كشفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) النقاب عن فشل عملية إنقاذ مواطنين أميركيين رهائن في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية  في سوريا شارك فيها عشرات الجنود وطائرات نفاثة وعمودية وطائرات دون طيار.

الولايات المتحدة التي رفضت بالأمس القريب التدخل عسكريا في سوريا دون غطاء دولي، تحركت اليوم لإنقاذ رهائنها، كما سارعت بالتحرك عسكريا في العراق بينما تجاهلت في الوقت نفسه العنف الدموي ذاته الذي يطحن منذ أكثر من ثلاث سنوات سوريا المجاورة.

برنامج "الواقع العربي" سلط  في حلقة 22/8/2014 الضوء على دلالات إعلان الولايات المتحدة فشل العملية، وما أثاره ذلك من تساؤلات بشأن ما يصفه مراقبون بازدواجية واشنطن السياسية.

عن فشل العملية قال العقيد السابق في الجيش الأميركي فيليب جي ديرمر إن ذلك ليس أمرا سيئا، وإن تحرك الجيش -رغم الفشل- يبعث رسالة مفادها أن أميركا لن تبقى متفرجة وستتصرف بشكل واضح من أجل مواطنيها، على حد قوله.

video

سوريا شبه مستقلة
وحول أخذ الولايات المتحدة القانون الدولي وسيادة الدول في الحسبان، قال إن أميركا حينما قتلت أسامة بن لادن كان الوضع مع الباكستانيين مغايرا لما هو في سوريا، التي قال إنها شبه مستقلة ولا يمثل التدخل الأميركي فيها انتهاكا لأن البلد مدمر ومنقسم، كما أضاف.

أما التباين في مواقف الولايات المتحدة وما يقال عن ازدواجية معايير في التعامل مع تنظيم الدولة الموجود في بلدين متجاورين في العراق وسوريا، قال إن أميركا ليست لديها مصلحة كبيرة في حملة عسكرية في الشرق الأوسط، والتدخل في العراق "نحاول فيه حماية مصالحنا في شمال العراق".

من زاوية قانونية، قال أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية بول مرقص إن المبادئ الأساسية للقانون الدولي تتوخى عدم التدخل العسكري من قبل دولة تجاه دولة أخرى.

لكنه ذكر أن ثمة استثناءات مشروطة لحماية رعايا دولة ما عندما تعجز الدولة التي يقيمون فيها عن حمايتهم وحين يتعرضون لممارسات واضحة ومباشرة ضدهم.

وأضاف مرقص أن هذا الاستثناء -حتى لو استوفى المواصفات المطلوبة- سيبقى محكوما بآليات ناظمة، ومن ذلك ضرورة إبلاغ مجلس الأمن، وضرورة مراعاة مبدأ التناسب، إذ لا يجوز في سبيل حماية بضعة مواطنين شنّ عملية كبرى.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: إنقاذ الرهائن الأميركيين سياسيا وقانونيا

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيفا الحلقة:

-   فيليب جي ديرمر/ عقيد سابق في الجيش الأميركي

-   بول مُرقص/ أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية

تاريخ الحلقة: 22/8/2014   

المحاور:

-   دلالات إعلان واشنطن فشل العملية

-   ازدواجية أميركا السياسية

-   الولايات المتحدة وخرق القانون الدولي

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلّط خلالها الضوء على دلالات إعلان الولايات المتحدة عن فشل عملية لإنقاذ رهائن بقبضة تنظيم الدولة الإسلامية داخل الأراضي السورية وما أثاره ذلك من تساؤلات بشأن تباين مواقف واشنطن إزاء الوضع في سوريا.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنّ قواتها أخفقت في تنفيذ عملية لإنقاذ رهائن أميركيين لدى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بينهم الصحفي الأميركي جيمس فولي الذي أعلن تنظيم الدولة عن إعدامه، وبرّر البنتاغون إخفاق العملية بأنّ الرهائن لم يكونوا في المكان المستهدف، بينما قال مسؤول في الإدارة الأميركية إنّ قرار تنفيذ العملية جاء بعد أن حدّدت وكالة الاستخبارات مكان احتجاز الرهائن بناءً على معلوماتٍ استقتها من رهائن أوروبيين أطلق تنظيم الدولة سراحهم قبل أشهر.

