اكتسبت الدولة السورية هويتها الوطنية الراهنة عبر مخاضات ومراحل عدة نتيجة انصهار وتمازج هويات فرعية من الطوائف والمذاهب والأعراق.

وتجاوزت الدولة إشكاليات الطائفية والعرقية ضمن مراحل تشكلها، بل إنها تنازلت عن هويتها الوطنية يوماً لصالح مشروع عربي أوسع أثناء الوحدة مع مصر تحت حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر  (1958-1961).

وبغض النظر عن الظروف التي قادت إلى هذه الخطوة ومدى ما حققته وما أخفقت فيه، فإنها تقف في حدها الأدنى دليلاً على أن وحدة سوريا لم تكن في حد ذاتها محل نقاش.

حلقة الاثنين (15/9/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت تحديات إعادة بناء الدولة السورية، وإمكانية تجاوزها حالة التشظي التي انتهت إليها حاليا.

الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات شمس الدين الكيلاني أكد أن جميع طوائف الشعب السوري كانت موحّدة تاريخيا حول الهويتين الإسلامية والعربية بحكم التركيبة السكانية التي تتشكل من نحو 92% من المسلمين، و8% من الأكراد، مؤكدا أن عوامل سياسية ظهرت مؤخرا أظهرت حالة الاختلاف التي تشهدها البلاد.

وقال الكيلاني إن الفرنسيين قسموا سوريا إلى أربع دويلات في عشرينيات القرن الماضي، وإن الدروز قادوا الثورة السورية بين عامي 1920 و1925 وارتكز بيان قائد الثورة سلطان باشا الأطرش على ثلاث نقاط هي: وحدة سوريا، وإزالة الاستعمار، وإرساء الديمقراطية.

video

تاريخ الطائفية
وحول تاريخ ظهور النعرات الطائفية في سوريا، قال الكيلاني إن "العصبية الطائفية ظهرت عندما حكم العسكر، ودخلت كتلة طائفية إلى قلب الجيش وسعت للسيطرة على الدولة"، موضحا أن "بيت (الرئيس الراحل حافظ) الأسد أعطى الطائفية بعدا هائلا في المرحلة التي تلت غرس بذور الطائفية في الجيش بين عامي 1963 و1970".

وأشار إلى جذور الطائفية بدأت في مساعي التمكن في الجيش بعد الانفصال عن الوحدة مع مصر، لافتا إلى وجود انقسام في المجتمع السوري بعد هذا الانفصال حيث كانت الأقليات تتحفظ على الوحدة والأكثرية السنية معها.

وأضاف الكيلاني أن الطائفة العلوية سكنت الجيش وأخذت في السيطرة مستخدمة العلاقات الأهلية والطائفية حتى سيطرت عليه، وبدأت في جذب القاعدة الاجتماعية التي ساندت عبد الناصر أثناء الوحدة عبر إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية.

إعادة اللحمة
من جانبه، شدد الإعلامي والمعارض السوري غسان إبراهيم على أن انتصار الثورة السورية هو السبيل الوحيد لزوال الانقسام وجمع أبناء سوريا في وطن واحد يجمعهم.

وأضاف إبراهيم "منذ وصول آل الأسد إلى الرئاسة (عام 1971) بدؤوا في زرع الفرقة والطائفية بين مكونات الشعب السوري".

وعدّد المعارض السوري الخيارات التي يمكن حدوثها في حال عدم انتصار الثورة وإزاحة نظام  الأسد، مشيرا إلى وجود خيار "المحاصصة" الذي يقدم حلا مؤقتا، لكنه يفسح المجال لهيمنة فصيل واحد مستقبلا.

وأشار إلى أن السيناريو الأكثر سوءا يتمثل في التقسيم الجغرافي في حال عدم رحيل الأسد وإصراره على إحراق سوريا.

وأوضح إبراهيم أن التاريخ وحده ليس كافيا للحفاظ على وحدة سوريا، مشيرا إلى أن الإصرار الذي كان موجودا أيام العدو الخارجي إبان الاستعمار الفرنسي بدا غير متوفر بنفس القوة حاليا.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: وحدة سوريا بين الماضي والحاضر

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيفا الحلقة:

-    شمس الكيلاني/باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات

-    غسان إبراهيم/إعلامي ومعارض سوري

تاريخ الحلقة: 15/9/2014

المحاور:

-    عودة تاريخية للعصبية الطائفية في سوريا

-    اللعب على وتر الانقسام

-    موافقة دولية لانتصار الثورة السورية

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نسلط خلالها الضوء على تحديات إعادة بناء الدولة السورية وإمكانية تجاوزها حالة التشظي التي انتهت إليها حالياً.

