عزا مدير معهد تونس للسياسة أحمد إدريس غلبة العنف على إدارة الصراعات في مرحلة ما بعد الثورة في دول الربيع العربي إلى غياب الحوار بين الأطراف السياسية، مشيرا إلى أن تونس نجت من هذا المسار بلجوئها إلى الحوار بوصفه الضامن الوحيد للانتقال إلى الديمقراطية.

وأكد في حلقة الاثنين (22/9/2014) من برنامج "الواقع العربي" أن جميع بلدان الربيع العربي أخفقت في استخدام الحرية مما أدى إلى غلبة العنف على إدارة المراحل التي أعقبت سقوط الأنظمة القمعية، ملمحا في الوقت نفسه إلى أن الأطراف السياسية التي تمكنت من السلطة عقب الثورات خافت من الحرية.

وقال إدريس "جزء هام من غلبة العنف يفسر بالثورة المضادة كما هو الحال في مصر واليمن"، مشددا على دور الثورة المضادة في خلق العنف مما يؤدي إلى عودة الأمور لما قبل الثورات.

وأضاف أن الثورة المضادة تقوم على خلق المقارنات مع حالة الاستقرار الذي كان سائدا قبل اندلاع الثورات، واستغلال حنين المواطنين إلى الماضي في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار.

أحمد إدريس:
الطرف العسكري تدخل لإرجاع البلاد لأوضاع ما قبل الثورة وانتصر على مبادئ الحوار والسياسة بشكل عام

تجربة تونس
وعن أسباب نجاح الحالة التونسية في تجنب العنف، أكد إدريس أن السبب الرئيسي يتمثل في اللجوء للحوار بين الأطراف السياسية، وتنازل الأطراف القوية وقبولها بالرجوع خطوات إلى الوراء وقت مرور البلاد بأزمات خانقة كان بالإمكان أن يؤديا إلى اندلاع العنف.

وقال مدير معهد تونس للسياسة "هذا يعود إلى الشخصية التونسية التي تقبل الحوار وتميل إلى التنازل وتعمل حسابا للمستقبل وتخاف من خوض مغامرات قد تؤدي إلى الكوارث، وهي صفات غابت في الأمثلة الأخرى من بلدان الربيع العربي".

وبشأن الحالة المصرية، أشار إدريس إلى أن "الطرف العسكري تدخل لإرجاع البلاد لأوضاع ما قبل الثورة وانتصر على مبادئ الحوار والسياسة بشكل عام".

وفيما يتعلق بليبيا وسوريا، شدد على أن تصادم القوى ورفض الأنظمة لمبدأ الانتقال السلمي للسلطة ومبدأ التعبير عن الرأي سلميا، دفع بالأطراف الأخرى إلى اللجوء إلى العنف.

تغيير الثقافة
وقال إدريس إن البلدان العربية ستحتاج إلى عشرات السنين لتغيير ثقافة تغليب العنف على اللجوء إلى الحوار، مؤكدا أن الحرية وقبول الآخر من ركائز الديمقراطية، في حين تشهد الفترة الحالية تصارعا لإقصاء الآخر.

وأضاف "لا يمكن تعويض الديمقراطية بطرق أخرى مهما كانت الأثمان التي تدفع اليوم باهظة (..) وانعدام الاستقرار والدماء التي تسيل في مختلف الأقطار العربية تمهد لمستقبل أفضل".

وتوقع إدريس استمرار غلبة العنف إلى بضع سنوات قادمة حتى تتغير طريقة فكر بعض القوى السياسية.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: أسباب غلبة العنف ببلدان الربيع العربي

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيف الحلقة: أحمد إدريس/ مدير معهد تونس للسياسة

تاريخ الحلقة: 22/9 /2014

المحاور:

-   استثنائية تونس في تجارب الربيع العربي

-   أسباب عودة القوة للثورة المضادة

-   ثقافة الحوار رؤيا في المدى المنظور

-   مستقبل غامض للديمقراطية في العالم العربي

عبد القادر عيّاض: أهلا بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على غلبة العنف على إدارة الصراعات في مرحلة ما بعد الثورة في دول الربيع العربي.