[تقرير مسجل]

محمود الكن: أثار إعلان البنتاغون عن عمليةٍ فاشلةٍ لإنقاذ الرهائن في سوريا بعد مقتل الصحفي الأميركي جيمس فولي العديد من التساؤلات، إذ رآها البعد روايةٌ أقرب في تفاصيلها إلى أفلام هوليود منها إلى عمليةٍ مدروسة، فبحسب تصريحات مسؤولين أميركيين نشرتها صحيفة واشنطن بوست فإنّ العملية اشترك فيها بضعة عشراتٍ من العناصر من كافة وحدات الجيش الأميركي البحرية والبريّة والطيران، واشتركت فيها عدّة طائرات من النوع النفّاث إضافةً إلى طائرةٍ عامودية من طراز بلاك هوك معدّلة، وطائرةٍ من دون طيار واحدةٍ على الأقل، اتجهت قوة تحرير الرهائن المشتركة إلى موقعين: الأول كانت قد حدّدته معلوماتٌ استخباراتية بعد استجواب 6 مُختطفين أوروبيين أُفرج عنهم من قِبل مسلحي الدولة الإسلامية واستجوبتهم وكالة الاستخبارات المركزية، تلك المعلومات رآها البنتاغون كافيةً لإعطاء أمر تنفيذ الهجوم، لكنّ الترجيحات تشير إلى أنّ العملية نُفّذت بعد أسابيع من الحصول على تلك المعلومات ولذلك لم تجد قوة الكوماندوز الرهائن في الموقع الأول، لكنّها تمكنت من الحصول على معلوماتٍ دلّتهم على موقع الهجوم الثاني، اتجهت القوة إلى الموقع الثاني المشتبه فيه لكنّها اشتبكت مع مسلحين قتلت منهم عناصر مهمة بحسب الرواية الأميركية، ولم تخسر الولايات المتحدة أيّاً من جنودها الذين أُصيب أحدهم على الأقل ووصفت إصابته بالطفيفة، كما قالت الولايات المتحدة إنّ أيّاً من الرهائن لم يُقتل عند فشل تلك العملية. البنتاغون قال إنّه حرّك قواته بسرعةٍ وقوة لاستعادة مواطنيه من دون أن يحدّد المكان والوقت الذي استغرقته تلك العمليات لكنّ الرواية أثارت العديد من التساؤلات التقنية والسياسية، فعلى سبيل المثال اختُطف جيمس فولي في نوفمبر من عام 2012 فلماذا انتظر البنتاغون كل هذا الوقت لتنفيذ العملية؟ وبإعلان البنتاغون حصوله على معلوماتٍ عن الخاطفين من رهائن آخرين، فإنّ هناك مَن يرى بأنّ ذلك قد يُعرّض بقية الرهائن للخطر، وأخيراً لماذا انتظرت الولايات المتحدة كل هذا الوقت على تنظيم الدولة الإسلامية رغم أنّ المعارضة السورية حذّرت مبكراً من أنّ نهج النظام السوري في العنف قد يُؤدّي إلى مثل هذا السيناريو؟

[نهاية التقرير]

دلالات إعلان واشنطن فشل العملية

عبد القادر عيّاض: ينضم إلينا من واشنطن فيليب جي ديرمر العقيد السابق في الجيش الأميركي، سيد ديرمر حتى نفهم ما جرى في قضية أو محاولة إنقاذ الصحفي فولي، كيف يتم إعطاء الضوء الأخضر للقيام بعملية من هذا النوع؟

فيليب جي ديرمر: حسناً لم كانوا ليذهبوا لو كانوا يعتقدون أنّ العملية ستفشل، فالرئيس الأميركي اتخذ قراراً بهذا الأمر بناءً على معلوماتٍ تلقّاها وكذلك بناءً على أهمية هذه العملية وكونها تخدم المصالح الأميركية فالرئيس وحده لديه صلاحيات ليُقرّر الذهاب للقيام بهذه العملية من عدمه، وقام بقياس الأمور والمخاطر وفي هذه الحالة المهّمة لم تنجح، يمكنكم أن تقولوا بأنّها لم تنجح وهذا ما أُخبرنا به، هذا أمرٌ حسن لكن في بعض الأحيان المحاولة بحدّ ذاتها مهمة وأعتقد أنّ هذا الأمر ينطبق على هذه الحالة.

