أي إطلالة سريعة على مسار الأحداث في بلدان عربية عدة، تنطق بأن ممارسات أجهزة الأمن القمعية لم تحم ما تسميه هذه الدول "الأمن القومي".

حلقة (10/12/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على علاقة التطرف والاضطراب السياسي في المجتمعات العربية بتفشي التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان في أقبية المعتقلات.

جاءت الحلقة وما زالت ردود الفعل تتوالى حول الفضيحة المدوية التي فجرها تقرير مجلس الشيوخ الأميركي الذي كشف عن ملف التعذيب في المعتقلات الأميركية لمعتقلين على صلة بتنظيم القاعدة.

وكان السؤال: متى تصل المؤسسات العربية إلى خلاصات كتلك التي وصل إليها تقرير مجلس الشيوخ الأميركي بأن استخدام تقنيات "الاستجواب المشددة التي اعتمدتها الوكالة بعد أحداث "11سبتمبر" لم يسمح بإحباط تهديدات وشيكة بتنفيذ اعتداءات".

محمد الشيخلي:
الجمهوريات الدكتاتورية العربية يغيب فيها نظام المساءلة، حيث يتمسك المسؤول بحصانة "لا يستحقها"

إرهاب الدولة
أما الحال في العالم العربي، ولدى افتراض أن تقريرا كتقرير الشيوخ الأميركي سيصدر هنا، فإنها ستوصف مباشرة على لسان مدير المركز الوطني للعدالة في لندن محمد الشيخلي بأنها "إرهاب دولة".

فالمنطقة العربية -كما يضيف الشيخلي- بسبب "الجمهوريات الدكتاتورية" تمر بمرحلة سيئة لم تشهدها من قبل، لأن الأنظمة في الأصل بُنيت على واقع انتهاكي للإنسان العربي، أوصلته إلى اليأس من احتمال رؤية ضوء في نهاية النفق.

وأوضح أن الأجيال التي تخرج من أقبية السجون العربية تعاني من انكسارات، مشيرا إلى أن التطرف متوقع نتيجة ما يمارس بحقها، لافتا إلى أن دور الهيئات الحقوقية يكشف فقط، وبالتالي فهو دور غير منتج.

ورأى الشيخلي أن الدول العربية يغيب فيها نظام المساءلة، حيث يتمسك المسؤول بحصانة "لا يستحقها"، بل يوظف في خدمته ما قال إنه محامي الشيطان، ضاربا مثلا على ذلك بوزارة حقوق الإنسان في العراق التي غطت على انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان في ولايتي رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

بدوره، تحدث رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني السوري هيثم المالح عن مرسوم تكاد تنفرد به سوريا دون دول العالم "يشرعن" التعذيب والقتل.

video

مرسوم رقم 16
ويضيف أنه بعد "استيلاء حزب البعث على السلطة" صدر مرسوم سنة 1969 يحمل الرقم 16 يقول إنه إذا ارتكب أحد عناصر الأمن جريمة أثناء تأدية مهامه لا يمكن مساءلته إلا إذا وافق رئيسه.

وفي بداية عهد الرئيس السوري بشار الأسد، رفع المالح مذكرة للرئيس الجديد آنذاك يقول فيها "كيف يوصف القانون فعلا ما بأنه جريمة" ثم يمنع المجرم بأن يساق للقضاء، مشيرا إلى كتاب أصدره عام 2011 بعنوان "سوريا.. شرعنة الجريمة".

وحول علاقة الاستبداد بالتطرف، قال إن سوريا لم تعرف منذ الاستقلال أي تطرف في القواعد العامة الاجتماعية، إلى أن جاء حزب البعث ومارس سادية التعذيب وقتل عشرات الآلاف من المعتقلين تحت التعذيب أو جوعا في الزنازين.

وبين أن الرئيس السابق حافظ الأسد عقب تسلمه السلطة عام 1970 تصدى للنقابات، وأودع مسؤوليها السجون، وقتل سبعين ألف مواطن، ودمّر ثلث مدينة حماة، مشيرا إلى أن سجن تدمر وحده قُتل فيه 15 ألف معتقل.