بتنازلات نظر إليها كثيرون بأنها جاءت فوق المطلوب من قبل حركة النهضة نجت تونس من مصير انتهت إليه رفيقاتها من دول الربيع العربي التي نجحت فيها الثورات في الإطاحة بأنظمة الاستبداد، ففي ليبيا المجاورة لتونس يسود الآن منطق السلاح حكما وحيداً لاختلاف الرؤى وتباين وجهات النظر بين رفقاء الأمس، أما في مصر فقد ألت الأمور إلى عنف انقلابي تتبع رموز ثورتها واحدا بعد آخر حتى انتهى إلى من ساندوه أول أمره وبرروا فعلته. في اليمن التي قدم ثوارها نموذجاً باهراً في الابتعاد عن العنف رغم الاستفزازات المتكررة ورغم امتلاكهم وسائله يقعقع السلاح الآن في العاصمة صنعاء ملقيا الكلمة الفصل في أمور كان من المنتظر أن يحسمها الحوار، واقع تتسع الهوة وبشدة بينه وبين لحظة الثورة في لقائها الوطني الأول.

[تقرير مسجل]

وليد العطار: كانت تلك أولى لحظات انتصار شعوب الربيع العربي يوم هرب حاكم تونس تحت وطأة الثورة الشعبية، سرعان ما انتقلت شرارة الأمل لدول الجوار فاشتعلت ثورة مصر على نظام أفسد عقوداً طويلة.

[شريط مسجل]

عمر سليمان: قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية..

وليد العطار: تكرار تجارب النجاح في مصر بعد تونس مد رياح الربيع نحو ليبيا الأصعب حالا تحت حكم القذافي وعائلته وتجاوب أهل اليمن سريعاً ليكونوا  رواد الربيع السابقين في الجناح الآسيوي عربياً، تفاوتت النهايات العربية الأولى للثورات الأربع فبينما انتهت التونسية والمصرية في قرابة أسابيع ثلاثة طال أمد ثورتي اليمن و ليبيا حتى نجح ثوار البلدين في إسقاط نظم الاستبداد بعد شهور دامية لكن الشعوب التي نجحت في حمل حاكم مستبد على الرحيل سلميا في اغلب الحالات لم تصادف نخبها السياسية ذات النجاح في إدارة خلافاتها حول مستقبل البلاد بذات القدر من السلمية. نعم كانت بقايا الأنظمة السابقة حاضرة في المشاهد الأربعة تحاول كل حين إعادة العجلة إلى الوراء لكن هذا لم يكن السبب الوحيد فباستثناء الحالة التونسية التي تكافح وصولاً لخط النهاية حاليا متغلبة بصعوبة على عقبات الانتقال جنح المشهد السياسي مصرياً و ليبيا و يمنيا نحو العنف بين فرقاء السياسة بعد الثورات الثلاث، لم تفلح لحظات التوحد الثوري ضد الدكتاتوريات في صنع حالات توافق تجتاز عقبات المراحل  الانتقالية.  يتحالف بعض رفقاء الثورة مع العسكر للإطاحة برفاق الميدان ممن صدرتهم الانتخابات، هكذا ألت الحال في مصر  لتجهض وسط بحار من الدماء إحدى اكبر تجارب الربيع العربي بعد عامين ونصف، لتصبح ليبيا اليوم في ظل الحرب الأهلية قاب قوسين من الانقسام طولا بين مؤسسات دستورية في العاصمة و آخرين يجتمعون شرقا في طبرق، وتقتحم عاصمة اليمن من قبل الحوثيين لتغدو مكتسبات الثورة وما تلاها من جولات حوار وطني شيئاً من الماضي، هاجس الانزلاق إلى العنف بعد الثورات لم تنجو منه بصعوبة من بين دول الربيع العربي سوى تونس حتى الآن على الأقل ما يطرح تساؤلا حول مدى قدرة الشعوب العربية حين تنال شيئاً من حريتها على حماية ثوراتها من المتربصين بها داخلياً أو خارجيا وعلى إدارة خلافاتها بآليات ليس من بينها الاحتراب الأهلي.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: لتفكيك ظاهرة غلبة العنف على إدارة الصراعات في مرحلة ما بعد الثورة في دول الربيع العربي نرحب بضيف حلقتنا من تونس الدكتور أحمد إدريس مدير معهد تونس للسياسة أهلا دكتور احمد، عندما نتكلم عن دول الربيع العربي نتكلم عن نموذجين نموذج أصلا التغيير فيه جاء بالقوة كالحالة الليبية ونماذج  أخرى كانت اقل حضورا لعامل أو غلبة العنف فيها ربما كانت أكثر سلمية مثل الحالة التونسية والمصرية وحتى اليمنية، هل لهذا الاختلاف دور في تأسيس ما آلت إليه الأمور الآن؟

