تزعم بعض التحليلات أن المشكلات التي تطوق اليمن حالياً تطلّ في الواقع من وراء أكثر من خمسين عاماً، حين وُلدت الجمهورية اليمنية على أنقاض ما كان يعرف قبل عام 1962 من القرن الماضي بدولة الإمامة.

فشرعية الطائفة والاتكاء على كيان القبيلة وانتشار السلاح وسيادة منطقه، عوامل فاعلة رغم تفاوت التحليلات بشأن ما إذا كانت قد غابت أصلا في أي مرحلة من مراحل تطور الدولة في اليمن الحديث.

video

حلقة الثلاثاء (16/9/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على جذور المشكلات الراهنة في اليمن، وإمكانية تجاوز التأثيرات التي تفرزها هذه المشكلات.

وتحدث أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء الدكتور محمد الظاهري عن الظروف التي ولدت فيها الدولة اليمنية الحديثة، وتأثيرات تلك الظروف على طبيعة المشكلات التي لازمت اليمن بعد ذلك.

وردا على سؤال حول أي المشكلات أكثر تأثيرا في وضع اليمن اليوم، يقول الظاهري إنها مشكلة عدم وجود تداول سلمي للسلطة، مشيرا إلى أن الثورة قامت في محيط غير ثوري فكانت ثورة إنسانية ولكنها للأسف كانت غير مكتملة، فضلا عن وجود خلل في بنية الدولة اليمنية.

ويضيف أن الدولة اليمنية كانت دولة العصبية الغالبة ثم تحولت إلى دولة الغلبة في ظل وجود حاكم يستطيع تكوين الغلبة السياسية، أضف إلى ذلك البعد القبلي والبعد الديني وهما الأكثر تأثيرا في اليمن ومشكلاته اليوم.

وتطرق الظاهري إلى تاريخ اليمن الحديث مشيرا إلى أنه في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح انتشرت ثقافة التمديد للحاكم مدة رئاسية تلو أخرى، وصولا إلى مرحلة التبديد، والمقصود بها تبديد الوحدة التي أصبحت تمثل كابوسا في جنوب اليمن.

ويرى أن حل مشكلات اليمن لن يكون إلا بالانتقال من حكم الشخص إلى حكم المؤسسات، وتطبيق مفهوم دولة العدل والقانون، مع أهمية حصول المعارضة على حقوقها التي تمكنها من القيام بدورها، والانتقال من ثقافة الاستحواذ و"الصنم" السياسي إلى الاعتراف بالآخر والتسامح تجاهه. 

مفترق طرق
وبعد عقود من التعايش مع المشكلات، يقف اليمن الآن على مفترق طرق، مواجهاً باحتمالات مفتوحة على كل الاتجاهات، ترفع إلى أقصى درجة مستوى التحدي أمام أبنائه من أجل التعامل مع مشهد يمثل -بنظر البعض- الفرصة الأخيرة لبناء الدولة كما ينبغي.

ولعل أبرز التحديات التي تواجه اليمن حاليا الانتشار الكبير والمكثف للسلاح، حيث يقدر عدد قطع السلاح في اليمن بنحو ضعف عدد السكان. فجماعة الحوثي وتنظيم القاعدة وجماعات قبلية أخرى، بل الجميع يملك السلاح الذي يوجه نحو الدولة كلما حاولت التدخل لفرض القانون.

video

وحول مدى خطورة ما يواجهه اليمن من مشكلات وإمكانية وسيناريوهات تجاوزها، استضافت الحلقة الدكتورة ألفت الدُّبَعي أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة تعز وعضوة لجنة صياغة الدستور اليمني والعضوة السابقة بلجنة الحوار الوطني في اليمن.

ترى الدكتورة ألفت أن أساس المشكلات التي يعانيها اليمن اليوم يعود إلى نفس الفاعلين الرئيسيين في الماضي، إذ لا يزال هؤلاء موجودين على الساحة السياسية في اليمن وهم سبب مشكلاتها.

وتضيف أن مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي أثبتت مدى نجاحها في انتقال الدول التي تخوض الصراعات إلى مرحلة البناء بشراكة وطنية حقيقية، لكنها تساءلت "كيف ننتقل وما زالت هذه العناصر تمارس دورها في التسبب بالمشكلات".

