تجذرت الجاليات العربية والمسلمة في الدول الأوروبية حتى باتت جزءا من بنيتها الاجتماعية، وأفرزت علماء ومفكرين وساسة دخلوا البرلمانات ومنهم تولى حقائب وزارية بحكومات دول أوروبية مختلفة. 

لكن هذا الواقع لم ينه كما يبدو ظاهرة "إسلاموفوبيا" أو الخوف من الإسلام في تلك المجتمعات، الجديد أنها لم تعد تقتصر على ممارسات من أفراد أو جماعات يمينية.

وأصبحت ظاهرة إسلاموفوبيا -كما يبدو- تتخذ طابعا مؤسساتيا ودستوريا في ظل التطورات في الشرق الأوسط، وباتت الجاليات العربية والمسلمة تواجه إجراءات قانونية تستهدف مؤسساتها وتنظيماتها، وصفت بأنها تمييزية.

مشاهد الذبح
ومن باريس، أوضح مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية أحمد جاب الله لحلقة الثلاثاء 2/12/2014 من برنامج "الواقع العربي" أن "إسلاموفوبيا" مستخدم من المراكز البحثية العامة، رغم الجدل الدائر حوله، ولكن عموما المصطلح يحمل كل عوامل الخوف والريبة بل وحتى مراحل العداء.

وقال جاب الله إن مظاهر إسلاموفوبيا تتشكل لدى بعض الناس الذين يتأثرون بما يرون مثل مشاهد الذبح الذي تقوم به "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) الأمر الذي يترك صدمة عنيفة لدى البعض، فيقعون ضحية لهذ الصورة المرعبة التي تنشر عن الإسلام.

وأشار إلى أن المنظومة القانونية الأوروبية بها الكثير من الضمانات لجميع الأديان والمعتقدات، وعبر عن أسفه لتأثر هذه القوانين بالأجواء السائدة، التي قد تجعل العرب والمسلمين ضحايا لهذه الظاهرة.

ودعا جاب الله لدراسة الظاهرة ومعرفة أسبابها، وأوضح أن بعض الأحداث لها أيضا تأثير في بروز ظاهرة إسلاموفوبيا، كما أن بروز بعض السياسيين العرب والمسلمين جعل بعض المعارضين لدخولهم معترك السياسة يثيرون الشبهات حولهم. وحذر في الوقت نفسه من "أحزاب يمينية" تريد أن تستخدم الأمر سياسيا لكسب المزيد من الأصوات.

موقف متعقل
وعن دور الجاليات نفسها، أوضح مدير المعهد الأوروبي أن هناك ندوات كثيرة تُعقد بهدف بحث مشاركة الشباب الأوروبي المسلم في مناطق القتال، خصوصا بعد انتشار أخبار عن أن اثنين من قاطعي الرؤوس بالفيديوهات الأخيرة من الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام.

وأكد أن دراسة نشرت مؤخرا أوضحت أن الكثير من الشباب الذين يذهبون إلى القتال لم يكونوا يرتادون المساجد "بل ذهبوا بحثا عن هويتهم وفق معتقدهم".

ورأى أن الموقف العام الأوروبي يعتبر "متعقلا" ولا يريد أن يتبنى العنف، ووصف الساحة السياسية الأوروبية بأنها تمثل صمام الأمان الذي يحرص على حفظ الأمن والاستقرار.

وأكد وجود مساعٍ للتنبيه لخطر "إسلاموفوبيا" موضحا أن التمييز ضد المسلمين ليس في صالح المجتمع الغربي ككل، وأشاد في الوقت ذاته باهتمام عدد من الدول الغربية بتلك الظاهرة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الجاليات العربية والمسلمة بأوروبا وظاهرة إسلاموفوبيا

مقدم الحلقة: عبد القادر عيّاض

ضيف الحلقة: أحمد جاب الله/مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية

المحاور:

-    مظاهر الإسلاموفوبيا

-    دوافع الجهاديين الأوروبيين

-    عنصرية في إطار التجريم للإسلام

عبد القادر عيّاض: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلّط خلالها الضوء على حال الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا والضغوط التي تواجهها على الصعيدين الشعبي والرسمي في ظل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا.

