بفارق أكثر من 1.3 مليون صوت، فاز أنصار البقاء ضمن بريطانيا العظمى على دعاة الانفصال عنها من الأسكتلنديين، لتمثل النتيجة نهاية لعقود طويلة من التململ لدى جزءٍ مقدر من الأسكتلنديين استشعروا الغبن من وجود بلادهم تحت التاج البريطاني، إلى أن قال صندوق الاقتراع كلمته أخيرا.

بيد أن نموذج أسكتلندا وغيره من المناطق التي تواجه وضعا مماثلا في أوروبا، يلفت النظر بشدة إلى طريقة مقاربة هذه الدول لتطلعات مكوناتها القومية والجهوية، ومقارنة ذلك بما يجري في عالمنا العربي في الحالات المشابهة.

حلقة الجمعة (19/9/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على مقاربة الدول العربية لموضوع الهويات القومية والجهوية داخلها، في ضوء نتيجة استفتاء أسكتلندا.

الأمين العام لمنتدى الفكر العربي الصادق الفقيه أكد وجود الكثير من الدروس المستفادة من استفتاء أسكتلندا، أولها "الإطار السياسي الذي منحهم حق تقرير مصيرهم، وإعلان لندن الاستجابة لطلبات الأسكتلنديين".

أما الحالة العربية، فقال الفقيه إن الدول العربية لا تعترف بكافة مكونات الدولة ومظالم الأقليات والهويات المختلفة مما يدفعهم إلى حمل السلاح بدلا من الوصول إلى تسوية سياسية للخلافات.

وأضاف أن "قضية الدولة الوطنية في العالم العربي تكونت اعتباطا، والأغلبيات أرادت أن تخلق مجتمعا متشابها قسرا، وأصبحت فكرة تخوين المطالبين بحقوقهم شائعة في البلدان العربية".

وبشأن الحل الذي يمكن أن يحقق وحدة تقوم على التراضي في الدول العربية، شدد الفقيه على ضرورة إيجاد عقد اجتماعي تتفق عليه كافة مكونات الدولة، يوضح الحقوق والواجبات لجميع الأطراف داخل الدولة، مشيرا إلى أن استفتاء أسكتلندا جاء تنفيذا لوعد كان يطالب بتنفيذه الأسكتلنديون منذ فترة طويلة.

وأكد الفقيه وجود إشكاليات كثيرة في البلدان العربية حول فهم الدساتير والمواثيق الوطنية، مضيفا "في البلدان العربية تحاول تشكيلات وأيدولوجيات إصباغ سلطاتها على الجميع وتمنع المختلفين عنها من سلطاتهم حتى في المطالبة بحقوقهم".

video

العراق واليمن
وبشأن البلدان التي تظهر فيها أصوات منادية بالانفصال في العالم العربي بعد حالة انفصال جنوب السودان عن السودان عام 2011، قال الفقيه إنه في حال عدم إصلاح طريقة الحكم المركزي والترتيبات الإدارية الحصيفة في العراق واليمن، قد يتخذ المواطنون في البلدين خيارا صعبا على الدولتين.

وأشار إلى أن المنطق السياسي في الماضي والحاضر لم يكن مريحا للجنوبيين في اليمن منذ اتحادهم مع الشمال في تسعينيات القرن الماضي.

وأوضح أن الحال نفسها بالنسبة لإقليم كردستان العراق الذي يجدد مطالبته بتقرير مصيره بعد تعثر الحكومة المركزية في بغداد.

ودعا الفقيه إلى الاستفادة من تجربة انفصال جنوب السودان وما آلت إليه الأوضاع فيه، وقال إن "جماعات الجنوب كانت تظن أنها تتشابه وبإمكانها التعايش بصورة أفضل من الوضع السابق (الوحدة مع الشمال)".