وانتقدت الدُّبَعي حالة الانتقائية الشديدة التي مارستها النخب السياسية في الاختيار من بين مخرجات الحوار الوطني ما يتناسب مع مصالحها وأهدافها الخاصة، وهو نفس ما كان يمارسه الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

وحول جماعة الحوثي قالت الدُّبَعي إن الجماعة تكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه قوى أخرى، وتمارس نفس أسلوب المستبد في توسيع مطالبها ومكاسبها السياسية التي تسعى للوصول إليها، وبالتالي تقود نفسها إلى نفس مصير الجماعات السابقة التي اتخذت نفس النهج.

وتقر بوجود بعد إقليمي في مشكلات اليمن، لكنها تؤكد أن الداخل اليمني يمكنه أن يُضعف تأثير هذا البعد إذا توافق اليمنيون على إيجاد الحلول العادلة، مع استبعاد البعدين الأيدولوجي والطائفي.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: جذور المشكلات الراهنة باليمن وإمكانية تجاوزها

مقدم الحلقة: فيروز زيّاني

ضيفا الحلقة:

-   محمد الظاهري/أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء

-   ألفت الدُّبَعي/عضو لجنة صياغة الدستور

تاريخ الحلقة: 16/9/2014

المحاور:

-   البعد القبلي والبعد الديني في اليمن

-   كيفية توجه اليمن إلي دولة حديثة

-   نخب سياسية وميليشيات متناحرة

فيروز زيّاني: السلام عليكم وأهلاً بكم مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على جذور المشكلات الراهنة في اليمن وإمكانية تجاوز هذه التأثيرات التي تفرزها هذه المشكلات. تزعم بعض التحليلات أن المشكلات التي تطوق اليمن حالياً تطل في الواقع من وراء أكثر من 50 عاماً حين ولدت الجمهورية اليمنية على أنقاض ما كان يعرف قبل عام 72 أو 62 عفواً من القرن الماضي بدولة الإمامة، فشرعية الطائفة والاتكاء على كيان القبيلة وانتشار السلاح وسيادة منطقه هي عوامل فاعلة خلال المرحلتين رغم تفاوت التحليلات بشأن ما إذا كان قد غابت أصلاً في أي مرحلةٍ من مراحل تطور الدولة في اليمن الحديث، التقرير التالي يوجز أهم المراحل التي عبرها اليمن في مشوار تخلقه كدولةٍ حديثة:

