يكثر المراقبون للأوضاع في العراق من الحديث عن تركة ثقيلة ورثها رئيس الوزراء حيدر العبادي من سلفه نوري المالكي، ويتركز السؤال دائما هل يمكن للعبادي تصحيح المسارات الخاطئة الطائفية في عنوانها الأبرز، والتي قادت البلاد إلى حافة الاحتراب الأهلي؟

برنامج "الواقع العربي" في حلقة 14 سبتمبر/أيلول 2014 استضاف في الجزء الأول مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، غسان العطية، ليقدم إضاءة تاريخية على العراق الحديث وتحولات الانتماء من الهوية الوطنية الجامعة إلى الطائفية والعرقية الراهنة.

يقول العطية إن الطائفية في البلاد تغذت بشكل أساسي بعد الثورة الإسلامية في إيران، وإن السؤال الذي كان يدور في الدوائر السياسية العراقية هو "كيف نعالج هذا الواقع الجديد وخصوصا ما عرف بتصدير الثورة الإيرانية؟".

وأضاف العطية أن الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر جنح إلى "التعامل بالعقل" بغية عدم التورط في حرب مع إيران، بينما الشاب المتحمس آنذاك صدام حسين -والذي استلم مقاليد الحكم- انجر إلى حرب كان يقول مساعدوه إن العراق قادر على خوضها حتى لو امتدت ستة أشهر، لكنها امتدت إلى ثماني سنوات أنهكت البلاد.

ورأى أن الانقسام الطائفي برز أكثر حدة خلال حرب الخليج الثانية، وغرقت البلاد أكثر في هذا الانقسام مع احتلالها وتقسيم الإدارة الأميركية لها "بمنتهى السذاجة" بين سنة مثيرين للمتاعب وأكراد أصدقاء وشيعة يصفقون، على حد قوله.

video

صراع الهويات


وصل العطية إلى خلاصة مفادها أن العراق انخرط في صراع هويات، وأن سؤال "من أنا" لم يكن الجواب عليه "أنا عراقي" بل كان "أنا تركماني وكردي وأشوري وسني وشيعي..".

وأبدى أسفه لأن نوري المالكي وحزبه، حزب الدعوة، لم يكونا يملكان النظرة الشاملة لفكرة وطن للجميع بل لطائفة واحدة، وأن مجيء العبادي ما كان له أن يحصل إلا عند ظهور تنظيم الدولة الإسلامية الذي احتل ربع العراق، ولأن أميركا استشعرت خطر هذا التنظيم ومن ورائها أوروبا.

من جانبه، قال أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء الأردنية حسين الخزاعي حول توظيف الطوائف، إن العراق انزلق إلى المحاصصة الطائفية في كل مكونات المشهد السياسي، وإن الوضع الآن ازداد تمزقا حيث أصبحت كل طائفة تدافع فقط عن مناطقها، لافتا إلى أن الاحتلال الأميركي وحتى دول الجوار ساهمت في ترسيخ هذه المحاصصة وتشجيعها.

وأضاف أن الحرب المزمعة على تنظيم الدولة لن تنجح قياسا بالخبرات السابقة في حروب أميركا وأوروبا في أفغانستان، كما أن التنظيم يحتل مساحات واسعة لن تستطيع طلعات الطائرات أن تقضي عليه، حسب قوله.

ودعا الخزاعي العراقيين إلى الاتحاد تحت هوية وطنية مع إقراره بصعوبة ذلك، ولكن ذلك هو الطريق الناجع بدل الهوية الطائفية التي يقفون وراءها، بينما يستبيح تنظيم الدولة دماء العراقيين وينكل بهم، على حد قوله.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الطائفية في العراق وإعاقة بناء الدولة

مقدمة الحلقة: خديجة بن قنة

ضيوف الحلقة

-   غسان العطية/مدير المعهد العراقي للتنمية

-   حسين الخزاعي/أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء

تاريخ الحلقة: 14/9/2014

المحاور:

-   أسباب تصاعد النهج الطائفي

-   العبادي وتصحيح المسارات الخاطئة

-   الاعتبارات الطائفية في تاريخ العراق الحديث

خديجة بن قِنة: مشاهدينا أهلاً وسهلاً بكم إلى هذه الحلقة من "الواقع العربي" والّتي نسلّط خلالها الضوء على المشكلة الطائفية في العراق وما أدت إليه من معوقات أمام إعادة بناء الدولة.

