا نزار كريكش مدير مركز البيان للدراسات مرحباً بالأستاذ نزار، أستاذ نزار رغم الانقسامات الرأسية التي تشق المجتمع الليبي وذلك على كافة المستويات ورغم الشقاق الواضح في مواقف أطراف الأزمة الليبية، هل تعتقد هذه الأطراف بالفعل بأنّها يمكن أن تحسم الأمور لصالحها بقوّة السلاح؟

نزار كريكش: بسم الله الرحمن الرحيم، لعلّ هذه الانشقاقات التي تحدّثت عنها الانشقاقات الطولية داخل ليبيا لم تكن هي الأساس في المسار الذي حدث بعد الثورة، لذا فما يحدث الآن في ليبيا هو حادث له أسباب، علينا أن نُفرّق في مثل هذه الحالات بين الدوافع وبين الأسباب، الاعتقاد بالقدرة على الحسم هو دافع من الدوافع للحرب وليس سبباً من أسبابها بمعنى أنّ هناك فشلا سياسيا ونعرف أنّ الحرب هي امتداد للسياسة، لمّا كان في مسار سياسي فشل هذا المسار أصبح فيه أسباب داخلية سياسية ممكن سنتحدث عنها لكن في دوافع أخرى هذه الدوافع كانت تريد الحسم، بعضها يريد الحسم من أجل الوصول إلى حالة استقرار نسبي قادرة على فرض هيبة الدولة، هذا جانب وجانب قليل في الصراع، جانب آخر بعض المليشيات التي هي استفادت من الثورة وكوّنت مجموعة أموال ونراها الآن تذهب إلى البرلمان وتُحاول أن تتحصّل على مكاسب هذه تريد أن تستمر الفرص التي أُتيحت بعد الثورة، فالرغبة في الحسم هي رغبة قد تكون من جانب بحث عن الاستقرار وفي جانب آخر هي رغبة في الحصول على فرص من حالة السيولة الموجودة في البلد للتحصّل على مكاسب سياسية خاصةً من جانب البرلمان..

غياب القدرة على الحسم السياسي

عبد الصمد ناصر: ولكن في قرارة نفسها يعني أيّاً كانت.. نعم، نعم أستاذ نزار، أيّاً كانت الدوافع وأيّاً كانت الأسباب في قرارة نفسها هذه الأطراف المتصارعة هل تعتقد فعلاً بأنّها يمكن أن تُقصي هذا الطرف وتبقى هي مسيطرةً على الوضع؟ هل تعتقد بأنّ أجندتها يمكن أن تكون قابلة للتحقّق على أرض الواقع مع إقصاء أطرافٍ أخرى؟

نزار كريكش: لا أظن أنّ هناك قدرة على الحسم السياسي يعني ليس هناك قدرة على وضع خارطة سياسية، هناك قدرة على الحسم العسكري وحصل هذا الحسم في طرابلس يعني وضحت الكفّة بقوة السلاح إلى أين تمضي، لكن لا يوجد خارطة سياسية واضحة يعني المشكلة الآن..

عبد الصمد ناصر: ولكنّه حسمٌ ظرفي..

نزار كريكش: الآن لا أظن أنّه ظرفي يعني في ميزان قوى عسكري قد يتكلّم عنه العسكريون لكن ما يحدث الآن فيه فارق كبير في السيطرة، لكن ما ينتظر هؤلاء حتى الناس الذين قاتلوا في عملية فجر ليبيا وقاتلوا كتائب المعارضة الأخرى هو لا يوجد خارطة سياسية، الخلاف الآن على شكل الحكم على شكل الدولة الليبية ليس في كلام هؤلاء المحاربين ولكن هم ينتظرون شكل حكم أو تغيّر اجتماعي واقتصادي في ليبيا ينبثق عنه نظام حكم قادر أن يُحقّق رغباتهم، هذه الخارطة السياسية لم تتشكّل بعد، لم يُفلح الساسة الليبيون نظراً للضعف المعرفي نظراً لعدم وجود مؤسسات سياسية نظراً لأنّ البلد لتوّها خرجت من حرب قوية، كل هذه الأسباب، ومنها المُخيّلة لخارطة سياسية..