تجذّرت الجاليات العربية والمسلمة في الدول الأوروبية حتى باتت جزءاً من بنيتها الاجتماعية وأفرزت علماء ومفكرين وساسة دخلوا البرلمانات ومنهم من تولّى حقائب وزارية في حكومات دولٍ أوروبية مختلفة، لكنّ هذا الواقع لم يُنهِ كما يبدو ظاهرة الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام في تلك المجتمعات، الجديد أنها لم تعد تقتصر على ممارساتٍ من أفراد أو جماعاتٍ يمينية حيث باتت ظاهرة الإسلاموفوبيا كما يبدو تتخذ طابعاً مؤسساتيًّا ودستوريًّا في ظل التطورات في الشرق الأوسط، وباتت الجاليات العربية والمسلمة تواجه إجراءاتٍ قانونية وُصِفَت بأنها تمييزية، ولمواجهة هذه الظاهرة تنطلق في عدّة عواصم أوروبية في الـ13 من الشهر الجاري فعاليات مختلفة في إطار اليوم العالمي ضد الإسلاموفوبيا، نُسلّط الضوء على واقع الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا لكن نُتابع أولاً التقرير التالي في الموضوع.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: لماذا يكرهوننا؟ طُرِحَ السؤال بقوة بعد هجمات سبتمبر وبدا في ظاهره محاولةً متأخرةً للفهم، وعلى وجه السرعة جرى ربط الفعل بفاعلٍ تضخّم من بضعة أفراد إلى أُمّةٍ وديانة، قلّةٌ فقط تجرّأت فخرجت بجوابٍ لا يجتزئ الأمر من سياقٍ لا يستقيم بغيره كمثل أنّ مَن هاجمونا في أرضنا ذهبنا إليهم أولاً، كان إنزال التهمة بالمسلمين جميعاً أسهل وسيلةً لتعزية جمهورٍ غاضب بالرغم من سيل عباراتٍ رسميةٍ تتكرّر اليوم كالقول بأنّ هؤلاء لا يمثلون الإسلام، لكنّ العبارات المنمّقة تبدو عديمة الأثر وسط براكين كراهيّةٍ تتفجّر في وسائل الإعلام ومنها إلى المدن والأبنية ومؤسسات العمل والمطارات، يعود مصطلح الإسلاموفوبيا أو الرهاب من الإسلام بقوةٍ إلى أوروبا الآن مع بروز جماعةٍ تقف على يمين تنظيم القاعدة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يعرض أعمال قتلٍ يقوم بها ويذهب ضحيّتها في أحيانٍ كثيرة مسلمون، في أوروبا وجدها البعض فرصةً لسن قوانين يُنظَر إليها بأنها تمييزيةٌ ضد المسلمين وسط حملاتٍ من التضييق والكراهية والعنصرية تجاههم، فتحت شعار مواجهة الفكر المتشدد تستعد النمسا حيث يمثل المسلمون 6% من السكان لسن قانونٍ يحظر أي تمويلٍ أجنبي للأئمة والدعاة، في النمسا أيضاً دهمٌ واعتقالاتٌ لعشرات وُجِدَ بحوزتهم ما سُمّيت بوسائل دعايةٍ جهادية، في ألمانيا يقول البروفيسور دتليف بولاك إنّ 30% فقط من الألمان يتقبّلون بناء المساجد، وفي بريطانيا حيث يعيش نحو 3 ملايين مسلم تتعاظم المخاوف من التضييق عليهم نتيجة قانونٍ قِيلَ أنه يستهدف مَن يوصفون بالجهاديين، في استطلاعٍ للشبكة الأوروبية لحقوق الإنسان ظهر أنّ المسلمين هم الفئة الثانية الأكثر استهدافاً من قِبَل خطاب الكراهية في أوروبا في حين رصدت الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية 691 عملاً من أعمال كراهية الإسلام في فرنسا خلال العام الماضي بزيادة الضعف تقريباً عن العام الذي سبقه، وفي بريطانيا تم الإبلاغ عن 734 حالة بين ربيع2013 وشتاء2014، يُبرّر وزير خارجية النمسا الخطوات المتّخذة تجاه المسلمين بالقول إنّ التحدّي لا يأتي من أديانٍ أخرى وهو كلامٌ يطمس حقيقة أنّ الظواهر الإسلامية السنيّة الأكثر تطرُّفاً تخرج من بيئةٍ يُقتل فيها المسلمون فقط وسط صمت العالم مثل سوريا والعراق، وإنّ أوروبا التي تُجرّم المسّ بما تُعرف بمحرقة اليهود تصمت عندما يتعلق الأمر بمسلمين تقتلهم إسرائيل التي تُفاخر بأنها دولةٌ يهودية.