عبد القادر عيّاض: ولكن متى يتم التحرّك؟ ما توفّر حتى الآن من معلومات تضع مجموعة من علامات الاستفهام، لم يتم التحرّك إلا بعد أسابيع من توفّر المعلومة، المعلومة بُنيت على شهادات من قِبل بعض من كانوا محتجزين منذ شهور، متى وكيف يتمُّ التحرّك في ظروفٍ كهذه؟

فيليب جي ديرمر: نحن لا نعرف تحديداً مصادر المعلومات فأميركا لديها مصادر عديدة لجمع المعلومات الاستخبارية للقيام بنشاطاتها، ومعلومات مثل التي استخدمناها حالياً قد استُخدمت في عمليّاتٍ ناجحة في الماضي إحداها تلك التي قتلنا فيها بن لادن وأخرى أيضاً في شرق إفريقيا، إذن المعلومات هي أحد العوامل المهمة في هذه العمليات، سواءً عن المعتقلين أم لا ليس هناك مشكلة أعتقد أنّ هذا مجرد جزء من العملية وليس الجزء المهم الذي يُحدّد ما إذا كانت العملية ستقوم بها أميركا، إذن الأمر معقدٌ جداً للقيام بمثل هذه المهمة في مثل سوريا وفي ظل الظروف الحالية فعلاً هو أمرٌ أكثر من كونه مجرّد معقد.

عبد القادر عيّاض: لكن ما الذي يعنيه الفشل في حالة مثل هذه؟

فيليب جي ديرمر: في البداية الجيش الأميركي والعمليات الخاصة الأميركية، العمليات الخاصة هي وحدةٌ من الجيش الأميركي تعمل بشكلٍ مُنسّق ولا تمثل الجيش الأميركي برمّته، والفشل لهذه العمليات في هذه الحال ليس أمراً سيئاً، الفشل فقط يسمح لأولئك الموجودين في سوريا ويقاتلون بأنّهم لا يُقاتلون ضدّ مصلحة أميركا وأن أميركا.. "نأسف الصوت يتقطّع"، بالرغم من أن أميركا لن تنخرط في حربٍ كبيرة ضدّهم إلا أنّها ستتصرف ولن تبقى متفرجةً وإنّما ستتصرف لمصلحة مواطنيها، ولا أعتقد أنّ ذلك أمراً سهلاً ولا يهم ما إذا كان الأمر ناجحاً أم لا لكن المهم أنّ أميركا قد تصرّفت وأعتقد أنّ هذه العملية أيضاً لها أهمية أنّها تبعث برسالة إلى تنظيم الدولة وغيرها بأنّ أميركا كما قلت ستتصرف، وعندما تتصرف تقوم بذلك بشكلٍ واضح، وهذه العملية أيضاً كذلك فاجأت تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، إذن كذلك ليس هناك أي شخصٍ في سوريا استخدم هذا الفشل لغرضٍ دعائي له وبالتالي أعتقد أنّها في نهاية المطاف خدمت المصالح الأميركية.

عبد القادر عيّاض: ماذا عن تعريض حياة الرهائن للخطر في حال القيام بعمليات المعلومات فيها ليست قطعية؟