وتساءل: ماذا سيكون رد الفعل لدى المواطن بعد هذا؟ مضيفا أن الأنظمة العربية لا تعرف السياسة، ولا تسترشد بالحكمة التاريخية التي اشتهرت بـ"شعرة معاوية"، بل تعرف فقط الحذاء العسكري والقتل.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: أي مواطن عربي تخرجه أقبية المعتقلات؟

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

-   محمد الشيخلي/ مدير المركز الوطني للعدالة في لندن

-   هيثم المالح/ رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني السوري

تاريخ الحلقة: 10/12/2014

المحاور:

-   التعاون الأمني بين أميركا ودول عربية

-   التطرف وعلاقته بتفشي التعذيب

-   أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم في هذه الحلقة من "الواقع العربي" التي نسلّط فيها الضوء على علاقة التطرف والاضطراب السياسي في المجتمعات العربية بتفشي التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان في أقبية المعتقلات.

أيُّ إطلالةٍ سريعة على مسار الأحداث في بلدانٍ عربية عدة تنطق بأن ممارسات أجهزة الأمن القمعية لم تحمِ ما تسميه أمن هذه الدول القومي، لكن هل فرضت ثورات الربيع العربي على أجهزة الأمن والسلطات احتراماً تاماً لحقوق المواطنين وحرياتهم؟ الواقع أيضاً ينطق بالنفي ويؤكد استمرار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاقٍ ربما أوسع من ذي قبل وتكشف وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير مختلفة عن توجه نشطاء ممن راهنوا على التغيير السلمي إلى الانتماء إلى التنظيمات المتشددة، وإذا كان تقرير مجلس الشيوخ الأميركي قد أكد أن ممارسات الاعتقال والتعذيب التي انتهجتها وكالة الاستخبارات المركزية لم تكن مجدية في الحفاظ على الأمن القومي الأميركي فإن التساؤل المثار هو متى تصل المؤسسات الأمنية العربية إلى خلاصةٍ كتلك، نناقش التقرير بعد متابعة التقرير التالي.

[ تقرير مسجل]