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: لا ينسى اليمنيون هذا الرجل بالتأكيد، الإمام أحمد يحيى حميد الدين آخر الأئمة اليمنيين فيما كان يسمى بالمملكة المتوكلية التي حكمت اليمن تحت شرعية المذهب الزيدي منذ عام 1918 حتى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 حين أعلن عن قيام الجمهورية العربية اليمنية بقيادة المشير عبد الله السلال، لم تفهم الثورة على أنها ثورة ضد الهاشميين أو المذهب الزيدي خاصةً وأن المذهبين الزيدي والسني الشافعي اللذين يتقاسمان موالاة السكان عرفا على مر التاريخ تقارباً مثله بصورةٍ واضحة ذكر الفقيه اليمني الزيدي محمد بن علي الشوكاني. لم تستتب الأمور تماماً لصالح الثوار فقد استمرت محاولة الأئمة العودة للحكم حتى عام 1970، لم تنجح محاولات إرساء مفاهيم الدولة المدنية بسبب الهويات القبلية والعصبية والمذهبية التي أفشلت في الشمال أي جهدٍ لبناء دولةٍ حقيقية وكان أبرز مظاهر الإخفاقات اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وهو الرئيس الثالث لليمن بعد الرئيسين عبد الله السلال وعبد الرحمن الأرياني. في الشق الجنوبي من اليمن كان المواطنون يقاومون الاستعمار البريطاني حتى استقلالهم عام 1967  حيث أعلن أول دستورٍ لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1970 أن الحزب الاشتراكي اليمني الذي أمسك بزمام الأمور في ذلك الحين هو القائد والموجه للمجتمع والدولة، واتخذ الحزب الاشتراكي من النظرية الاشتراكية العلمية الأساس النظري لبرامجه وحسم صراعه مع القوى القومية والوطنية الأخرى في الجنوب لصالحه، بعد تصفياتٍ دمويةٍ كان أبرزها مذبحة يناير عام 1986، مر الشطران الشمالي والجنوبي رغم توقيع اتفاقيات بينهما بحروبٍ عام 1972 و1979  ولم تستقر الأوضاع فيهما منذ الثورة على الإمامة والاستقلال إلا مع توقيع رئيس الشمال علي عبد الله صالح اتفاقية الوحدة مع الرئيس الجنوبي الأخير علي سالم البيض في وحدةٍ اندماجية عام 1990، خلطت مشاكل الشطرين وأنتجت خلافاتٍ وحروبا بين قيادة الشطرين كانت قمتها حرب عام 1994 وقد انتهت تلك ألفترة إقصاءً للقيادة السياسية والعسكرية الجنوبية وسيطرةٍ لنظام صالح ورحيلاً واسعاً لقيادات الحزب الاشتراكي إلى الخارج، انفتحت شهية نظام علي صالح فيما بعد للاستحواذ على مقدرات الحكم وهيمنة فكرة التوريث وكرس كل مقدرات البلاد لتحقيق حلم نقل السلطة لنجله فكان ذلك محدداً جوهرياً لأدائه السياسي فكثّف من لعبه بأوراقٍ قاتلة كلعبة التناقضات المذهبية والعصبيات المناطقية الجهوية لضرب خصومه ببعضهم مما أفضى إلى حالة تشوهاتٍ في البلاد أسفر عن ثورةٍ شبابيةٍ أرادت أن تغير ذلك الواقع البائس بيمنٍ جديد، غير أن التسوية أبقت على جوهر المرض إذا جاز التعبير الذي ظل ينخر في الجسد الوطني فأفرز هذا الصراع الذي حمل عنوانين في شمال اليمن صراع المذهبيات وفي الجنوب صراع المناطقيات، وكنتيجة لكل هذا التلاعب خلّف صالح لليمن مجموعة مشاكل بينها جماعة الحوثي المسلحة التي تتوسع في مناطق جغرافية تحسب على أبناء المذهب الزيدي فالحوثيون استعادوا كل مقولات الزيدية المتشددة وبينها انحصار الحكم على البطنين وهما الحسن والحسين ابنا الإمام علي ابن أبي طالب بالإضافة إلى المظلوميات التاريخية معتمدين على دعمٍ إيراني بدأ قبل سنواتٍ كثيرة لتكريس التشيع السياسي وتحقيق أغراضٍ في منطقةً طالما حلمت إيران بامتلاك نفوذٍ فيها، وهي الطريقة المثلى لها لإزعاج جيرانها الخليجيين وفي مقدمتهم السعودية.

[نهاية التقرير]

فيروز زيّاني: للوقوف على الظروف التي ولدت فيها الدولة اليمنية الحديثة وتأثيرات تلك الظروف على طبيعة المشكلات التي لازمت اليمن بعد ذلك نرحب بضيفنا من صنعاء الدكتور محمد الظاهري أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، أهلاً بك دكتور محمد، يعني من بين كل المحطات التي وقف عندها تقريرنا باعتقادك أيتها يمكن القول بأنها الأبرز في تشكيل وصناعة وطبع اليمن كما هو اليوم؟

 

محمد الظاهري: نعم، يعني الواقع اليمني واقع مأزوم، العوامل التي أثيرت في التقرير هي عوامل متكاملة ومتكاتفة على الوصول إلى هذا الوضع المأزوم، في اليمن يعني لا يوجد تداول سلمي للسلطة بالفعل أشعلت ثورة 26 سبتمبر 1962 ولكن للأسف هذه الثورة لأنها قامت في محيطٍ غير ثوري وفي واقعٍ يعني يحاصره الجهل والمرض في هذا السياق أستطيع أن أقول أنها كانت ثورة إنسانية بأهدافها ولكن للأسف هذه الثورة كانت ثورةً غير مكتملة في هذا الإطار وللأسف أيضاً أن هناك خللا في بنية الدولة اليمنية لا يوجد تداول سلمي للسلطة، السلطة في اليمن تاريخياً كان هناك آليات متعددة من يصل إلى السلطة إما عن طريق ما أسميه الآلية الحربية الآلية القتالية، أن تأتي قوى اجتماعية فتسيطر على بقية القوى وتحكم وفق..