لكنه لفت إلى عدم وجود ضمانات بأن الخصوصيات التي يتشابه فيها بعض الناس تعطي ضمانة بأن المستقبل أفضل، فالجنوب كان متوحدا ضد السودان في الاستفتاء على الانفصال، لكن التناقضات كانت كبيرة جدا بينهم وذلك ما ظهر لاحقا".

وفي ما يتعلق بالعقيدة التي تبنتها جامعة الدول العربية في دعم الأنظمة السياسية في مواجهة كل خلافاتها مع مكوناتها الداخلية، أكد الفقيه أنها "جامعة عضوية" والدولة في العالم العربي هي النظام السياسي الحاكم وليس الشعب، مشددا على أنها تقف دائما مع الأنظمة ولم تشذ إلا في حالتين: الأولى في ليبيا ضد العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إبان ثورة عام 2011، والأخرى تتعلق بحجب مقعد سوريا فيها.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: استفتاء اسكتلندا ومواقف العرب في القضايا المشابهة

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيف الحلقة: الصادق الفقيه/أمين عام منتدى الفكر العربي

تاريخ الحلقة: 19/9/2014

المحاور:

-   نظرة دونية للمكونات المجتمعية

-   صيغة مفترضة لتحقيق مطالب الفئات

-   النموذج السوداني نموذج صارخ

-   عقيدة جامعة الدول العربية

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في هذه الحلقة من "الواقع العربي" الّتي نُسلّط خلالها الضوء على مقاربة الدول العربية لموضوع الهويات القومية والجِهوية داخلها في ضوء نتيجة استفتاء اسكتلندا.