فيليب جي ديرمر: هذا سؤالٌ مهم للغاية وهو نقطة يُواجهها، والأمر يتعلق كما قلنا في هذا السياق بالتخطيط، فقد نُفكّر في أنّنا نتخذ مخاطر كبيرة للحصول على أهدافٍ أو هدفٍ، وإلا بعد أن نحقق إلى هدفٍ فقد تتأثّر تلك الأهداف ومنها قتل هؤلاء الأشخاص، أو أنّنا قد نحصل على عددٍ من هؤلاء الرهائن ونقول في هذه الرسالة التي نبعث بها أنّ الأمر قد يكون معقداً وقد نخسر بعض الأفراد، إذن ليس هناك جوابٌ بسيطٌ وشافٍ لسؤالك لكن باعتبار حقيقة أنّ أميركا ستتصرف لبعض الأحيان وحسب التوقيت والشكل الذي تختاره فهذا أمراً ليس سهلاً، حقيقة أنّ البعض قد يكون قد قضى حياته في هذا الأمر، ولا أتحدث عن فشل، إذا قضى أحدهم فإنّنا لم نر نتيجةً لذلك أي تأثيرٍ أو انتقادات على الإدارة.

عبد القادر عيّاض: هل تُراعون أثناء التفكير في تنفيذ عمليات كهذه ما يتعلّق بالقانون الدولي، ذكرت قبل قليل ما تمّ القيام به مع عملية أسامة بن لادن، هذه المرة ما جرى في سوريا، ماذا عن القانون الدولي وسيادة الدول وعدم التدخل إلا بقرار دولي أو باتفاق دولي في حالاتٍ كهذه؟

فيليب جي ديرمر: أعتقد أنّ هذا سؤالٌ وجيهٌ أيضاً وهو جانبٌ قضائيٌّ وقانونيٌّ لهذه المهمة وللفريق الذي أشرف عليها وقادها هذا جانبٌ كما قلت أمرٌ يتخذه الرئيس أوباما عليه قراره، أنا شخصياً لا أستطيع أن أتحدث عنه نتيجةً لعدم معرفته بشكلٍ كبير، لكن ما يمكن أن أقوله لكم أنّه عندما قمنا بالعملية في باكستان كانت موضوع السيادة أمر معين، لكن عندما نتدخل في سوريا وهي شبه دولة مستقلة ذلك أمرٌ مختلف، إنّ الدخول للقيام بعمليات في سوريا قد لا يكون أمراً يمثل انتهاكاً للقانون الدولي لأنّ سيادة البلد منتهكة وهذا البلد يكاد يكون مدمراً ومنقسماً.

ازدواجية أميركا السياسية

عبد القادر عيّاض: جرى تحذير الإدارة الأميركية منذ بداية الثورة في سوريا من تنظيم الدولة الإسلامية ومع ذلك لم تفعل شيئا حيال هذا التنظيم، الآن تُحّذر العالم من هذا التنظيم بل وتقوم بعمليات في داخل سوريا ضدّ هذا التنظيم، ما الذي يُفسّر ذلك في رأيك؟

فيليب جي ديرمر: من الواضح أنّ الحرب ضدّ تنظيم الدولة تغيّرت من التزام أميركا بالحيطة في سوريا حيث لمّا نواجههم بشكلٍ عسكري إلى الوضع الراهن حيث أنّ قوات تنظيم الدولة دخلت العراق حيث أنّنا نحن الأميركيين هناك خسرنا الكثير من حياتنا في ذلك البلد، أعتقد وقتها أنّ الرئيس وفريقه قرّر أن يتدخل ويتحرّك لوقف تقدّم تنظيم الدولة، وقالوا أنّ هذا يكفي على الأقل في الوقت الراهن في العراق، ما يحدث هناك لا نعرفه بشكل كبير فأميركا ليست لديها مصلحة كبيرة في أن تنخرط على نطاقٍ واسع في حملةٍ كبيرة أخرى في الشرق الأوسط حتى في العراق مجدداً الذي خدمت فيه أنا شخصياً مراتٍ عديدة، لكن لا نعرف في نهاية المطاف نحن نحاول أن نحمي مصالحنا حالياً في شمالي العراق ولا ندري إلى أين ستسير الأمور.