محمد الطيب: هل كان انتهاج أساليب وتقنيات التعذيب التي استخدمتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية فعّالة في الحصول على معلوماتٍ وتعاونٍ من قبل المستجوبين أو إنها كان لها فضلٌ في تحقيق أمنٍ واستقرار؟ الإجابة حسب تقرير مجلس الشيوخ الأميركي الأخير أنها لم تكن مجدية بل إنها في بعض الأحيان هددت مهماتٍ تتعلق بالأمن القومي، هكذا قيّم الكونغرس الأميركي أساليب التعذيب التي عُمل بها في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش بأنها خالفت منظومة القيم الأميركية والإنسانية وكلفت البلاد أضراراً على مستوياتٍ مختلفة وهكذا بدا التعذيب للكونغرس أن ضرره كان أكثر من نفعه، وفي السنوات الأخيرة ازدادت مظاهر التعذيب وتعددت أساليبه حول العالم وذلك مع اشتداد وتيرة الأزمات وغياب العدالة والمساءلة ورغبة أنظمةٍ قمعيةٍ في بسط نفوذها بالترهيب والقوة، ووفق منظمة العفو الدولية فإن 79 دولةً ما تزال تمارس التعذيب في بلادها وتتخذه نهجاً في انتزاع اعترافٍ أو معلومةٍ أو كإجراءٍ تأديبي لكن قليلاً من هذه الممارسات ما يخرج إلى العلن فيوصم بالعار وتتوالى ردود استنكاره وإدانته وكثيراً منها ما يظل محجوباً عن الأنظار في بطون أقبيةٍ وسجون سرية يتجرع ضحاياها كؤوس الألم يقاسمهم في ذلك أسرهم خوفاً وقلقاً على حالهم، ومن هنا تتأتى رغباتٌ ودوافع لرد الاعتبار وقد تتعداه إلى ما هو أبعد من ذلك عنفاً وانتقاما إذ ربطت كثيرٌ من الدراسات الاجتماعية بين التطرف والقمع المتسلط وصنفته مورداً من موارد تنامي التطرف وأحد الأسباب المغذية لتزايد مظاهر العنف أو الإرهاب كما هي في الحالة السورية حيث كان القمع العنيف للمتظاهرين السلميين وممارسات التعذيب من الأسباب الرئيسة لتحول الثورة السورية إلى مسار العنف المسلح، بل إن التعذيب بأساليبه الوحشية وإن كان أداةً يعتبرها عدد من الأنظمة القمعية والاستبدادية سبيلاً لإلجام الأفواه أو ترهيب الناس بدعوى تحقيق الأمن والاستقرار فإنه كان سبباً أيضاً في قيام ثوراتٍ ونشوء حركاتٍ وتنظيماتٍ سريةٍ كانت أو مسلحة، ففي مصر مثلاً تحول مقتل شابين خالد سعيد وسيد بلالي تحت التعذيب إلى رمزين لثورة يناير كما أن ممارسات أجهزة الأمن المصرية في رأي البعض قدمت ذرائع لجماعة أنصار بيت المقدس لتصعيد عملياتها في سيناء ولا تزال الذاكرة الجمعية المصرية تختزن اسم جماعة التكفير والهجرة التي بدأت فكرةً في المعتقلات المصرية، ونتيجةً لذلك قد تخسر أوطان وقد يتفرّق شملٌ كان ملتئماً يوماً ما وكان بالأحرى أن تسخر فيه طاقات السلطة والأنظمة في تحقيق العدالة والمساواة وتوفير فرص وطرق العيش الكريم بدلاً من دفع حراك مجتمعاتها بالقهر والتعذيب إلى سلوك الدروب الوعرة والقاسية في بلوغ مقاصدها.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: لمناقشة موضوع حلقتنا ينضم إلينا من لندن الدكتور محمد الشيخلي مدير المركز الوطني للعدالة في لندن ومن بروكسل ينضم إلينا هيثم المالح رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني السوري مرحباً بكما، دكتور الشيخلي هذه الفضيحة المدوية التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية خلقت حالة من الصدمة ويعني أثارت سيلاً من الإدانات السياسية والحقوقية وليس بعيد أن تطيح برؤوس، ماذا لو غيرنا الفاعلين والمفعول بهم وغيرنا العناوين والجغرافيا بالمرة وتخيلنا للحظة أن مثل هذه التقارير صادرة عن مؤسسات وهيئات رسمية عربية تكشف المستور أو بعض من هذا المستور فيما يجري في سجون ومعتقلات الأنظمة العربية، كيف ستكون الصورة؟

محمد الشيخلي: نعم الحبيب بالتأكيد نحن لا نتحدث عن دولة فاشلة كجمهورية الصومال أو ألاعيب القراصنة وانتهاكاتهم، نحن نتحدث من المفترض عن دول ذات أهمية إستراتيجية في المجتمع الدولي كالولايات المتحدة الأميركية وبقية أعضاء الأمم المتحدة التي أنشأت والتزمت بكل المواثيق والعهود والصكوك المتعلّقة بحقوق الإنسان، المشكلة الأساسية أن في هذه الانتهاكات وخاصةً كدولة كالولايات المتحدة الأميركية هذا يعتبر وضع كارثي ومؤلم فعلاً لأن أميركا وهي القدوة من المفترض للمجتمعات الديمقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان نجدها هي أكثر الدول التي تستبيح لنفسها أن تنتهك واقع حقوق الإنسان كما جرى ويستذكر الجميع في سجن أبو غريب بعد الاحتلال الأميركي للعراق بعد 2003 في استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً في معركة الفلوجة، ما يجري في كثير من المناطق العربية، لو أخذنا قياساً أن الولايات المتحدة الأميركية تُقر وتعترف أمام المجتمع الدولي أنها تنتهك واقع حقوق الإنسان فما بالك بالأنظمة الجمهورية وأيضاً من المفترض أنها أنظمة مؤسساتية بُنيت على واقع الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان من خلال ما يتعرّض له المواطن العربي في ظِل هذه الأنظمة الجمهورية وهي الدكتاتورية بين مزدوجين، الواقع مؤلم وكارثي وحزين في المنطقة العربية وهنالك يعني يأس كبير من المواطن العربي في أن يرى ضوءاً في نهاية النفق المظلم لهذه الانتهاكات من الاعتقالات التعسفية من الاستخدام السادي لوسائل التعذيب من الاعتقالات وإلى الكثير حقيقةً من الواقع المؤلم الذي يجري في أقبية وسجون جمهوريات الدول العربية، لدينا واقع مأساوي وكارثي أنا أعتقد بأن المنطقة تمر بأسوأ مرحلة لانتهاكات حقوق الإنسان لم تشهدها المنطقة العربية من قبل.