أصبحت إذن الطائفية والمحاصصة الطائفية من المصطلحات المتداولة بشكلٍ كبير في العالم العربي خاصةً بعد الغزو الأميركي للعراق وتأزّم الشأن السياسي اللبناني وتفاقم الأزمة السورية، فالطائفية ظاهرةٌ مركبة يتداخل فيها الجانب الديني الثقافي بالجانب السياسي مما يسهل على الساسة والدول استغلالها للتعبئة السياسية وحتى للتحريض في بعض الأحيان وللتدخل في الشؤون الداخلية للدول لتكون المحصلة هي تفكك بنية الدولة الوطنية القائمة على أساس المواطنة. نناقش إذن في حلقتنا هذه من "الواقع العربي"، نناقش هذه المشكلة الطائفية في العراق وما أدت إليه من تحدياتٍ أمام إعادة بناء الدولة.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: بشكلٍ واضحٍ أعرب الأميركيون في المنازل السياسية والإعلامية عن خيبة أملهم في هذا الرجل لكن بعد أن فات الأوان ودفعت الأعمال الطائفية الّتي ارتكبت ضد العراقيين السنة إلى أزماتٍ بينها ظهور تنظيم الدولة الإسلامية الّذي تبنى أعمالاً وحشية في العراق وسوريا، فهل كان نوري المالكي السبب فيما يحدث الآن؟ يعتقد كثيرون أن الطريقة الّتي أدار المالكي بها العراق منذ انتخابه عام 2006 كانت السبب فقد قام بإقصاء العرب والسنة من الجيش الّذي انهار في الموصل رغم أنه كان تحت إمرة عسكريين تم اختيارهم بناءاً على ولائهم له لا على كفاءتهم. تسامح الرجل مع حالة الفساد وتقاسم السلطة حتى في داخل الطائفة الشيعية وأقصى الجماعات الأخرى في حالةٍ ُوصفت بالتآمرية وقام بتعزيز سلطته وتهميش البرلمان والمؤسسات المستقلة وسيطر على الأجهزة العسكرية والأمنية وأخضع القضاء ووسع دائرة دعمه السياسي على حساب منافسيه السنة والشيعة، وبينما كان الناس يتوقعون أن يعالج العراق المفكك أمراضه الطائفية والعِرقية رأى العراقيون أنفسهم أمام انقسام طائفي واستبدادٍ قائمٍ على الهويات الطائفية لا على مشروع الدولة الوطنية الحلم الّذي ظل من أسقطوا الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003 ينادون به ويدعون إليه، الآن وقد خرج الرجل من الحكومة بهذه التركة الثقيلة والصعبة التي مكنت تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة على مناطق واسعة من العراق المفكك والمجزّأ ومع التداعي العالمي الواسع لشن حربٍ دوليةٍ ضد التنظيم يصبح من غير المؤكد أن تصبح الدولة العراقية سريعاً إلى وضعها الطبيعي بعد أن تنامت حِدة الانقسام والتنافر الطائفي، فمع أداء حيدر العبادي رئيس الوزراء الجديد اليمين الدستوري وتشكيل الحكومة الجديدة لا يمكن القول إن مهمة الحكومة ستكون سهلة أو تكون قادرةً على تجاوز الصعوبات والعقبات الّتي خلفها المالكي بسياساته، فتحدي تنظيم الدولة الإسلامية الّذي لم يعد محلياً وإنما عالمياً سيكون وحده القادر على تحديد ملامح شكل العراق الجديد سواءٌ حسمت الدول التي أعلنت الحرب عليه أمرها في سوريا والعراق أو احتاج الأمر إلى وقتٍ أطول، مراقبون يطرحون حلولاً لمعالجة هذه الآثار في المستقبل بينها معالجة مشاعر الاغتراب والنفور لدى السنّة وإطلاق خطةٍ جادة للمصالحة ومعالجة الخلل في النظام السياسي واستبدال النظام الانتخابي الحالي الذي يميل لصالح المنافسة في الدوائر الانتخابية الكبيرة بآخر يقوم على الدوائر الصغيرة وإجراء تعديلاتٍ كبيرةٍ على الدستور وإصدار قوانين جديدة للأحزاب السياسية وإدارة الموارد وتوزيع السلطة على أساس التوزيع السكاني وليس على أساس الهويات الطائفية والعرقية، لكنهم يرون أن التحول سيكون بطيئاً بعد  السياسات التمييزية الّتي مر بها العراقيون فحتى لو استطاع العراقيون السنة الحصول على ما يريدون على أساسٍ طائفي فإن ذلك لن يُشكل سوى تعويضٍ عن ضرر سابقٍ لحق بهم، وبذلك تتكرر نفس المشكلة وهي غياب الدولة الوطنية العراقية  القائمة على نظام حكمٍ جامعٍ عادل لا على التقاسم الطائفي والعرقي، ويبدو أن الأميركيين وحلفائهم في الحرب الثانية على الإرهاب سيكونون بحاجة إلى تصورٍ جديد لسياساتهم في العراق القائمة على التوازنات في بناء الدول، عراقٌ يكون قادراً على حماية نفسه من معضلات الفترة الماضية بعيداً عن تدخل الدول القريبة منه والمحاصصة الطائفية بعد أن أصبح تنظيم الدولة شبحاً يطارد الجميع وهم يتمنون أن لا يكون الوقت قد تأخر.