أحمد إدريس: بالتأكيد نعم وتبقى تونس الاستثناء الذي قد لا يؤكد القاعدة لأن تونس عرفت كيف تتجنب العنف باللجوء إلى الحوار ووحده الحوار هو الذي سمح بهذا النهج الذي تسير عليه الآن الأمور والحوار هو الذي سوف يضمن الانتقال بشكل حقيقي إلى الديمقراطية والى مؤسسات دائمة في المستقبل في حين أنه في باقي دول الربيع العربي الأخرى غاب فيها الحوار بشكل مطلق وحتى وان كانت هنالك بوادر حوار فالغلبة كانت للعنف وربما هنا يعني يخرج للواقع الطابع العربي اللصيق ربما بالهوية العربية.

استثنائية تونس في تجارب الربيع العربي

عبد القادر عيّاض: ولكن ما تفسير دكتور احمد أنه إلى حد الآن تشكل الحالة التونسية استثناء فيما ألت إليه الأمور في بقية الدول، هل مثلا ما قامت به حركة النهضة هو الذي شكل قاعدة أساسية؟ هل لبنية الدولة ومراكز القوى في تونس لها علاقة؟ ما تفسير الاستثناء التونسي برأيك؟

أحمد إدريس: التفسير يرجع إلى ما سميته بالحوار أي أن الأطراف السياسية  والتي كانت تعتبر نفسها قوية شيئاً ما على الساحة التونسية تنازلت وقبلت بأن تقوم بخطوات إلى الوراء هي خطوات محسوبة طبعا ولكن خطوات مكنت تونس من الخروج من الأزمة التي كانت أزمة قوية وخانقة كان بالإمكان أن يستعمل فيها عنف وعنف ثقيل كان يمكن أن يودي بالمسار الديمقراطي وأعتقد في مرتين الأولى قبل انتخابات2011 والمرة الثانية عند الأزمة التي أحاطت بصياغة الدستور، في كلا الحالتين عرفت الأطراف كيف تتنازل  في الوقت المناسب وتقبل الحوار، ربما هذا يعود بشكل أو بأخر إلى الشخصية التونسية كما كتب عنها بعض المؤلفين اليوم وهي شخصية تقبل الحوار وتميل أكثر إلى التنازل أو هي ربما تقرأ حساب المستقبل و تخاف من أن تخوض في مغامرات قد تؤدي إلى الكوارث فربما النزوع إلى تجنب الكوارث سمح بشكل ما للتونسيين أن يخرجوا من الأزمة وهو ما غاب في التجارب الأخرى لسوء حظ شعوب الدول الأخرى  دول الربيع العربي التي غلب فيها العنف بشكل واضح..

عبد القادر عيّاض: طيب ماذا عن الحالة المصرية،  الحالة المصرية شهدت  انتخابات انتخب الشعب ومع ذلك  تم الانقلاب على رئيس منتخب و بالتالي أيضا غلبة العنف بل وحتى متابعة من ساندوا في البداية هذا الانقلاب، ما تفسير ذلك أيضاً هل فقط  مجرد غياب الحوار كان سبباً أساسيا.

أحمد إدريس: ليس فقط، لأن الحوار بين الأطراف السياسية  في حين أن المتدخل في الحالة المصرية هو طرف غير  سياسي فالطرف العسكري الذي أعاد الأمور إلى ما قبل الثورة بمهارة  عالية أعتقد بأنه انتصر على الحوار  وانتصر على الثورة وانتصر على الأطراف السياسية وكان هذا ربما الخطوة الأخطر في المسار المصري ولكن دعني أقول بأن التعميم  قد لا يجوز  في حالات دول الربيع العربي  لأن كل دولة عرفت مسارا مختلفاً فيعني الحالة المصرية دور الجيش فيها كان حاسماً يعني قبل الثورة في 2011 و بعدها  والانقلاب الذي قام به  الجيش حتى وان كان تحت  غطاء شعبي  يعني ربما يطول فيه النقاش اليوم ولكنه يعني عودة إلى الحكم العسكر من جديد بطريقة مختلفة.