عبر مخاضات ومراحل عدة اكتسبت الدولة السورية هويتها الوطنية الراهنة والتي جاءت نتيجة انصهار وتمازج هويات فرعية من الطوائف والمذاهب والأعراق، ولما كان أفق تشكل الدولة السورية أوسع من مجرد الحلم بدولة موحدة فقد كانت سورية الدولة العربية الوحيدة التي تنازلت عن هويتها الوطنية يوماً لصالح مشروع عربي أوسع، وبغض النظر عن الظروف التي قادت إلى هذه الخطوة ومدى ما حققته وما أخفقت فيه فإنها تقف في حدها الأدنى دليلاً على أن وحدة سورية لم تكن في حد ذاتها محل نقاش. التقرير التالي يرصد أهم محطات تشكل الدولة السورية الحديثة.

[تقرير مسجل]

وليد العطار: دروب طويلة سلكتها الأمة السورية حتى غدت دولة موحدة استوت على سوقها معمدة بدماء أبنائها وكفاحهم ضد الاستعمار في ثورة كبرى شهدها الربع الأول من القرن الماضي، مطلع العشرينيات قررت فرنسا تقسيم حصتها من تركة الدولة العثمانية المتداعية آنذاك إلى أربع دول هي دمشق وحلب ودولة الدروز ودولة العلويين في الساحل، أُعلِنَ لاحقاً وبإدارة وطنية عن الاتحاد السوري المؤلف من دولتي دمشق وحلب تحت اسم سورية وفي عام 1924 انضمت إليه دولة العلويين ولحقت دولة الدروز بالاتحاد عام 1936 في الأثناء كان السوريون يكافحون الاستعمار بيدٍ وبيدٍ أخرى يحاولون بنجاحٍ القضاء على حواجزه التي زرعها بينهم فقد بنى المحتل تقسيماته السابقة على بذور طائفية وعرقية تجاوزها الشعب السوري بكفاحٍ موحد وحراك سياسي تصدرت واجهته حيناً الكتلة الوطنية ذات الشعبية الواسعة في ذلك الحين، بعد استقلال سورية في 17 من أبريل عام 1946 تصاعد الحس الوحدوي لدى السوريين رغم تعقيدات فترة ما بعد الاستقلال وما شابها من انقلابات عسكرية لكن التاريخ يظل يذكر أن رئيساً عربياً هو السوري شكري القوتلي تنازل مختاراً عن الحكم لرئيس عربي آخر هو عبد الناصر في 22 من فبراير عام 1958 تجربة عربية لم يكتب لها البقاء سوى سنوات ثلاث يتحمل الشريك المصري وممارساته الشمولية وفق مراقبين مسؤولية وأدها في المهد، بعد الانفصال وعقود تالية من الحكم العسكري يتجدد السؤال حول مصير سورية التي نجحت مكوناتها المختلفة يوماً ما في الانصهار في بوتقة واحدة وما إذا كانت التشظي في مقبل الأيام هو مصير دولة أراد شعبها يوماً ثورة للحرية.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: لإلقاء مزيد من الضوء على الظروف التي تشكلت فيها الدولة السورية الحديثة نرحب بالأستوديو الدكتور شمس الكيلاني الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات أهلاً بك دكتور شمس.

شمس الكيلاني: يا هلا بك.