[نهاية التقرير]

خديجة بن قِنة: وينضم إلينا من لندن الدكتور غسان العطية مدير المعهد العراقي للتنمية والديمُقراطية أهلا بك دكتور غسان العطية، دكتور يعني منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي لم يكن في الواقع الانتماء الطائفي وحتى الديني لم يكن له دور في نظام الحكم السياسي، بدأ مع الثورة العراقية الإيرانية في الثمانينيات، الآن كيف يتغذى هذا الصراع الطائفي من أي معطيات يتغذى حتى وصل منذ ذلك الوقت إلى الآن إلى ما وصل إليه من تهديد للدولة الوطنية الحديثة؟

غسان العطية: شكراً، لمعالجة أو لمقارنة الشأن الطائفي في العراق لا بد من خلفية تاريخية، العراق تأسس بعد الحرب العالمية الأولى من ولاياتٍ ثلاث مجموع سكانهم لا يزيد عن أربع خمس ملايين نسمة أغلبيتهم كانوا سكان الريف ولا يزيد سكان المدن عن 20 إلى 30%، مدينة بغداد كان سكانها 200 أقل من ربع مليون بين سني وشيعي ومسيحي ويهودي لو جمعنا، لو وجدنا من هي أكبر جالية كانت في بغداد سنة 1919 يستغرب المشاهد كانت الجالية اليهودية أكثر جالية وكانت بغداد متناصفة بين مسلمين وغير المسلمين، العهد الملكي من 1921 إلى 58 بدأ بعملية ما يسمّى الاندماج الاجتماعي، محاولة دمج الريف بالمدينة ومحاولة دمج السنّة والشيعة واليهود والمسيحيين وقطع شوطا جداً كبير بهذا الاتجاه والدليل على ذلك أول وزارة شكلت في بغداد كان فيها وزير شيعي واحد بينما في الخمسينيات صار هناك أربع رؤساء وزارة شيعة، نصف الوزارة شيعة كذلك يهودي كان وزير مالية، مسيحيون عزو غنيمة كان وزيرا للمالية وغير ذلك، هذه عملية الاندماج الاجتماعي أطيح بها باسم ثورة الـ58، مع ذلك الـ58 لم تبرز العنصر الطائفي فكان عبد الكريم قاسم مقبولاً شيعياً يمكن أكثر من السنة لكن كان المطروح في ذلك الوقت انقسام سياسي بين اليسار واليمين أو بين التيار القومي والتيار اليساري، هذا الصراع ما كان يخفي انقساما طائفيا والعسكر الّذين حكموا العراق إلى الـ1968 لم يكن بينهم أي واحد تصرف تصرفاً طائفياً بل كان يحاول أن يدمج بين الاثنين فمن العسكريين البارزين المرحوم ناجي طالب وهو من الناصرية رئيس وزراء وحكم في ذلك الوقت، الحقيقة الانفجار الطائفي حصل في العراق تحديداً بعد الـ1979 كما تفضلتِ بقيام الثورة الإسلامية في إيران، هذا بداية التحول الأساسي، كان السؤال الكبير كيف نعالج التحدي الّذي كانت تمثله الثورة الإيرانية وما كان يطرحوه باسم تصدير الثورة وغير ذلك، المرحوم أحمد حسن البكر آنذاك وهذه من أقاربه والقريبين منه كان يقول يجب أن نتعامل مع إيران بالعقل ولا نتورط بأي حرب ولكن المؤسف أن المرحوم البكر توفى، استلم صدام حسين الحكم، صدام حسين شاب متحمس تورط بحرب وأذكر جيداً كنت في بغداد في حينها ومع الجامعة العربية كان يقول هذه الحرب، أحد مساعديه الكبار آنذاك حتى لو طولت ستة أشهر نحن قادرون على خوضها وبالنهاية طولت 8 سنوات وأنهكت العراق وبدأت تضح الشرخ الطافي في العراقيين والشرح الطائفي زاد أكثر..