عبد القادر عيّاض: طيب عندما دكتور احمد عندما نقول بأننا أمام إشكالية غلبة العنف في دول الربيع العربي فأكيد أن هناك خطأ وقع في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة التي كانت تحكم متى وكيف وأين بدأ هذا الخطأ؟

أحمد إدريس: يعني عندنا إشكال كبير الآن في المنطقة  العربية هو إشكال مع الحرية، فيعني كيف نتصرف  عندما تتوفر لنا الحرية وكيف نسمح لكل الأطراف المتواجدة في إطار حر أن تعمل بحرية، اعتقد بأننا أخفقنا في أن نستعمل الحرية بالشكل الجيد في عديد الحالات وعندما تتحدث عن مختلف الدول العربية التي عرفت هذه المسارات بما فيها تونس حتى فللحظة ما أخطأنا في استعمال الحرية ثم الأطراف السياسية التي تمكنت من السلطة في هذه الدول تخشى الحرية ولا تسمح بها لغيرها من الفاعلين على الساحة السياسية، وربما التصادم في إطار حر والتصادم حول مسألة الحرية هو الذي جعل من الأطراف السياسية تتصارع بهذه الطريقة، فالإشكال الرئيسي الذي لا بد من حله اليوم هو إشكال الحرية، كيف نقبل بها كيف نتعامل معها وكيف نقبل بالأطراف السياسية المختلفة تعبر عن وجودها بشكل حر تستعمل الفضاء العام بشكل حر تبلغ رسائلها وربما أفكارها السياسية بشكل حر دون أن يؤدي ذلك إلى صراع يستعمل فيه العنف، إذا تحل هذه الإشكالية فسوف يظل العالم العربي عالم يتمخض في العنف.

عبد القادر عيّاض: إلى أي مدى ساهمت الثورة المضادة في الوصول إلى هذه الحالة أي حالة غلبة العنف؟

أحمد إدريس: جزء هام من وجود العنف اليوم يفسر ربما بالثورة المضادة لأنه يعني استعمال العنف بالطريقة التي هو عليها في اليمن فهذه ثورة مضادة استعماله في مصر من قبل العسكر فهذه ثورة مضادة، محاولة التوغل من تيارات ربما سلفية راديكالية استئصاليه في دولة كتونس مثلاً هذه ثورة مضادة، فلا يمكن أن ننفي بشكل مطلق دور الثورة المضادة في خلق العنف لأن خلق العنف يؤدي إلى فوضى والفوضى تعود بالأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة أي هي تمهد للاستبداد والاستبداد طبعاً يبدأ باستعمال العنف ثم يظهر المنقذ من العنف ومن الفوضى ويعيد استتباب الأمن وباستعمال هذه الوسيلة يعود الاستبداد من جديد وربما نحن في لحظة اليوم نخاف فيها من عودة الاستبداد بشكل  جدي وخطير في الدول العربية التي لم تستطع استغلال لحظة الثورة للمرور إلى لحظة حرية ثم لحظة بناء مناخ يعيش فيه الجميع بشكل آمن ويعبر فيه الجميع عن آراء مختلفة دون تصارع ودون استعمال العنف.

أسباب عودة القوة للثورة المضادة

عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد حضور الثورة المضادة بهذه القوة مرده إلى عدم التعاطي معها بجدية بعد إزالة رؤوس الأنظمة سببه تفرق الأطراف السياسية بناء على مصالح ضيقة لكل طرف سياسي ما بعد سقوط الأنظمة، ما السبب الأساسي لقوة وعودة القوة لهذه الثورة المضادة؟

أحمد إدريس: يعني هو عموما في دراسة التحولات السياسية المرتبطة بسقوط الاستبداد أو بالثورات دائماً ما يكون متبوعا بموجة تسمى بالثورة المضادة لأن هذه أو ما يسمي بالثورة المضادة يقوم على أساس المقارنة مع الماضي والاستقرار الذي كان مضموناً في الماضي وربما إدارة الدولة بشكل يسمح بسيطرتها على كامل إقليم تراب الدولة وضمان الأمن إلى كل هذا من المسائل التي يستند إليها أصحاب الثورة المضادة لتمرير أفكارهم وفي نفس الوقت في فترة ما تهتز فيها الدولة ويهتز فيها الاستقرار يحن البعض إلى الماضي ويبدأ في الترويج إلى عودة الماضي وشهدنا هذا مثلاً في دول أوروبا الشرقية يعني بعد أول انتخابات صارت ثم في الثانية رجعت الأحزاب الشيوعية إلى السلطة من جديد ثم سقطت من جديد بعد أن اقتنع الجميع بعدم جدواها فاليوم يعني في بعض أجزاء من دول الربيع العربي المخططات ربما سائرة في هذا الاتجاه..