[نهاية التقرير]

عبد القادر عيّاض: ينضم إلينا من باريس الدكتور أحمد جاب الله مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس والنائب السابق لرئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا أهلاً بك دكتور أحمد، ولنبدأ بالمصطلح في حد ذاته الإسلاموفوبيا، هناك مَن يقول بأنّ المصطلح يحمل أكثر مما هو موجود في الواقع، الواقع أبسط مما تصفون، هناك مبالغة كما يقول البعض في المصطلح وأنّ ما يجري تجاه المسلمين يجري تجاه الأجانب بصفةٍ عامة، إلى أي مدى المصطلح فعلاً حمّال لهذا الثقل من التعامل مع الأجانب مع العرب والمسلمين تحديداً؟

أحمد جاب الله: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً مصطلح الإسلاموفوبيا وهو مستخدم الآن ليس فقط من قِبَل بعض الهيئات التي تعمل للدفاع عن حقوق الإنسان والدفاع عن التشويه الذي يتعرّض له الإسلام والمسلمين بل حتى من بعض المراكز البحثية العامة وبعض المفكرين والباحثين حتى من غير المسلمين، وإن كان هناك جدل فعلاً هل أنّ استخدام هذا المصطلح لا يحمل في طيّاته كأنّ هناك عُقدة موجودة عند المجتمعات الغربية عُقدة من الإسلام كدين؟ بل هل أنّ الخوف من هذا الإسلام ليس هو من الإسلام كدين وإنما من ممارسات تُحسب على الإسلام؟ وبالتالي ربما البعض يريد أو يقترح لو نستخدم مصطلحا آخر غير هذا، ولكن أعتقد المصطلح الآن معروف ما هو مضمونه، المصطلح هو كل مشاعر الخوف التي تبدأ بالخوف أولاً ثم تتحول بعد ذلك إلى نوع من الريبة والشك وربما تصل بالبعض إلى حد العداء والشعور بأنّ وجود المسلمين في المجتمعات الأوروبية يُشكل عنصر تهديد..

مظاهر الإسلاموفوبيا

عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد هل لك أن تُعدّد لنا مظاهر الإسلاموفوبيا؟

أحمد جاب الله: مظاهر الإسلاموفوبيا طبعاً تبدأ بممارسات بسيطة لدى بعض الناس الذين يتأثرون بما يسمعون، ولا شك أنّ الأحداث التي تجري في العالم واليوم وسائل الإعلام كلها تنقل ما يجري من أحداث مرعبة أحداث متعلقة بداعش ومسألة الذبح الذي تنقل وسائل الإعلام صوره لا شك أنّ هذا يُبقي صدمة عنيفة لدى كثير من الناس والذين لا يُفرقون بين مَن يتبنّى أعمالا عنيفة باسم الإسلام والإسلام لا يُقرّها طبعاً ولا يمكن أن يُقرّها تماماً وبين عامة المسلمين الذين هم ضد هذه الأعمال بل هم ضحية في الحقيقة لهذه الصورة المرعبة التي تُنشر عن الإسلام، فيبدأ هذا أولاً بكلمات بعبارات بنظرات وربما يزيد عن هذا أحياناً باستعمال شتائم، طبعاً في مجال العمل هناك مضايقات قد تحصل خصوصاً للنساء اللاتي يحملن الحجاب والأسوأ من هذا هو مواقف بعض السياسيين وبعض الإعلاميين مع الأسف لأنّ هناك من السياسيين وخاصةً في الأحزاب اليمينية مَن يريد أن يستغل هذا الجو السائد من أجل أن يكسب أصوات ويُزاحم اليمين المتطرّف، هذا الحقيقة الأمر المُقلق..