عبد الصمد ناصر: يعني هذا موضوع آخر يدعو فعلاً إلى التوقف عنده ولكن هذه القوى السياسية تنتظر أن تتبلور الخارطة السياسية نهائياً، ولكن بانتظار ذلك الوطن..

نزار كريكش: تنتظر قوى سياسية تُشكّل لها مُخيّلة..

عبد الصمد ناصر: نعم، الوطن والمواطن يدفع الثمن ويدفع الثمن غالياً جداً من استقراره وتنميته وغير ذلك، ولكن الحوار أين هو، أين محلّه الحوار كأسلوب من أدوات البحث عن الحل النهائي أقصد هنا النهائي وليس البحث عن تصوّر لخارطة سياسية يمكن أن تقف عندها الأمور وينتقل بعد ذلك الأطراف إلى البحث عن خطة سياسية في إطار عمل ديمقراطي؟

نزار كريكش: نعم، كل الدراسات الآن تنحو نحو فهم الحرب الأهلية، فهم عندما تحدث صراعات داخل الدول، النتيجة التي خرجت بها أكثر هذه الدراسات كانت البنك الدولي وفي بعض الدراسات كانت من جامعة كامبردج وبنسلفانيا كلها تبحث عن نقطة واحدة بأنّ التحوّل داخل المجتمع عندما يكون لدى المتصارعين بارقة أمل في حاجتين: في أنّه يكون عنده وضع في الحكم الجديد ويكون هناك بيئة قادرة على تحقيق الرغبات وقادرة على تحقيق الأماني للأقليّات والمكونات المجتمعية، عندما نصل إلى هذه النقطة سيكون هناك قدرة للحوار، الآن الموقف مُتصلّب تصلُّبا سلبيا، التصلّب السلبي لأنّ كلا منهم لا يجد في المستقبل صورة غامضة أمامه حتى المواطن، المواطن سيكون إيجابيا سيحاول لأنه جزء من هذه المعادلة لأنّ المواطن قادر وهؤلاء الناس المحاربين ليسوا من المريخ هم ناس لهم أهالي ولهم قبائل خاصةً في ليبيا والتناسج المجتمعي الموجود فيها، فما ينقص في ليبيا أنا أتحدث عن ليبيا وفقاً لهذه الدراسات بالمقارنة بدراسات أخرى هو وجود نظام حكم قادر على دمج القبيلة قادر على دمج الثوار قادر على حل مشاكل جذرية في التنمية في جبل نفوسة وفي الجنوب وهذا على مدى تاريخ ليبيا، كلما استطاعت الدولة أن تُوفّر مصادر رزق خارج إطار الدولة لهاتين المنطقتين كان استقرار ليبيا والتاريخ فيه شواهد كثيرة على ذلك، فما ينقصنا في ليبيا وليس في غيرنا وليس في دول أخرى هو نظام حكم، لأنّ المشكلة في ليبيا هي لها خصوصية لأنّنا خرجنا من نظام فوضوي والنظام الفوضوي التجربة التاريخية فيه في العالم قليلة يعني لا يبدو أن هناك حكما ..

عبد الصمد ناصر: طيب لكن أنا أُريد فقط أن نبقى في إطار قيمة الحلقة وهو فرص نجاح أدوات المجتمع المدني في الحل، أسأل هنا حالة الجمود والانسداد التي تتحدّث عنها والتي خلقها هذا الوضع بتصلّب مواقف كل الأطراف، ما هو الحدث أو الظرف الذي يُنتظر أن يحدث فيه أي اختراق يمكن أن يُفضي إلى ما بعده في ليبيا؟