فيروز زيّاني: يعني دكتور أنت عفواً أعذرني فقط هنا، دكتور نود أن نغوص قليلاً بالجذور أنت الآن تحدثنا عن تاريخ اليمن الحديث عن الثورة الأخيرة لليمن لكن ماذا لو عدنا قليلاً إلى الوراء، هناك من يقول بأن ربما الطبيعة العنفية التي ولدت فيها الثورة وأنت قلت بأنه لم يكن هنالك يوماً أي تداول سلمي للسلطة في اليمن هي التي ربما أضفت هذا الجو ألعنفي الذي نشهده اليوم.

محمد الظاهري: نعم أستاذة فيروز لن أبحث وراء الجزئيات والتفاصيل بالفعل أنا سأغوص بالأعماق، الدولة اليمنية دولة في التاريخ القديم كانت دولة العصبية الغالبة، في التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر ظهرت دولة ما أسميها يعني دولة الغلبة إن جاز التعبير في ظل وجود حاكم يصطنع لنفسه عصبية وأنا أتتبع استقراء التاريخ السياسي وجدت أن الذي يصل إلى السلطة أو الحكم هو ما أسميه وفقاً لثقافة التحكيم  يأتي محكم إما داخلي يمني بين المحكم يبدأ صراعٌ يعني اجتماعي اجتماعي أو قبلي قبلي فإما تنتصر القبيلة الغالبة فتحكم أو أن يحدث إنهاك في الصراع فيلجأ المتصارعون إلى تحكيم طرف ثالث محكّم يأتي ويحكم في هذا الصراع إما داخلي أو خارجي وهكذا الإمامة حكمت اليمن ما يربو على 1100 عام عن طريق استجلاب بعض القبائل اليمنية حاكمٌ يعني محكم في صراع قبلي قبلي الإمام الهادي من جبل الريس من الحجاز وجاء إلى اليمن ثم يعني انتقل من محكم في صراعٍ اجتماعي اجتماعي إلى حاكم ومحكم في آنٍ معاً في هذا السياق، عندما قامت الثورة كما أشرت للأسف لها أهداف ستة لم ترى النور حتى الآن كما قلت بسبب أن البنية الاجتماعية في اليمن الواقع المجتمعي واقعٌ متنوع، للأسف عندما يأتي هذا الحاكم يعني يستمد يعني عمره السياسي وبقاؤه السياسي من خلال توليد ثقافة تحكيم جديدة من خلال صرعنه أو بث النزاع بين القوى.

فيروز زيّاني: ممتاز تشير إلى نقطة مهمة.

محمد الظاهري: وليس عبر حكم المؤسسات وشرعية الإنجاز.

البعد القبلي والبعد الديني في اليمن

فيروز زيّاني: تشير إلى بعدين مهمين في تاريخ اليمن، البعد القبلي والبعد الديني هذا الإرث الديني والقبلي ليس اليمن استثناءاً للعديد ربما  من المجتمعات في المنطقة لديها نفس المكونات ونفس العناصر المؤثرة لكنها تجلت في اليمن بشكل كبير، ما الذي جعلها كذلك؟

محمد الظاهري: تجلت لأنه كما أشرت لم تترسخ ثقافة تداول السلطة وتبادلها سلمياً كما أشرت أن الحاكم يأتي في ظل شخصانية السلطة السياسية وغياب حكم المؤسسات ويأتي الحاكم يتدثر بشكل مؤسسي أو يستورد ولدينا في اليمن ما أسميه تزامن المتناقضات وتعايشها، في اليمن استجلبنا يعني نموذجا ليبراليا لدينا انتخابات ولكن للأسف لدينا حروبا أيضاً، رغم أن الانتخابات يفترض عندما تحضر يغيب العنف، في اليمن نحن نقول للأسف أن الذي يأتي ليحكم لا يستمد وجوده السياسي كما أشرت من خلال شرعية الإنجاز، وشرعية دولة القانون والحق ودولة المؤسسات، يأتي كما أشرت يعني الحكم حكم شخصاني قد يستند إلى العصبية أو يستند لعصبية يصطنعها بنفسه عن طريق تولية أقاربه وأبنائه ومن يثق بهم من القادة.