عبد القادر عيّاض: لنبدأ بالهوية السورية عندما نتكلم عن بلد فيه حوالي 18 بين طائفة ومذهب ما العوامل التي ساهمت في صهر كل هذه المكونات وتشكيل ما يُعرف الآن بالدولة السورية الحديثة؟

شمس الكيلاني: في مبالغة أحياناً في التنوع الكبير بالحياة السياسية السورية يعني بالمية تقريباً 92 إلى 93 من السوريين هم عرب وبنفس الوقت مسلمين، عرب ومسلمين، في ما يقارب 8 بالمية أكراد وفي الطوائف الثانية إسلامية يوحدهم مع المسلمين السنة العرب هي قضية الإسلام ولو كان في تفرعات في تنوعات في الإطار المذهبي، إذن في ويعني مع الأكراد يجتمعوا بالمائة 80 تقريباً من السوريين على قضية هوية الإسلام، مع العروبة في حوالي 90 بالمائة، هذه مسألة كبيرة إنما العوامل السياسية الأخيرة التي ظهرت مع النظام السوري وتشكلت بطريقة غير طبيعية هي التي خلقت موجبات الاختلاف يعني بالظروف الحالية..

عبد القادر عيّاض: طيب قبل ذلك دكتور شمس لنبدأ بما صنعه الاستعمار خلق أربع دويلات الشام حلب دولة الساحل وكذلك الدروز كيف كان بالإمكان تجاوز هذه الحالة؟

شمس الكيلاني: عندما جاء ودخل فيصل على حصانه الأبيض على دمشق كل الناس استقبلته وكل الناس استبشرت خير بقدومه وبمولد الدولة السورية الحديثة، مولد الدولة السورية الحديثة تكرس في الدستور السوري الذي صنعه المؤتمر السوري في تموز 1919، نص الدستور على الملكية الدستورية، على الديمقراطية، على المرجعية للشعب، هذا القانون سبق بأوانه حتى بعض الدول الأوروبية، استمر هذا الوضع حوالي سنة عندما قدم الفرنسيون وطبعاً قضوا على هذه التجربة وأجهضوها وحاولوا يعملوا دويلات وتمزقات دولة علوية، دولة في الشمال، دولة في جنوب السويداء إلى آخره، دولة للدروز، إنما الحياة السياسية والعلاقات داخل الشعب السوري هي أفرزت شيئا مضادا لمرض التمزق والطائفية وأجمعت الناس على الهوية السورية الوطنية السورية، قامت ثورات في كل محل إن كان بجبل العلويين إن كان بالشمال جبل الزاوية إلى آخره ولكن الثورة الكبيرة هي التي قادها الدروز سلطان باشا الأطرش هو الذي قاد الثورة السورية بالعشرينات إلى  الخمسة وعشرين وكل القوى السياسية من شاهبندر إلى غيره من القوى الديمقراطية والدستورية والوطنية.

عبد القادر عيّاض: ببُعد وطني وليس بُعدا طائفيا؟

شمس الكيلاني: بُعُد وطني، البيان الذي أصدره الأطرش فيه ثلاث مبادئ طرحها، وحدة سورية، إزالة الاستعمار، الديمقراطية، سلطان باشا الأطرش هو الذي طرح هذه المبادئ.

عبد القادر عيّاض: طيب في هذه الحالة كيف تطور نظام الحكم في سورية إلى أن وصل إلى هذه الحالة الموصوفة بالطائفية هل الطائفية في الحكم في سورية بدأت فقط مع العلويين أم لها أيضاً جذورها؟

شمس الكيلاني: الطائفية هي نزعة عدائية للآخر، الطوائف موجودة بس ما ضروري عندما تكون هناك طوائف ومذاهب مجاورة لبعضها يكون هناك صراع وعندما يحصل الصراع والتنازع فهذه هي الطائفية حيث يصبح المجتمع عصبويا. حكينا على سلطان باشا الأطرش شو وحد السوريين تحت قيادة واحد درزي، هذه قضية كبيرة بالحياة السياسية السورية بعد هذا النضال العسكري والتضحيات التي قُدِمَت من الشعب السوري انتقلت الحياة النضالية إلى صراع سياسي، إن كانت فرنسا اعترفت بعدم قدرتها على إخضاع الشعب السوري بالطريقة القديمة وإن كان السوريون ونخبتهم اعترفت كمان بصعوبات القتال ضد الفرنسيين بشكل عسكري فجنح الطرفان للحوار، هنا ظهرت تشكيلة جديدة بالحياة السياسية السورية جمعت كل القوى المدنية وتبوأت المواقع القيادية، النخب السياسية المدنية البرجوازية وإن كان جمعت كل الطوائف كانت عابرة للطوائف من السويداء لجبل العلويين..