عبد القادر عيّاض: أشكرك كنت معنا من واشنطن فيليب جي ديرمر العقيد السابق في الجيش الأميركي. أثار كشف الولايات المتحدة النقاب عن عملية إنقاذ الرهائن التي باءت بالفشل، أثار تساؤلات بشأن تباين مواقف واشنطن إزاء الوضع في سوريا، فالولايات المتحدة التي رفضت بالأمس القريب التدخل عسكرياً في هذا البلد من دون غطاءٍ دولي تحرّكت اليوم لإنقاذ رهائن أميركيين في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، كما أنّ واشنطن سارعت بالتحرّك عسكرياً في العراق بينما تجاهلت في نفس الوقت العنف الدموي ذاته الذي يطحن منذ أكثر من 3 سنوات سوريا المجاورة.

[تقرير مسجل]

عمر الخطيب: ليست مصادفةً أن يخرج البنتاغون عن صمته بعد يومٍ من بثّ تنظيم الدولة الإسلامية تسجيلاً يُظهر ذبح الصحفي الأميركي جيمس فولي في سوريا ردّاً على الغارات الأميركية ضدّه في العراق، خرج البنتاغون ليُعلن فشل عمليةٍ عسكريةٍ خاصة نفّذها في سوريا هذا الصيف لإنقاذ رهائن أميركيين بينهم فولي وثلاثةٌ أو أربعةٌ آخرون، مسرح العملية كان لافتاً لأنّه سوريا ببساطة أو ذاك البلد الذي قُتل فيه عشرات الآلاف منذ انطلاقة الثورة وهجّر مليونان على الأقل من شعبه ولم يتردّد نظامه في استخدام أسلحةٍ كيميائية سبق للرئيس الأميركي باراك أوباما أن أنذر بأنّ استخدامها خطٌّ أحمر، لكنّ واشنطن لم تتحرّك مذ ذاك وإلى اليوم وصمّت آذانها عن عشراتٍ وربما مئات المطالب بتدخلٍ إنساني لإنقاذ السوريين من الفناء، استجابت واشنطن أو رضخت للفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن الدولي ومصالح إسرائيل والخطوط الحمر التي فرضتها على المواقف الدولية إزاء سوريا لأسبابٍ معروفةٍ بالطبع. اليوم فقط تحرّكت الولايات المتحدة ولم تنتظر قراراً من مجلس الأمن ولم تحفل بالقانون الدولي وما يقوله بشأن سيادة الدول الواجب احترامها حتى لو تعلّق الأمر بالنظام السوري في حالته الراهنة، معلوماتٌ استخباراتية قادت واشنطن لشنّ عمليةٍ خاطفةٍ  في العمق السوري لإنقاذ أميركي واحدٍ أو اثنين أو ثلاثة في الأرض المضرّجة بدماء 10 آلاف سوريين، فشلت العملية لكنّ دلالاتها تظل ماثلةً فيما تقوله المصالح وما تدفع لفعله أو العكس، والنتائج التي تترتّب على ازدواج المعايير في الساحة الدولية، فواشنطن بدأت توجّه ضرباتٍ جويّةٍ انتقائيةً لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق بل وتدرس توسيع نطاق تلك الضربات لكنّها تجاهلت التنظيم ذاته في سوريا لأسبابٍ تتعلّق بمصالحها التي اقتضت شنّ العملية الأخيرة. ليست المرة الأولى التي تشنُّ فيها الولايات المتحدة عملياتٍ عسكرية خاصة سواءٌ لإنقاذ رهائن أو قتل أو اعتقال مطلوبين بعضها نجح كما هو الحال مع اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أو اختطاف أبو أنس الليبي الذي تتهمه واشنطن باغتيال دبلوماسيين أميركيين من موظفي قنصليتها ببنغازي، لكنّ أميركا عرفت الفشل في أكثر من عملية لعلّ أشهرها تلك التي حاولت من خلالها إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر إنقاذ الرهائن الأميركيين في طهران عام 1980 وها هي عملية إنقاذ رهائنٍ ثانية تبوء بالفشل، فشلٌ ما كانت واشنطن لتُعلن عنه لولا حادثة قتل الصحفي جيمس فولي على النحو الذي تمّت فيه وتداعيات تصويرها لإقناع الرأي العام الأميركي أنّ إدارته تحرّكت وحاولت وخرقت القانون الدولي لكنّها فشلت.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: معنا من بيروت بول مُرقص أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية، أهلاً بك أستاذ بول، سيد بول ما الموقف القانوني لما جرى أميركياً في سوريا في محاولة إنقاذ الصحفي فولي؟