عبد القادر عيّاض: فيما يتعلّق بمواجهة هذه الظاهرة دكتور أحمد كيف فشل الغرب وما تحمله منظومته القانونية من قوانين تضمن الحريات تضمن أن يُعبّر المرء عن ثقافته عن دينه عن حريته، كيف فشلت في حماية المسلمين والعرب من هذه الظاهرة؟

أحمد جاب الله: والله المنظومة القانونية نعم فيها من الضمانات ما يُتيح فرصة لجميع الأديان والطوائف والتعبيرات الثقافية المختلفة، ولكن كما تعرفون القانون مع الأسف يخضع دائماً للمناخ العام وخصوصاً المناخ السياسي، فتجد أنّ التأويلات طبعاً لا يُقال أنه نحن نريد أن نحد من حرية الآخرين وإنما نريد أن نحد من حرية الذين يستعملون العنف أو يهددون المجتمع أو يمكن أن يشكلوا مصدر خطر بالنسبة للمجتمع ككل، ولكن مع الأسف في ظل هذا الجو تتسع الدائرة لتمس ربما حتى حرية التعبير في بعض الجوانب التي هي بعيدة كل البُعد عن مسألة العنف أو استخدام العنف أو الإرهاب، لكن الحقيقة لا ينبغي أن نُعمّم..

عبد القادر عيّاض: نعم هل العرب والمسلمين ضحايا فيما يتعلّق بهذه الظاهرة ظاهرة الإسلاموفوبيا أم هم لهم نصيب جزء من المسؤولية مما يجري من تفاقم لهذه الظاهرة؟

أحمد جاب الله: والله يا سيدي الحقيقة نحن نحتاج فعلاً أن نبحث عن الأسباب وأن ننظر إلى جميع الأسباب لأنّ هذه الظاهرة لا أعتقد أنها تعود إلى سبب وحيد، هناك أسباب ربما تعود إلى المسلمين في وجود بعض الاتجاهات وإن كانت لا تمر إلى مرحلة الممارسة لكن تُعبّر عن مواقف فيها نوع من التشدّد أو الضيق، وهذه الاتجاهات هي محدودة في الحقيقة من حيث العدد ولا تُمثّل اتجاها عاما بالمرة، ولكن هي موجودة ويُسمع صوتها وخاصةً من خلال مواقع الإنترنت أو غيرها فهذا طبعاً له أثر، طبعاً الأثر الخارجي كما كنا نقول الأحداث لها أيضاً تأثير لكن أعتقد هناك أسباب أخرى تعود إلى طبيعة المجتمع، الآن الأزمة الاقتصادية التي لا تزال ترزح تحتها المجتمعات الغربية لها أثرها كذلك لأنه في أجواء الأزمات الناس دائماً يلتفتون للبحث عن السبب أو المسؤول عن هذا الأمر، ربما هناك أيضاً أسباب متعلقة بوجود بعض المسلمين وبعض القيادات الإسلامية التي بدأت تظهر سواءً في المجال السياسي أو على مستوى مجالات مختلفة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية هذا ربما أزعج البعض الذين لا يريدون لهؤلاء أن يكون لهم مثل هذه المواقع، وربما أُضيف أمرا آخر أيضاً له أثر وهو نوع من تنامي التعاطف مع القضية الفلسطينية، أعتقد هذا التنامي اليوم سواءً في أوساط الشباب المسلم الذي هو شباب أوروبي أو في أوساط عدد من المفكرين والمثقفين الغربيين جعل بعض الجهات التي هي لا تريد لهذا التعاطف أن يظهر تُحذر من الخطر الإسلامي وتريد أن تحد من هذه الظاهرة التي يمكن أن تؤدّي إلى نوع من التعاطف مع القضايا الإسلامية أو القضايا العربية والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.

دوافع الجهاديين الأوروبيين

عبد القادر عيّاض: دكتور أحمد المُثار الآن في الدول الغربية وعن ذهاب الكثير من الشباب من الدول الغربية بمن فيهم بعضهم أصولهم حتى أوروبية للجهاد خارج أوروبا في أماكن مثل سوريا وغيرها، والحديث عن مسألة الإسلاموفوبيا فيما يتعلّق بالأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب إلى الخروج من هذه الدول والذهاب للجهاد، هل للتعاطي في إطار الإسلاموفوبيا علاقة في دفع هؤلاء الشباب ربما بحثاً عن انتمائهم بحثاً عن خصوصيتهم في أماكن أخرى والتعبير عنها عن طريق العنف كما يُوصف؟