عبد القادر عيّاض: بالإشارة إلى المخطط دكتور احمد، عودة الأنظمة فيما يتعلق بغلبة العنف هل تراها مسألة طبيعية تحدث باعتبار أن هناك صراعا هناك قوة خفية مصالحها مرتبطة ببقائها وبالتالي هي تدفع بكل ما أوتيت من قوة أم أنها حالة جديرة بالدراسة والمتابعة لأنها تجاوزت الحد الطبيعي في وجودها؟

أحمد إدريس: هي حالة جديرة بالدراسة والمتابعة لأنها أحياناً تشكل جزءا لا يتجزأ من الشخصية العربية ولكن هذه الشخصية العربية بالإمكان معالجتها بأن تتهيأ الشعوب وأن تتهيأ النخب إلى استعمال الحوار عوض العنف ولكن في نفس الوقت الحالة التي سار عليها ضعف تجارب دول الربيع العربي مثل الحالة في سوريا أو ليبيا لا يمكن تفسير ظاهرة العنف لا بالثورة المضادة ولا بالشخصية العربية ولكن بتصادم القوى التي لم تسمح بالانتقال السياسي السلس ففي سوريا مثلاً تصدي النظام السوري لفكرة الانتقال أو التحول السياسي وقبول الحوار مع الآخر وإن كان سوف يضمن له البقاء لمدة ما ولكنه يسمح بالخروج من الأزمة على المدى القصير، فعدم قبوله بهذا أدى بالأطراف الأخرى إلى استعمال العنف والنهج الذي آلت إليه الأمور اليوم حيث يعني أصبحت غير خاضعة لأي نوع من أنواع التهدئة أو إيجاد الحلول بطريقة سلمية فالعنف هو الذي يحكم.

ثقافة الحوار رؤيا في المدى المنظور

عبد القادر عيّاض: دكتور احمد إلى أي مدى سلوك الأنظمة كل هذه السنوات للعنف كوسيلة للسيطرة على الشعوب حتى وإن زالت رؤوس هذه الأنظمة بقيت ثقافتها السياسية مغروسة في طباع الناس وبالتالي التخلص منها يحتاج إلى كثير من الوقت؟

أحمد إدريس: يحتاج إلى كثير من الوقت ويحتاج إلى عشرات السنين حتى تتغير الثقافة وحتى يعني تحل ثقافة الحوار محل ثقافة غلبة العنف وهذا يحتاج إلى تغيير جذري في المجتمع، الاستبداد طبعاً هو كان يرتكز بشكل كبير على المجتمع الأبوي أو انغراس هذا المجتمع في الأبوية وهو اليوم يعاني من نفس هذه الظاهرة وحتى في الدول التي شكلت استثناء مثل تونس فالشعوب لا زالت تبحث عن قائد حكيم يقودها في المرحلة القادمة وهذا طبعاً خطأ لأنه سوف يعيد إنتاج المنظومة السابقة يعني نحن اليوم لا نحتاج إلى أب يعوض الأب الذي غادر وإنما نحتاج إلى تعدد في وجهات النظر يسعى إلى تحقيق ثقافة جديدة رائدة تماماً وهذه الثقافة الجديدة بعض المنظمات اليوم تسعي إلى يعني إيجادها على أرض الواقع والى تغيير العقلية العربية بخلق نخب جديدة تقبل الحوار إن لم يتحقق هذا يصعب جداً أن ننتقل إلى الديمقراطية لأن الديمقراطية تقوم على الحرية والحرية تقوم على القبول بالآخر فإذا كنا نتصارع من أجل إقصاء الآخر ويعني الرمي به في مزبلة التاريخ كما يقولون فسوف يؤدي إلى استعمال عنف وما إلى ذلك.

عبد القادر عيّاض: عندما انطلقت الثورات في بلدان الربيع العربي قيل وقتها بأن هناك مستوى من الوعي والنضج هو الذي أثمر في النهاية الوصول إلى هذه الهبة الشعبية أين ذهب هذا الوعي في التعاطي مع هذا المعطى الجديد وهو غلبة العنف كلغة للاختلاف السياسي؟