بفارق أكثر من مليونٍ وثلاث مائة ألف صوت فاز أنصار البقاء ضمن بريطانيا العظمى على دعاة الانفصال عنها من الاسكتلنديين، قرار مثل نهايةً لعقودٍ طويلة من التململ لدى جزءٍ مقدرٍ من الاسكتلنديين استشعروا الغبن من وجود بلادهم تحت التاج البريطانية إلى أن قال صندوق الاقتراع كلمته الأخيرة، بيد أن نموذج اسكتلندا وغيره من المناطق الّتي تواجه وضعاً مماثلاً في أوروبا يلفت بشدة إلى طريقة مقاربة هذه الدول لتطلعات مكوناتها القومية والجِهوية ومقارنة ذلك بما يجري في عالمنا العربي في الحالات المشابهة.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: قرروا البقاء داخل الاتحاد البريطاني ورفضوا بشكلٍ قاطعٍ الاستقلال والانفصال، اعترف ألك سموند الوزير الأول في اسكتلندا والذي كان يتزعّم اتجاه الانفصال لخسارته داعياً إلى الوحدة، ، 300 عام من الأشواق الاسكتلندية للانفصال يسندها عداء تعود جذوره إلى 3 قرون قبل ذلك حين غزا ملك انجلترا ادوارد اسكتلندا واحتل قلعة ستيرلنغ أحد أهم معاقلها، عددٌ من الدول الأوربية راقبت الاستفتاء من بين هذه الدول اسبانيا الّتي احتشد الآلاف من مواطنيها في برشلونة عاصمة إقليم كتالونيا للمطالبة بحق إجراء استفتاء على استقلال الإقليم عن اسبانيا وهو ما تعارضه الحكومة، الأمر يثير بدوره تساؤلاتٍ عن تعامل الدول في أجزاءٍ أخرى من العالم مع رغبات الهويات القومية والإقليمية الّتي تعتبر جزءاً من تركيبتها السكانية، وفي عالمنا العربي عدد من الدول العربية الّتي ينطوي تكوينها على هوياتٍ فرعية تعبر من وقتٍ لآخر عن عدم رضاها بالبقاء ضمن هذه الدول أو على الأقل احتجاجها على بقائها وفق الصيغ الراهنة، السودان واحدٌ من هذه الدول خاض حرباً ضد جنوبه استمرت نصف قرن ثم انتهت بانفصال الجنوب بصورةٍ مدويةٍ لا تزال تداعياتها تؤثر على علاقات الطرفين، اليمن والعراق وسوريا هي الأخرى تواجه وإن بدرجات متفاوتة دعوات انفصال تهدد وحدتها خاصةً مع الأداء غير المشرف الّذي تقدمه حكوماتها المركزية، يبدو النموذج اليمني أوضح مساراً من خلال المطالب المستمرة الّتي تصاعّدت عام 2007 بحقوق مطلبية جراء قيام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بإقصاء الجنوبيين من السلطة وتسريحهم من المناصب القيادية في السلك العسكري والإداري ونفيهم خارج البلاد بعد حرب 1994 والّتي أدت إلى قيام حركاتٍ انفصالية تطالب بإنهاء الوحدة بين اليمن الشمالي والجنوبي الّتي وقّعت عام 1990، في العراق أيضا ينظر إلى إقليم كردستان العراق بأنه على طريق الانفصال خاصة بعد التعثُر الشديد في مسيرة الدولة المركزية خلال السنوات الأخيرة وهو التعثُر الّذي دفع رئيس الإقليم إلى الدعوة لتنظيم استفتاءٍ على حق تقرير المصير، سوريا ليست بعيدةً عن الموقف ذاته فبينما يتقاسم مناطق سوريا قوات النظام ومسلحو تنظيم الدولة والمعارضة والجيش الحر وفصائل أخرى يقف الوضع على مشاكل طائفيةٍ معقدة بين السنة والشيعة زاد تعقيدها تدخل حزب الله وإيران في الصراع السوري - السوري وهو ما يهدد في نظر البعض باحتمال انقسام سوريا وانفصالها إلى عدة دويلات، رغبات الانفصال والانقسام لا تتوقف عند هذه النماذج فحسب فالمنطقة برمتها تبدو على حافة فوضى لا يُعرف هل هي بعيدة عن فكرة إعادة تشكيل المنطقة من جديد برغبة دولية أم هي نتاج الاستبداد والتطرف والفقر والهويات المناطقية والدينية والعصبية الّتي أيقظتها المعاناة العربية الداخلية والتدخل الخارجي.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: ولإلقاء مزيدٍ من الضوء على مقاربات الدول العربية لموضوعات الهويات الفرعية نرحب بضيفنا من عمّان الدكتور الصادق الفقيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي، مرحباً بك دكتور، دكتور صادق.

الصادق الفقيه: يا ألف مرحبا.

عبد الصمد ناصر: يا مرحباً بك، لدى التفكير في  المقاربة المرجوة من قضية الهويات القومية والجِهوية في بعض الدول العربية  ما هي أبرز الخُلاصات الّتي يمكن الخروج بها من تجربة اسكتلندا سواء اسكتلندا كجهة تطالب بالانفصال أو بريطانيا كجهة ُطلب الانفصال عنها؟

الصادق الفقيه: هنالك الكثير مما يمكن تعلّمه من هذه التجربة أولاً الإطار السياسي الّذي أعطى للاسكتلنديين الحق في أي يذهبوا إلى الاستفتاء ليقرروا بين مصيرهم أو أن يستجاب للمطالب الكثيرة الّتي كان كانت مرفوعة سواءً كانت مطالب سياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية وغيرها من المظالم الّتي كان يشكوا منها الاسكتلنديون لقرون وليس عقود طويلة في الاتحاد البريطاني والمملكة المتحدة، الدول العربية الّتي لا تعترف غالباً بمكوناتها ولا تعترف غالباً بمظالم مكوناتها عليها الاستفادة من هذه التجربة بدلاً من أن يذهب المطالبون بالحقوق إلى حمل السلاح والمطالبة بالانفصال وليس المساومة وليس التسوية الدستورية والديمُقراطية فهذه التجربة فيها الكثير من الدروس والكثير من العبر الّتي ينبغي أن ينظر فيها الحاكمون والمحكومون من أصحاب الهويات المختلفة المطالبون بالحقوق ورفع الغبن عنهم.