فيروز زيّاني: وهذه نقطة مهمة جداً.

محمد الظاهري: والإشكالية في اليمن أن القبائل ليست كتلة.

فيروز زيّاني: نعم هذه نقطة جداً مهمة تنقلنا ربما لجزئية مهمة أيضاً يعني تشير إلى أن من يأتي للحكم في اليمن ويشير إليه الكثير من المراقبين سواء داخل أو خارج اليمن بأنه يلعب على هذه الورقة الطائفية والتناقضات الطائفية والجهوية حتى في اليمن إلى أي مدى تحديداً نتحدث على علي عبد الله صالح منذ سنة 90 ومنذ أن بات مسيطراً على الأمور في الشمال والجنوب لعب على هذه الورقة تحديداً ونجح فيها لضرب خصومه السياسيين بعضهم ببعض، إلى أي مدى باعتقادك يدفع الثمن اليمن اليوم لهذه اللعبة؟

محمد الظاهري: نعم علي عبد الله صالح الرئيس السابق للأسف استخدم تكتيك ما أسميه السعي لإضعاف القوي عبر تقوية الضعيف وإضعافهما معاً ولهذا ضعفت الدولة وضعف المجتمع وضعف الحاكم أيضاً في مواجهة الشباب الذين نزلوا في ثورة 2011، أستطيع أن أقول تحليلياً أن أقسم مرحلة الرئيس علي عبد الله صالح إلى مراحل عدة، بدأنا بمرحلة قيام دولة الوحدة طبعاً قبل الوحدة كانت الحزبية محرمة وكان حكم الفرد هو الحاضر وكان دائماً يعني الرئيس الحاكم الفرد يلجأ إلى ما يسميه الرقص على رؤوس الثعابين ويكره المؤسسية، يعني دمر المؤسسات، حظر الحزبية، استخدم إستراتيجية وتكتيك ضرب هذا بهذا كي يبقى كي يطيل عمره السياسي، كاره للمؤسسات، حتى قامت الوحدة في 22 مايو 1990 للأسف عرف النظام السياسي ما سميته بمرحلة التحديد أي أنه أجريت لدينا انتخابات بعد قيام دولة الوحدة  للأسف يعني تم استنزاف شرعية الوحدة وحضر الحاكم الفرد وقلة من أقاربه ويعني مريديه ومن يثق بهم ثم انتقلنا إلى مرحلة التنديد للأسف غابت فكرة التداول السلمي للسلطة وانتشرت ثقافة التمديد للمنصب ويعني عدل الدستور وبقي الرئيس علي عبد الله صالح وتم التمديد للبرلمان ومدد له حتى انتقلنا إلى مرحلة ما أسميه مرحلة التبديد، التبديد بالوحدة وتحولت الوحدة من مكسب وطني وتاريخي لليمنيين إلى كابوس لأخوتنا في الجنوب في هذا السياق يعني للأسف استنفذت شرعية الوحدة.

فيروز زيّاني: وضح تماما.

محمد الظاهري: نعم، وللأسف نحن الآن في مرحلة التبديد في المنجزات وحضرت كل المتناقضات، الواقع اليمني عرف ما اسميه أربع قوى، قوى الطغاة للأسف ثم حضر الغلاة ثم حضر الغزاة ثم حضر الفاسدون أو ما أسميه بالجباة.

كيفية توجه اليمن إلي دولة حديثة

فيروز زيّاني: تحليل جيد للوضع، ما الذي باعتقادك كان يجب أن يتوفر لليمن حتى يمضي باتجاه ربما دولة حديثة معافاة ولم يتوفر له دكتور؟