نزار كريكش: نعم هو البعض يعني بعض المراقبين أو بعض التحليلات ترى أن الحسم العسكري أن يكون هناك حسم عسكري لكن هذا الحسم إذا كان تبعه خارطة سياسية تُطمئن الطرف الآخر كما حدث في جنوب إفريقيا كما حدث في الموزمبيق كما حدث في كينيا، أن يكون هناك شيء يُطمئن الآخر أن هذا الحسم لم يكون على حساب مستقبله هذا سيناريو ممكن أن يحدث، الشيء الثاني أن يكون هناك قدرة لدى الأطراف على التنازل، أن يتنازل البرلمان في طبرق عن بعض هذه المواقف المتصلّبة ويكون هناك تنازل من الطرف الآخر،هذا يكون بدافع حقيقي من دول الجوار، المشكلة الآن في ليبيا أن دول الجوار وتدعمها قوى أخرى تفعل كما تفعل روسيا في منطقة شرق أوروبا، تحاول أن تُجهض كل تحوّل ديمقراطي، هذا جعل الفعل السياسي الداخلي في ليبيا ليس ليبياً بحتاً بمعنى أنّه أصبحنا نلبس ثوباً غير ثوبنا، لو تُرك الليبيون ودُعموا دعماً إيجابياً وليس دعماً سلبياً فقد نستطيع أن نُشكّل خارطة سياسية جديدة ونمضي بها ونتحرك بها، لكن هناك تدخل إقليمي سلبي خاصةً من الشرق ومن منطقة الخليج العربي جعل الحراك السياسي غير طبيعي ليس ليبياً، هناك أشياء ظواهر كثيرة في هذه الحروب اقتراحات تشعر بأنّها خارج النص تماماً خارج النص الليبي، ندعو الجميع إلى أن يدعو..

عبد الصمد ناصر: في إطار ما تسمّونه في ليبيا بالثورة المضادة..

نزار كريكش: لا يعني هو ممكن يُسمّى ثورة مضادة في بعض جوانبه، لكن هو في الحقيقة الذي حصل أنّ انسداد الأفق السياسي جعل البعض يريد أن يطمئن وأن يستند لأي قوة تدعمه لأنّه أصبح في موقف محرج..

قدرة الخارج على ترسيم الحل لليبيين

عبد الصمد ناصر: جميل نعم وبالتالي دعني هنا أسأل أيضاً إلى أي حد أنتم في ليبيا تعوّلون على هذا الخارج سواء كان دولياً أو إقليمياً أو عربياً وغير ذلك لإخراج البلاد من أزمتها الراهنة؟ وهل فعلاً هذا الخارج لديه القدرة لكي يبحث عن حل نهائي يُوحّد الليبيين؟

نزار كريكش: نعم، هنا يعني في دراسة لجامعة بنسلفانيا تتحدث عن الحروب الأهلية خاصةً في ليبيا فتقول بالنص بأنّه في القرن الحادي والعشرين الحروب الأهلية من أفضل ما كان فيها هو تقليل التدخل الخارج فيها ومراقبة الأحداث، هذا التطور الذي هو حدث في ليبيا في عملية تُسمّى Light footprint إنّ التدخل الخارجي يكون للدعم وللتدريب وللتوجيه، هذه الإطار العام العالمي تُعكّره عقول في الإقليم ما زالت تُفكّر بعقلية القرن العشرين وهو التدخل السلبي، التدخل السلبي الذي يشمل السلاح، التدخل السلبي الذي يشمل الإعلام، التدخل السلبي الذي يشمل توتير الأوضاع هذا التدخل الحقيقة لا نُعوّل عليه ونراه بأنّه سلبي وأفسد مسار الثورة الليبية التي انسجمت مع المزاج العالمي إبّان الثورة ورضيت بتدخل يّوجّه المسار السياسي توجيهاً خفيفاً وهذه التجربة الوحيدة التي حصلت في العالم ثاني تجربة بعد كولومبيا التي هي Light footprint أنّك أنت تُوجّه المسار السياسي توجيها أحياناً فيه شيء من العنف أحياناً فيه شيء من الدعم حتى تتوافق هذه الآراء، ما نراه من تدخل خارجي تمثّل في ضرب طائرات وتمثّل في صور لا نحبذها لحل مشاكل داخلية موجودة نُقرّها وهي خطأ وهي جريمة أخرى لكنّها عقدت الموضوع، نحن نريد دعما إيجابيا يُوجّه المسار السياسي نحو خيارات تفتح أمام الفاعل السياسي أفق آخر.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك نزار كريكش مدير مركز البيان للدراسات من طرابلس، وللخروج بصورة ما حدث طبعاً في ليبيا إلى نطاقٍ عربي أوسع نُرحّب بضيفنا من مدينة كامبردج الدكتور عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة وست مانستر مرحباً بك دكتور، دكتور يعني نحن نبحث في سُبل وفرص نجاح الآليات آليات التدخل المدني السياسي لحل الأزمات ونأخذ في حلقتنا هذه ليبيا كنموذج، نجد في الحالة الليبية أنّ الليبيين أنجزوا انتخاباتهم عام 2012 شكلوا حكومة وبدا أنّ الأمور تتجه الغرض المقصود، ولكن فجأة نجد أنّ الأمور تعقّدت وبدأت تتجه منحى آخر، ما هي برأيك الأسباب التي قطعت أمام الليبيين الطريق أمام استكمال هذا المسار واستكمال مهام آليات العمل الديمقراطي في ليبيا وفي بلدانٍ عربية نماذجٌ أخرى أيضاً؟