نظرة دونية للمكونات المجتمعية

عبد الصمد ناصر: ولكن المطالبات بالانفصال أو حتى بإتاحة قدر من الخصوصية لمناطق أو أعراق أو طوائف تعتقد بأنها تتميز بنوعٍ من الخصوصية عن بقية مكونات الوطن تقابَل عادةً في العالم العربي بنوع من الحساسية وبدرجة عالية من النظرة الدونية أو النظرة إلى هذا الطرف على أنه خائن أو عميل أو أنه يخدم أجندة خارجية، تفسيرك لذلك دكتور؟

الصادق الفقيه: فقدت جزءا من السؤال ولكن..

عبد الصمد ناصر: أعيد السؤال إذا لم تكن تسمع جيداً، قلت بأن هذه المكونات في بعض البلدان العربية الّتي تنظر لنفسها على أنها مختلفة عن باقي المكونات الأخرى سواء من حيث الجهة أو الخصوصية أو طائفة أو مذهبية لديها مطالب سواء انفصالية وغيرها تنظر إليها جهاتٌ ما في ذلك القُطر بدرجة عالية من الحساسية وربما تنظر إليها على أنها جهة خائنة أو عملية تخدم أجندات خارجية، كيف نفسر ذلك؟

الصادق الفقيه: تفسيره هي قضية الدولة الوطنية في العالم العربي، هذه الدولة الّتي كونت تكويناً اعتباطياً لم يراعي خصوصية هذه المكونات أو مجمل المكونات الّتي تشكّل المجتمعات العربية فبالتالي الأغلبية أو الأيدلوجية الحاكمة أرادت أن تخلق قسراً مجتمعاً متشابهاً، مجتمعاً منمطاً ففكرة التنميط فكرة القولبة، فكرة صياغة المجتمعات على نمطٍ وعلى شكلٍ واحد هو الّذي صعّب فكرة المطالبة وفكرة القبول بالمطالبة وفكرة المساومة لا توجد في الأعراف العربية، في الأعراف السياسية العربية لأن السياسة لا تعرف المساومة، السياسة لا تعرف أن تأخذ أو تعطي بقدر ما تأخذ من المواطنين ومسألة التخوين هي مسألة شائعة في البلاد العربية أن كل من يطالب بحقه هو غير وطني وهو خائنٌ وهو عميلٌ لجهةٍ من الجهات وربما استفادت كثير من القوى الخارجية أيضاً من هذه الحالات طالما الوطن لا يُنصف فهنالك من يمد يده للإنصاف أو لمحاولة أو الإغراء بالإنصاف فكثيرٌ من الحالات تداخل فيها الداخلي والخارجي نتيجة للتعنّت الداخلي، نتيجة لعدم القدرة على التفاوض.

صيغة مفترضة لتحقيق مطالب الفئات

عبد الصمد ناصر: على ذكر العامل الداخلي، نعم رغم الإقرار بأن معظم إن لم تكن كل الحدود في الدول العربية هي من الإرث الاستعماري رسمها الاستعمار ألا أن فتح المجال أمام هذه المكونات التي لديها مطالب وتري نفسها مختلفة عن باقي شرائح أخرى في المجتمع يعني أن تفتح المجال لهذه المكونات بتحقيق مطالبها أو بالانفصال قد ينتهي إلى تفتيت الدول العربية ويعني أن تذهب هذه الدول إلى مصير مجهول، السؤال هنا ما الحل الّذي يمكن أن يحقق مطامح ومطالب هذه الفئات والتراضي دون الوصول إلى نتيجة تهدد مصير هذه البلدان؟