أسباب تصاعد النهج الطائفي

خديجة بن قِنة: هذه محطة تاريخية مهمة فقط حتى ربما نختصر قليلاً المحطات لأن الوقت لن يُسعفنا من الحرب العراقية الإيرانية الّتي تفضلت الآن بشرح معطياتها وكيف غذت الصراع الطائفي إلى الغزو الأميركي في العراق ويعني دخول الولايات المتحدة وقوات التحالف على الخط لبناء نظام سياسي جديد في العراق من خلال مجلس الحكم الّذي أسسه بول بريمر، أليس كذلك؟

غسان العطية: المرحلة بسبب الحرب خلقت الانقسام الطائفي لكن الّذي زاد الانقسام هو حرب الخليج الثانية وموضوع تحرير الكويت الّذي ظهر فيه انقسام طائفي أشد، هذه الّتي قسمت الأمور وللأسف نجد أن كثيرا من القيادات الشيعية الّتي تحكم اليوم هي كانت لاجئة في سوريا أو لاجئة في إيران والّذي حصل أن الإدارة الأميركية وهنا مع الأسف كانت في منتهى السذاجة في التعامل مع العراق، هي كانت قادرة على إطاحة النظام لكنها لم تملك تصورا للبديل فلما جاءت وبعقلية ساذجة قالت العراق نحن ديمُقراطية، هناك سنة وشيعة وأكراد، السنة هم المتعبون والأكراد أصحابنا والشيعة سيصفقون لنا فهذه ديمُقراطية فبالتالي فتحوا الباب، الباب الطائفي، المؤسف أن الفراغ السياسي الموجود آنذاك من قبل عناصر إثنية وطائفية فدخل العراق في مرحلة تسمى صراع الهويات، أصبح العراقي يسأل من أنا، فجأة اكتشف أن ليس هناك عراقي إنما يوجد سنّي وشيعي وكردي وتركماني وآشوري وإذا هذا الخليط الغريب العجيب السؤال هو كيف نوحده؟ من هنا كان الجانب العربي السني يشعر أنه تم استبعاده وتهميشه فالدستور الّذي وضع بدل أن يجمع العراقيين ويوجد خارطة طريق للمستقبل، الدستور وضع بروحية طائفية إقصائية، كانت النتيجة حربا أهلية امتدت من عام 2006 و7  وأطاحت بما أطاحت، لم تخمد إلا بمسعى أميركي كبير، السؤال كان بالإمكان يبني على هذا التحول بشيء سليم، المؤسف رئيس الوزراء السابق وحزبه حزب الدعوة لم يكن يملك النظرة العراقية الشاملة وهو حزب بالمعنى الواضح حزب ينتمي لطائفة واحدة فقط وأسس كحزب لطائفة واحدة، هذا فشل في أن يتدارك الأمر وبالتالي القوى العربية السنية التي تعاونت مع الأميركان وتعاملت مع الحكومة العراقية في ضرب القاعدة وجدت نفسها وهي التي كانت  تعرف باسم الصحوات، وجدت نفسها هي تهضم وهي تهمّش وبالتالي اليوم نعاني في العراق وصار العرب السنة يقولون لا نتعامل مع الحكومة إلا بضمانات.