محمد الظاهري: كان لا بد من متطلبات عديدة، لا بد متطلب مؤسسي أن ننتقل من حكم الشخص الفرد الحاكم الذي يكره المؤسسات إلى حكم المؤسسات ودولة الحق والعدل والقانون، هناك مطلب ثقافي كان المفروض أن تودي الأحزاب المعارضة وحزب الحاكم يعني متطلباتها المعروفة في وظائف النظم السياسية، المتطلب الثقافي أن ننتقل من ثقافة الاستحواذ وثقافة إزاحة المسؤولية عن الذات وثقافة الصمم السياسي إلى ثقافة الاعتراف بالآخر والتسامح اتجاهه وأيضا متطلب في غاية الأهمية أود القول هنا أن المعارضة بدورها كانت غائبة للأسف كانت تتعامل وفق قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة يعني غابت يعني لم تستطع هذه الأحزاب أن تدرأ المفسدة ولا أن تجلب المصلحة، أعتقد أن لدينا كما أشرت آنفا لدينا أربع الذي أشرت إليه الطغاة نحتاج إلى حضور..

فيروز زيّاني: واضح.

محمد الظاهري: إلى حضور يعني في هذا السياق للمدافعين والأباة نحتاج أيضا للغلاة إلى وجود الدعاة ونحتاج أيضا لمواجهة الجباة إلى القضاء في هذا السياق ونحتاج الحماة لمواجهة الغزاة.

فيروز زيّاني: شكرا.

محمد الظاهري: وتحضر المؤسسات حكم المؤسسات بدل من حكم الفرد في اليمن.

فيروز زيّاني: أشكرك جزيل الشكر دكتور محمد الظاهري أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء. بعد عقود من التعايش مع المشكلات يقف اليمن الآن على مفترق طرق مواجها باحتمالات مفتوحة على كل الاتجاهات ترفع إلى أقصى درجة مستوى التحدي أمام أبنائه من أجل التعامل مع مشهد يمثل بنظر البعض الفرصة الأخيرة لبناء الدولة كما ينبغي.

[تقرير مسجل]

حمدي البكاري: تحديات كثيرة تحول دون الشروع في بناء الدولة  في اليمن، أكثر من 50 مليون قطعة سلاح بما يزيد عن ضعف عدد السكان في البلاد كفيلة بإحداث تعقيدات بالغة بالخارطة السياسية اليمنية التي تعج بجماعات وميليشيات تزاوج بين المشاريع الفكرية والعقدية والعمل المسلح، تبرر سلوكها وللمفارقة بأنه سعي لبناء الدولة، جماعة الحوثي تنظيم القاعدة وأطراف ومجامع قبلية جميعها تملك السلاح وتستخدمه في صراعات بينية على خلفية سياسية وفكرية مع توجيه ذلك السلاح نحو الدولة كلما حاولت التدخل لفرض القانون، جماعة الحوثي بطرحها خطابا مزدوجا في ممارسة الحرب والعمل السلمي معا تبدو احد الفاعلين الرئيسيين في المشهد اليمني في فترة ما بعد الثورة الشعبية التي خلعت صالح، محافظات بأكملها سقطت عسكريا في يد الجماعة ومعارك شرسة تخوضها حاليا الجماعة لبث نفوذها على أخرى حتى أنها وصلت إلى مداخل صنعاء، تنظيم القاعدة يشكل هو الأخر خطرا مستمرا على الدولة يقوض استقرارها ويشتت جهودها، زاد الأمر سوءا أن التنظيم ينشط في أماكن إما وعرة أو على امتداد سواحل بحرية يسهل من خلالها الحصول على السلاح والبشر، الانسداد السياسي وضعف الأحزاب السياسية قياسا بمراكز القوى التقليدية الحاملة للسلاح مثلت عوامل إضافية في القعود للدولة التي يبدو أن محاولات من قبيل مؤتمر الحوار الوطني لم تكن كافية لإخراجها من وهدتها، حمدي البكاري الجزيرة صنعاء.