عبد الوهاب الأفندي: نعم وليس في فقط العربية في كل بلدان العالم يعني الشيء الأساسي الذي خلق استثناء الدولة الحديثة هو أنّها تحتكر العنف المشروع وهذان عاملان مزدوجان، لا بُدّ أن تكون الدولة هي الوحيدة التي لديها حق استعمال العنف المشروع ولا بُدّ أن يكون هناك مشروعية، والأزمة كانت في الدول العربية فيما قبل الربيع العربي وأنّ هناك كانت قوة بدون مشروعية يعني الأنظمة الليبية والأنظمة السورية والأنظمة المصرية كان لديها قدرة على استخدام عنف هائل جداً جداً وتحتكر العنف ولكن لم يكن لديها مشروعية، والثورات العربية كانت لديها المشروعية ولكن لم يكن لديها العنف الذي يحمي هذه المشروعية وهذه هي المعادلة التي كانت يجب أن تُضبط أن يكون هناك جيش واحد يخضع للإرادة الشرعية والشرطة أيضاً والأمن كلها تخضع لإرادة الشعب الشرعية، وفي هذه الحالة إذا ضُبطت هذه المعادلة فينتهي العنف، ويجب أن نُضيف أنّ هذه الظاهرة ظاهرة الحضارة والضبط الدولي العنفي ظاهرة حديثة نسبياً.

عبد الصمد ناصر: ولكن دكتور قد يسأل سائل وكأنّنا أمام إشكالية من الأول الدجاجة أم البيضة، هنا نسأل كيف الوصول إلى هذه الدولة التي تحتكر العنف إذا كانت هناك جماعةٌ أخرى تمتلك السلاح وأيٌّ منها لا يستطيع أن يحسم الأمر بالقوة؟

عبد الوهاب الأفندي: هذا صحيح ولكن هاهنا ما هي المشروعية، إذا كانت هناك جهة تمتلك المشروعية المشكلة أنّ الثوار تمزّقوا والهويات تمزّقت، يعني الدول التي فيها شرعية كما مثلاً في السويد لا تحتاج إلى كثير عنف يعني رئيس الوزراء السويدي اغتيل وهو يمشي بدون حراسة يعني يُذكّرنا بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب أنّه لم يكن لديه حرس لأنّه كان واثق من مشروعيته وكان لديه قوة شرعية كبيرة، الثوار والجهات الثورية تمزّقت واختلفت وتمزّقت الشرعية الثورية ولم يتوحدوا، لو كان الثوار في مصر أو في ليبيا أو في غيرها متوحدين لما تجرّأ حتى الجيش المصري أو الجيش الليبي أو أي جيش آخر رغم قدراته على أن يتصدّى لهم.

عبد الصمد ناصر: نعم، يعني هنا نجد أنفسنا أمام إشكالية هل بالضرورة لكي نصل إلى هذه الدولة أو دولة الاستقرار دولة المؤسسات دولة القانون، هل بالضرورة يظل النموذج الديمقراطي هو النموذج الأمثل للوصول لهذه الدولة أم أنّ خصوصيات بعض المجتمعات مكوناتها وبرامجها وثقافتها وغير ذلك المتعارضة ربّما قد تفرض أن يكون هناك نموذج آخر من خلاله قد يصلون إلى دولة مستقرة غير النموذج الديمقراطي؟