العبادي وتصحيح المسارات الخاطئة

خديجة بن قِنة: شعرت بالتهميش، نعم وبالتالي رئيس الوزراء حيدر العبادي في الواقع يرث يعني إرثا ثقيلا جداً من سلفه نوري المالكي، هو في الواقع يعني في موقف لا يُحسد عليه، هل يمكنه الآن حيدر العبادي تصحيح مسارات سياسية خاطئة كان قد انتهجها نوري المالكي؟

غسان العطية: هذه هي النقطة المفصلية، مجيء العبادي والتغير الّذي حصل ما كان له أن يحصل لأن هذا كله الذي ذكرته معروف عند الأميركان وعند العرب كذلك لكن لم يكن أحد مستعدا أن يمد يد العون إلا لما ظهر تنظيم القاعدة الجديد أو تنظيم الدولة الإسلامية وسقوط الموصل وأصبح وضع العراق بأيديهم، عندئذ الغرب والولايات المتحدة تحديداً أدركوا أن هذا الخطر لم يعد يهدد العراقيين فحسب بل يهددهم ففي بريطانيا هناك 5 مليون مسلم، في فرنسا 5 مليون مسلم أو في النهاية تنتقل العدوى إلى أوروبا وتخلق المشاكل، من هنا تغير الموقف الأميركي وتغير الموقف الأوروبي لا بل حتى تغير الموقف العربي، فأذكر جيداً المزاج العربي في الخليج العربي كان محددا بالنأي بأنفسهم. وكان تصورهم أن هذا العراق قضية معقدة والعراقيين صعبين ونتركها والمهم أنه ما تصل النار إلى بلدنا، الآن أدركوا أن تهشم العراق بالطريقة الّتي تهشم بها لا يمكن إلا أن يملأ  الفراغ والّذي ملأ الفراغ هو تنظيم الدولة الإسلامية، السؤال الآن الأساسي الكبير والّذي أعتقده أنا كعراقي أن الأميركان همهم القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية لكن السؤال بالنسبة للعراقيين أنتم يا أميركان حاولتم أن تقضوا على طالبان في أفغانستان، صحيح أسقطتم طالبان ولكن تركتم أفغانستان مهشمة، أنتم مرة ثانية أوجدتم تحالفا عريضا وطويلا ودخلتم العراق واحتللتم العراق 2003 وأسقطتم النظام ولكن ما هو البديل، البديل كان سيئا ونعاني ألان ما نعانيه، السؤال الآن التحالف الدولي الأوروبي الجديد الناتو وغيره، هذا التحالف تفكيره فقط في داعش أو الدولة الإسلامية،  السؤال كيف سيتم القضاء عليه وما هو وراء ذلك؟ هذا بالنسبة للعراقيين وأبناء المنطقة لديهم خوفا كبيرا من الطريقة الّتي تتم بها عن طريق تجييش العرب السنة وتسليحهم سيخلق لنا بالمستقبل بعدا مأساويا وهو، تفضلي..

الاعتبارات الطائفية في تاريخ العراق الحديث

خديجة بن قِنة: شكراً، عفواً على المقاطعة لكن مضطرين لأخذ فاصل، شكراً جزيلاً لك الدكتور غسان العطية مدير المعهد العراقي للتنمية الديمُقراطية، شكراً لمشاركتك معنا في هذا الجزء الأول من البرنامج كنت معنا من لندن، وعلى غرار ما ذكرناه فإن الطائفية ليست بالأمر الجديد في العراق فقد تعايشت فيه مختلف الطوائف والمكونات الدينية والعرقية علي مدى عقودٍ من الزمن لكنها تأججت خلال الفترة الأخيرة، نستعرض في التقرير التالي تاريخ العراق الحديث مع قضية الاعتبارات الطائفية.

[تقرير مسجل]