الصادق الفقيه: لا بد من التعاقد، لا بد من إيجاد عقدٍ اجتماعي تتوافق عليه هذه المكونات ولا بد من وضوح الحقوق وكذلك وضوح الواجبات المُناط بها كل فرد أو كل مجموعة من هذه المجموعات داخل الكيان السياسي الواحد أو الكيان الجيوسياسي الواحد الّذي نسميه الدولة أو نسميه الوطن في عالمنا العربي، هناك الكثير مما ينبغي الاجتهاد فيه والعمل بمقتضاه في هذه الدول حتى لا نصل إلى ما وصلت إليه دولة مثل السودان أو قد تصل إليه دول أخرى ذكرت في مقدمة هذا البرنامج، هنالك الكثير من الإشكالات الّتي ينبغي أن تعالج، هنالك الكثير من المقاربات الّتي أيضاً ينبغي أن نتعلم منها ونقترب منها حتى نأخذ منها العبر، اسكتلندا كانت تجأر بشكوى منذ فترةٍ طويلة وهنالك شيءٌ من التعالي الثقافي الّذي مارسه الانجليز في انجلترا على وجه الخصوص والآن حصلت المملكة المتحدة على فكرة الاتحاد وعلى ضمانة الاتحاد وكذلك حصل الاسكتلنديون  أو على ما كانوا يطالبون به  أو على الأقل الوعد بما كانوا يطالبون به وفي وقتٍ قريب. الدولة وكل القوى المعارضة في بريطانيا أقرت هذه الحقوق وأنها ينبغي أن تطبق بسرعة وليس لاسكتلندا وحدها، المقاربة الدستورية أو التسوية الدستورية الّتي وعِد بها الجميع ستشمل ويلز وستشمل حتى انجلترا  في هذا الترتيب وشمال ايرلندا فالحقوق يستجاب لها ولا تتعنت الدولة أو تتعنت المعارضة أو تتعنت الأقاليم في المطالبة بالانفصال.

عبد الصمد ناصر: وهذه الحقوق هي الّتي تحدد تلك العلاقة بين الدولة والمواطن في إطار ما سميته بالتعاقد بين المواطن والدولة هل نحن في الوطن العربي لدينا نماذج أو هل فعلاً لدينا تعاقدا اجتماعيا بين المواطن والدولة بحيث يشعر المواطن في وطنه بأنه مواطن كامل الحقوق وبأن الدولة فعلاً تقوم بالإيفاء بكل شروط هذا التعاقد.

الصادق الفقيه: لا يوجد شيء يؤكد على هذه الضمانات، هنالك عديد من الدساتير الّتي لا يقرأها أحد ولم يسمع بها أحد من الّذين ينبغي أن تصلهم، ما فيها من ضمانات تؤكد هذه الحقوق وأيضاً تعرّف الواجبات المطلوبة من كل فردٍ من أفراد المجتمع أو من أفراد الدولة، هنالك إشكاليات كثيرة في فهم حتى المواثيق الوطنية الّتي أُعلنت في أكثر من دولة عربية هي الأقرب إلى الأيديولوجيات الحاكمة، أقرب إلى تعريف الوطنية، من هو المواطن؟ أو ما هي الوطنية؟ وما هي ما  يُضاد المواطنية أو الوطنية، الّذين يطالبون وغالباً ما يخرجون من زمرة المواطنين والّذين يعرّفون حقوقاً خاصة أو يطالبون بشيء من الخصوصية، خصوصية ثقافية أو خصوصية دينية أو مذهبية غالباً ما لا يشملهم هذا التعريف أو التعريفات الّتي تضعها المواثيق الوطنية أو حتى الدساتير القومية والدساتير الّتي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتحكم المكونات الاجتماعية المختلفة، لا يروّج لها بالقدر الّذي يجعل من هذه المواثيق وهذه الدساتير يجعل الوعي بها ممكِّناً لفكرة الوطنية أو ممكناً لفكرة العقد الاجتماعي والضمانات التي تعرف الحقوق والواجبات داخل مجتمع موحد متساوٍ يسود فيه العدل ويسود فيه حكم القانون، هذه الأشياء غائبة تماماً هنالك تشكيلات، هنالك إيديولوجيات، هنالك جماعات، هنالك أغلبيات أيضاً تحاول أن تضع سلطانها أو تسبغ سلطانها على الجميع، تسبغ ثقافتها ولغتها على الجميع دون تمكين الآخر من حقوقه ومن خصوصياته إما أن يلحق بها الجميع أو...