عبد الوهاب الأفندي: لا هو النموذج الديمقراطي هو أصله نموذج التعايش يعني ليس هناك شيء محدد يُسمّى الديمقراطية تختلف عن التوافق والتعايش، لو وجدنا الديمقراطية في أميركا أو في بلجيكا مثلاً أو حتى في بريطانيا هنا كما رأينا مثلاً من تجربة اسكتلندا وغيرها، أن يتوافق الناس على أن لا يستخدموا العنف ضدّ بعضهم البعض وأن يكون عملهم بالحوار، فمهما كانت هناك صيغة للحوار وعدم استخدام العنف ضدّ الآخرين واتفاق على مرجعية يرجع إليها الناس ويتوافقوا عليها سواء كانت هذه المرجعية قضاء أو حتى ملكية دستورية أو أي شيء آخر هذا يُحقّق الغرض، ولذلك الإشكالية هي ليست في شيء مجرّد وإنّما توافق.

مشكلة الهوية والطوائف

عبد الصمد ناصر: ولكن المشكلة دكتور، اسمح لي الإشكالية في أنّ بعض الأطراف حتى وإن جاهرت بالقول بأنّها تدعم النموذج الديمقراطي ومع العملية الديمقراطية إلا أنّ الاختلاف هنا يقع في تفسير آليات وأساليب العمل الديمقراطي والسياسي عموماً.

عبد الوهاب الأفندي: صحيح، لا هو حقيقةً أنّه نحن عندنا مشكلة الهوية والطوائف سواءً كانت هذه الطوائف يعني طوائف دينية أو طوائف سياسية، يعني المسألة الآن في مصر وفي ليبيا هناك اختلاف بين جهات لها وجهات نظر مختلفة أو في اليمن مثلاً هناك جهات تختلف في السياسة وتنظر إلى نفسها ليست جزءاً من الكل وترى أنّ الآخر عدو لها، وجزء كبير من العنف هو الخوف من الآخر وعدم التوافق مع الآخر، إذا وجدنا صيغة للتعايش والتوافق سواءً كانت هذه الصيغة يعني بين الإسلاميين والعلمانيين أو بين شرق ليبيا وغربها وشمالها وجنوبها وبين الطوائف المختلفة في اليمن، كما مثلاً رسمياً ظهر من التوافق الصيغة التي أفرزها جمال بن عمر وتوافق عليها اليمنيون ولكن لم يتوافقوا على هذا حقيقةً المهم أنّه كان هناك صيغة توافقية وأن يكون هناك مثلاً جهة تريد فرض ما يُسمّى هيبة الدولة كما يحدث في مصر أو الآن حفتر في ليبيا فهي تُحوّل الجيش والدولة إلى مليشيا وهذا لا يؤدي إلى التطور للأمام، يجب أن تكون الدولة محايدة بين الناس وفي نفس الوقت قادرة على أن تبسط العدل المتوافق عليه يعني إذا كانت الدولة لها صفة غير صفة الشعب أو صفة جزء من الشعب غير الآخر في هذه الحالة الدول لا تؤدي مهمتها.

عبد الصمد ناصر: طيب لكن دكتور يعني على ذكر اليمن، اليمن كان نموذجا صارخا لفشل الحوار الداخلي، إذا افتقدت الدول إلى قابلية الداخل لنجاح الحوار هل يمكن لها أن تعتمد على الخارج لإنجاح هذا الحوار؟

عبد الوهاب الأفندي: حقيقةً هو أحياناً كثيرة عندما يحصل عدم توازن يعني المشكلة في اليمن أنّ هناك عدم توازن يعني هناك جهة تحمل السلاح وهي أقليّة وغالبية لا تحمل السلاح ودولة عاجزة عن ضبط الأمر، لو كانت الدولة نفسها قادرة على خلق التوازن بين الأطراف لو كانت الدولة لديها قدرة ردع لردعت هذه الجهة المتغوّلة، ولكن إذا لم يكن لدى الدولة قدرة للردع فلا مانع من أن يُستعان بالخارج إما للحوار وإما للردع.

عبد الصمد ناصر: نعم، شكراً لك دكتور عبد الوهاب الأفندي، انتهى الوقت دكتور يعني حوار شيّق ويقتضي ربّما وقتاً أطول، أشكرك دكتور عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة وست مانستر من مدينة كامبردج. بهذا تنتهي مشاهدينا الكرام هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نُرحّب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي بإذن الله في حلقة أخرى إلى اللقاء.