وليد إبراهيم: لم يعرف تاريخ العراق انقساما وصراعاً دمويا طائفياً كالّذي شهده في السنوات العشر والّتي تلت الغزو الأميركي في العام 2003، نشأت الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى وتمكن العراقيون آنذاك من إرساء نظام حكمٍ سياسي وطني لم يكن للانتماء الطائفي أو حتى الديني فيه أي دور واستمر الحال على هذا المنوال حتى ثمانينيات القرن الماضي عندما نشبت الحرب العراقية الإيرانية، حاولت إيران وبشدة تغذية النزعة الطائفية في العراق وإنشاء أحزابٍ موالية لها في فترة الحرب الّتي استمرت 8 سنوات، وإذا كانت إيران قد فشلت في تحقيق مبتغاها على المستوى الشعبي فإنها حققت وإلى حدٍ ما شيئاً من النجاح في هذا المسعى سياسيا، تمكنت إيران من تأسيس ودعم كياناتٍ تحولت فيما بعد إلى أحزابٍ سياسية كان لها دور بارزٌ في فترة ما بعد الغزو الأميركي للعراق وبعد دخول قوات التحالف إلى العراق وتمكنها من إسقاط نظام الحكم العلماني فيه الّذي نجح في كبح جماح جميع الحركات ليس فقط ذات النزعة الدينية بل حتى المذهبية والعرقية أسس الحاكم الأميركي بول بريمر الّذي حكم العراق آنذاك مجلس الحكم الانتقالي تم اختيار أعضاء المجلس وعددهم 21 على أساسٍ طائفي وعرقي وديني، واعتبر تشكيل المجلس آنذاك إيذاناً حقيقياً على قيام أول نظامٍ سياسي في العراق قائمٍ على أساس الطائفية والعرقية، لعبت الأطراف السياسية الّتي اشتركت في المجلس دوراً كبيراً في تعزيز هذا المشهد لتنتهي العملية بتمزيق اللحمة الوطنية العراقية وتقسيمها إلى طوائف وأعراق ذات بعدٍ سياسي ما زالت قائمة حتى اللحظة، لعبت الحكومات الّتي تناوبت على حكم العراق في السنوات الإحدى عشر الماضية دوراً في تعزيز حدة الانقسام الطائفي على مستوى المجتمع وتبنت الحكومات الشيعية فكرة إنشاء دولةٍ شيعية في العراق، ولعب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي دوراً كبيراً في هذا الإطار حيث اتهمه شركاؤه في الحكم من السنة والأكراد بإتباع سياسة الإقصاء والتهميش وبسبب هذه السياسة وتداعياتها انتهت فترتا حكم المالكي بإيصال البلاد إلى حافة الحرب الأهلية وتعزيز حدة الانقسام في عموم البلاد، اليوم يجد رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي نفسه في موقفٍ لا يحسد عليه، العبادي الّذي انتخب بتوافقٍ سياسي شاق وبضغط أميركي واضح وكبير ينتظر منه تصحيح مساراتٍ سياسيةٍ خاطئة انتهجها سلفه المالكي، اليوم وبعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مساحاتٍ واسعةٍ من أرض العراق بعد فرار الجيش العراقي منها فإذا العبادي يجد نفسه مرغماً على إتباع سياسةٍ بعيدةٍ عن الطائفية فعودة هذه المناطق ذات الأغلبية السنية لن يكون ممكناً إلا بتجريد تنظيم الدولة الإسلامية من الحاضنة الشعبية وهذا لن يتم إلا بإقناع سكان تلك المناطق بالانضمام إلى أي جهدٍ عسكري يهدف إلى إعادة السيطرة على تلك المناطق، إقناع الأهالي بالانضمام لمثل هذا الجهد لن يكون أمراً سهلاً وخاصة بعد سنواتٍ من انتهاج سياسة التهميش والإقصاء الّتي اتبعها المالكي وهي سياسة حولت سكان تلك المناطق إلى مشككين في العملية السياسية، يدرك العبادي أن تحرير البلاد من تنظيم الدولة لن يكون ممكناً دون مساعدة الحليف الغربي والأميركي ويشترط الأميركيون الّذين أدركوا خطأ سياستهم الّتي انتهجوها خلال العقد الماضي في العراق أن أي دعمٍ سيكون مرهوناً بوجود حكومةٍ شاملةٍ ومتصالحة وهو أمرٌ لا يترك أي خيارٍ أمام العبادي وشركائه في الحكم غير انتهاج سياسة تعيد لملة الجسد العراقي الّذي مزقته الطائفية خلال العقد الماضي.

[نهاية التقرير]

خديجة بن قِنة: وينضم إلينا  من عمان حسين الخُزاعي أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء، دكتور حسين الخزاعي أهلاً بك، واضح أن المشكلة ليست في وجود طوائف ولكن في توظيف هذه الطوائف في السياسة، كيف تم توظيف إذن الطائفية أو تزاوجها مع السياسة لكي يبدأ هكذا الصراع الطائفي؟