عودة تاريخية للعصبية الطائفية في سوريا

عبد القادر عيّاض: في هذه الحالة متى تم اللجوء إلى العصب الطائفي؟

شمس الكيلاني: العصب الطائفي..

عبد القادر عيّاض: في التخندق ورسم الكتل في الجهات الحاكمة في داخل سورية.

شمس الكيلاني: العصبية الطائفية ما ظهرت بهذا الشكل وبالتوتر الذي نراه ألان بين عيوننا إلا عندما حكم العسكر ودخلت في قلب الجيش والمؤسسات الأمنية كتلة طائفية مسكت الدولة ومسكت وحاولت السيطرة على المجتمع، هذه الكتلة أنا أسميها العُصبة العَصبية العلوية السلطوية وهي لا تتماهى مع الطائفية إنما مجموعة شرذمة من الناس أصولهم علوية أمسكوا بالسلطة ومفاصل أساسية وخلقوا حالة وحدة وعصبية على الطريقة..

عبد القادر عيّاض: هذا الكلام في أي فترة؟

شمس الكيلاني: بـ 1963 بعد الانقلاب 8 آذار حطت مداميكه من 1963 حتى 1970 جاء بيت الأسد أعطوه هذا البُعد الهائل ولم يكن بُعد عصبية طائفية مكرسة في الدولة وليس لها علاقة مباشرة بالطائفة فكثير من الطائفة من الطائفة العلوية ضد النظام وأنتَ تلاحظ أن المناطق التي لا يتدخل فيها النظام ويقوم بارتكاب مذابح مباشرة فيها في حياة سلمية بين الطوائف في تعايش كامل بين تنوعات الشعب السوري. إنما هذه الكتلة عندما قامت الثورة السورية وطرحت قرارها بالتحول الديمقراطي لجأ هو للطائفية.

عبد القادر عيّاض: طيب من الذي مكَّن استعمال هذا العصب الطائفي بل من مكَّنه أن يتمكن في مؤسسة الجيش بهذا الشكل؟

شمس الكيلاني: إذا بدنا نبحث عن الجذور في أثناء الوحدة عندما صارت الوحدة السورية المصرية..

عبد القادر عيّاض: هل الاستعمار له دور بداية فيما يتعلق بهذا التأسيس؟

شمس الكيلاني: لأ، الوحدة في بعض الأقليات تحسست من مسألة الوحدة خافت من الذوبان بجسم سني كبير على مستوى مصر وسورية فأخذت تحفظا من هذا الموقف ولذلك الأقليات كانوا مع الانفصال بينما الأكثرية السنية..

عبد القادر عيّاض: كانت مع الوحدة.

شمس الكيلاني: كانت مع بقاء الوحدة ورجوعها من عدا الطبقات العليا السنية إنما القاعدة الشعبية كان أكثرها مع الحركة الناصرية، هذا الوضع خلق تنظيما عسكريا طائفيا من الأقليات في القاهرة وكانت نواته خمسة أشخاص وهم بالأخير هؤلاء الأشخاص وهذا التنظيم العسكري الطائفي هو الذي أمسك الدولة ولأنه كان في عزلة كاملة عن المجتمع وما في قوة ولا في قوة اجتماعية ولا سياسية تساند هذا التوجه ولذلك لجأ للبعد الطائفي.

عبد القادر عيّاض: ولكن أين كانت بقية هذه القوى هل كانت غافلة أو مُغيبة عما يجري؟

شمس الكيلاني: بالانفصال مثل ما تحدثت قبل شوي المجتمع السوري انقسم انقساما هائلا، الأكثرية مع عودة الوحدة، الأقلية هي مع الحفاظ على الكيان، الصراع بين الطرفين الأقلية وقفت باتجاه الحفاظ على الكيان، البرجوازية بالمدينة والمزارعون الكبار السنيّون وقفوا مع الانفصال، هذه الاختراقات سمحت لقوى معزولة بس بنفس الوقت مسكت الجيش وبدأت تأخذ مجالات السيطرة وتعزيز المواقع عن طريق العلاقات الأهلية والطائفية وجذبت قوى هائلة أطرافها ودخلت في مؤسسة الجيش وسيطرت بالأخير عليه.