عبد الصمد ناصر: أن تصل العلاقة ربما إلى..

الصادق الفقيه: أو تصفه بكل الصفات..

عبد الصمد ناصر: نعم، أن تصل العلاقة إلى ما وصلت إليه في بلدان أخرى انفصلت فيها مكوناتها، هنا أريد أن نبني على ما قلت دكتور لنسأل كأمثلة، مثلاً النموذج الكردي في العراق وأيضاً في اليمن أين ربما ستؤول الأمور هناك بناءً على معطيات الواقع في هذين البلدين العراق واليمن مثلاً؟

الصادق الفقيه: إذا لم يُصلح الحكم المركزي في هاتين الدولتين من شأن السياسة العامة ومن شان الإدارة الحصيفة ومن ترتيباتٍ إدارية حصيفة ومن تسوياتٍ حقيقية تطمئِن المواطن في جنوب اليمن مثلاً وفي شمال العراق مثلاً فإن الخيار الّذي سينزع إليه أو سيتجه إليه المواطنون في هاتين المنطقتين سيكون خياراً صعباً على الدولتين، المنطق السياسي في هاتين الدولتين لا يطمئن أي من الجهتين على مستقبلها لا المنطق الماضي ولا المنطق الحاضر، هنالك الكثير من الإشكالات الّتي تولدت عن اتحاداتٍ قسريه، تفاءل الناس كثيراً بالوحدة اليمنية ولكن سرعان ما  انهار هذا التفاؤل والتمنيات الّتي تمناها كل العرب أن يشكل هذا الاتحاد لبنة أو خطوة متقدمة في سبيل اتحاد كثير من الدول المتشابهة أو المناطق المضطربة في أن تلجأ إلى صيغٍ جديدة من الوحدة، إلى ترتيباتٍ سياسية جديدة يتراضى عليها الجميع ولكن فشل هذه التجربة وفشل المنطق السياسي في العراق الحديث وحتى العراق الدولة السابقة في العراق في تطمين المكونات العراقية هو الّذي قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه في هذين البلدين في العراق وفي اليمن كما حدث وذكرت في السودان الّذي حدث..

النموذج السوداني نموذج صارخ

عبد الصمد ناصر: في السودان، ولهذا اسأل هنا إلى أي حد الدول العربية دكتور، نعم النموذج السوداني هو نموذج صارخ وماثل أمام أعيننا وما آلت إليه الأمور وبتنا أمام دولتين ضعيفتين، إلى أي حد هذه الدول العربية الّتي تعيش مشكلات وإشكاليات داخلية يمكن أن تكون قد استفادت من تجربة السودان في الحرب الأهلية ثم في الانفصال؟