حسين الخُزاعي: يا سيدتي في البداية يعني إتباع سياسة المحاصصة وسياسة التقسيم من عام 2003 في العراق هو الّذي أدى إلى هذا الوضع الّذي نحن الآن نشاهده ونتابعه ونحلله في العراق، البرلمان والمجلس التشريعي ُيشكل بناءاً علي المحاصصة، الوزارات بناءاً على محاصصة وفيها كثير من الظلم الآن الوضع في العراق فيما يتعلق بالأمور الطائفية الوضع الآن ازداد تأزماً، ازداد تمزقاً وأيضاً كمان أصبح الآن مرهوناً بالدفاع فقط عن المناطق الّتي هم موجودون فيها، كل طائفة أو فئة أو كل خلينا نسميها طائفة حتى طائفة فرعية من هذه الطوائف فبعد عام 2003 للأسف الشديد بعد الدخول الأميركي إلى العراق للأسف الشديد ساهمت حتى دول الجوار الموجودة حول العراق في إيجاد مثل هذه المحاصصة وتشجيعها وأيضاً كمان التركيز عليها داخل العراق لهذا السبب العراق بقي ممزقاً ويعاني.

خديجة بن قِنة: إذن المشكلة ليست في وجود طوائف ولكن في توظيفها واستخدامها كأداة سياسية، الآن هناك لقاء شديد الانفجار، ظهور أيضاً السلفية الجهادية والطائفية في زمن الثورات، وجود تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية ربما أدى إلى توحيد الجهود الدولية لمواجهة هذا التنظيم، ينجح برأيك؟

حسين الخُزاعي: بالتأكيد أولا خلينا يعني نتحدث عن الجهود الدولية الآن التي تتحد الآن لمواجهة تنظيم القاعدة الجديد، تنظيم داعش، أنا باعتقادي لن تنجح نهائياً لسبب أنه الخبرات السابقة والتجارب السابقة للأسف الشديد الّتي قامت بها الدول الأوروبية وحتى الأميركان بقيادة الأميركان في أفغانستان فشلت، صحيح أنها استطاعت يعني أن تخرج الآن أميركا وكانت أحد مهام أوباما أن يُخرج الأميركان من أفغانستان ومن العراق، الآن السؤال الّذي يطرح نفسه حتى لو جاءت هذا الدول وحاربت هذا التنظيم هل ستنجح في إنهاء هذا التنظيم من داخل العراق؟ لا، لا تستطيع أبداً لأنه الآن التنظيم احتل مساحات معروفة عند العراقيين ومعروفة عند الأميركان، لن يستطيعوا بجرة قلم أو بطلعة طائرة أو برمي قذيفة أن يتمكنوا من داخل العراق حتى لو استباحوا المناطق الّتي سيحتلونها، الآن المطلوب نحن خلينا نحكي كالتالي:المطلوب من العراقيين، المطلوب من العراقيين، تفضلي أستاذه خديجة.

خديجة بن قِنة: ما المطلوب، ما المطلوب من العراقيين خصوصاً وأن رئيس الوزراء حيدر العبادي يعني أمامه مهمة صعبة على هذا الصعيد، هل من ضمانات يعني يجب وضعها لتفادي تكرار تجربة الشرخ الطائفي في العراق هل هذا ممكن؟

حسين الخُزاعي: المطلوب الآن أختي الكريمة من العراق ومن العراقيين أولاً أن يتحدوا على الهوية  العراقية وأن يبتعدوا عن الهوية الطائفية مع أن هذا الكلام صعب جداً، هذا الكلام صعب جداً بالرغم من أن تنظيم داعش يهدد الآن واستباح دماء العراقيين ودمّر ونكّل وفعل الكثير في العراقيين حتى فعل  في الأجانب المتواجدين على المناطق الّتي احتلوها، الآن المطلوب منهم توحيد الهوية العراقية وليس توحيد الهوية الطائفية ولكن الّذي نراه نحن على أرض الواقع أنهم هم يوحدون الهوية الطائفية في موجهة داعش، يعني الأكراد الآن وحدوا هويتهم من أجل ماذا؟ من أجل عدم وصول هذا التنظيم إليهم أو إبطائه في مكانه ودحره وأيضاً كمان الطوائف الأخرى تعمل في هذا..

خديجة بن قِنة: نشكر، إذن نعتذر لقطع الدكتور حسين الخُزاعي لانتهاء وقت البرنامج، شكراً للدكتور حسين الخُزاعي أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء كنت معنا من عمّان، شكراً جزيلاً لك، بهذا تنتهي هذه الحلقة من الواقع العربي أطيب أمانينا وإلى اللقاء.