عبد القادر عيّاض: طيب منذ الستينات إلى الآن هل كان هذا العصب غائباً ولم يكن ظاهراً بدليل أن الدولة استمرت كل هذه السنوات بهذا الشكل؟

شمس الكيلاني: في عوامل كثيرة لعبت دورا، القوى العسكرية طرحت طروحات اجتماعية لاقت آذانا صاغية عند الفلاحين، عند العمال، والتأميمات وبعض المكاسب العمالية والإصلاح الزراعي إلى آخره فالقاعدة الاجتماعية التي ساندت عبد الناصر حاولوا يسحبوها باتجاههم وهذه في البداية من 1963 حتى 1966 كان هذا موجودا، الطبقة الفقيرة وقفت مع النظام فاخترقوا المجتمع بهذه الطريقة ولكن ممكن الناس اللي مارست الممارسات الطائفية الفعلية ما يكون بذهنها هذه الممارسة ولكن عندما تخلق قواعد التمييز الطائفي هي بالأخير بدها تتحكم فيك فالقواعد التي خلقوها هي بالأخير تحكمت فيهم وجذبت حافظ الأسد، كان حافظ الأسد هو التعبير المباشر عن هذه الكتلة التي نمت.

عبد القادر عيّاض: نعم.

شمس الكيلاني: والجهاز الأخطبوطي من أجهزة المخابرات والأمن والقمع أتى حافظ الأسد تعبيرا عن هذه القوى.

عبد القادر عيّاض: أشكرك دكتور شمس الكيلاني الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ثلاث سنوات ونصف هي عمر الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد وهي أيضاً عمر المجزرة التي ظل النظام يحاول في خضمها بشتى السبل اللعب بمختلف المكونات السورية من أجل القضاء على الثورة وتشويه هويتها الوطنية وبالنظر إلى مقدار ما سال من دماء في إطار هذه العملية فإن تساؤلات جدية تثور بشأن ما أحدثته من أثر على الهوية الوطنية السورية وما ألحقته من أضرار في تورط مكونات هذه الهوية.

[تقرير مسجل]

عمرو حلبي: هكذا أصبحت حلب ثاني أكبر مدن سوريا بعد قرابة أربع سنوات من ثورة أبنائها المطالبين بالحرية وإسقاط النظام، لم يستجب نظام الأسد لمطلب الحرية الذي خرج لأجله أهل المدينة فشن عليها حملة عسكرية عنيفة لقمع ثورتها قتل وهجر ألافا من أهل المدينة وما عادت حلب تلك العروس التي يتفاخر بجمالها الشمال السوري، شوه القصف ملامحها وغير معالمها وأحال كثيرا من عمرانها إلى خراب. غير أن أيا مما قد سبق لا يضاهي في خطورته وضرره ما أصاب حلب من شرخ قسم المدينة إلى شطرين شطر تسيطر عليه المعارضة المسلحة ويشمل الأحياء الشرقية والجنوبية وبعضا من الغربية وآخر يسيطر عليه جيش النظام ويشمل  الأحياء الشمالية  والغربية، يصل بين شطري المدينة المقسمة معبر كراج الحجز في حي بستان القصر وقد تعارف أهل حلب على تسميته بمعبر الموت نظرا لاستهداف قناصي جيش النظام المارة في المعبر، غير أن الانقسام الذي حل بين أبناء الشعب في المدينة لا يقل خطورة هو الآخر عن التقسيم الجغرافي الذي مارسه النظام في المدينة بفعل قوته العسكرية ففي حلب أقليات من طوائف عدة أبرزها الشيعة والأرمن، معظم الأرمن نزحوا من المدينة خاصةً من الشطر الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة خوفاً من القصف والحرب بينما فرضت المعارضة المسلحة حصاراً على بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين لموالاتهما نظام الأسد وقتالهما إلى جانب جيشه، مهما كان حجم الأضرار التي لحقت بسوريا عظيمة بعد قرابة أربعة سنوات من الثورة فلن يكون خطرها أكبر من خطر واقع التقسيم الذي حل في البلاد لكن أبناء البلد يرون أن هذا الخطر مهما كان كبيرا فإن زواله مرهون بزوال النظام الذي كرسه وتسبب فيه. عمر حلبي، الجزيرة، حلب.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: ولاستشراف أفق وسيناريوهات استعادة اللحمة الوطنية السورية ينضم إلينا من لندن الإعلامي والمعارض السوري غسان إبراهيم أهلا بك سيد غسان، لأبدأ بما انتهى به..