أحمد جاب الله: هذا صحيح ولذلك هناك الآن ندوات كثيرة تُعقد، أنا شخصيًّا شاركت منذ أسبوع في ندوة عُقِدَت في بروكسل والأسبوع الماضي أيضاً في نهاية الأسبوع كنا في ندوة أخرى فيها عدد من المفكرين المسلمين والمسيحيين وبعض الباحثين في مدينة ستراسبورغ في شرق فرنسا، وكان هذا الموضوع من الموضوعات التي تُبحث لا شك أنّ هذا الشباب المسلم وإن كانوا هم مئات ولكن هذه المئات تُعتبر عددا غير قليل تذهب الآن إلى ساحات المعارك والقتال في سوريا أو في العراق تُشكّل هاجسا وخوفا لأنّ السؤال هؤلاء إذا عادوا بعد ذلك بأي عقلية سيعودون؟ وخصوصاً أنّ قسما من هؤلاء هم من معتنقي الإسلام، ولعلّكم سمعتم عندنا بفرنسا مررنا بصدمة عنيفة لما اكتُشِف أنّ اثنين من الذين قتلوا وذبحوا الرهائن في الفترة الأخيرة اثنان منهم من الفرنسيين معتنقي الإسلام، فهذه الظاهرة طبعاً لها أسباب والباحثون المنصفون يقولون فعلاً ينبغي أن نتعمّق في دراسة ظاهرة هؤلاء الشباب الذين يخرجون اليوم من البلاد الأوروبية ويخوضون هذه المعارك وينضمّون إلى صفوف المقاتلين، أليس المجتمع أيضاً يتحمل مسؤولية في أنه لم يستوعب هؤلاء الشباب؟ هناك دراسة قام بها أحد الباحثين البلجيكيين الحقيقة في غاية الأهمية وتقول بأنّ الكثير من هؤلاء مع الأسف يُعانون من الفشل الدراسي هم في حالة بطالة لا يجدون عملا لا يجدون موقعا لهم في المجتمع عندهم أزمة هوية كذلك، والغريب أنّ كثيرا من هؤلاء الشباب في الدراسات التي عُملت كثير منهم ليس لهم أي علاقة بالمساجد ولا يرتادون المساجد أصلاً، وإنما خروجهم وذهابهم والتحاقهم بساحات القتال هو نوع من البحث عن الذات والتعبير عن أنفسهم من خلال هذه التجربة السيئة مع الأسف التي يخوضونها، وبالتالي القضية لا شك أنها معقدة وفي نفس الوقت نحن نُشير إلى أنّ هذا الأمر مُقلق وينبغي العمل على إنهاء هذه الظاهرة، لكن لا شك أنّ الأسباب تحتاج إلى نظر ومعالجة.

عبد القادر عيّاض: إلى أي مدى تُساهم القوانين التي تُسن هذه المرة في الدول العربية في إطار مكافحة ما يُسمّى الإرهاب وحتى اللقاءات بين زعماء عرب ونظرائهم من الأوربيين والدول الغربية؟ دائماً التركيز على مسألة مكافحة الإرهاب وتصنيف منظمات بحسب هذا البلد وذاك على أنها منظمات إرهابية تُساهم في تكريس هذه النظرة لدى المسؤول الغربي فيما يتعلّق بالتعاطي مع ظاهرة الإسلام والمسلمين.

أحمد جاب الله: هذا مع الأسف من الممارسات الخاطئة التي في النتيجة لن تحل المشكلة بل ستزيدها تعقيداً، وأنا أعتقد أنّ الدول الأوربية على الرغم من وجود أحياناً بعض الممارسات التي نعتبرها فيها نوع من التضييق لكن أعتقد الموقف العام هو موقف متعقّل ولا يريد أن يخلط الأوراق وأعتقد السياسيين عموماً دائماً يقولون لا نريد أن يكون هناك خلط بين مَن يتبنّى العنف ولو أعلن أنه يتبناه باسم الإسلام أو الإرهاب وبين عموم المسلمين والمؤسسات الإسلامية، المؤسسات الإسلامية المعتدلة والتي هي الأساس في العمل الإسلامي عموماً في الساحة الأوروبية والغربية عموماً بالعكس أقول هي صمّام الأمان من أجل سد الطريق وقطع الطريق عن هذه التوجُّهات المغالية والمتطرفة، وهذا أمر تُدركه فعلاً المؤسسات الأوروبية ولذلك نحن وجدنا أنّ الحكومات الأوروبية عندما اتهمت عدد من المؤسسات المعروفة في الساحة الأوروبية كان ردُّها واضحاً ونحن نعرف هذه المؤسسات ونتعامل معها ونتعاون معها وليست متهمة ولا يمكن أن تكون متهمة بأي عمل إرهابي أو عمل عنف، ولذلك نحن نود الحقيقة أنّ القضايا السياسية التي تهز بعض البلاد اليوم لا ينبغي مع الأسف أن تُستخدم استخداما سيئا لأنّ هذا مع الأسف سيكون له انعكاسات سلبية على الجميع مع الأسف.