الصادق الفقيه: السودان أيضاً يشكل تجربة حاضرة، تجربة مؤسفة حقيقةً، أسف الانفصال وأسف ما آلت إليه الأوضاع داخل الجنوب، الكثير من الجماعات الّتي تظن أنها تتشابه أو تشكّل بعض القناعات وتتشكل بعض القناعات داخلها أنها تتشابه وأنها يمكن أن تتعايش وأنها يمكن أن تشكل وحدة أفضل من الوحدة الّتي خرجت منها أو أفضل من التشكيل الجيوسياسي الّذي خرجت منه، تجربة السودان تبين أن مجرد المطالبة ومجرد العدو المشترك، مجرد الشعارات الّتي تُرفع حتى لأزمانٍ طويلة كما حدث في جنوب السودان لا تعطي ضمانةً إلى أن المكون الجديد أو أن الخصوصيات الّتي يتشابه فيها بعض الناس، بعض الأقوام يمكن أن تُشكل ضمانة لمستقبلٍ أفضل من الواقع الّذي خرجوا منه، جنوب السودان كان متوحدا ضد الشمال نعم، كان متوحداً في الاستفتاء للاستقلال عن بقية السودان ولكن التناقضات الداخلية هائلة جداً، لا توجد جماعة ليس فيها تناقضات، القبيلة الواحدة يمكن أن تنقسم إلى بطونٍ وأفخاذ، العشيرة الواحدة يمكن أيضاً أن تنقسم إلى بيوتٍ كثيرة، الإقليم يمكن أيضاً أن ينقسم إلى أجزاء كثيرة، فإذا بدأ الانقسام لن يتوقف عند حد وجنوب السودان ألان حقيقة ماثلة أو مثال يعطي عبرا كثيرة أن الّذي وحّد الجنوبيين في حربهم ضد الشمال لا يمكن أن تتأسس عليه دولة لأن التناقضات لم تعالج وهي كثيرة جداً، الموحد الوحيد هو التوجه نحو الشمال.

عبد الصمد ناصر:  دكتور الحديث عن نجاح فرص الدول العربية الّتي تواجه أسئلة الوحدة في المحافظة على أراضيها قد يكون أكثر واقعية بالعودة إلى تجربة السودان كما قلت والّذي فشل وفشلت معه كل الجهود العربية في الإبقاء على وحدته قبل أربع سنوات نحن أعددنا هذا التقرير لنتابع.

[تقرير مسجل]

الطاهر المرضي: خمسون عاماً من الاحتراب سالت فيها دماءٌ كثيرة وأزهقت نحو مليوني نفس وأورثت السودان الجوع والفقر وصرفته عن مسيرة البناء والتنمية والاستفادة من موارده الّتي كان من الممكن أن توفر الحياة الكريمة لكل السكان، انفجرت الحرب الأولى قبل خروج المستعمر بأشهر عام55 من القرن الماضي واستمرت بلا هوادة لأكثر من 15 عاماً ثم توقفت باتفاقية أديس أبابا إبان حكم السوداني الأسبق جعفر النميري، تجددت الحرب واستمرت أكثر من20 عاما لينتهي الوطن السوداني الواحد في انفصالٍ إلى دولتين في يوليو عام2011، يبدو أن الانفصال نفسه برز كمهدد للدولتين بمزيدٍ من التفتت إذ انفجرت حربٌ ضاريةٌ في دولة جنوب السودان حديثة العهد ولا تزال ما يشار إليها بحروب الهامش تتفاعل في السودان في إقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق فما الّذي أدى إلى نشوء وبقاء الواقع الّذي قاد إلى هذه النتائج المأساوية.

[شريط مسجل]

الطيب زين العابدين/أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم : السودان فشل في إدارة التنوع الثقافي والديني والعرقي في السودان، هم طالبوا بالفدرالية من أول مرة، الحكومات الشمالية الّتي هي كانت مهيمنة رفضت هذا رفضاً باتاً، وأيضاً الاستبداد العسكري عندنا في السودان نحن محكومين بحكومات عسكرية47 والفترات الديمقراطية كانت 11سنة والحكومات العسكرية بطبيعتها حكومات مركزية.

الطاهر المرضي: إذن يبدو أنه عجز السودانيين عن اجتراح الحل الّذي يبقي وطنهم موحداً انحسرت عنهم يد الإخوة العربية أو تدخلت بطريقة فهمتها الأطراف الّتي تقاتل الخرطوم انحيازاً للسلطة المركزية يدفع هذه الأطراف إلى مزيد من الإحساس بالغبن والعزلة، بيد أن الفشل في التوصل إلى صيغةٍ تغري جميع الهويات الفرعية بالبقاء ضمن حدود الوطن قد لا تقتصر في نظر البعض على الحكومات وحدها.