أحمد إدريس: هو لا يزال موجودا عند بعض النخب التي تؤمن بالحوار وتؤمن بثقافة الديمقراطية ولكن لسوء الحظ هذه النخب ضعيفة بالمقارنة مع نخبٍ أخرى تربت في ظل الاستبداد وترعرعت في مجتمع لا يعترف إلا بالقوة والمجتمع ككل لا يزال يقتنع بأن تغيير الأمور لا يمكن أن يتم بالشكل السلمي فيصعب جداً على هذه النخب أن تقنع اليوم في الحالة الراهنة هذه الشعوب أن تستعمل الوسائل السلمية للخروج من الأزمات، فبالتالي لا بد لهذه النخب أن تكون قادرة على تنشئة جديدة للمجتمعات العربية وربما على أطراف عديدة أن تساهم في هذه التنشئة خاصة من الجيل الجديد الذي لم يعرف الاستبداد وربما الخطر في أن نشهد أجزاء واسعة من الجيل الجديد تنخرط كذلك في طريقة التفكير السابقة ونراها اليوم ناشطة هنا وهناك بنفس الأساليب وبنفس خطاب الأجيال السابقة ولكن..

عبد القادر عيّاض: عندما دكتور احمد، عندما حدثت ثورات في بلدان الربيع العربي قيل وقتها أو تم التحذير بأن الدول العربية غير مهيأة للتعاطي بشكل ديمقراطي، ما يحدث الآن يؤكد هذه المسألة أم أن طريق الديمقراطية ربما لن يمهد إلا بمعايشة مثل هذه التجارب ؟

أحمد إدريس: لا، هو لا يمكن تعويض طريق الديمقراطية بطريق أخرى حتى وإن كان ثمنه باهظا يعني اليوم نرى بأن بعض الشعوب تدفع ثمناً باهظاً وراء سعيها لتحقيق الديمقراطية فأن ندفع هذا الثمن اليوم أحسن بكثير من أن نعيد النظر ونقول لا يعني الماضي أحسن من اليوم وربما الاستبداد أفضل لأنه يضمن الاستقرار فانعدام الاستقرار اليوم بكل مخاطره وبكل ربما هذه الدماء التي نشهدها في أجزاء كبيرة من الدول العربية هي ربما تمهد إلى مستقبل أفضل علينا أن نصمد في هذه اللحظة التاريخية حتى نمر إلى ما هو أحسن وربما إذا نجحت التجربة في تونس ربما يكون هذا مدخلاً لتغيير الأشياء وتغيير المسائل في الدول الأخرى، لا بد أن تقتنع باقي الشعوب العربية بأن النهج السلمي والديمقراطي ألتعددي والذي ينتصر فيه الحوار هو أفضل طريق.

عبد القادر عيّاض: هل تعتقد بأن هذه الحالة غلبة العنف سوف تستمر على المدى المنظور على الأقل؟

أحمد إدريس: نعم هي لا محالة بأن هذا النهج سوف يستمر إلى بضعة سنوات وربما يعني تطول الفترة ولكن أنا قلت هذا يعود إلى طريقة تفكير بعض الأطراف السياسية التي لها القوة اليوم والتي تسعى إلى استعمالها بشكل قد يؤدي إلى ربما أن نقول يعني ننسى التحول الديمقراطي وننسى المستقبل المشرق ونبكي على الأطلال فربما اليوم علينا..

مستقبل غامض للديمقراطية في العالم العربي

عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد ما احتمال أن تشكل هذه الحالة غلبة العنف يعني ربما سببا في إفشال التجربة الديمقراطية في دول الربيع العربي؟

أحمد إدريس: يعني عندما نرى السلاح بهذه  الكمية وكيف يستعمل في أجزاء كبيرة من دول الربيع العربي وفي دول أخرى ربما كانت سابقة لها كما هو الحال في العراق وفي تهديد تنظيمات تستعمل نوعا من السلاح لم تكن تستعمله في الماضي فطبعاً الخوف يتملكنا وربما قد نسلم بأن المستقبل صعب جداً ولكن في نفس الوقت ما دام هناك بصيص أمل متأتي من بعض الدول العربية يعني يمكن أن نقول يمكننا أن نتخطي هذه ولكن لو يحصل مثلاً حالة عنف شديدة في تونس أثناء الانتخابات أو قبلها بقليل أو بعدها مباشرةً أو أن لا تقبل بعض الأطراف السياسية بنتيجة الاقتراع في الانتخابات التشريعية القادمة عندها يصعب كثيراً أن نتحدث عن مستقبل ديمقراطي في الدول العربية.

عبد القادر عيّاض: كنت معنا من تونس الدكتور احمد إدريس مدير معهد تونس للسياسة شكراً جزيلاً لك، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي أرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي الفيسبوك وتويتر نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة إلى اللقاء.