[نهاية التقرير]

فيروز زيّاني: مدى خطورة ما يواجهه اليمن مشكلات وإمكانية وسيناريوهات تجاوز هذه المشكلات نناقشه مع ضيفتنا من صنعاء الدكتورة ألفت الدُّبَعي أستاذة علم الاجتماع السياسي في جامعة تعز وعضو لجنة صياغة الدستور اليمني والعضو السابق في لجنة الحوار الوطني باليمن، أهلا بك دكتورة ألفت نود أن نعرف معك الآن ما هي التحديات أمام بناء الدولة اليمنية الحديثة الآن؟

ألفت الدُّبَعي: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعا هناك العديد من التحديات التي تواجه الدولة اليمنية في هذه المرحلة يعني بعد أن اجتمع اليمنيون ومثلوا كافة فئات المجتمع اليمني  في الحوار الوطني الذي مثل العقد الاجتماعي الجديد لبناء الدولة اليمنية الحديثة بعد ثورة شبابية شعبية، نكتشف أن الفاعلين الرئيسين في انتهاكات الماضي ما يزالوا هم اللاعبين الرئيسين حتى الآن في إعاقة بناء هذه الدولة المدنية الحديثة، ودائما ما كنا نطالب ونقول أن أهم مخرج من مخرجات الحوار الوطني الذي كان سوف يسهل الولوج إلى هذه الدولة المدنية الحديثة هو تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية الذي كان أحد فرق الحوار الوطني حيث أن هذا المفهوم مفهوم العدالة الانتقالية وان كان مفهوما حديثا في الوطن العربي إلا أنه من المفاهيم التي أثبتت مدى نجاحها في انتقال الدول التي تخوض صراعات إلى مرحلة الاستقرار ومرحلة البناء بشراكة وطنية حقيقة، هذا السبب الرئيسي في تصوري هو كان المعيق الرئيسي لعملية الانتقال الحقيقية في اليمن لأننا كيف ننتقل من خلال شخصيات ما زالت موجودة في المشهد الإداري والمشهد السياسي في اليمن وهي لاعب رئيسي في انتهاكات الماضي، هي لاعب رئيسي في كل ما وصلنا إليه في هذه المرحلة وما هذه المرحلة التي نحن فيها إلا تداعيات ونتائج لجذور المشكلة الرئيسية التي هؤلاء هم كانوا المتسببين الرئيسيين فيها بالإضافة إلى عوامل أخرى، أنتم تعرفون أن الاستبداد ليس هو..

فيروز زيّاني: نعم، عوامل أخرى، دكتورة فقط كسبا للوقت، عوامل أخرى يعني عامل السلاح مثلا هناك من يرى أنه ناهيك عن الانتشار الكثيف قطعة أو قطعتا سلاح لكل مواطن يمني، هناك مشكلة يعني في يد من يوجد هذا السلاح وكيف يستخدم؟ إلى أي مدى هذا العامل أيضا أدى ربما إلى تفاقم الأمور في اليمن؟

ألفت الدُّبَعي: السلاح اليمني هو يعني موجود لدى الشعب اليمني بشكل كامل، لكن أن يصل إلى درجة أنه ميليشيات تكون متسلحة بهذا الحجم الذي به الآن وما نشاهده من صراعات بين أطراف مسلحة في ألفترة الأخيرة هو أيضا ناتج لعدم تطبيق مخرجات الحوار وأولوياتها بالطريقة العلمية السليمة القائمة على أساس العدالة الانتقالية بحيث تعيد بناء الثقة من جديد حتى نخرج بخطة وطنية كاملة تخضع جميع الأطراف لنزع السلاح، لكن كما قلت لك المشكلة الرئيسية هي في عوامل بناء الثقة في المرحلة السابقة، للأسف الشديد أصحاب المصالح الرئيسية من المتنفذين جزء رئيسي من بقائهم هو في هذا الجانب من بناء الثقة بالإضافة إلى الانتقائية الشديدة التي مارستها القوى السياسية أو النخب السياسية في اختيار من مخرجات الحوار ما يتوافق معها وكأنه نوع من آليات استخدام السياسة السابقة التي كان يمارسها علي عبد الله صالح للأسف الشديد تمارسها الآن النخب السياسية مرة أخرى، المرحلة الحالية..