عبد القادر عيّاض: ولكن يُتّهم أيضاً المسلم بأنه لا يندمج في المجتمعات الغربية ويعتقد بأنّ اندماجه معناه ذهاب لمعتقده وذهاب لثقافته، ألا يُشكل هذا أيضاً جزءا مهما من عدم تفهُّم المجتمعات الغربية لمواطنيها من المسلمين؟

أحمد جاب الله: هذه الظاهرة موجودة ولكن في الحقيقة أقول أنّها ظاهرة محدودة من حيث العدد وهي في تناقص، هناك طبعاً بعض الشرائح التي تعيش نوعاً ما على هامش المجتمع أو تخشى من الاندماج أنّه يؤثّر عليها في التزامها بهويتها الإسلامية أو كذا، ولكن أعتقد أننا نحن الآن خصوصاً مع ظهور الأجيال الجديدة التي هي أجيال نشأت في ظل هذه المجتمعات ومتشبّعة بثقافة المجتمع وليس لها أي صعوبة في التعامل مع المجتمع من حيث اللغة ومن حيث معرفة الأوضاع الثقافية والاجتماعية، أعتقد هذه الظاهرة ستكون في انحسار ولكن هي مرتبطة أيضاً بمدى قدرة المجتمع على أن يُتيح جميع الفرص لجميع فئات المجتمع حتى يكون لها موقعها في المجتمع لأنّ الشاب الذي لا يجد موطن عمل الآن الباحثون يقولون من أقوى وسائل اندماج الإنسان في المجتمع هو العمل، الإنسان الشاب الذي اليوم هو يدرس وربما يكون له شهادات عليا وتخصّص في مجالات جيدة ولكن لا يجد نفس الفرص التي تُتاح لغيره سيجد نفسه غصبا عنه على هامش المجتمع، وبالتالي نحن نقول أنّ من مسؤولية المسلمين نعم أن يدفعوا نحو الانفتاح ونحو التواصل وهذا الذي تدعوا له المؤسسات الإسلامية بشكلٍ عام ولكن أيضاً من واجب المجتمع أن يُوفّر كل الفرص لدمج هؤلاء الشباب.

عنصرية في إطار التجريم للإسلام

عبد القادر عيّاض: يشتكي المسلمون في الدول الغربية بأنّ التعامل معهم في بعض وكثير من الحالات يرقى إلى مرتبة العنصرية في إطار الإسلاموفوبيا، هل هناك مسعى أن تُصنّف الإسلاموفوبيا كحالة من حالات التمييز العنصري كالذي كان يحدث مع معاداة الساميين إلى غير ذلك؟ هل هناك مسعى لتجريم الإسلاموفوبيا في الدول الغربية؟