التعاون الأمني بين أميركا ودول عربية

الحبيب الغريبي: سيد هيثم هناك دول عربية يعني ربما أتحفّظ على ذكر أسماءها هي الوجهة المفضلة للاستخبارات الأميركية في فترةٍ ما ولست أدري إن كان هذا البرنامج أو هذا التعاون مستمر في برنامج ما يُسمى بالترحيل والتعذيب، يعني ما المختلف في أساليب الاستجواب والتعذيب في هذه الدول يعني بين قوسين ما المميز في فلسفة التعذيب في هذه الدول؟

هيثم المالح: تحيةً لكم وللإخوة المشاهدين والرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا الحقيقة يعني قد تكون سوريا تنفرد دون دول العالم كله بأنها شرعنة التعذيب، شرعنة القتل إحنا لدينا في قانون العقوبات في نصوص تُحرّم التعذيب ولكن جاءت نصوص أخرى بعد استيلاء حزب البعث على السُلطة وخاصة المرسوم التشريعي رقم 16 الصادر سنة 1969، المادة 14 من هذا المرسوم تقول: "إذا ارتكب أحد عناصر الأمن جريمة أثناء تأديته مهامه لا يُمكن مساءلة عليها إلا إذا وافق رئيسه"، يعني بمعنى أعطي التحصين وحصانة لمن يرتكب قتل بأي جريمة اعتباراً من التعذيب وانتهاءً بالقتل حتى لا يُساق إلى القضاء والقضاء لا يستمع إلى دعواه باعتبارها خالية من موافقة الرئيس المجرم، أنا شخصياً قدمت مذكرة لبشار الأسد في أول عهده قلت كيف يوصّف القانون فعل معيّن بأنه جريمة بالقانون ولا تحذف هذه المادة يعني، فإذن نحن..، أنا أصدرت كتاباً في 2011 عنوانه سوريا شرعنة الجريمة ففي سوريا الجريمة مغطاة بقانون تمنع على المحاكم مساءلة المجرمين هذه واحدة، الأمر الآخر في سوريا ليس فقط المحتجزين سياسياً في فروع الأمن، الأمن السياسي ولا المخابرات وما سوى ذلك وإنما التعذيب يطال حتى المجرمين العاديين حتى من تنسب إليهم جرائم عادية مثل السرقة وأي شيء آخر، في 2009 قُتل 3 أشخاص تحت التعذيب في فرع الأمن الجنائي، في 2010 قُتل 9 أشخاص تحت التعذيب في فرع الأمن الجنائي وهو ليس من فروع الأمن، فالصورة واضحة لكن أنا أريد أن أقول هنا في مسألة كثير مهمة الولايات المتحدة الأميركية بعد 11 سبتمبر استعانت بدول كثيرة ومنها الدول العربية ومنها سوريا بالتحديد فسلّمت سوريا بعض المعتقلين بداعي أن لديهم صلات بالقاعدة مثل ماهر عرار على سبيل المثال والذي اشتغلت في قضيته أنا شخصياً 9 أشهر في دمشق حتى أُطلق سراحه ومارسوا عليه أبشع أنواع التعذيب، كان يتمنى الموت ثم أُفرج عنه بعد 9 أشهر وهو سلّم إلى سوريا إلى النظام السوري عن طريق الأردن يعني طائرة أميركية أحضرته من مطار Kennedy GF إلى مطار عمّان استلمته المخابرات الأُردنية بقي هناك 24 ساعة ثم الأُردن سلّمته إلى المخابرات السورية، وعدد من الحوادث المشابهة وأنا اشتغلت فيها، فعلى كل الأحوال الولايات المتحدة الأميركية إحنا لدينا الآن الرئيس باراك أوباما في حملته الانتخابية قال سيغلق سجن غوانتانامو اللي هو سجن خارج منطوق العدالة وخارج الحقوق وخارج أي شيء آخر حتى الآن لم يستطع باراك أوباما إغلاق سجن غوانتانامو وفيه العديد من الناس المعتقلين من غير محاكمة ومن غير تهمة.