غسان إبراهيم: أهلا وسهلا.

عبد القادر عيّاض: زميلنا في التقرير عندما تساءل عن هذا الارتباط فيما يتعلق بمستقبل سوريا بين عودة اللحمة وزوال النظام، ماذا عن التحديات هل فعلاً المسألة مربوطة بزوال نظام حتى تعود الوحدة هل هذا  وارد؟

غسان إبراهيم: حقيقةً يعني هي جوهر الموضوع يعني كما سمعنا من ضيفك السابق أن الماضي ماضي عريق لسوريا والواقع الحالي هو واقع مأساوي والمستقبل هو غامض، أحسن السيناريوهات ممكن أن يكون لسوريا هو أن تنتصر الثورة السورية فهي العنصر الوحيد الذي قد يجمع كل المكونات السورية ويعيد اللحمة الوطنية للجسم السوري بعد أن يتم اجتثاث أو إزالة هذه الأمراض التي ظهرت منذ أن وصل آل الأسد إلى الحكم إلى هذا اليوم فهم السبب في العنصر الطائفي، هم السبب في الفرقة بين المجتمع السوري، هم السبب في إبادة المكونات في المجتمع السوري، هم السبب في كل هذه الأمراض التي ظهرت ليس فقط خلال ردة فعلهم ضد الثورة السورية بل خلال سيطرتهم خلال الحكم على مدى أربعين خمسين عاما منذ انقلاب البعث إلى هذا اليوم، هذه كلها آثار هذه المنظومة الأسدية التي ترتبت فالحل والسيناريو الأمثل هو أن تكون سوريا موحدة ، هناك وحدة وطنية هناك كل المكونات تنعم بمنظومة تعيش تحت منظومة..

اللعب على وتر الانقسام

عبد القادر عيّاض: طيب سيد غسان فيما يتعلق بما جرى مع اندلاع الثورة في سوريا  كيف حاول النظام أن يلعب على وتر الانقسام، يعني ما هي أدواته النظام يتكلم  عن نفسه باعتبار يمثل كل السوريين، مصير الدولة السورية يهدد بما وصفه بالإرهاب بالمؤامرات الدولية ولا يستعمل بشكل مباشر مصطلح الطائفية أو الجهة أو الأقلية وبالتالي ما هي أدواته؟

غسان إبراهيم: هو النظام دائما يلعب على هذه الفكرة هو لا يقول أو يتحدث عن الأوراق التي يلعب بها هو ادعي الوطنية بينما كان يحرض على الطائفية يعني الجميع شاهد كيف أن النظام كان يذهب إلى كل طائفة ويهددهم من المكون الآخر حتى ليس فقط ضمن البعد الطائفي بل حتى ضمن بعد العنصرية القائمة على الأعراق ما بين العرب والأكراد ما بين أحيانا المناطقية أحيانا ما بين منطقة وما بين منطقة أخرى يهدد طرفا يدعم طرفا على حساب طرف، يحرض طرفا على حساب طرف آخر فكان يلعب على هذه الورقة على أمل أن يبعثر كل الأمور وبالتالي يهدد الجميع ويبتز الجميع ويقول لهم إن أردتم أن تبقوا موحدين فعليكم أن تعودوا إلى حظيرة الأسد التي يهيمن بها على البلاد وإما سوف تشاهدون الفوضى وسوف تشاهدون التفرق وسوف تشاهدون  التطرف والإرهاب والى ما هنالك من أوراق بدأ باللعب عليها من اليوم الأول، حقيقةً إذا سمعنا أول خطاب رسمي صدر من النظام كان على لسان بثينة شعبان عندما خرجت وقالت أن سوريا سوف تتجه نحو الطائفية ونحو الإرهاب والى ما هنالك مع العلم أن في تلك اللحظة كان السوريون يرفعون شعار الشعب السوري واحد واحد واحد، في تلك اللحظة كان النظام يبتز الشعب بالطائفية وبالتفرقة وبالتقسيم فبالتالي من هذا المنطلق الشيء الوحيد الذي يعيد سوريا إلى وحدتها إلى لحمتها الحقيقية إزالة سبب المرض وهو هذا النظام غير ذلك نحن مقبلين على سيناريوهات جدا مأساوية.