الولايات المتحدة وخرق القانون الدولي

بول مُرقص: دعونا لا ننسى أنّ أساس العلاقات الدولية يبقى قائماً ومرتكزاً إلى اتفاقية فينّا التي تنُصّ بعينها على حماية المواطنين العائدين لرعاية دولة أجنبية، ثمّة تفريق اليوم بين المبدأ وبين استثناءات على هذا المبدأ تقوم بشكل ضيّق وحصري وتُفسّر أيضاً بشكلٍ ضيّق، المبدأ يقضي بعدم التدخل العسكري وسوى ذلك أيضاً والتدخل السياسي منه في شؤون دولة أخرى، والتدخل العسكري له محظور منصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة ويعتبر عدواناً هذا في المبدأ، وهنالك حادثة يجب الإضاءة عليها على مستوى القانون الدولي المقارن هي تدخل الولايات المتحدة في نيكاراغوا تحديداً والتي آلت إلى صدور قرار عن محكمة العدل الدولية في حزيران 1986 أدانت على صعيد الفقه الدولي أي تدخل عسكري أجنبي، إذن المبادئ القانونية الأساسية تقتضي بعدم التدخل، بتوخّي الوسائل السلميّة والتسويات لمعالجة النزاعات في مثل هذه الأحوال وعدم استعمال القوة في العلاقات الدولية، وأبرز مثال على ذلك هو إعلان النوايا الحميدة بين الدول لعام 1974 الذي ينُصّ بصراحة أنّه لا مبرّر ولا مسوّغ أبداً لتدخل أي دولة في شؤون الدولة الأخرى وحتى التدخل العسكري، هذا هو المبدأ أمّا اليوم..

عبد القادر عيّاض: ولكن أستاذ بول هل في القانون الدولي استثناءات..

بول مُرقص: الاستثناءات وهي القيود..

عبد القادر عيّاض: نعم الاستثناءات، تفضّل.

بول مُرقص: نعم، وهذا السؤال المطروح والذي تفضّلت به بغاية الأهمية، ما هي الاستثناءات وما هي حدود هذه الاستثناءات؟ الاستثناء الأول هو التدخل الإنساني humanitarian intervention، فهل أتى هذا التدخل اليوم على صعيد القانون الدولي الإنساني هذه المرة؟ هذا سؤال لأنّ التدخل الإنساني جائز استثناءً وشذوذاً عن القاعدة العامة التي تقول بعدم جواز التدخل وبتحريم استعمال الأدوات الحربية في العلاقات الدولية، هل هذا اندرج ضمن هذا الإطار؟ يقتضي السؤال ويقتضي التدقيق، الاستثناء الثاني هو حماية مواطني أو رعايا الدولة عندما تعجز الدولة المضيفة عن حمايتهم أو أن يتعرّضوا لممارسات تعسُّفيّة واضحة ومباشرة، مثل هذه الاستثناءات لها أصول لممارستها، يجب أولاً توخّي مبدأ التناسب أي أنّه لا يمكن القيام بشّن عمليات حربية كبرى توخيّاً لحماية مدنيين عائدين لرعايا دولة أجنبية بل بالمقدار اللازم لحمايتهم وبشرط أن لا تكون الدولة المضيفة قادرة على تأمين هذه الحماية، والشرط الثاني الأهم هو تبليغ مجلس الأمن الدولي لأنّك كما تعرف تماماً أنّه هو في الأساس السلطة المخوّلة لإجازة أي تدّخل عسكري بمقتضى المادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة المندرج ضمن الفصل السابع الذي يُجيز استعمال القوة العسكرية، فلماذا..