نخب سياسية وميليشيات متناحرة

فيروز زيّاني: النخب السياسية لكن أيضا أشرت إلى المليشيات المسلحة المتناحرة فيما بينها تحديدا جماعة الحوثي التي ربما تصنع عناوين في الأخبار في هذه ألفترة في اليمن، هذه الجماعة مثلا الجميع يعلم بأنها سيطرت على محافظتين وتتجه للسيطرة وتود ذلك أيضا بخصوص صنعاء، الآن توجهها إلى الجوف هناك من لا يفهمها خاصة وأنها لا تعتبر من مناطق نفوذ ها تاريخيا, ما الذي يمكن أن يبرر كل هذه التحركات لهذه الجماعة إن كانت معنية بأي حوار وطني أو أي حل سلمي؟

ألفت الدُّبَعي: نعم، وهذا أيضا من التحديات الكبيرة التي نواجهها في هذه المرحلة والتوسع هي الآن جماعة الحوثي للأسف الشديد تكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه القوى الأخرى التي سببت انتهاكات الماضي، هي الآن يعني تتماهى بنفسية المستبد الذي استبد بها في المرحلة السابقة وتمارس نفس أساليبه نفس وسائله في التوسع وفي تنفيذ مطالبها أو مكاسبها السياسية التي تريد الوصول إليها، وأنا يعني طرحت وحذرت في فترة أنها تقود نفسها إلى نفس المصير الذي وقعت فيه غيرها من الجماعات الأخرى ولم تستفد من تجاربها حتى الآن، الحل الوحيد هو مبادئ العدالة الانتقالية، خروج الفاعلين الرئيسيين في انتهاكات الماضي وانتهاكات اللحظة الحاضرة، من غير ذلك سوف نعيد إنتاج الماضي مرة أخرى..

فيروز زيّاني: لكن البعد الإقليمي للصراع دكتورة ألفت، البعد الإقليمي للصراع الجميع يعلم بان اليمن بهذه القوى الإقليمية المتضاربة لم يعد ربما منطقة نفوذ تبحث عنها هذه القوى لكن هناك من يقول بأنه بات ساحة معركة حقيقية لها هناك، إلى أي مدى ربما يؤثر على أي سيناريوهات للحل وكيف ترينها أنت؟

ألفت الدُّبَعي: البعد الإقليمي هو حاضر وموجود كواقع لكن البعد الإقليمي أنا في تصوري أن الذي يضعفه والذي يضعف تأثيره هو الداخل اليمني الذي ينبغي أن يركز في الحلول الداخلية, هو يعرف الأسباب الرئيسية والبذور الرئيسية لنشأة هذه الظاهرة واستقدام أيضا البعد الإقليمي وتأثيره على اليمن في هذه المرحلة، البعد الإقليمي يمكن أن يضعف وبمنتهى السهولة إذا الداخل اليمني توافق على إيجاد الحلول العادلة وانطلق من بُعد العدل والإنصاف وليس فقط من بُعد الإيديولوجيات، للأسف الشديد الصراع الحالي يجسد ببعد أيدلوجي طائفي أكثر منه بعد إيجاد العدل والإنصاف عن كل أخطاء المرحلة السابقة وهنا خطورته الشديدة.

فيروز زيّاني: ما السيناريوهات, دكتورة ما السيناريوهات؟ لأن وقتنا ينتهي تقريبا السيناريوهات المحتملة الآن؟

ألفت الدُّبَعي: لا يوجد غير سيناريو واحد وهو تنفيذ مخرجات الحوار الوطني انطلاقا من منهجية العدالة الانتقالية، خروج كل اللاعبين الرئيسيين في انتهاكات الماضي من جميع الاتجاهات وليس طرفا واحدا وإنما من جميع الأطراف كلهم من شاركوا في انتهاكات الماضي حتى هذه اللحظة ينبغي أن يخرجوا من المشهد السياسي ومن المشهد الإداري ثم ترتب أولويات مخرجات الحوار الوطني بناء على منهجية العدالة الانتقالية والشراكة الوطنية والابتعاد عن كل الإيديولوجيات المفسرة لهذه المرحلة لأن القضية ليست قضية أيديولوجية، الإنسان والتعامل معه يحتاج إلى منهجية علمية بحته للتعامل مع إدارة الأزمات وإدارة المشكلات.

فيروز زيّاني: أشكرك جزيل الشكر دكتورة ألفت الدُّبَعي أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة تعز كنت معنا من صنعاء، بهذا مشاهدينا الكرام تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي ونرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيس بوك وتويتر، نلتقي غدا بإذن الله في حلقة جديدة، دمتم برعاية الله والسلام عليكم.