[شريط مسجل]

محمد حسين أبو صالح/ خبير في الدراسات الإستراتيجية: لا نحمّل الحكومة فقط المسؤولية ولا نحمّل الحزب الحاكم، الحاكم مسؤول والمعالج مسؤول والمجتمع السوداني مسؤول لذلك نحن الآن محتاجين إلى مجتمع يمارس ضغطا باتجاه التوافق الوطني حول رؤية، حتى الآن لم نفكر كيف ننتج الفكر وما هي الفكرة، حتى هذه اللحظة السودان ما عنده وثيقة وطنية ما هي المصالح الإستراتيجية السودانية.

الطاهر المرضي: ورغم اعتراف الكثيرين في السودان الآن في الفشل في إدارة التنوع الثقافي والعرقي الّذي تتمتع به بلادهم يرى فريقٌ منهم أن اليد الخارجية لم تكن بعيدةً عمّا جرى ويجري في بلادهم وهي حجةٌ يراها آخرون دليلاُ آخر على الفشل، مثّل استفتاء عام 2011 نهاية مأساوية لمسيرة صراع الجنوب والآن وبعد أكثر من4 سنواتٍ من ذهاب هذا الجزء من السودان لا يبدو أن الظروف الّتي انفصل فيها الجنوب قد انتهت تماماً فيما تبقى من مساحة البلاد وعليه فإن تحذيراتٍ لا تخلوا من وجاهة انطلقت تنبه إلى احتمالات ذهاب أجزاءٍ أخرى من السودان إذا لم يُفلح أهله في التوصل إلى صيغةٍ أمثل للتعامل فيما بينهم، الطاهر المرضي، الجزيرة، الخرطوم.

[نهاية التقرير]

عقيدة جامعة الدول العربية

عبد الصمد ناصر: دكتور صادق قبل قليل تحدثنا عن العامل الخارجي ولكن أيضاً بحديثنا عن العالم العربي، عقيدة الجامعة العربية، العقيدة الّتي تبنتها جامعة الدول العربية في دعم الأنظمة السياسية في مواجهة كل خلافاتها مع مكوناتها الداخلية، هذه العقيدة إلى أي حد ربما أسهمت في تعقيد تلك المشكلات ومفاقمتها؟

الصادق الفقيه: الجامعة بطبيعة تكوينها هي جامعة عضوية، جامعة دول والدولة في العرف السياسي العربي هي النظام الحاكم وليست الدولة بكل مكوناتها وكل أبعادها وكل شعبها، الشعب غير محسوب في النظام السياسي العربي والوطن كذلك، الوطن إذا ربطناه بالوطنية أو بالمواطنين أيضاً غير محسوبٍ إلى حدٍ كبير في عرف النظام السياسي العربي هناك أنظمة وهذه الأنظمة هي التي تكون الجامعة العربية وهذه الأنظمة هي التي تتعامل معها الجامعة العربية، هنالك حالة أو حالتين شذت عليهما أدوار الجامعة العربية الحالة الليبية في نهايات عهد القذافي وإلى حد أو دور متواضع في الحالة السورية، عدا ذلك فالجامعة دائما مع الحكومات أو مع السلط الحاكمة في البلاد العربية وليست مع الدول العربية، إذا..

عبد الصمد ناصر: وهذه الحكومات طبعا التي كانت السبب، نعم، وأساليب حكمها هي التي أضعفت داخل مشكّلة هذه القبلية لنزاعات انفصالية إن شئنا أن نقول دكتور، انتهى الوقت أشكرك واعتذر منك الدكتور الصادق الفقيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي من عمّان، وبهذا تنتهي مشاهدينا الكرام هذه الحلقة من برنامج "الواقع العربي" نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتوتير، شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.