عبد القادر عيّاض: أستاذ بول معروف بأنّ، عفواً معروف بأنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تُوقّع على الكثير من الاتفاقيات الدولية السائدة في هذا الشأن، فهل ذلك يعفيها من أي ملاحقة من أي تبعات من أن تكون تحت طائلة القانون؟

بول مُرقص: لا طبعاً لأنّ القانون الدولي اليوم يُنظّم كيفية اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي وسبق أن قلت وكنت أُكمل بالفعل لأُجيب على سؤالك وهو جدير، بأنّه حتى لو تدّخلت دولة أجنبية حمايةً لمواطنيها من الاعتداء يجب أن تُبلغ فوراً مجلس الأمن، فلماذا لم تُبلغ الولايات المتحدة الأميركية على اعتبار أنّه من الجائز لها استثناءً وشذوذاً عن القاعدة إذا صحّ ذلك، لماذا لم تُبلغ مجلس الأمن في وقتها عن تدخلها العسكري؟ لماذا أعلنت عنه اليوم؟ لماذا لم تسلك الآليات الناظمة لذلك؟ نحن شهدنا ممارسات لا يمكن أن تُصبح قواعد عامة للتعامل بين الدول سواءً منذ أن تدخّلت إنجلترا عام 1956 بذريعة قناة السويس وتأميم ممتلكات معينة وصولاً إلى إسرائيل في أواسط السبعينات عندما تدخّلت في أوغندا إلى ما هناك من أحداث دولية وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية في بَنَما عام 1990 مع الجنرال مانويل نرويغا، لماذا تدخلت وفق أُصول خاصة ولم تتوخَّ الأصول الدولية في العراق، في أفغانستان وفي سواها؟ نحن لا ننتقص من ضرورات وحاجات ملحّة للتدخل في أزمنة معينة كاحتجاز الرهائن ولكن يجب دائماً الحفاظ على الحدّ الأدنى من الأصول في هذه الممارسات هذا ما نقوله.

عبد القادر عيّاض: هل في القانون الدولي ما يُجيز لدولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية وما تُمثّله من ثقل سياسي وثقل عسكري وثقل اقتصادي، هل يُجيز لها أن تقوم بما لا يُسمح به لغيرها؟

بول مُرقص: هذا سؤال إشكالي أكاد أقول وهو يُذكّرني بالقانون الذي أقرّه الكونغرس نفسه في أواسط الثمانينات وهو يعتبر long arm statuses أي أنّه قانون عابر للحدود الوطنية Super national  أو extra territorial يتجاوز الإقليم الوطني بأن يُجيز للسلطات الأميركية وهذا ما بني عليه على الأرجح الرئيس أوباما قراره الـ executive order، أنّه بنا عليه على هذا القانون الذي يُجيز للولايات المتحدة الأميركية التدّخل حمايةً لرعاياها المهدّدين في الخارج أو لمصالحها overseas، فبالتالي هذا القانون هو قانون وطني صحيح ولكن هو يمتد إلى خارج الحدود قياساً على ما تجريه اليوم الولايات المتحدة الأميركية من التعاملات مع الأسواق المالية والمصرفية العالمية بأنّها تضع عقوبات وأُصول وممارسات ولوائح سوداء للمشتبه بهم إلى ما هنالك من معايير خاصة تُمليها على العالم الخارجي، نعم نحن لا ننكر الحاجة ولا نكر استثناء المُنظّم دولياً ولكن يجب ممارسته بالحدّ الأدنى وإتباع الآليات القانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة الذي إذا أجاز هذا الخروج الاستثنائي عن قواعد اللجوء إلى مجلس الأمن فإنّما فوراً يجب إبلاغ مجلس الأمن، يجب اعتماد الحدود الدنيا من الأعمال الحربية، يجب استنفاذ الوسائل السلميّة والتعاون، حتى أنّ القانون الأميركي الذي ذكرته ينُصّ على ضرورة التعاون مع الدولة حيث تجري هذه العمليات العسكرية، ولا يُقال ويُردّ على ذلك بأنّ ليس هنالك من علاقات دبلوماسية بين هذه الدول أو هنالك عداء، إذ هناك دائماً سفارات أو دول وسيطة تتعامل بين المتخاصمين أو الأعداء أنفسهم ، فبالتالي يجب التنسيق بالحد الأدنى.

عبد القادر عيّاض: أشكرك من بيروت بول مُرقص أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي، نُرحّب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء بإذن الله.