أحمد جاب الله: والله هناك مساعٍ بهذا الاتجاه واللقاءات التي ستُعقد يومي 12 و13 وهي مؤتمرات في العديد من العواصم الأوروبية والغربية عموماً من أجل فعلاً التنبيه لخطر الإسلاموفوبيا وأنّ هذا التمييز الذي يُمارس ضد المسلمين ليس في مصلحة المجتمع ككل، نحن نريد المجتمع المتماسك، المسلمون هم جزء من هذه المجتمعات الغربية ويعملون لصالحها ويريدون أن يكونوا مواطنين صالحين وبالتالي أي تمييز لن يُساعد على تحقيق هذا الانسجام وهذه الوحدة والعيش المشترك في المجتمع، هناك عدد من الدول الغربية أصبح عندها نوع من الاهتمام والاعتبار لمسألة الإسلاموفوبيا، مثلاً في فرنسا هناك لجنة في المجلس الفرنسي الديانة الإسلامية هي عبارة عن مرصد يرصد أعمال الإسلاموفوبيا وهي تعمل باتصال مباشر مع وزارة الداخلية من أجل تنبيه الدولة إلى كل ممارسات أو تجاوزات تحصل في هذا المجال، ولكن أعتقد ليس الأمر يسيرا أن تُصبح قضية الإسلاموفوبيا كقضية تدخل في القوانين العامة أعتقد ما زلنا دون ذلك، ونحن نأمل أنّ هذه الظاهرة تنحسر وتزول ولا حاجة لنا إلى أن يكون هناك قانون خاص بالإسلاموفوبيا..

عبد القادر عيّاض: ولكن دكتور أحمد الآن الواقع كما ذكرته قبل قليل الوضع الاقتصادي في أوروبا يتراجع، عودة لليمين ولأقصى اليمين، علو صوت الحركات الموصوفة بأنها متطرّفة ونازيّة، الوضع خارج أوروبا والدول الغربية أيضاً الصوت العالي هو صوت الحركات المتشدّدة وبالتالي ماذا عن مصير العرب والمسلمين في الدول الغربية في ظل تنامي وتفاقم وتغذية أكثر لظاهرة الإسلاموفوبيا؟

أحمد جاب الله: أعتقد نحن سنمر لا شك بفترات فيها شيء من التشنج والصعوبة خصوصاً مع عدم استقرار الأوضاع في العالم الإسلامي وفي الشرق الأوسط على الخصوص، ولذلك نحن مما نقوله للمسؤولين في أوروبا أنّ القضايا الساخنة اليوم قضية سوريا وقضية العراق والقضية الفلسطينية وكل هذه القضايا الحارقة إذا لم يكن هناك تحرك للمجتمع الدولي بطريقة صحيحة لحل هذه المشكلات فهذا بلا شك سيكون له انعكاسات أخرى، ولكن نحن نقول نحن في بلاد يظل فيها قانون كما أنّ هناك اليوم رغم هذه الموجة التي نراها من حين لآخر في أوساط المفكرين وأوساط عدد من قادة الرأي والإعلاميين مَن ينتفض أيضاً ويقول آن الأوان أن نوحد صفوفنا وأن نلتقي، وهذا الجو موجود أيضاً ويجب أن نعكس أنّ هناك اليوم فئات كثيرة من أبناء المجتمع الغربي والمجتمعات الأوروبية لا أقول من المسلمين حتى من غير المسلمين يشعرون بأنّ الاتجاه نحو هذا التقسيم للمجتمع ليس فيه مصلحة أحد والعكس هو أن نُقر هو أنّ العدالة..

عبد القادر عيّاض: ماذا عن مسؤولية الحكومات العربية والمسلمة فيما يتعلّق بصورة وواقع ومستقبل أبنائها في الدول الغربية، ماذا عن هذه المسؤولية؟

أحمد جاب الله: والله لا شك أنّ الدول العربية والإسلامية لها مسؤوليات، وأنا أقول ينبغي لهذه الدول أن يكون لها رأيها وموقفها وينبغي أن لا تُساهم بطريقة أو بأخرى في تعكير الصورة، على العكس أنا أعتقد أنّ الوجود الإسلامي والعربي عموماً - بحمد الله تعالى وجود متنامٍ وأصبح يحتل مواقع في هذه المجتمعات، فنريد منهم دعماً لهذا الوجود وليس صورة تزيد من تعكير الوضع وتُعطي انطباعا سيئا، لأنه مع الأسف بعض الأحزاب اليمينية التقطت هذه الاتهامات لبعض المؤسسات بأنها مؤسسات إرهابية أو غيرها وقالت شهد شاهد من أهلها، إذا كنا نحن نسمع هذا من دول عربية فلماذا تلوموننا أن نتهم المسلمين بالإرهاب أو العنف؟ ولذلك أقول أرجو أن تكون هذه الدول لها موقف إيجابي.

عبد القادر عيّاض: أدركنا الوقت، أشكرك دكتور أحمد جاب الله مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس والنائب السابق لرئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي إلى اللقاء بإذن الله.