الحبيب الغريبي: طيب أعود إلى الدكتور الشيخلي دكتور يعني أحياناً عندما تُحشر بعض هذه الأنظمة العربية في الزاوية تقول بأن هذه الممارسات يعني ممارسات التعذيب بالنهاية هي لتأمين الأمن القومي للبلد وتحقيق الاستقرار، إلى أي حد فعلاً مثل هذه الممارسات أدت عبر التاريخ الحديث للأنظمة الرسمية العربية إلى تحقيق هذا الهامش من الاستقرار ومن تأمين الأوطان؟

محمد الشيخلي: أعتقد أن هذا تبريرا غير مقبولاً على الإطلاق وفقاً لقواعد القانون الدولي والمعاهدات والصكوك الدولية المتعلّقة بحقوق الإنسان، هكذا حُجج تطلقها دائماً الدول، دول الجمهوريات الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير أفعالها السادية الذي يُعاني منه المواطن وهو إرهاب الدولة الذي يُعانيه حقيقةً المواطن العربي هو تقنين الإرهاب بموجب قوانين هذه الدول وبالتالي يكون الضحية المواطن، لدينا قوانين في أغلب الدول العربية قد تكون قوانين شبه ملائكية ولكنها في تطبيقاتها شيطانيةٌ بامتياز، ما يجري حقيقةً من انتهاكات من قمع للتظاهرات من قتل للمتظاهرين من إيداعهم السجون دون علم ذويهم من استخدام أساليب التعذيب السادي بحقهم هذه انتهاكات وهذه وصمة عار في جبين هذه الدول التي تدعي أنها تمثّل المواطن تحت يافطة الجمهوريات كما ذكرنا، أنا أعتقد أن المشكلة الأساسية ابتداءً هي سكوت الغرب من خلال استخدامه لما يُسمى بالتخادم الاستراتيجي والمخابراتي والبوليسي كما ذكر الأستاذ المالح هنالك نقل لكثير من المعتقلين من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالطائرات سراً إلى أقبية السجون العربية حتى تكون أميركا بمنأى عن المساءلة رغم أن أميركا كما يعلم الجميع لا تخضع لولاية المحكمة الجنائية الدولية هي تمنح نفسها وتمنح جنودها وتمنح رعاياها ما يُسمّى بالحصانة الملكية أنهم مصونون غير مسؤولون وبالتالي الضحية الأساسية كما حدث في غوانتانامو خارج أُطر القوانين الأميركية وما يحدث في سجون الدول العربية أنا أعتقد أن هذا واقعٌ مؤلمٌ وكارثي بامتياز نتيجة الروح السادية التي تتمتع بها هذه الأنظمة تجاه مواطنيها وشعوبها.