موافقة دولية لانتصار الثورة السورية

عبد القادر عيّاض: ولكن سيد غسان، لا يختلف اثنان بأن المشكل قد نزل واتسع يعني رأسيا وأفقيا بين البيت وجاره بين القرية وجارتها، تمدد بشكل أفقي بشع فيما يتعلق بالمشهد السوري، كيف يمكن بشكل عملي أن يشكل فقط مجرد هزيمة النظام عودة للحمة وعودة  لما كان من قبل من تلاحم بين عناصر ومكونات المجتمع السوري.

غسان إبراهيم: حقيقة هنا تحديات كثيرة يعني نحن نتحدث عن شيء اسمه انتصار الثورة لكن قضية انتصار الثورة تحتاج موافقة دولية، المجتمع الدولي رافض يمنع الثورة السورية من الانتصار الجميع يعلم أن كل عناصر انتصار هذه الثورة ممسوكة بيد المجتمع الدولي الذي منع تسليح الجيش السوري الحر منع دعم المعارضة منع إقامة جسم بديل عن هذا النظام واستخدم كل الذرائع تارة استخدم ذريعة أن المعارضة غير موحدة وتارة استخدم أن التطرف وتارة استخدم  يعني كل هذه الأساليب كانت دائما هناك معوقات لانتصار الثورة السورية.

عبد القادر عيّاض: ماذا عن الحل سيد غسان، ما تصوركم للحل؟

غسان إبراهيم: الحل حقيقة كما قلنا انتصار الثورة هو أحد السيناريوهات، السيناريو الثاني والثالث، الثاني هو فكرة المحاصصة يعني حقيقة عندما سمعنا من المجتمع الدولي عن فكرة شيء اسمه حل سياسي هو تمهيد لشيئين إما  محاصصة طائفية، عرقية، سياسية أو تقسيم كامل لسوريا، المحاصصة سوف تقدم حلا مؤقتا إلى أن يطغى طرف من جديد ويهيمن من جديد كما حدث مع نظام حافظ الأسد الذي استخدم الطائفة العلوية للهيمنة على سوريا سوف تتم إذا تمت أي محاصصة طائفية سوف يكون هناك أيضاً مقدمات لإعادة إنتاج هذا النظام من خلال شعار اسمه حل وفق محاصصة وفق فيدرالية وفق أي شيء من أشكال التقسيم السياسي، الشيء الأكثر سوداوية وهو قد يتحقق في ظل حرب الاستنزاف هذه التي قد تطول هو التقسيم الجغرافي الحقيقي، الجميع مدرك اليوم أن النظام يقول للجميع يقول لهم بالحرف الواحد الأسد أو نحرق البلد، بمعنى آخر انه يا أما تعود كامل سوريا تحت هيمنته أو يحرقها، بالتالي  أصبحت مقومات فكرة اجتثاث جزء تحت هيمنة لتأسيس دولة أسدية من ناحية..

عبد القادر عيّاض: إذن باعتقادك سيد غسان إلى أي مدى قد يكون التاريخ والإرث المشترك للشعب السوري قاعدة صلبة لإعادة اللحمة والانسجام بين مكونات هذا الشعب؟

غسان إبراهيم: حقيقة للأسف لأكون واقعيا معك إن التاريخ ليس دائما كافيا ليحرك القضية، لم تعد قضية تحريك مشاعر للعالم ليست قضية أن نغني للوحدة واللحمة الوطنية والى ما هنالك، هذه كلها يعني مشاعر كانت قائمة عندما كان العدو خارجيا كانت فرنسا هي التحدي فاجتمع جميع السوريين ليحققوا وحدتهم ليحققوا وطنيتهم ولكن اليوم العدو هو داخل المكون السوري هو يعني هو عدو أصبح يحاول أن يدعو إلى التفرقة هو يريد أن يقول إما أنا أو لا وجود لأحد فهذه هي الخيارات التي يقدمها و الثورة تقول الحل هو أن نجمع الجميع في دولة واحدة.

عبد القادر عيّاض: أشكرك، أدركنا الوقت سيد غسان إبراهيم الإعلامي والمعارض السوري كنت ضيفنا في هذه الحلقة من الواقع العربي، إلى اللقاء بإذن الله.