التطرف وعلاقته بتفشي التعذيب

الحبيب الغريبي: سيد هيثم هناك سؤال مركزي في هذا السياق وسؤال حول مدى وجود سببية مبررة وربما متمظهرة في الواقع بين هذه الانتهاكات بين هذه الممارسات للتعذيب وتنامي التطرّف فكراً وممارسة؟

هيثم المالح: نعم يا سيدي الحقيقة الأنظمة الاستبدادية القمعية هي من تولّد التطرف، على سبيل المثال أنا أريد أن أقول عن سوريا بالتحديد نحن لم نعرف في تاريخنا منذ الاستقلال حتى مجيء البعث أي تطرّف في القواعد العامة الاجتماعية، الشعب السوري شعب وسطي لا يؤمن لا بأقصى الشمال ولا بأقصى اليمين، جاء هذا الحكم الذي مارس ليس التعذيب كما قال صديقنا من لندن مارس سادية التعذيب، كما علمتم يعني الآن لدينا نحن الشعب السوري دفع عشرات الآلاف من المساجين قتلوا تحت التعذيب أو جوعاً في الزنازين أو جوعاً في السجون، الآن الشعب السوري محاصر، محاصر يموت جوعاً ملايين السوريين محاصرين يموتون جوعاً والتعذيب يُمارس على أوسع نطاق في السجون، الآن حافظ الأسد كما هو معلوم لما بدأ حكمه بـ1970 وجاءت أحداث عديدة وخاصةً في الثمانينات حينما تصدى للمنظمات المجتمع المدني ومنها نقابات المحامين فحلها وأودع المسؤولين عنها في السجون وكنت واحداً منهم، هذا ما خلق تطرّف، قُتل في أيام حافظ الأسد 70 ألف مواطن ودمّرت ثلث مدينة حماة وكان في السجون 50 ألف معتقل وفي سجن تدمر وحده قُتل أكثر من 15 ألف سجين، هل ننتظر إذا شخص فقد أباه أو أخاه أو أمه أو أخته أو ابنه في السجون ظلماً وعدواناً ماذا سيكون رد الفعل؟ في مقولة مشهورة عن معاوية بن أبي سفيان شعرة معاوية يقول "إن كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، إذا شدوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها" هذه السياسة، الأنظمة الاستبدادية العسكرية في عالمنا العربي لا تعرف السياسة، تعرف منطق البسطار والقتل أنتم تشاهدون على شاشات التلفاز وفي كل مكان كيف يُعتقل مواطنون في الشوارع في سوريا وكيف يضربونه عشرات الأشخاص 10 أو أكثر من 10 أشخاص يضربون شخصاً واحدا حتى إذا أنهكه التعب رموا عليه دولاباً أو حجراً أو أي شيء ليقتلوه، هذا التعذيب خارج السجون، أمّا في السجون فحدث ولا حرج تبدأ من العصا وانتهاءً بقلع الأظافر وتقطيع الأوصال وكل الموبقات وكل أنواع سادية التعذيب يمارسونها في سوريا بلا رادع.

الحبيب الغريبي: نعم من واقع السجون يعني في الحقيقة كُتبت كُتب وروايات تحدثت عن هذه النفسيات المنكسرة التي عانت من التعذيب سنوات ثم تخرج إلى المجتمع وتصطدم بعذابات أخرى أيضاً وتجد صعوبة وربما استحالة في عملية الاندماج مجدداً في المجتمع، دكتور الشيخلي يعني ما دور المجتمع أيضاً سواء كان مؤسسات مجتمع مدني أو حتى أفراد في الإحاطة بهؤلاء وجعلهم يندمجون في أوساطه بدل ربما أن يتجهون اتجاهات أخرى؟

محمد الشيخلي: أنا أتفق مع هذه الرؤية نعم لدينا أجيال خرجت من السجون تعاني من أمراضٍ ومن انكساراتٍ نفسية لا تعد ولا تحصى نتيجة ما شاهدت وما مورس بحقها داخل الأقبية وسجون الأنظمة العربية وبالتالي أنا أعتقد مهما مارست المنظمات والهيئات المهتمة بحقوق الإنسان دورها فهي منظماتٌ كاشفةٌ غير منتجة لأنها ليست صاحبة القرار النقطة الأساسية هي غياب نظام المساءلة في هذه الدول العربية وبالتالي عندما يتمسّك المسؤول العربي بالحصانة ويمنح نفسه حقيقة هالةً لا يستحقها بعدم مساءلته عن كل هذه الجرائم التي يصل قسم كثير منها إلى جرائم ضد الإنسانية تخضع إلى ما ورد في نظام روما لعام 1998 وولاية المحكمة الجنائية..

أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم

الحبيب الغريبي: ولكن ألا ترى معي دكتور بعد إذنك يعني ألا ترى معي أن هناك أيضاً حلقة أو حلقات مفقودة بين هذه العلاقة حاكم ومحكوم أتحدث عن المجتمع المدني أتحدث عن المؤسسات الأهلية وأتحدث أيضاً عن ربما عقليات موجودة قد يعتقد البعض أن المجتمعات العربية لديها قابلية نسبية لمثل هذه الممارسات وإلا فإنها لن تكون يعني صابرة عليها على مدى عقود وسنوات.

محمد الشيخلي: أنا لا أعتقد أن عقلية الحاكم في الدول العربية تحتمل ما ورد من مبادئ نبيلة وسامية في اتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان وبالتالي ترى أن هذا الحاكم مهما كانت خلفيته قد يستخدم الأمور شكلياً في تبييض نظام حكمه كما لدينا في العراق لدينا وزارة لحقوق الإنسان تمارس دور محامي الشيطان وهي دائماً تصدر تقاريرها أمام العالم دفاعاً عن الانتهاكات التي تجري من قبل النظام في العراق وخاصةً ما جرى في ولايتي نوري المالكي الأولى والثانية من انتهاكات لا تعد ولا تحصى بحق المواطن العراقي هنالك للأسف بون شاسع بين عقلية الحاكم العربي وما بين دور مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، هذا الخندق الموجود بين الطرفين لا نستطيع حقيقةً أن نوجد نقاط تلاقي بينهما لأن..

الحبيب الغريبي: سيد الشيخلي..

محمد الشيخلي: المنظمات والهيئات تعتمد على الأسس النبيلة، تفضل.

الحبيب الغريبي: الفكرة واضحة لم يبق وقت كثير سيد هيثم يعني بنيت آمال كثيرة بعد ثورات الربيع العربي في بعض هذه البلدان كان هناك اتجاه لإرساء ما يُسمّى بمنظومة العدالة الانتقالية ولكن لم يحصل شيء للأسف إلى حد الآن بعد سنوات، هل يمكن البناء فعلاً على مثل هذه المنظومة في المجتمعات العربية، باختصار؟

هيثم المالح: نعم، ممكن البناء عليها في حال واحدة إذا تمسّكت دول العالم باتفاقيات حقوق الإنسان المبرمة بين كل أطيافها في الدول العديدة، عندما لا يتحرّك العالم كله مثلاً لما يجري في سوريا من انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان ويسكت فهو يعتبر شريكاً في الجريمة، عندما يسكت العالم عن إمداد موسكو روسيا إلى النظام السوري بالسلاح وبوسائل التعذيب بلا حساب وكذلك إيران هذا يكون العالم الآخر كذلك مشاركاً في الجريمة في جرائم التعذيب التي تمارس في سوريا، بالتالي على الأمم المتحدة ومجلس ومنظمات المجتمع المدني أن تدفع باتجاه أن يُحاسب..

الحبيب الغريبي: أشكرك سيد هيثم..

هيثم المالح: لأي نظام ينتهك حقوق الإنسان ضمن الشُرعة الدولية.

الحبيب الغريبي: شُكراً جزيلاً لك سيد هيثم المالح رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني السوري، أشكر الدكتور محمد الشيخلي مدير المركز الوطني للعدالة في لندن شكراً جزيلاً لكما، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج "الواقع العربي" أرحّب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي Facebook وTwitter نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.